الفهرس

 

المؤلفات

 

الأقوال في التجرّي

لا يخفى أنَّ الأقوال في التجرّي كثيرة وقد أنهاها المحقق العراقي (قُدِّس سرُّه) إلى ستة أقوال، ولكن أهمها ثلاثة، ويظهر أدلة الأقوال الأخرى وضعفها من أدلة هذه الأقوال، ومن الإيراد على بعضها.

(الأول): إنَّه ليس بحرام شرعاً، لكنَّه يكشف عن سوء السريرة وخُبث الباطن فقط، الذي لا يترتب عليه سوى اللوم والمذمة، كسائر الأوصاف المذمومة، التي لا يترتب عليها شيء سوى الذم، ما لم تظهر في الخارج ـ كما أيدّه الشيخ (قُدِّس سرُّه) ـ.

(الثاني): إنَّه قبيح عقلاً وحرام شرعاً ـ كما اختاره صاحب الكفاية (قُدِّس سرُّه) ـ، مع بقاء العمل على ما هو عليه من الحسن والقبح.

(الثالث): إنَّه قبيح عقلاً وحرام شرعاً في بعض الموارد، فتكون الحرمة بالوجوه والاعتبارات، ـ كما هو مختار صاحب الفصول (قُدِّس سرُّه) ـ.

أدلة القول الأول

استدل لعدم الحرمة بأمور:

الأول:

إنَّه يكون كذلك لو كان من صغريات المعصية، وإلاّ فلا، ولا شك في أنَّ معرفة مصاديق المعصية بيد العرف، وهو لا يسمى عرفاً مرتكبهاً، ولا ينطبق عليه عنوان محرَّم آخر، فآكلّ المذكّاة، بتوهّم الميتة عرفاً لا يسمى آكلّ الميتة، ولا ينطبق عليه عنوان محرَّم آخر، وأمّا ما ذكر من العناوين فغيرُ كافٍ.

ونظير ذلك ما لو نوى الحرام، وتمنى وأظهر الشوق إليه، فليس بعاص ولا مرتكب حرام في الجملة، كما أنَّ من يرتكب مقدماته غير الموصلة كذلك، كيف وإنَّ الموصلة ليست بمحرمة، وما قلتم في الموردين يجري فيه أيضاً لأنَّها كلّها من وادٍ واحدٍ.

وقد يقرر بوجه آخر وهو أنّ الآيات والروايات التي دلّت على المحرمات مطلقاً، ظاهرها الحرمة الحقيقية لا المحرمات الخيالية.

وفيه: إنَّ العناوين المذكورة كافية لإثباتها فكونها معصية ليست بالذات بل لانطباق عنوان محرم وهو هتك حرمة المولى مثلاً، وهو موجب لحرمة الفعل وقبحه ـ كما سيجيء.

أمّا تنظيره بالموردين فمع الفارق، فإنَّ نية الحرام وتمنيه وإظهار الشوق إليه، ليس بمحرم إطلاقاً لعدم الدليل عليه، بل الدليل على عدمه.

نعم لو انطبق على التمنّي وإظهار الشوق عنوان الهتك ونحوه فكذلك.

كما أنَّ المقدمة ـ موصلة أو غيرها ـ عدم حرمتها إنَّما هو من حيث هي، لا من جهة عنوان آخر، نعم لو انطبق عليها عنوان الجرأة ونحوه، فإنَّه يكون مرتكب محرَّم، فتأمّل، كما أنَّ ما نحن فيه كذلك فإنَّ المتجري به ليس بمحرم ـ كما مرَّ ـ وإنَّما الكلام أن المرتكب تجرى على الحرام، وهذا العنوان هو الحرام أم لا؟

وأمّا التقرير الآخر ففيه أنّ هذا وحده غير كاف، إذ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه، إذ هي تدل على حرمة المصادف، ولا مفهوم إلاّ اللقب، وهو غير حجّة.

الثاني:

إنَّ الحرمة تستلزم التسلسل، ولزوم اشتمال كلّ حرام على محرمات لا تتناهى، وحيث بطل اللازم، للزومه حصر اللامتناهي بين محصورين لمعلومية أنَّ كلّ حرام متناه، بطلّ الملزوم وهو حرمته، حيث إنَّ لكلّ تجرٍّ تجرِّياً، إذ على فرض حرمة التجرّي، فإنَّه يكون من المحرمات وتجرِّي العبد على هذا التجرِّي حرام، وينقل الكلام إلى التجرِّي على التجرّي وهكذا إلى ما لا يتناهى.

وفيه: أولاً: إنَّه إشكال على إمكان التجرّي، إذ حتى على عدم حرمته فيشكلّ على إمكان التجرّي بأنَّه يستلزم التسلسل إذ كلُّ تجرٍّ ـ وإن لم يكن حراماً ـ فيه تجرِّ، والتجرّي الثاني فيه تجر وهكذا إلى ما لا نهاية، وحيث بطُل التسلسل في وجوده بوقوعه خارجاً ـ فإنَّها أدلّ دليل ـ بطُل ذلك في حرمته أيضاً.

وثانياً: بأنَّه لا تجرّي على التجرّي، للغفلة عنه أصلاً، أمّا التجرّي الأول فإنَّه يحصل التفات إليه ـ ولو إجمالاً ـ فإنَّ مرتكب الحرام أو ما يتوهمه كذلك، يعلم بأنَّه يخالف مولاه ولو إجمالاً، لكنّه غافل عن الثاني إطلاقاً، فينتفي موضوعه كما لا يخفى.

وثالثاً: إنّ الملاك فقط في الأول لا غير فإنَّه لا مانع في تحريم الشّارع التجرّي إلى سائر المعاصي إلاّ التجرّي إليه؟ كما قال الوالد (دام ظلُّه) ما المانع من تحريم الشّارع ما فيه المفسدة، والمتجرّى إليه فقط، فلا ملاك في غير الأول.                

الثالث:

إنَّه كما يكون في مورد الخطأ ـ يكون أيضاً فيما لو أصاب، فلو قيل بالحرمة، فيلزم حينئذٍ اجتماع حرمتين وعقابين، فتكون كلّ معصية معصيتين، وهو خلاف ما يستفاد من الأدلة.

وأجاب صاحب الفصول (قُدِّس سرُّه)، في التنبيه الرابع من بحث مقدمة الواجب، بأنَّ التحقيق أنَّ التجرّي على المعصية أيضاً معصية، لكنَّه إنْ صادفها تداخلاً وعُدَّا معصية واحدة.

وأجاب الآخوند (قُدِّس سرُّه): بأنَّه ليس في المعصية الحقيقية إلاّ منشأ واحدٌ لاستحقاق العقوبة وهو هتك واحد.

وأشكلّ على الفصول بأنَّه بعد كونه هتكاً واحداً لا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهم، مع ضرورة أنّ المعصية الواحدة لا توجب إلاّ عقوبة واحدة، كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما كما لا يخفى.

ووجَّه المحقق الأصفهاني كلام الفصول بما يرجع إلى كلام الكفاية: بدعوى أنَّه لم يظهر منه (رحمه الله)، سببية كلّ من التجرّي والمعصية الواقعية للعقاب، ليورد عليه: بأنّ المراد من التداخل إنْ كان وحدة العقاب فهو هتك مناف لسببيّة كلٍّ منهما وإلاّ فلا معنى للتداخل، بل لم لا يكون مراده أنّ المصحح للعقاب هتك حرمة المولى سواء تحقق بالمعصية الواقعية أم لا فليس في مورد المصادفة إلاّ سبب واحد، ومراده من التداخل هو التداخل بحسب الأثر كما هو ظاهر كلامه، وظاهر قوله عُدّا معصية واحدة بحسب الأثر، فإنَّ شرب الخمر الذي علم به مبغوض للمولى وهتك الحرمة أيضاً مبغوض، لكنّ هذين المبغوضين في حكم مبغوض واحد من حيث السببية والتأثير في الاستحقاق فتأمّل.

