الفهرس

 

المؤلفات

 

وينبغي التنبيه على أمور

الأول:

 إنَّ الكلام كما يكون في الطريقي، كذلك يجري في الموضوعي الذي يكون جزءاً، إذ موضوع الحكم الشرعي حينئذٍ يكون هو الواقع المقيَّد به، فلو قطع بغيره توهماً منه أنَّه هو وخالفه، فإنَّه تجرّى على مولاه كما لا يخفى.

الثاني:

إنَّ القطع على خمسة أقسام:

فإمّا أنْ يكون مصيباً، فلا كلام في استحقاق العقاب والثواب، فيما لو خالفه في الأول، أو وافقه في الثاني ـ وإنْ كان لأجل أنَّه تعالى التزم بذلك ـ.

وأمّا أن يكون مخطئاً وكان موضوعياً بحتاً ـ بمعنى أنَّه كان تمام الموضوع ـ فلا كلام في استحقاقه العقاب لو خالفه، إذ بعد تحققه تحقق الموضوع الواقعي كما لا يخفى، فيكون كالأول، ومرجع هذا واقعاً إلى أنَّ المولى لا يريد الواقع إطلاقاً، والعلم مطلقاً يكون واقعاً، فيكون مرجعه إلى الأول، وإنَّما جعلناه قسيماً له لاختلافهما في متعلق الحكم.

وإمّا أنْ يكون كذلك والقطع طريقي بحت، فهو مورد الكلام والنقض والإبرام بين الإعلام.

وإمّا أنْ يكون كذلك، والقطع جزء الموضوع وخالفه فيجري فيه الكلام، إذ القاطع يتخيل حصول الموضوع ـ المركب ـ ويتحرى بارتكابه، ولكنه لم يحصل.

وإمّا أنْ يكون أحد الأقسام السابقة لكنَّه عمل بمقتضاه انقياداً، فلا إشكال في الحسن الفاعلي، وحصول الانقياد، واستحقاق المدح، لكن هل يستحق الإثابة؟ الظاهر استحقاقه لثواب الانقياد، والواقع أيضاً، لجملة من الأخبار كقوله (صلى الله عليه وآله): (نية المرء خير من عمله) وغيرها، ويمكن أنْ يُستدلُّ بمناط أخبار من بلغ ببعضها، فتأمّل فإنَّه يحتمل أنْ يُعطى ثواب النية، لا ثواب الواقع، وأنّ المناط في أخبار من بلغ غير قطعي، بل هو مستنبط وهو ليس بحجّه، والتفضل في مورد بلوغ الثواب أو الخبر لا يلازم التفضل في مورد خيال الثواب.

الثالث:

إنَّ الكلام إنَّما هو بالنسبة إلى استحقاق العقاب وعدمه في الواقع، وإن المتجّري هل يستحق عقاباً في الواقع أم لا.

وأمّا اعتقاده حينه هو أنَّه مستحق للعقاب قطعاً، وذلك لأنَّ القاطع بحكم أو موضوع لا يحتمل الخطأ أصلاً في ذلك، إذ لو كان كذلك لزم الخلف فهوحينئذٍ يقطع بارتكابه المعصية ـ بفعل حرام أو ترك واجب ـ، ويقطع أيضاً نتيجة ذلك باستحقاقه العقوبة.

الرابع:

إنَّ البحث راجع إلى الحرمة أو استحقاق العقوبة أو غيرهما ـ حسب اختلاف المباني ـ، أمّا كشف ذلك عن سوء سريرة المتجري وخبث باطنه، فلا أشكال فيه، فإنَّ العقلاء يذمون من هو أدنى من ذلك، فإنهم لو علموا بأن شخصاً نوى قبيحاً ولو لم يفعل أي شيء ذموه على ذلك، بل كذلك لو علموا حبّة لقبيح حتى مع عدم نيته، فضلاً عمّا لو تجرأ على اقتحام القبيح وارتكابه، فإنَّ الصفات النفسانية ـ ولو لم تكن اختيارية ـ يستحق صاحبها المدح أو الذم عليها، نعم ما لم يظهرها لا يستحق ثواباً ولا عقاباً، والعقل حاكم بذلك إذ استحقاقهما منوط به.

