الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الاستنتاجات

وأخيراً يمكن تلخيص ما ذكر بشكل موجز المسائل التالية:

المسألة الأولى

مسألة: إن العولمة الغربية بهذا الشكل لا تكون بصالح البشر حقيقة، حيث لم يكن الإنسان بما هو إنسان المحور فيها، نعم العولمة الإسلامية هي التي تكون بصالحه تماماً حيث إنها تتميز بميزة تقديم حقوق الإنسان عليها وجعلها المؤشر الرئيسي لتوجيه مسار العولمة، فإنها وحدها التي تجمع بين النمو والازدهار، والعدل والأخلاق.

ولا يخفى أن اخطر ما يواجه البشرية في مجال العولمة هو تجريد العولمة من المعنويات، والنظر إليها بعين واحدة، على أنها عولمة اقتصادية لكسب الأرباح المادية فقط دون بعدها المعنوي والإنساني.

ففي بعض التقارير: أن ثروة ثلاثة أغنياء أمريكيين تعادل أو تزيد ثروات 48 دولة من دول العالم الفقيرة، وأن 255 ثرياً في العالم يمتلكون ألف مليار دولار، وأن 48 شخصاً أمريكياً تزيد ثروتهم على ثروة الصين التي يصل عدد سكانها إلى 1. 3 مليار نسمة، وأن أربعين مليار دولار فقط ـ أي ما يوازي 4% من ثروات الـ 225 شخصاً ـ كافية لكي تؤمن لكل سكان المعمورة الخدمات الاجتماعية الأساسية التي يحتاجون إليها، أي الغذاء والصحة والمياه والتعليم.

وعليه: فلا يمكن قبول فكرة هيمنة الأسواق بصورة مطلقة على عملية العولمة، ليكون الربح وحده هو أساسها في غياب من الاعتبارات الإنسانية وحقوق الإنسان وكرامته.

وكذلك لا يمكن أيضاً قبول فكرة استخدام علاقات القوة السياسية لفتح الأسواق العالمية قسراً وغزوها قهراً من دون مراعاة القوانين الإنسانية الإسلامية كقانون لا ضرر وما أشبه.

مثلاً: نرى المستعمرين من الغربيين يدعمون الزراعة في بلادهم وبشكل جامع وصورة تامة، ولكنهم لا يترددون في تحطيم زراعة الدول الأخرى وتدميرها بالكامل، وذلك من خلال ضغط السوق المفتوحة وغيره، مما يزيد من تبعية هذه الدول، ويؤثر بالتالي على حقوق هذه الشعوب، ويزيد في معاناتها من الفقر والحرمان، والجهل والأمية.

المسألة الثانية

مسألة: إن تجاهل آليات السوق أو القفز فوقها ليس بصحيح وغير ممكن، إذ تصور أن قوى السوق أو العلم والتقنيات هي التي ستوفّر لنا بطبيعتها التوازنات التي لا نستطيع نحن من تحقيقها، تصور غير صائب، وذلك لأن السوق والعلم والتقنيات وإن كان لها وبكل تأكيد قوة عظيمة وتأثيرات كبيرة لا يمكن إنكارها، إلا أن علينا أن نعرف أنها مجرد أدوات، وأنها فقط وسيلة وليست غاية وهدفاً في حد ذاتها، كما أصبح النظر إليها الآن كذلك، وذلك بعد أن فرضها أصحابها بقسر على المجتمعات البشرية، وتسببت في خلق مشاكل عاتية، وأزمات قاسية، لا يعرف أحد لها مخرجاً ولا منجى منها إلى هذا اليوم، وهي كثيرة نشير إلى بعض منها:

الهوة الطبقية التي تتجذر يوماً بعد يوم بين الأغنياء والفقراء على مستوى المجتمعات والدول.

الحروب الدامية من أجل التحكم في مصائر الشعوب، ومصادر الطاقة، ومياه الشرب الشحيحة.

فقدان ثقافة التعددية الداعية للتفاهم والتقارب، وتشجيع حس الأنانية المؤدية إلى التشتت والتفرق.

المنظمات الإرهابية وعصابات المافيا، والربط بين تجارة المخدرات، وظاهرة العنف والإرهاب وما إلى ذلك.

المسألة الثالثة

مسألة: إن العالم اليوم أصبح بحاجة ملحّة إلى مشروع عالمي تلتقي عنده شعوب الأرض وتجتمع عليه، مشروع يوحّد كل هذه الشعوب، ويسمح لها في نفس الوقت بالتمايز الذي يحفظ عبره الهوية وأصالة كل شعب لنفسه.

وينبغي لهذا المشروع أن يقوم على أساس المساواة ومن دون أي تبعيض، حتى يستطيع أن يبلغ هدفه الأساسي الذي هو تحقيق السلام والتقدم للبشرية كلها، وتوفير إدارة جيدة لشؤونها المشتركة جميعها.

هذا ويعتقد البعض أنه ليس هناك مبادئ أساسية يمكن أن يرتكز عليها هذا المشروع، أفضل من المبادئ التي ارتكز عليها قيام الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وذلك عندما كانت مخاطر الحرب قائمة في الأذهان وماثلة أمام العالم، ويقصد أولئك البعض بتلك المبادئ: ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويقول: بأنه ما أحوجنا اليوم للتمسك بتلك المبادئ الواردة في هذه المعاهدات والمواثيق، والإخلاص لها والإذعان بها من جديد حتى نستطيع من إنقاذ عالمنا.

ولكن غفل هذا البعض عن أن النظام الأفضل، الذي يمكن أن يتركز عليه هذا المشروع، والذي أخذ من نوره أيضاً ميثاق الأمم المتحدة هو: ما جاء به الإسلام العظيم، وبلّغ له الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام)، فإنه النظام الشامل والكامل، الذي يستطيع أن يلبي حاجيات الإنسان، ويحترم حقوقه المشروعة، وينشر العدل والقسط في العالم.