وأمّا المحقق العراقي (قُدِّس سرُّه) فقد أشكلّ على كونه معصيتين متداخلتين، بأنَّه بظاهره مشكلّ، بأنّ التجرّي وإنْ كان يصدق على ترك مقدمة من مقدمات الواجب كما هو محل كلامه ويلزمه تحققه مع العصيان أيضاً إذ ليس من مقومات التجرّي عدم مصادفته مع العصيان كما أفاده بعض الأعاظم (قُدِّس سرُّهم) وإنَّما قوامه بعدم صدق العصيان عليه، ولكنّه بعد أنْ يباين العصيان وجوداً ومورداً بلحاظ أنّ مورده هي المقدمة التي هي نفس العصيان، يستحيل تداخله معه، وحينئذٍ لو قيل باستحقاق العقوبة على خصوص هذا العنوان المقابل للعصيان يلزمه لا محالة تعدّد العقوبة ولا مجال للتداخل.

أقول: وَيردُ على الأول ـ وهو كلام صاحب الفصول (قُدِّس سرُّه) ـ:

بأنَّه لا وجه للتداخل أصلاً، فإنَّه مستحيل عقلاً، إذ لا يعقل أنْ ينقلب الوجودان وجوداً واحداً، وإلاّ لزم الخلف، إذ لازم انقلابهما واحداً إلاّ يكونا اثنين.

ولا يخفى أنّ المُتصوّر في هذا ثلاثة فروض: الأول: انعدام الوجودين، وهذا وجه آخر غير التداخل فلم يتداخلا، والثاني: انضمام أحدهما إلى الآخر، وهذا لا يفيد الاتحاد، نعم قد يعتبران شيئاً واحداً ـ بمعنى الانتزاع ـ كلّبنات البيت، والثالث الاندكاك.

كما أنّ العكس كذلك.

هذا حسب الواقع، نعم قد تكون هناك مسامحات عرفية لكن لا يُعبأ بها في ذلك.

إنْ قلت: الإجماع والأخبار تدلّ على التداخل في الوضوء، والغسل ـ في الجملةـ.

قلتُ: إمّا في الوضوء فلا تداخل فيه أصلاً، لأنَّ نواقضه وموجباته توجب الحدث، وهو موجب الوضوء وهو شيء واحد غير متعدد، فالموجب ـ بالفتح ـ من جميع النواقض واحد هو الحدث ولا تعدّد فيه، وإذا صدر أحدهما من المتطهر فتوجد هذه الحالة، فلا توجد مرة أخرى، فلو صدرت ثانياً أو صدر غيرها، فلا تكون سبباً لكونه تحصيلاً للحاصل، ولو صدر أكثر من واحدة دفعة، فيكون الجميع علة، أي كلّ واحد جزء علة.

أمّا الغسل فإنَّ التداخل حاصل لكنّه حكمي لا واقعي، كما لا يخفى على من راجع كلماتهم، بل قد يقال إنَّه كالوضوء في كونه سبباً واحداً.

هذا كلّه إنْ كان مراد صاحب الفصول (قُدِّس سرُّه) التداخل الواقعي.

وامّا إنْ كان مراده التداخل الحكمي ـ كما هو الظاهرـ فيَرِدُ عليه: إنّ الأصل تعدد المسبّبات بتعدد الأسباب، ولا دليل على خلافه كي يتنازل عن الأصل، وإلى هذا يرجع ما في الكفاية من أنَّه لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما ـ كما ذكرناه ـ.

وَيردُ على كلام الآخوند (قُدِّس سرُّه):

إنّ ذلك لازمه أنْ يكون كلُّ شيءٍ محظور معصيةً واحدة، حتى لو انطبقت عليه عناوين مختلفة، فهل يُلتزم بأنّ من قتل إنساناً ظلماً إعانة للظالم، إنَّه معصية واحدة؟ وليس هذا هتكاً واحداً بل هو هتكان، ومثله كمثل الذي ارتكب معاصي عديدة دفعة واحدة.

مضافاً إلى انَّه لا دليل على كون منشأ استحقاق العقاب هو الهتك وأنَّه واحد، بل يمكن أن يكون المنشأ أمور أخرى أو هو وهي، ويمكن أن يكون الهتك متعدداً ألاّ ترى أن من أهان مولاه في مكان له حرمة، فإنَّه ارتكب هتكين هتك المولى وهتك الحرمة، ويمكن أن يستدل لذلك بنظيره في العقوبة الدنيوية بزيادة الحد في من زنى في الأشهر الحُرُم ونحو ذلك، فتأمّل.

وَيردُ على الثالث ـ وهو التوجيه ـ: إنَّه خلاف ظاهر كلام الفصول، فإنَّ الظاهر يأبى عن ذلك، وإن كان من المتحمل أن يكون مراده ذلك، لكن بيان المراد لا يدفع الإيراد، ولعلَّ أمره بالتأمل إشارة إلى ذلك، كما أنَّ العراقي (قُدِّس سرُّه) احتمل رجوع كلامه إلى ما ذكره في الكفاية.

وَيردُ على الرابع ـ وهو كلام العراقي (قُدِّس سرُّه) ـ:

إنَّه على فرض حرمة التجرّي فهو عصيان، فلا وجه للقول بأنّ قوامه عدم صدق العصيان عليه.

اللَّهم إلاّ أن يكون مراده عدم صدق العصيان المتوهم، لا عدم صدقه من حيث حرمته.

وامّا ما ذكره من انَّه ليس من مقوماته عدم مصادفته مع العصيان، فإنَّ كان مراده أنَّه ليس من مقوماته لغة فلا إشكال، وإنْ كان المراد أنَّه ليس كذلك اصطلاحاً فلا يساعد عليه مراجعة كلماتهم، حتى أنَّه (قُدِّس سرُّه) ذكر في عنوان المسألة: (إنَّما الكلام في كونه قاطعاً للعذر مطلقاً حتى في فرض عدم المصادفة بمحض كونه تجرّياً على المولى... الخ).

لكنّه أيدّ وحدة العقاب بأنّ مدار العقوبة على عنوان الطغيان على المولى الجامع بين التجرّي والعصيان لا على خصوص عنوانَّهما، لا بأس بالالتزام بوحدة العقوبة في الفرض المزبور بلحاظ كونه حينئذٍ طغياناً واحداً مستتبعاً لعقوبة واحدة، لكنَّ ذلك غير مرتبط بالتداخل كما هو واضح.

وهذا الكلام نفس ما في الكفاية، وَيردُ عليه ما ورد عليه.

ويمكن أن يقال: إنَّ استبعاد تعدد العقاب، استبعاد الغير البعيد، ولم يدل دليل على ذلك، بل الدليل على عدمه، إذ الدليل على تعدّد المسببات بتعدّد الأسباب، والتداخل الحكمي لا دليل عليه، وحيث تعدّد العنوان فتتعدد العقوبة، فتأمّل.

نعم لو استبعد ذلك، فالأولى في الجواب ما ذكره الوالد (دام ظلُّه): من إمكان الاندكاك، كما قال به بعضٌ في تعاون الإنسان مع نفسه في شرب الخمر، فلشربها معصية واحدة مندكّة شديدة، بينما في التعاون مع الغير واحدة خفيفة، ومن ذلك ظهر الجواب عن الكفاية: (بأنَّه مع تعدّد الحرمة لا تداخل في العقاب، ومع وحدتها لا عقاب للتجرّي) إذ هناك شق ثالث، وذلك للجمع بين دليلي وحدة العقاب، ودليل حرمة التجرّي. انتهى.

إنْ قلت: إنَّه تحصيل للحاصل، إذ الأول واجد للتحقيق، فلا يعقل أنْ يفيض له الثاني ذلك.

قلت: إنَّه لا يرد ذلك على مبنى التشكيك في الوجود إذ الوجود حينئذٍ حقيقة ذات تشكك، وتشتمل على مراتب مختلفة، كمرتبة الغنى والفقر، والشدة والضعف، والأزيدية والأنقصية ـ في الكمّ المتصل ـ، والأكثرية والأقلية في الكمّ المنفصل والأولوية وخلافها في العلّة والمعلول، والشدة والضعف، فهذه أمور ستة يحصل فيها التفاوت في الوجودات المختلفة، وعليه فلا مانع من الاندكاك حينئذٍ فمرتبة الوجود الأول مثلاً تقوى باندكاك الوجود الثاني.