الخامس:

إنَّ محل النزاع ليس في أن العلم يؤثر أو لا يؤثر فيما ليس بحرام واقعاً فيصيّره كذلك ـ في التجرّي ـ، وفيما ليس بواجب واقعاً فيجعله واجباً ـ في الانقياد ـ، وذلك لوضوح أنَّ العلم ليس ممّا يؤثر في ملاكات الأحكام الواقعية، واشتراك العالم والجاهل في التكلّيف، نعم المنجزيّة والمعذريّة إنَّما تكون في العالم فقط، لكن لا يضرُّ في توجه التكلّيف إلى الجاهل أيضاً، وإلاّ لزم الدور في موارد، والخلف في موارد أُخرى.

أمّا الأول: فلأنَّ الحكم متأخر عن متعلقه وشروطه وقيوده، وذلك لأنَّ نسبة الحكم إلى متعلقه هي نسبة العرض إلى المعروض، فكما أنَّ العرض يحتاج إلى الموضوع كذلك الحكم.

وفي مرحلة الإنشاء لا يلزم ملاحظة جميع شروطه وقيوده، ولا يوجد حكم حينئذٍ حتى يؤخذ العلم به في شروطه وقيوده.

والحاصل: إنَّ العلم بالحكم متأخر عن الحكم بديهة تأخر العلم عن المعلوم.

إنْ قلت: قد أُخذ العلم بالحكم في بعض الموارد شرطاً له، كالعلم بالقصر، فلو جهله فلا يجب عليه القضاء ولا الإعادة.

قلتُ: إنَّما كان ذلك لدليل خارجي، بكفاية التمام حينئذٍ، ومرجعه ـ لدفع الدور ـ إنَّما هو إلى رفع اليد عن الحكم حينئذٍ وجعل حكم آخر، ولا يوجد ذلك الدليل في أكثر الأحكام.

وكذلك يدفع الإشكال أيضاً على مسلك بعض الفقهاء من عدم رفع اليد عن الحكم، كما ذكروا في أنَّ المسافر الجاهل بالحكم لو فاتته الصلاة، فإنَّه يجب عليه القصر وإن كان لو صلى تمامّا لقبلت منه، وذلك لأنَّ العلم لا دخل به بالحكم، بل المولى تفضلاً قبل ذلك منه، فتأمّل.

إنْ قلت: إنَّ القدرة شرط التكلّيف عقلاً، والجاهل ليس كذلك.

قلت: إنَّ ذلك إنَّما يكون في المرتبة الرابعة ـ التنجّز ـ، أمّا في مرتبة الاقتضاء، والإنشاء والفعلية فليس كذلك.

مضافاً إلى أنَّ الجاهل قادر، وإنْ كان حينئذٍ ينقلب موضوعاً، لكن لا يضرُّ ذلك في توجهه إليه، والجاهل وإنْ لم يعاقب على تركه الواجب وفعله الحرام لعدم القدرة بجهله، لكنه يعاقب على ما كان باختيار من تركه ما يوصله إلى العلم ـ لو كان مقصراًـ، أو يقال إنَّه يعاقب على نفس الفعل لأنَّ ما بالاختيار لا ينافيه عقاباً وإنْ كان ينافيه خطاباً.

هذا ـ أي لزوم الدور ـ فيما إذا أخذ العلم بالحكم شرطاً له.

أمّا الثاني: ـ وهو الخلف ـ، فيلزم إذا أخذ العلم بالموضوع شرطاً للحكم، لأنَّ المفروض أنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيَّة ـ كما عليه العدلية ـ، فلا تكون الأحكام حينئذٍ تابعة لغيرها، وهما إنَّما يكونان في الوجود الواقعي ـ معلوماً كان أم مجهولاً ـ، لا في الوجود الواقعي بوصف كونه معلوماً، وبعبارة أخرى: إنَّ منشأ الأثر إنَّما هو الهوية الخارجية بذاتها، لا بوصف كونها ذات وجود ذهني أو ذات هوية ذهنية.