كما إن منظمة الأمم المتحدة وكذلك آلياتها وأدواتها، هي اليوم بحاجة إلى إصلاح جذري، ليستطيع من مواجهة العالم المتغير الجديد، فلم يعد شكلها الهرمي القديم، الذي قامت عليه الأمم المتحدة، والذي كان يعتمد على تركيز كل السلطات صاحبة القرار في مجلس الأمن، يصلح اليوم لعالم شديد التمسك بالمباشرة في اتخاذ القرار، أو على الأقل بالمشاركة، فقد أصبح من الضروري اليوم أن تتخذ القرارات قريباً من القاعدة، حتى تكون أقرب إلى الواقع، وأجدر بالتطبيق في الخارج، فإنه كم من قرارات اتخذتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وبقيت مجرد حبر على ورق! وكم عجز مجلس الأمن صاحب السلطة العليا عن اتخاذ مجرد قرار لمواجهة أكبر الكوارث وأعظم الحوادث؟.

مصير العولمتين: الشرقية والغربية

مسألة: إن المسلمين كما رفضوا العولمة الشرقية الشيوعية، وحاربوها حتى أسقطت، كذلك اليوم هم بالنسبة إلى العولمة الغربية الرأسمالية، فإن في نظرهم بل نظر كل أصحاب العقول السليمة والوجدان الحر، وجميع ذوي الضمائر الحية، أن العولمة الغربية الرأسمالية بهذا الشكل الموجود هي كالعولمة الشرقية الشيوعية في أنها لم تؤسّس على أسس عقلية ومنطقية، ولا على قواعد إنسانية وأخلاقية، وكلما كان شيء كذلك لم يكتب له البقاء والخلود، وإنما يسجّل لنفسه الزوال والسقوط، كما سجلت العولمة الشرقية الشيوعية لنفسها ذلك بعد أن فسدت وأفسدت كل شيء ثم زالت إلى غير رجعة.

وكذلك سوف يكون وعن قريب مصير العولمة الغربية الرأسمالية، حيث إنها لم تكن مبنيّة على اُسس إنسانية أخلاقية، ولا على قواعد منطقية عقلانية، وإنّما على اُسس مادية جافة، وقواعد اقتصادية بحتة، لاتعرف للمُثل قيمة، ولا للقيم قدراً، ولا تعير للإنسانية وزناً، ولا للأخلاق وقراً، ولذلك فسدت وأفسدت.

فإنّه كلما يكون السباق والتنافس بين الإنسان والإنسان من أجل الغلبة والسيطرة، ومن أجل الثروة ومصادر الطاقة، ومن أجل التسويق والأرباح، لا يكون هذا السباق سباقاً إنسانياً، ولا ذلك التنافس تنافساً عادلاً وبنّاءً، وكلما كان الشيء كذلك كان مهدداً بالفناء والزوال، لأنّه يحمل في جنباته وبين طياته عوامل الفناء والزوال، فتساهم هذه العوامل يوماً على أفول نجم أوروبا، وسقوط قوة أمريكا على السواء، مثل ما ساهمت تلك العوامل في القضاء على بنية الاتحاد السوفيتي، وسقوط المعسكر الشيوعي، واندراس آثارها ومعالمها.

والأمر الذي يبقى هو الإسلام، الذي يجمع بين النمو والازدهار، والعدل والأخلاق، وسعادة الدنيا والآخرة، ويدعو للسباق إلى الفضيلة والتقوى، والتنافس على كل ما يكسب الثواب والجنة من عمل الخير والإحسان، والسماحة والسخاء، والجود والكرم، ولذلك صرّح بعض المحققين من علماء الغرب الأوروبيين والأمريكيين في كتبهم: بأنه سوف لا يمر علينا سوى فترة غير طويلة حتى يحكم الإسلام العالم كله، وينشر عليه رحمته وعدله، وخيره وبركاته، وقد أخبر بذلك القرآن الحكيم من قبل وذلك حيث قال سبحانه: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون)) [1].

العولمة بين مفترق الطرق

مسألة: إننا في الواقع الخارجي اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن تكون العولمة المطروحة على الساحة العالمية هي الإنقاذ الحقيقي للبشرية وذلك بأن ‎نأخذ بعدها الإنساني والمعنوي فتكون بالفعل لصالح البشرية، وهذا لا يتحقق إلاّ في ظل العولمة الإسلامية الحكيمة، التي تجع بين العدل والأخلاق والنمو والازدهار.

وأما أن تتجرد العولمة من هذا البعد الإنساني والمعنوي، وتستمر هيمنة الأسواق وسياسة الربح وحدها وتبقى هي المحرك الوحيد للعولمة، فتصبح العولمة بذلك مرحلة جديدة من مراحل الهيمنة والاستعمار الجديد كما عليه العولمة الغربية اليوم.

وعليه: فإن التغيير ممكن لصالح البعد الإنساني عبر العولمة الإسلامية، مضافاً إلى أن العولمة ليست قدراً تتحكم فيه دولة واحدة، أو يستبد به عدد قليل من الدول، وإنما للجميع المشاركة فيه، والعمل على تهذيبه وتعديله، وهذا الإسلام الحكيم، وكتابه السماوي، ودستوره الخالد، وعولمته الحكيمة التي تضمن سعادة الدنيا والآخرة، خير عولمة تستطيع قيادة الشعوب إلى ساحل الأمن والأمان، وشاطئ السعادة والسلام، فإلى العمل جميعاً من أجل تطبيقها وتعميمها إن شاء الله تعالى.

[1] سورة التوبة: 33. سورة الصف: 9.