مضافاً إلى انَّه لو أنكرنا التشكيك فيه كما قالت المشّائية بأنَّه حقائق تباينت، فيمكن القول بأنّ هناك ليس وجود حاصل للعقاب حتى يشتد، بل المولى له عقلاً أنْ يضاعف العقاب، فعلى رأي المتشائين يمكن أن يقال بشدة العقاب، أي أنّ العقل يرى أنّ المولى لو ضرب العبد بشدة، أو أضاف العقاب لم يكن ملوماً، وكان العبد به جديراً، فتأمّل.

أمّا ما ذكره هذا البعض من أنّ تعاون الإنسان مع نفسه على الحرام مندكٌّ في الحرام، فإنَّه وإن كان لا مانع من ذلك عقلاً ـ كما ذكرنا ـ، لكنّه لم يدلْ دليل على حرمة تعاون الإنسان مع نفسه على الحرام، إذ أدلة الحرمة كقوله تعالى ((وَلا تَعاوَنُوا)) ونحوها ظاهرة في التعاون مع الغير أو منصرفة إليه، اللَّهم إلاّ أنْ يقال إنَّه بدوي أو أنَّه لغلبة الوجود لا لانصراف اللفظ ومثله ليس بحجّه، فتأمّل.

الرابع:

إنَّ الحرمة فيه يستلزم وجودها عدمها، وكلّ ما استلزم وجوده عدمه فهو محال، وذلك لأنَّ الموضوع لها هو القاطع الجاهل جهلاً مركباً أي القاطع بالخلاف، ومجرد أنْ قال المولى: أيها القاطع بالخلاف، فيزول القطع به، وبزوال الموضوع يزول الحكم.

وفيه:

أولاً: إنّ الموضوع ليس القاطع بالخلاف بل قد يكون القاطع بالحكم، أو الموضوع، فيقال أيها القاطع بالحرمة جرتك على مولاك، محرمة أو أيها القاطع بخمرية هذا المائع، أو يقال لا تجترئ على مولاك ونحو ذلك.

وثانياً: إنَّه قد لا يزول القطع بالخلاف، لقطعه بخطأ المولى ـ في الموالي العرفية ـ وفي غير القطع باحتماله خطأ المولى، فلا يلزم حينئذٍ من وجوده عدمه.

اللَّهم إلاّ أنْ يقال: في القطع أنَّه لا يشمله الحكم، لأنَّه يقطع بعدم شمول الموضوع له إذا هو قاطع بالخلاف، أمّا من يحتمل خطأ المولى وظنَّ بالخلاف فكذلك فإنَّه يقطع بأنَّه ليس ظاناً بالخلاف حتى يشمله موضوع الحكم هو أيها الظانُّ بالخلاف، بل هو ظانٌ بالوفاق.

وثالثاً: ما ذكره الوالد (دام ظلُّه) من أنَّه يَردُ عليه ما ذكروه في مسألة ناسي الجزء، حيث يتمكن المولى أنْ يقال: أيها الناسي لشيء ما، إذ يأتي بعنوان ملازم، أو يكون النسيان بحيث يقول المولى: أيُّها الناسي للسورة، لكنه ينسى بمجرد ذكر المولى له، وهنا: أيها القاطع لشيء ما.

أدلة القول الثاني

واستدل للقبح والحرمة بأمور:

الأول:

إنَّه هتكٌ لحرمة المولى وخروج عن رسوم عبوديته وكون العبد بصدد الطغيان.

وبعبارة أخرى ـ كما في كتاب الأصول ـ إنَّ الفعل المتجرى به، انطبق عليه عنوان ذو مفسدة، وكلّما كان كذلك كان حراماً، فيما لم يكن معارضاً بأهم أو مماثل ـ كما إذا كان واجباً قطع بأنَّه حرام ـ وهكذا الحال فيما إذا انطبق عنوان ذو مصلحة على شيء، فإنَّه يكون واجباً، ولذا حرم ما يهتك المولى وإنْ كان في نفسه مباحاً، ووجب ما ينقذ المسلم وإنْ كان كذلك، أمّا الواجب المقطوع بحرمته وبالعكس، فيلاحظ الأهم المانع عن النقيض منها، وإلاّ يخير.

وقد أشكلّ عليه بأمور:

منها:

ما قاله الحائري (قُدِّس سرُّه) في الدُرر من: أن اتحاد الفعل المتجري به مع تلك العناوين ليس دائمياً ـ وإنْ كان هتك حرمة المولى والاستخفاف بأمره تعالى شانَّه وأمثال ذلك ممّا لا شبهة في قبحه ـ، بل في بعض الأحيان لا يتحد معها، لأنا نفرض الكلام فيمن أقدم على مقطوع الحرمة، لا مستخفاً بأمر المولى، ولا جاحداً لمولويته، بل غلبت عليه شقوته، كإقدام فُسّاق المسلمين على المعصية، ولا إشكال في أنّ نفس الفعل المتجري به مع عدم اتحاده مع تلك العناوين لا قبح فيه أصلاً.

ومنها:

إنَّ كونه هتكاً للمولى أول الكلام، إذ هو تخيل هتك المولى، وأنَّى لهم بإثبات كون تخيل الهتك هتكاً؟، نعم هو بمثابة من لا مانع له من هتك المولى، وإنَّ الخروج عن رسم العبودية ليس بحرام، إنَّما الحرام الخروج عن نفس العبودية ولا رسمها، كما أنَّ العصيان هو المحرم، ولم يدل دليل على حرمة الكون بصدد العصيان، بل هو أول الكلام.

ومنها:

المنع عن كون العلم غير المصادف علماً وإنَّه حقيقة جهل مركب أطلق عليه العلم، لمكان أنَّه في نظر القاطع كاشف عن الواقع، ولا من جهة كونه كاشفاً حقيقة، فلا يمكن حينئذٍ أنْ يقال: بأنَّ العلم بما هو مأخوذ على نحو الطريقية والكاشفية، يكون تمام الموضوع في إحداث عنوان الطغيان على إقدامه.

وَيردُ على الأول:

أولاً: إن الكلام ليس في قبح الفعل المتجرّى به واتحاد عناوين الهتك والطغيان... الخ، عليه، بل أنّ بعض المستدلين ـ كالآخوند (قُدِّس سرُّه) ـ قالوا بالحرمة في التجرّي، مع بقاء المتجرّى عليه على ما هو عليه من الحسن أو القبح.

وثانياً: إنَّ الاستخفاف بأمر المولى وجحد مولويته، ليس مأخوذاً في التجرّي، بل يصدق حتى مع قصد عدمهما، نعم غلبة الشقوة سبب له، كما أنَّه قد تكون هناك أسبابٌ أخرى، فإنَّ ضرب المولى مثلاً جرأة عليه ولو لم يقصد الاستخفاف وجحد المولوية، وكذا فيما أخطأ.

وثالثاً: إنَّه لو قيل بذلك لزم عدم العقاب في المعصية الواقعية، إذا كان الارتكاب لغلبة الشقوة لا لجحد المولوية أو الاستخفاف به، بناءً على أنْ وجه العقاب هو هتك المولى، كما قال الآخوند (قُدِّس سرُّه): أن العقاب في المعصية لهتك المولى وهو واحد.

وقد يشكلّ أيضاً بأنّ الفعل المتجرى به قد يكون قبيحاً مع عدم اتحاده مع تلك العناوين بل لأجل انَّه كان قبيحاً، وإنَّما أخطأ المرتكب بتصوّره قبيحاً آخر.

لكنّ هذا لا يَردُ عليه إذ مراده غير ذلك بل مراده عدم القبح من جهتها، وإن كان بيان المراد لا يدفع الإيراد.

والحاصل: إن الظاهر أنّ عنوان الهتك ونحوه منطبق على التجرّي مطلقاً، من أي سبب كان.