نعم، لو كانت المصلحة أو المفسدة في الوجود الواقعي المعلوم، أمكن دفع الدور بمتمم الجعل، لكن أنّى لنا بذلك، فإنَّ ذلك وإنْ أمكن ثبوتاً، لكن لا دليل له إثباتاً.

وحيث اتضح أنَّ النزاع ليس في تأثير العلم وعدم تأثيره في الوجود الواقعي، نقول إنَّ الكلام إنَّما هو في تأثير القطع في وجود عنوان محرِّم لمقطوع الحرمة، أو عنوان موجب لمقطوع الوجوب، وعدم وجوده.

قد يقال: بعد الحكم باستحقاق المتجرّي للعقاب، والمنقاد للثواب، أو عدم الاستحقاق:

إن ذلك مع بقاء الفعل المتجرَّى أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن أو القبح، والوجوب أو الحرمة واقعاً، بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم والصفة، ولا يغير حسنه أو قبحه بجهته أصلاً، وضرورة أنَّ القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات التي بها يكون الحسن والقبح عقلاً ولا ملاكاً للمحبوبيّة والمبغوضيّة شرعاً، ضرورة عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضيّة والمحبوبيّة للمولى، بسبب قطع العبد بكونه محبوباً أو مبغوضاً له، فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضاً له، ولو اعتقد العبد بأنَّه عدوه، وكذا قتل عدوه، مع القطع بأنَّه ابنه، لا يخرج عن كونه محبوباً أبداً ـ كما قال صاحب الكفايةـ.

لا كلام، بناءً على عدم حرمة التجرّي، وعدم قبحه لعدم التعارضٍ بين الحكمين أصلاً.

أمّا بناءً على قبحه وحرمته، فهنا جهتان: جهة الحكم والواقعي، وجهة عارضة، فهل بينهما تزاحم أم لا؟ وعلى فرضه فأي الجهتين تقدَّم؟.

قال الأصفهاني: في عنوان التجرّي لا يوجد حكم مولوي لحكم العقل بالقبح، وذلك لأنَّه لا تكون ملاكات الحسن والقبح ـ بمعنى استحقاق الذم والمدح ـ مناطات للأحكام المولوية إذ العقل حاكم باستحقاق المدح أو الذم والثواب والعقاب فلا يبقى مجال لإعمال المولوية بالبعث والزجر.

ولكن يمكن أن يُقال: إن في كلّية قاعدة: كلّما كان للعقل حكم فلا حكم شرعي إلاّ إرشاداً، نظراً، وذلك لأنَّ المقصود أمّا الحكم العقلي مطلقاً، أو الحكم العقلي المعلوم.

فإنَّ كان الأول: فهو واضح الفساد، إذ لازمه كون جميع الأحكام الشرعيَّة إرشادية، لأنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد قطعاً ممّا وصل إليها العقل لحكم بها.

وإنْ كان الثاني: فقد يقال: إنْ في كثير من الأحكام العقلية لا يوجد علم أكثر المكلّفين بها، لكونها من النظريات أو لجهة الغفلة، فلا مانع من إصدار أمر مولوي باعتبار أكثر العباد، بل جملة منهم، إذ الإرشاد إنَّما يتم إذا التفت العبد من حكم الشرع أو من غيره، إلى حكم العقل، لا فيما لم يحصل ألتفت.