وأمّا الإشكال الثاني:

وهو أنّ كان على الظاهر وارداً على الخروج عن رسم العبودية والكون بصدد الطغيان ـ على تأمل ـ، لكنه غير وارد على هتك حرمة المولى، إذ هو عرفاً هتك له، نعم هو تخيل هتك آخر.

وبعبارة أخرى: إنَّ متخيَّل ـ بالفتح ـ الهتك لم يقع وهو ليس بهتك واقعي، إذ كما مرَّ العلم طريقي لا يغيُّر الشيء عن واقعه، لكن هنا وقع هتك آخر كما يشهد له العرف، ويشهد له أيضاً صحة العقوبة، فإنَّ من قتل مهدور الدم بتوهّم إنَّه المولى، فيصح للمولى عقوبته، بل قد يلام المولى إن لم يعاقبه.

إن قلت: لعلها لأجل ردعه عن العود لمثلها لعلها تكون مصيبة للواقع، فلعله لم يرتكب محرماً لكن حيث لم يكن له رادع عن ذلك الارتكاب، فيمكن أن يعود لمثله فيصيب، فتكون المؤاخذة حينئذٍ للدفع.

قلت: أولاً: إنّ ذلك لا يصحح العقوبة، وإلاّ لجاز عقوبة كلّ من يحمل في قرارة نفسه صفات نفسية قبيحة مع احتمال بروزها، ويدلُّ على ذلك من الشرع روايات تدلُّ على عدم جواز العقاب على محرم لم يرتكب وإن كان محتمل الارتكاب.

وثانياً: ليفرض الأمر فيما قطع بعدم تمكّن العبد من العود لمثله، فإنَّا نجد أنَّه لا مانع من العقوبة حينئذٍ. فتأمّل.

لا يقال: إنَّه بناءً على تغاير الهتكين، ففي المعصية الواقعية يكون هتكان، هتك مقصود وهتك للجرأة.

لأنَّه يُقال: أيُ مانع من ذلك كما ملا في تعدد العقاب، مضافاً إلى احتمال الاندكاك فيكونان واحداً، أو ما قاله الآخوند (قدس سرُّه) من كونه هتكاً واحداً شديداً، مع قطع النظر عمّا ذكرنا من التأمل فيه.

وأما الإشكال الثالث

فقد أجاب عنه العراقي (قدّس سرُّه): بكفاية مثل هذا الجهل أيضاً كالعلم المصادف في إحداث عنوان الطغيان على العمل المتجرى به، وفي اشمئزاز العقل منه بعين اشمئزازه منه في العلم المصادف كإحداثه لعنوان التسليم على إقدامه في طرف الانقياد.

كما هو الشأن أيضاً في مقام الانبعاث حيث كان مثل هذا الجهل محدثاً لإرادة العالم بالبعث والمصلحة بعين محدثية العلم المصادف كما هو الظاهر.

نعم بينها فرق من حيث إصابة المصلحة، لكنَّ ذلك أجنبي عن المقام الذي هو من وجدانيات العقل، وإن تمام المنشأ للتوهم المزبور إنما هو تخيل أنّ الأحكام العقلية الوجدانية كغيرها، ممّا تكون مصلحتها واقعية قابلة لتخلف الطريق عنها كما في مدركاته التي هي مركز بحث الملازمة، مع أنَّها ليس كذلك.

وبعد ذلك كلّه اتضح أنّ التجري هو هتك لحرمة المولى وذلك محرم، فيكون حراماً، وهذا هو الدليل الذي يلزم أن يتمسك به، وأما سائر الأدلة فهي محل تأمل كما سيتضح ذلك إنْ شاء الله تعالى.

الدليل الثاني

ما في الرسائل من: دعوى جماعة الإجماع على أن من ظنّ ضيق الوقت إذا أخرَّ الصلاة عصى وإنْ انكشف بقاء الوقت، ولا يستشكلّ بأنَّ الكلام في القطع وكلامهم في الظن، لأنَّ البحث أعمّ كما عرفت، مضافاً إلى أن التعبير بظنِّ ضيق الوقت لبيان أدنى مردّي الرجحان فيشمل القطع بالضيق، ولا خلاف ظاهراً في أنّ سلوك الطريق المظنون الخطر أو مقطوعه معصية، يجب إتمام الصلاة فيه ولو بعد انكشاف عدم الضرر فيه، إذ لا معنى للحكم بالإتمام ولو بعد الانكشاف للخلاف، إلاّ على القول باستحقاق العقوبة إنَّما هو بسبب الاعتقاد المخالف للواقع.

وَيردُ عليه: أولاً: عدم وجود الاجتماع في ظانّ ضيق الوقت، كما حكي التوقف عن النهاية والبهائي (قُدِّس سرُّه)، بل عن التذكرة لو ظنَّ ضيق الوقت عصى لو أخرّ إنْ استمر الظن، وإنْ انكشف خلافه فالوجه عدم العصيان، كما أنَّه عن المفاتيح استقراب العدم.

وثانياً: إن في المثالين القطع موضوعي وهو كما مرَّ لا واقع له سوى الذهن، فلا يعقل انكشاف الخلاف فيه، والكلام إنَّما هو في الطريقي منه، ولا يمكن أنْ يقال بأنَّه كذلك، إذ لا موجب لاتباع هذا الظن إذ الأصل عدم حجيّة الظن مطلقاً.

وأمّا سلوك الطريق المظنون الخطر، فإنَّه موضوعي أيضاً، وقد يقال بأنَّ العقل يحكم بقبح الإقدام على ما لا يؤمن معه من الوقوع في الضرر، وملاكه في مورد العلم والظن والاحتمال الذي يكون للمحتمل فيه خطراً، واحد، فإنَّ الارتكاب قبيح ولو لم يصادف خطراً.

ويمكن أنْ يفرق بين الأخروي من الضرر والدنيوي منه بذلك.

أمّا القول بأنَّ الحكم الواقعي وإن كان مترتباً على الضرر الواقعي، إلاّ أنّ الحكم الظاهري مترتب على الظنِّ به مطلقاً فيكون جزءاً من موضوعه، فإنَّما هو على مبنى وجود الحكم الظاهري، وأمّا على التنجيز والتعذير فلا، بل كما ذكرنا.

ويتضح من ذلك عدم التلازم بين الإجماع في هاتين المسألتين وبين حرمته، لأنَّ الوجه غير منحصر فيه.

وثالثاً: إنَّه ولو المحصل منه لا حجيّة له في المسائل العقلية.

وقد يشكلّ ذلك بإمكان تحرير المسألة فقهياً ببيان انَّه لا يمكن أن يكون عنوان التجرّي معروض الحرمة إذ لا يمكن الالتفات إلى هذا العنوان كما لا يمكن أن يكون الفعل المتجرّى به معروض الحرمة إذ العلم لا يحدث عنواناً يكون ملاكاً للحرمة، فيقع الكلام فيما هو معروض الحرمة، ولابد أنْ يكون ذلك العنوان الذي يعرض عليه الحرمة يعمّ كلا قسمي التجرّي وهما: ما إذا فعل متوهم الحرمة، وما إذا أتى ببعض المقدمات ثم عدل عن قصده بنفسه أو بصارف ـ بناءً على كونه من التجرّي ـ، فمعروض الحرمة لابد أن يكون جامعاً بين هذين القسمين، ولا يكون هو قصد المعصية، لدلالة الأخبار على عدم المؤاخذة عليه، ويمكن أن يكون هو القصد مع الجري على طبقه ـ كما قد ارتضى ذلك النائيني (قُدِّس سرُّه) ـ.

لكن يمكن أنْ يقال: إنَّ عنوان التجرّي ملتفتٌ إليه ولو إجمالاً، مع أنَّه العلم الحضوري به وقد مرَّ تفصيل ذلك.

مضافاً أن الإتيان ببعض المقدمات ثم العدول عن المعصية بنفسه ليس من التجرّي على الأظهر، أمّا لو كان بصارف قسري، فلا يبعد كونه منه، وقد يقال بدلالة العرف عليه فتأمّل.

أمّا أنْ معروض الحرمة هو القصد مع الجري على طبقة، فقد يبدوا للنظر كونه كذلك كما سيجيء تفصليه إنْ شاء الله تعالى، لكن قد يدعى أنّ الحرمة للجامع بين المعصية وبينه كعنوان الهتك، وهذا المقدار كافٍ لإثبات الحرمة فيه، وقد مرّ أنَّه في المعصية يكون هتكان، أو واحد شديد أو واحد مندكٌ فراجع.

الدليل الثالث

ما قرره السبزواري (قُدِّس سرُّه) وغيره من أنَّه لو لم يكن له عقوبة لزم الإناطة بما هو خارج عن الاختيار، وحيث بطل التالي بطل المقدم، وقرره الشيخ (قُدِّس سرُّه): بأننا إذا فرضنا شخصين قاطعين، بأنْ قطع أحدهما بكون مائع خمراً، وقطع الآخر بكون مائع آخر خمراً فشرباهما، فاتفق مصادفة أحدهما للواقع، ومخالفة الآخر، فإمّا أنْ يستحقا العقاب، أو يستحقه أحدهما، أو لا يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الآخر، أو العكس، لا سبيل إلى الثاني والرابع، والثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار وهو مناف لما يقتضيه العدل، فتعيّن الأول.

وَيردُ عليه أولاً: إن لازم ذلك تساويهما في العقاب ـ الدنيوي منه والأخروي ـ والذم مطلقاً، إذ لو قيل بالتفاوت فيقال بأنَّه كيف فرّق بينهما بما لا يرجع إلى الاختيار، مع أنّ الضرورة قاضية بعدم حدّ غير المصادف وحدّ المصادف مثلاً، كما أنَّ ذمَّهما مختلف شدة وضعفاً، كما أنّ العقاب الأخروي كذلك.

وثانياً: إنَّه في صورة المصادفة لا قبح في عقابه قطعاً، حيث ارتكب المنهي عنه بلا عذر عامداً عالماً إلى آخر شرائط التكلّيف، وليس هو على المصادفة، كي يقال بأنَّها غير اختيارية، أمّا في غيرها فعدمه لا يستلزم قبحاً، إذ هو إنَّما يكون في العقوبة بأمر غير اختياري، لا في عدمها به.

وبعبارة أخرى أنَّ المصادف يعاقب لإتيانَّه بما هو مبغوض للمولى مع اجتماع شرائط التكلّيف، أمّا غير المصادف لا يعاقب ـ من جهة الفعل المتجرّى به ـ لأنَّه لم يأت بما هو مبغوض للمولى، نعم عدمه إنَّما كان لعدم المصادفة، ولا مانع من عدم العقاب بما هو خارج عن الاختيار.

ولو قطع النظر عن ذلك، فيمكن أنْ يقال: إنَّه لا مانع من العقاب على أمر بعض مقدماته غير اختيارية، فإنَّ بعض المقدمات غير اختيارية، كالقدرة مثلاً، فلا مانع من العقوبة على ما نحن فيه من المصادفة.

لكن قد يفرق بأنَّ تلك من المقدمات البعيدة والمصادفة من القريبة، والمناط في العقاب اختيارية القريبة منها لا غيرها.

وإلى هذا الجواب ـ الثاني ـ يرجع ما أفاده الشيخ (قدس سرُّه) من الالتزام باستحقاق المصادف للعقاب، لأنَّه عصى اختياراً دون من لم يصادف، وأمّا قولك، بأنَّ التفاوت بالاستحقاق والعدم لا يحسن أنْ يناط بما هو خارج عن الاختيار، ممنوع، فإنَّ العقاب لما لا يرجع في الآخر على الاختيار قبيح، إلاّ أنّ عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم، كما تشهد به الأخبار الواردة في أنّ من سنَّ سُّنة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، ومن سنَّ سُّنة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها، فإذا فرضنا أنَّ شخصين سّنا سُّنة حسنة أو سيئة، واتفق كثرة العامل بإحداهما وقلة العامل بما سنّه الآخر، فإنَّ مقتضى الروايات كون ثواب الأول وعقابه أعظم.

لكن قد يتأمل في المثال، فإنَّه لا كلام في أجر من سنَّ سُّنة حسنة، لكن من سنَّ السيئة فإنَّ عقابه يكون لأمر غير اختياري هو كثرة العامل.

فيعود المحذور فيه، نعم ما مثل له ـ وهو ما نحن فيه ـ كان عدم العقاب لأجل أمر غير اختياري.

فلا بد من دفع الإشكال بأن ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، وبهذا يندفع هذا التأمل، لأنَّ الشيخ (قُدِّس سرُّه) ذكر (العقاب بما لا يرجع بالآخرة إلى الاختيار قبيح) ومفهومه أنَّه بما يرجع إليه ليس كذلك، وكثرة العامل بالسّنة السيئة، وإنْ كان غير اختياري، لكنَّه راجع إلى الاختيار.

الدليل الرابع

دعوى القبح الفاعلي بأنْ يكون صدور هذا الفعل عن هذا الفاعل قبيحاً وإنْ لم يكن الفعل قبيحاً، ولا ملازمة بين القبح الفعلي وبين القبح الفاعلي، حيث إنَّه يمكن أن يكون الفعل قبيحاً، ولكنَّ صدوره عن الفاعل حسنٌ، كما في الانقياد، وعكسه يكون في التجرّي.

لكنَّ الكلام حول أنَّه هل يمكن أنْ يكون هذا الأمر ملاكاً للأمر المولوي أم لا؟

المصحّح لذلك أحد أمرين:

دعوى أنّ الخطابات الأولية تعمُّ ذلك أيضاً، كما أنَّها تعمُّ الفعلي منه.

دعوى أن للقبح الفاعلي خطاباً خاصاً غير خطابات الموضوعات الواقعية.

وهذا حاصل الدليل كما قرّره المحقق النائيني (قُدِّس سرُّه)، وقبل النظر في إشكاله على الأمرين لابد من النظر فيما يقتضيه الدليل، فنقول:

إنّ الانقياد ليس على الفعل مجرداً، وإنَّما هو على القصد، كما أنّ التجرّي كذلك، فلو صدر الفعل لا عن قصد كالسهو والخطأ ونحوه لا يكون كذلك، ولذا ذكر في الدليل: إنّ صدور هذا الفعل عن هذا الفاعل قبيح... الخ.

وهل الحسن في الانقياد هو في صدور الفعل عن الفاعل؟ فلو ذهب للفعل لكن مانع منعه فهل يقال إنَّه ليس منقاداً؟ الظاهر أنَّ الانقياد أعمّ من ذلك، ولذا يثاب على ذلك.

ويمكن أنْ يقال إنَّ القبح الفاعلي قسمان:

الأول: ما يتولد من القبح الفعلي، وهذا بعد العلم بالفعلي منه، لكن هذا لا يستنتج العقاب بالفاعلي منه، وإلاّ لزم عقابان، عقاب عليه، وعقاب على الفعلي، وقد مرَّ تفصيل ذلك، فإنْ جوّزناه فلا بأس بهما، وإلاّ فلا يوجد إلاّ على الفعل.

الثاني: ما يتولد من خبث الباطن فقط، والعقاب حينئذٍ لا وجه له، إلاّ انطباق عنوان الهتك، وهو قبح فعلي لا فاعلي.

وبذلك يتضح أنَّه لا مصحح للقبح الفاعلي.

وأمّا النائيني (قُدِّس سرُّه) فقد أجاب عن الأمرين المصححين له، بما حاصله:

أمّا الأمر الأول:

فالخطابات الأولية لا تعمّ القبح الفاعلي، إذ هو والقبح الفاعلي من الانقسامات اللاحقة له، إذ بعد تعلق الخطابات بموضوعاتها تتحقق رتبة الحسن الفاعلي وقبحه، فإنَّه يقع في رتبة امتثال تلك الخطابات وعصيانها، نعم يمكن ذلك بمتمِّم الجعل لكن لا برهان عليه، وأنَّى لهم لإثباته، بعدما كانت الخطابات مترتبة على الموضوعات الواقعية.