أمّا إنْ كان الكلام حول الحسن العقلي والقبح العقلي واستحقاق المدح والذم، فلا إشكال بتقدم جهة التجرّي على الجهة الواقعية، وذلك لأنَّ الاتصاف بالحسن والقبح إنَّما يكون في الأفعال الاختيارية، والجهة الواقعية لا صلاحية لها للتأثير، نعم حينئذٍ يوجد ملاك الحكم المولوي في الأمر الواقعي، ضرورة أنَّ لا تزاحم بين الوجوب الواقعي أو الحرمة كذلك، وبين استحقاقه الذم على الفعل، لدخوله تحت عنوان قبيح بالذات، وهو هتك المولى والجرأة عليه... الخ في الأول، واستحقاق المدح على الفعل لدخوله تحت عنوان حسن بالذات.

إنْ قلت: إنَّ لازم ذلك اجتماع الحسن والقبح، والأمر والنهي في مورد واحد، والجهة وإنْ كانت مختلفة، لكنها لا تصححه، للزوم اجتماع الضديّن في إرادة المولى وهو الأمر المحال.

قلتُ: إنَّ المضادة إنَّما هي في مرتبة الفعليّة، لوضوح التضادّ بين البعث والزجر عن شيء في زمان واحد، لكن لا مضادة في مرتبة الاقتضاء والإنشاء: ضرورة عدم المضادة بين الوجودات الإنشائية، فلا مانع من وجود ملاك وإنشاء نحو الأمر الواقعي، وإنْ لم يكن فعلياً أو منجزاً، فقتل عدو المولى بتوهم أنَّه ابنه فيه ملاك الحكم المولوي بالوجوب لكن لا فعلية وتنجز لذلك، ويستحق العبد العقاب على ذلك، وكذلك العكس في الانقياد.

إنْ قلت: إن العقاب في مورد التجرّي لا يخرج عن أمرين: القصد والفعل.

والأول لا عقاب عليه لأنَّ مَنْ هم بسيئة لم تُكتب عليه حتى يفعلها ـ كما في جملة من الروايات.

والثاني المفروض فيه أنَّه لا قبح فيه لعدم خروجه بالعلم عمّا هو عليه، بداهة أنَّ العلم ليس من الجهات المقبِّحة أو المحسِّنة للفعل.

قلت: إنَّ الفعل مع تجرّده عن الاعتقاد إنَّما فيه ملاك الواقع فقط، لكنَّ الكلام هنا في أنَّ للقطع إيجاد عنوان في الفعل يقتضي ذلك استحقاق العقوبة سواء صادف أم لم يصادف الواقع.

فإنَّ بعض الأمور لا دخل للوجوه والاعتبارات في حسنها أو قبحها، كالظلم والعدل، وبعضها لها دخل فيها عقلاً، كضرب اليتيم فإنَّه إنْ كان عدواناً فهو قبيح، وان كان تأديباً بحدوده فهو حسن، وكالقيام تعظيماً أو استهزاءً أو للذهاب، ونحو ذلك، والقطع لا يكون من وجوه الحسن والقبح، لأنَّ الفعل لا يخرج به عمّا هو عليه، لكنه قد يوجد في المقطوع به عنوان لم يكن فيه، كالجرأة والهتك فيما نحن فيه، مع بقائه على ما هو عليه.

هذا مضافاً إلى إمكان القول بأنَّ القصد قسمان، قسم لا عقاب فيه ـ إلاّ ما ذكرنا من اللوم ـ، وذلك لأنَّه مرفوع شرعاً، وآخر فيه عقاب وهو فيما لو أظهره بالفعل ولو خطأً، فتأمّل.

ثم ممّا ذكرنا من أنَّ العلم ليس من الوجوه المقبحة للمعنونات،ـ حيث إنَّه لو كان كذلك الزم القبح في المعنون الخارجي وان لم يفعل شيئاً ممّا هو واضح البطلان ـ بل القبح، على القول به، لأجل انطباقه تحت عنوان الجرأة، يتضح الإشكال في كلام المحقق النائيني حيث قال:

إن الإحراز والعلم لا يكون مغيِّراً لما عليه ذلك الشيء من المصلحة والمفسدة، وليس من قبيل الضرر والنفع العارض على الصدق والكذب المغيّر لحسنه وقبحه، إذ الإحراز لا يوجب انقلاب الماء عما هو عليه.