وأمّا الأمر الثاني:

وهو اختصاص القبح الفاعلي بخطاب يخصُّه غير الخطابات الأولية، فإنَّ توجيه الخطاب إلى ما يختصّ بالقبح الفاعلي لا يمكن، فإنَّ موضوع الخطاب الذي يمكن أنْ يختصّ بذلك إنَّما هو عنوان المتجرّي، أو العالم المخالف علمه للواقع، والخطاب كذلك لا يعقل، لأنَّ الالتفات إلى العنوان الذي تعلق به الخطاب لابدّ له، والمتجرّي لا يمكن أنْ يلتفت أنَّه كذلك، إذ بمجرد الالتفات يخرج عن كونه كذلك.

أقول: أمّا عدم شمول الخطابات الأولية له فمسلَّم، وأمّا الخطاب الآخر فإنَّه يمكن توجيه خطاب مختص، بما أشرنا إليه في جواب الدليل الرابع من أدلة النافين للحرمة، أو نقول بما عن العراقي (قُدِّس سرُّه): (بأنّ تمام المناط على الطغيان على المولى والتسليم له الجامعين بين العصيان والتجرّي، والانقياد والطاعة.

وحينئذٍ الغفلة عن فرد الجامع مع الالتفات بنفسه ولو بخيال فرد آخر، لا يضرُّ باستحقاق العقوبة وقبحه الفاعلي، ولو صادف الفرد الآخر.

فالتقبيح والعقوبة إنَّما يكونان على عنوان التمرد والطغيان وأبرز الجرأة على المولى الذي هو جامع بين التجرّي والعصيان، ولا على خصوص عنوان التجرّي أو العصيان، كي يقال إنَّ الأول من جهة الغفلة عنه غير اختياري، والثاني غير متحقق بالفرض.

ومن المعلوم بداهة كون هذا العنوان الجامع ممّا يلتفت إليه المتجري حين إقدامه عليه، فإنَّ القادم على ارتكاب مقطوع المبغوضيّة قام على هتك المولى، وعلى الطغيان عليه، غاية الأمر يتخيل تحقق هذا العنوان في ضمن العصيان لغفلته عن الفرد الآخر، ومن المعلوم أنّ مثل هذه الغفلة عن فرد الجامع مع الالتفات إلى نفسه غير ضائرة بالتقبيح واستحقاق العقوبة عليه).

الدليل الخامس

إنَّه مقابل للانقياد، وللانقياد ثواب ـ ولو انكشف خلافه ـ، فمقابله وهو التجرّي فيه عقاب، إذ المتقابلان فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، وقد اختار هذا الوجه العراقي (قُدِّس سرُّه) بأنَّه لا مجال لإنكار القبح والعقوبة رأساً كما أفاده الشيخ (قُدِّس سرُّه)، إذ هو ـ مع مخالفته لما عرفت من حكم الوجدان بقبح الطغيان على وليّ النعمة ـ مناف لما تسالموا عليه من حسن الانقياد وترتب المثوبة عليه.

والجواب أولاً: بأنهما ليسا متقابلين، إذ الانقياد أعم من مصادفة الواقع وعدمها والتجرّي ما لم يصادف.

وفيه: إنَّه أيضاً كذلك إلاّ أنَّه لما كان المصادف منه خارجاً عن النزاع، ومعلوماً استحقاق العقاب عليه، فلم يدخلوه في البحث.

وثانياً: بناءً على وجود العقوبة على غير الحرام كالمكروهات، لكن أقل بدرجات من عقوبة الحرام ـ كما قد يقال إنَّه يظهر من بعض الروايات، وأعظمها البعد عنه تعالى ـ فبناءً على ذلك نقول: إنّ التجرّي فيه عقوبة غير الحرام على نسق الثواب في الانقياد والمخالف للواقع، فتأمّل.

وثالثاً: إنَّ التقابل إنْ كان تقابل النقيضين، فإنْ حكم لأحدهما بأمر، فيعلم حكم الآخر قطعاً إذ يكون الحكم نقيضاً أيضاً، أمّا إن كان تقابل الضدّين، فإنَّ حكم لأحدهما بحكم، فلا يحكم للآخر بنقيضه بل بضدِّه فإنَّ كانا ضدين لا ثالث لهما فهو، وإلاّ فلا يعلم الحكم بمجرد ذلك، نعم يعلم كلّيه الجامع بين جميع الأضداد، أمّا تعيينه فلا تكفي هذه القاعدة فيه، بل يحتاج إلى دليل آخر، وما نحن فيه الانقياد ليس نقيضاً للتجري بل ضدّه ولهما ثالث، وحينئذٍ فلو حكم بالثواب للمنقاد فلا يلزمه العقاب للمتجرّي.

ورابعاً: إن الثواب فيه تفضلي، فلا مانع من إثبابة غير المستحق، أمّا عقابه فهو خلاف مقتضى العدل.

وأشكلّ عليه: بأنَّهم صرّحوا برجحان الاحتياط بالفعل المأتي بداعي المحبوبيّة لكونه انقياداً وإطاعة حكمية، حتى أنّ الشيخ بنى على إمكان تصحيح العبادة المحتملة بهذا المقدار من الحسن العقلي، وهذا ما ارتضاه العراقي (قُدِّس سرُّه).

وَيردُ عليه: إنَّه لا إشكال في حسن الانقياد لكنّ الكلام في أنَّه هل مانع عن النقيض بحيث يوجب استحقاق الثواب أم لا، ولا تلازم بين الحسن واستحقاق الثواب كما لا يخفى، حينئذٍ فمجرد رجحان الاحتياط بالفعل المأتي به بداعي المحبوبيّة، لا يكفي لتصحيح استحقاق الثواب وعدم كونه تفضلياً.

أمّا تصحيح العبادة المحتملة بهذا المقدار من الحسن العقلي، فليس لأجل أنَّ المنقاد مستحقٌ للثواب، وإنَّما لاشتراط الحسن في العبادة، بمعنى أنَّه يشترط أنْ تكون العبادة راجحة، ولذا التزموا بأنَّ النهي فيها مستلزم لبطلانها لزوال الرجحان والحسن حينئذٍ.

إنْ قلت: إنَّ الثواب في الواجبات لا يخلو عن أحد أمرين: الانقياد، أو مطابقة الواقع.

أمّا الأول: فالمفروض عدم استحقاق الثواب به.

وأمّا الثاني: فلازمه الإثابة حتى لو لم يكن مقصوداً، ولا يمكن الالتزام بذلك، وإلاّ فيلزم إثابة من قتل عدو المولى خطأً أو في النوم أو نحو ذلك.

قلت: هناك شق ثالث هو: إنَّ استحقاق الثواب إنَّما هو على الانقياد المطابق للواقع.

أمّا إشكال عدم اختيارية المطابقة للواقع، فقد مرت الإجابة عنه، هذا.

مضافاً إلى أن استحقاق الثواب على الواجبات، إنَّما هو لالتزامه تعالى ذلك وإيجابه إياه عليه، لأنَّه تعالى لا يخلف الميعاد، فهو أيضاً تفضلي، وفرقه عن التفضلي فيما حسن، إنَّما هو في ذلك حيث إنَّه لم يلزم الله تعالى ذلك على نفسه، وإنَّما يتفضل في إعطائه بلا ملزم.

والحاصل أنَّه لا يمكن اعتماد هذا الوجه لإثبات الحرمة.

الدليل السادس

وقد استدلَّ بجملة من الآيات على حرمته، ممّا لا ربط لها به أصلاً.

منها: قوله تعالى: ((نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ))، دلّت الآية على أنّ الفؤاد يكون مذنباً أيضاً، وإلاّ لم يصح العقاب عليه، والتجرّي معصية قلبية فيستحق العقاب عليه.

ومنها قوله تعالى: ((إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كلّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً)) والاستدلال بها كالاستدلال بسابقتها.

ومنها قوله تعالى: ((وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فإنَّه آثِمٌ قَلْبُهُ)).

ومنها قوله تعالى: ((الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)). إذ الحب أمر قلبي، وُعد العذاب عليه، والتجرّي أيضاً قلبي.