وذلك لأنَّه وإنْ كان هذا صحيحاً في نفسه، لكنَّه لا يجدي لإثبات عدم القبح الطارئ، لانطباق الفعل تحت عنوان الجرأة ونحوها ممّا سيأتي.

إنْ قلت: إنَّ بين بقاء الفعل على ما هو عليه من الحسن، وبين قبح التجرّي ومبغوضيته تهافتاً، فإنَّ قبحه ينافي بقاء الفعل على المحبوبيّة، وإلا لزم اجتماع الضدين، فإمّا يلتزم بانقلاب الحقائق الخارجيّة بالعلم وهذا خلف، فلا يبقى إلاّ الالتزام بالأول دون الثاني.

وأُجيب: باختلاف الرتبة قبل الحكم وبعد العلم به، وباعتبارهما تكون المحبوبيّة والمبغوضيّة معاً، وذلك لأنَّ المحبوب الواقعي هو الذات قبل حكم المولى، لأنَّ الذات متقدمة على الحكم وقبله، والمحبوبيّة من مقدماته إذ هي في مرتبة الاقتضاء، والمبغوض في التجرّي هو الذات الملحوظة في الرُّتبة اللاحقة عن العلم بحكمه، فحينئذٍ الذاتان لا يتعدى حكم كلّ واحدة منهما إلى الأخرى.

وفيه: إنَّه وإنْ لم يكن تضادٌ بينهما في المرتبة السابقة لوجود ملاك المحبوبيّة في الذات بلا مزاحم، لكن في المرتبة اللاحقة يحصل ذلك، لأنَّ في مرتبة القطع بالحكم وارتكاب القبيح بالتجرّي توجد المحبوبيّة الواقعيّة فعاد المحذور، كما قالوا مثل ذلك في استحالة الترتب، فإنَّ في رتبة الأهم وإنْ لم يكن تناقض أو تطارد، لكنه يلزم في رتبة الأهم، فتأمّل.

اللَّهم إلاّ أنْ يكمِّل ذلك، بأنَّ الموضوع للحكم في كلّ مرتبة هو العنوان لا المعنون، وأنَّ وحدة المعنون لا تضرُّ بذلك شيئاً لعدم سراية الحكم إليه.

وتوضيحه: إن حسن وقبح الأفعال الخارجيّة، إنَّما يكون لانطباق عناوين أخرى محسِّنة أو مقبّحة عليها، فالحسن والقبح في الواقع إنَّما يكون للعنوان لا المعنون، وههنا عنوانان، عنوان الجرأة، وعنوان الأمر الواقعي، فقتل عدو المولى بتوهُّم أنَّه ابنه، ينطبق عليه العنوان الأول، وعنوان إنقاذ المولى منه أيضاً أو إراحته منه أو نحو ذلك.

وإنْ لم نقل بذلك فلا أقلَّ من المحبوبيّة لفعله، وعدم المبغوضيّة له، وإنَّما هي لجرأته وهتكه ونحو ذلك، ممّا سيجيء إنْ شاء الله تعالى.

والحاصل أنَّ القطع بالقبح وكذلك الحسن لا يكون من الاعتبارات الموجبة لحصولهما واقعاً، إذ الحسن والقبح العقليان:

أمّا لكون العنوان من العناوين التي هما فيه بالذات، كالظلم القبيح بالذات، ولا يتغير عن ذلك إطلاقاً، إلاّ بتغيير الفعل إلى عنوان آخر، وإلاّ فمع الحفاظ على هذا العنوان يلزم الانقلاب المحال، أو انفكاك ذاتي باب البرهان عن موضوعه وهو محال، لأنَّ القبح منتزع من حاق الظلم ويحمل عليه وإن لم يكن بجرأه ولإتمام ذاته وليس محمولاً بالضميمة بل هو الخارج المحمول، كما في الإمكان للممكن، وكذلك عكسه في العدل، والحسن والقبح هنا إنَّما يكون من باب العلّة التامة.