والجواب عن الاستدلال بها واضح، إذ الآيات تدلُّ على أنَّ للقلب معاصي، وأنَّه مسؤول، وأنَّه قد يبتلى بالإثم، وليس معنى ذلك أنّ كلّ ما كان جوانحياً فهو حرام، بل الآيات من هذه الجهة مجملة، فالسمع مثلاً ـ كما دلت الآية الثانية ـ مسؤول ولكن عن أي شيء؟ والآية مجملة بالنسبة إليه، وعلى كلّ حال فالاستدلال بهذه الآيات ونحوها ضعيف جداً، مضافاً إلى تفسير الروايات للآيات بغير ذلك.

وعلى كلّ حال فبعض الجزئيات لا يثبت الكلّي، إذ هو لا يكون كاسباً ولا مكتسباً.

الدليل السابع

وممّا استدلَّ به، جملة من الروايات وهي طائفتان:

والأولى: ما دلَّ على حرمة نيّة الحرام.

مثل ما ورد في تعليل خلود أهل النار فيها، وخلود أهل الجنة فيها: بعزم كلّ من الطائفتين الثبات على ما كان عليه من المعصية والطاعة لو خلدوا في الدنيا.

كقوله (صلى الله عليه وآله): (لكلّ امرئ ما نوى).

وقوله (صلى الله عليه وآله): (لا عمل إلاّ بنية).

ومثل ما ورد: في أنّ الراضي له إثم والداخل إثمان.

كقوله: (من أسرَّ سريرة ألبسه الله رداءها، إن خيراً فخير، وإنْ شراً فشر).

وقوله: (من أسرَّ ما يُسخط الله تعالى أظهر الله ما يخزيه) أي العذاب.

الثانية: ما دلّت على حرمة التجرّي.

مثل ما ورد في أنَّه (إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال (صلى الله عليه وآله): لأنَّه أراد قتل صاحبه).

ومثل ما ورد في عقاب من فعل بعض المقدمات بقصد ترتب الحرام كغارس الخمر، والماشي لسعاية مؤمن، وغيرها.

والجواب: أمّا عن الطائفة الثانية:

إن الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً، إذ بعض الصغريات لا تثبت الكلّي ـ مع قطع النظر عن ضعف السند في بعضها ـ.

وأمّا عن الطائفة الأولى فأجاب السيّد العم (دام ظلُّه):

أولاً: بعضها لا دلالة لها: فإنَّ قوله (إنَّما الأعمال بالنيات) وقوله (لا علم إلاّ بنية) معناه اشتراط النية في العمل فوزانه وزان (لا صلاة إلاّ بطهور) فالعمل ليس هو النيّة، بل هي شرطه ولولاها لما كان عملاً صحيحاً، فالرواية تثبت الثواب والعقاب على العمل لكن بشرط النيّة لا أنّ النيّة محرمة.

وأمّا إثم الراضي: فأولاً هو في أصول الدين، وثانياً لو كان أعمذ ـ ولا نقول به ـ فإنَّه يدل على حرمة الرضى بالحرام الواقعي لا الحرام الخيالي.

وثانياً: إنَّها معارضة بروايات أخرى ـ كما مرّ بعضها ـ فاللازم الجمع بينهما إنْ أمكن.

نعم ذلك فرع التكافؤ السّندي والدلالي، وقد أدعى الأشتياني تواتر الطرفين، ولا يخفى ما فيه.

وجه الجمع

الأول: إنّ الروايات المحرِّمة إنَّما هي في مورد الأول إلى الحرام وغير المحرِّمة في غيره.

الثاني: حمل الأخبار الأولى ـ الدّالة على عدم العقاب ـ على من ارتدع عن قصده بنفسه وحمل الأخبار الأخيرة على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل لا باختياره، كما يدلّ عليه قوله (صلى الله عليه وآله) إذا (التقى المسلمان بسيفيهما... الخ).

الثالث: حمل الأخبار الأولى على من اكتفى بمجرد القصد، والثانية على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدمات.

الرابع: حمل ما دلّ على نفي العقاب على العفو وعدم فعلية العقاب، وما دل على ثبوته على الاستحقاق.

وأجاب السيّد العم (دام ظلُّه) عنها بما حاصله: إنَّه:

يرد على الأول:

مضافاً إلى أنَّه جمع تبرعي لا شاهد له، إنَّ بعض الروايات لا يمكن تخصيصها بذلك فقوله (صلى الله عليه وآله) انَّه أراد قتل صاحبه كيف يخصص؟ بل مورده فيما لم يفعل المقتول حرامّا سوى نيّته.

وعلى الثاني:

مضافاً إلى ضعف السند ـ كما قد يُدعى ـ أنّ المورد لا يخصص الوارد فالمورد وهو عدم الانقلاع عن نية الحرام لا يخصص الوارد المطلق، وأنّ بعض الروايات لا يمكن تخصيصها بذلك، كرواية خلود أهل الجنة فيها، وخلود أهل النار فيها.

وعلى الثالث:

إنّ بين التجرّي والاشتغال بالمقدمات عموماً من وجه فقد يكون تجرّياً بلا مقدمات، وقد تكون مقدمات بلا تجرٍّ، ومورد الاجتماع تجرٍّ مع مقدمات، وما كان أعم من وجه لا يمكن الاستدلال به.

وعلى الرابع:

مضافاً إلى أنَّه تبرعي، أنّ بعض الأخبار الدّالة على الحرمة تدل على فعلية العقاب لا استحقاقه فقط، كما في روايات خلود أهل النار فيها، وقوله إنَّ الراضي له إثم، وقوله لأنَّه أراد قتل صاحبه.

وكما ذكرنا فإنَّ الجمع فرع التكافؤ السّندي والدلالين ولا يوجد ذلك، فإنَّ روايات عدم حرمة نية الحرام أكثر عدداً وأقوى سنداً ودلالة، وروايات الحرمة ـ بعد الغض عن الإيراد في سند أكثرها ـ جزئيات لا تكون دليلاً على الكلّي، نعم إنْ تمّ بعض أدلة الحرمة فتكون مخصصة بروايات عدم الحرمة فلاحظ.

القول الثالث

وهو مختار صاحب الفصول (قُدِّس سرُّه):

فإنَّه فصّل بين القطع بتحريم شيء غير محرم واقعاً، فيرجح استحقاق العقاب بفعله، وبين الاعتقاد بتحريم واجب غير مشروط بقصد القربة، فلا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه مطلقاً أو في بعض الموارد.

نظراً إلى معارضة الجهة الواقعية للجهة الظاهرية، فإنَّ قبح التجرّي عندنا ليس ذاتياً بل يختلف بالوجوه والاعتبارات، فإنَّ من اشتبه عليه مؤمن ورع عالم، بكافرٍ واجب القتل، فحسب انَّه ذلك الكافرـ فلم يقتله، فإنَّه لا يستحق الذَّم على هذا الفعل عقلاً عند من انكشف له الواقع وإنْ كان معذوراً لو فعل، وأظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبي أو وصي نبي فتجرّى فلم يقتله.

ألا ترى أنَّ المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدوٍّ له، فصادف العبد ابنه وزعمه ذلك العدو فتجرى ولم يقتله، إنّ المولى إذا أطلع على حاله لا يذمُّه على هذا التجرّي بل يرضى به، وإنْ كان معذوراً لو فعل.

وكذا لو نصب له طريقاً غير القطع إلى معرفة عدِّوه فأدّى الطريق إلى تعيين ابنه فتجرى ولم يفعل، وهذا الاحتمال حيث يتحقق عند المتجرّي لا يجديه إن لم يصادف الواقع، ولذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب، بخلاف ما لو ترك العمل به فإنَّ المظنون فيه عدمها.

ومن هنا يظهر أنّ التجرّي على الحرام في المكروهات الواقعية أشدّ منه في مباحاتها، وهو فيها أشد منه في مندوباتها، ويختلف باختلافها ضعفاً وشدة، كالمكروهات.

ويمكن أن يراعى في الواجبات الواقعية ما هو الأقوى من جهاته وجهات التجري.

ويرد عليه:

أولاً: إن قبح التجرّي ذاتي لانطباق عنوان هتك المولى ونحوه ـ كما مرّ سابقاً ـ، ولا يعقل انفكاك الذاتي عن ذيه، فلا يمكن أنْ يكون بالوجوه والاعتبارات.

نعم لو كانت مصلحة الواقع أهمّ من مفسدة التجرّي فتقدّم، لا لزوال المفسدة في التجرّي بل لأقوائية ملاك مصلحة الواقع.

إنْ قلت: معنى ذلك زوال المفسدة فيه للكسر والانكسار فثبت كلام الفصول وبطل القول بذاتية قبحه.

قلت: لا يجري الكسر والانكسار ههنا، بل يبقى الفعل على المفسدة التي فيه، لكن رُخّص فيها، فلا قبح فاعلي مع بقاء القبح الفعلي، فمثله كمثل ما إذا توقف إنقاذ غريق على غصب حبل الغير، أو الدخول في ملكه مع عدم رضاه، فإنَّ ذلك ظلم قبيح فعلاً، لكن لا قبح فاعلي فيه، لتوقف الأعمّ عليه، فتأمّل.

وثانياً: إنّ الحسن والقبح مختلف عن المصلحة والمفسدة، إذ الحسن والقبح إنَّما هو فيما لو كان هناك التفات، فإنَّمها بمعنى استحقاق المدح والذم وهو في الملتفت فقط، وأمّا غير الملتفت فلا يجري فيه ذلك كما لا يخفى.

وحينئذٍ فإنَّ المتجرّي يكون مستحقاً للذّم لما فيه من القبح، وأمّا الفعل فهو محبوب لما فيه من المصلحة الواقعيّة.

فمثاله فيما لو جزم بوجوب قتل نبي، فتجرّى فلم يقتله، غير تام، إذ تجرّيه على المولى قبيح قطعاً، وإنْ كان الفعل مشتملاً على مفسدة عظيمة، لكن لا دخل لها في القبح، كما مرَّ فإنَّ بعض الأفعال لا يريد المولى وقوعها في الخارج بأي طريق كان، فتجرّيه بعدم قتل ابن المولى الذي توّهم كونه عدواً له قبيح، وإن كان عدم وقوع هذا الفعل مطلوب للمولى، وحينئذٍ عدم العقاب ليس لأجل عدم قبح التجرّي، وإنَّما لأجل أنّ مصلحة عدم وقوع الفعل أقوى من مفسدة التجرّي.

ومنشأ هذا الكلام هو الالتباس بين التجرّي والفعل المتجرى به، وقد ذكرنا سابقاً أنّ التجرّي قبيح مع بقاء المتجرّى به على ما هو من الحسن والقبح، ولا يلزم من ذلك مشكلّة اجتماع الضدّين لتخالف الجهة فراجع.

وإن شئت اتضاح عدم زوال مفسدة التجرّي بمصلحة الواقع الأهم، وإن كان الواقع مقدماً، فلاحظ باب التزاحم فإنَّه لم يقل أحد بزوال ملاك المهم بل المتفق عليه بقاؤه وإن لم يُجز ارتكابه، فتأمّل.

وبعبارة أخرى ـ كما يقال ـ إنَّه لا منافاة بين الوجوب الواقعي وقبح الفعل، إذا دخل تحت عنوانين.

وأجاب الشيخ (قُدِّس سرُّه) أيضاً:

بأنَّه لو سلَّمنا عدم كون التجرّي علة تامة للقبح، فلا شكّ في كونه مقتضياً له كالكذب، وليس من قبيل الأفعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها ولا قبحها، وحينئذٍ فيتوقف ارتفاع قبحه على انضمام جهة يتدارك بها قبحه، كالكذب المتضمن لإنجاء نبي، ومن المعلوم أنَّ ترك قتل المؤمن بوصف أنَّه مؤمن في المثال الذي ذكره كفعله، ليس من الأمور التي تتصف بالحسن أو القبح للجهل بكونه قتلَ مؤمنٍ.

وفيه: إن غفلة المكلّف عن مصلحة الواقع، إنَّما تمنع عن تأثيرها في المصلحة بحسب نظره الذي به قوام حكم عقله بالقبح، وإلاّ فبالنسبة إلى نظر المولى العالم بالواقع والملتفت إلى الجهتين فلا تمنع غفلة المكلّف من تأثير المصلحة التي هي أهم في نظره في المحبوبيّة الفعلية المانعة عن تأثير التجرّي في المبغوضيّة الفعلية والحرمة، نعم تأثيرها في تحسين الفاعل واستحقاقه بذلك للمثوبة يحتاج إلى التفاتة إلى الجهات المحسنة ـ كما قال العراقي (قُدِّس سرُّه) ـ.

ويمكن أنْ يكون مراد صاحب الفصول لا يعدو مراد القائلين بالقبح والحرمة، وإنَّما أراد من هذا التفصيل إثبات عدم العقاب على ما لو كان الفعل المتجرّى به مشتملاً على مصلحة أعظم من مفسدة التجرّي، فعبّر عنه بعدم القبح، كما يشهد لذلك مراجعة أول كلامه، ومراجعة أمثلته.

ولا يضرُّنا إنْ كان مراده ما كان الظاهر من عبارته، بعدما عرفت من ورود تلك الإشكالات عليه فلاحظ.

الثمرة

أمّا على القول بقبح التجرّي ذاتاً ومبعديته.

فقد قال العراقي (قُدِّس سرُّه): لو قامت إمارة معتبرة على حرمة شيء فلا إشكال في عدم صلاحية العلم المتجرّى به حينئذٍ للمقربية ولو مع إتيانَّه برجاء مطلوبيته واقعاً، من جهة انَّه مع قبحه فعلاً ومبعديته يستحيل صلاحيته للمقربيّة.

وفيه: إنَّ العراقي (قُدِّس سرُّه) قد اختار إمكان تقدم المصلحة الواقعية على مفسدة التجرّي ـ وقد نقلنا كلامه ـ فأيَّ مانع حينئذٍ من صلاحية العمل للمقربيّة؟، نعم ما دام لا توجد مصلحة واقعية فلا مقربيّة لتقدم تلك المفسدة.

وأمّا على القول بعدم الحرمة والقبح ومجرد كشفه عن سوء السريرة:

فقد يقال بالبطلان أيضاً، إذ معنى التقرب هو إتيان الفعل بداعي أمر المولى وحيث إنَّ الحرمة منجزة عليه فلا يتمكن من الإتيان بالفعل كذلك.

وفيه: إنَّه أخصُّ من المدعى، إذ لو قطع العبد بالحرمة فيجري ذلك، أمّا لو قام الدليل الظني المعتبر على الحرمة، وظن ظناً شخصياً بمخالفته للواقع، فإنَّه يمكنه الإتيان بالعمل قربة إلى الله تعالى برجاء مخالفة الدليل للواقع، فتأمّل.

ولذا قال الوالد (دام ظلُّه): لو قامت إمارة على حرمة شيء، ثم جاء به لرجاء المطلوبية أمكن التقرب به، إنْ كان كذلك في الواقع، لعدم التنافي بين سوء السريرة ومقربية العمل، اللَّهم إلاّ إذا دلّ دليل على عدم المقربيّة مثل من قضى بالحق وهو لا يعلم، ومن فسرّ القرآن برأيه فأصاب.

وأمّا على رأي الآخوند (قُدِّس سرُّه) في التجرّي، فقد قال العراقي (قُدِّس سرُّه): إنَّه على مختار الكفاية يمكن الالتزام بصحة عمله وصلاحيته للمقربية ـ إذ بعد عدم سراية القبح إلى نفس العمل ووقوفه على نفس العزم إلى المعصية فلا قصور في صلاحيته للمقربية، اللَّهم إلاّ أنْ يقال بأنَّ قوام مقربيّة الأعمال بعد أن كان بقصدها، فلا محالة يكون مبعدية قصده مانعاً عن مقربية عمله.

أقول: إنّ الآخوند (قُدِّس سرُّه) لم يكتفِ بقبح العزم فقط بل هتكه، لمولاه أيضاً فالظاهر أنّ كلامه يكون ككلام العراقي (قُدِّس سرُّه) ويجري فيه ما جرى فيه.