وأمّا لكونه من العناوين العرضية الراجعة إلى العناوين التي هما فيها بالذات، لأنَّ كلّ ما بالعرض لابد وأنْ ينتهي إلى ما بالذات، كضرب اليتيم ونحوهن، الذي يكون الحسن والقبح فيه من باب الاقتضاء، وكلاهما ـ أي كونه من العناوين الذاتيّة أو العرضية الراجعة إليها ـ واضح عدمه ههنا بشهادة الوجدان كما لا يخفى.

وقد استدلَّ لعدم حرمة الفعل المتجرَّي به، بأنَّ القاطع لا يلتفت إلى قطعه غالباً بل إلى المكشوف والكلام في القطع، غير الملتفت إليه خارج عن نطاق الاختيار، فليس قبيحاً فليس بحرام، فأمره دائر بين قصد غير ملتفت إليه وواقع غير مقصود، وكلاهما لا عقاب عليه.

وبعبارة أخرى إنَّ عنوان المقطوعية غالباً مغفول عنه، فكيف يؤثر في الفعل المتجرّى به فيحسِّنه ويقبِّحه، وقال الآخوند (قُدِّس سرُّه): بل لا يكون غالباً بهذا العنوان ـ أي بما هو مقطوع الحرمة ـ ممّا يلتفت إليه، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلاً؟ ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعاً؟ ولا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلاّ إذا كانت اختياريّة.

وَيردُ عليه: أولاً: بأنَّه أخص من المُدَّعى إذ يجري الكلام في غير الغالب، ولا مانع من جريانَّه فيه، ويكون اختياراً حينئذٍ، كما أنَّ البحث يجري في غير القطع أيضاً.

وثانياً: إن الالتفات إلى العلم ـ وبعبارة أخرى العلم بالعلم ـ، وإن أريد الحضوري منه ـ الذي هو من أتم العلم ـ فهو حاصل، وإنْ أريد به الحصولي منه ـ الذي هو من أضعفه ـ فليس وجوده شرطاً في تحقيق اختيارية الفعل، بل الالتفات الإجمالي كافٍ فيها، والقطع ملتفت إليه إجمالاً.

ومنه يعلم اندفاع ما قد يقال: من أنَّ عنوان مقطوع الوجوب والحرمة إذا كان عنواناً للفعل ومورداً للفعل ومورداًُ للتكليف فلابدَّ من أن يصدر بعنوانه، ولا يجدي مجرد وجوده.

وذلك لما ذكرنا من أنَّ العلم الحصولي ليس شرطاً، والحضوري حاصل إذ لا يمكن وجوده وعدم الالتفات إليه، وإلاّ انقلبت جميع المعلومات بالعلم الحضوري إلى مغفولات عنها، فتأمل.

أما أنَّ غير الملتفت إليه خارج عن نطاق الاختيار، حيث إنَّ ما وقع لم يقصد وما يقصد لم يقع.

ففيه: أولاً: إنَّ الوجدان شاهد على أنَّ الفعل صدر بالاختيار، وأنَّه كان يمكنه ألاّ يشرب، فالارتكاب تحقق بالإرادة لا بالإكراه، نعم الداعي إلى تعلق الإرادة هو تصور أنَّه الحرام، وليس ذلك ممّا يوجب عدم اختيارية الفعل.

وثانياً: لو أغمضنا عن الجواب الأول فنقول: إن ذلك لا يصح بالنسبة إلى الجامع ـ في صورة كونه محرماً ـ فإنَّه قد تحقق اختياراً، فإن من سرق ديناراً بتوهم أنَّه درهم فلا شك في كونه سارقاً لمالٍ.

وبعبارةٍ أُخرى ـ كما عن بعض في توجيه كلامٍ للفصول: إنَّ المعصية المجتمعة مع التجري غير المعصية التي تجرى فيها، بل معصية أُخرى كما لو شرب مائعاً باعتقاده أنّه خمر، ثم تبين أنّه مغصوب، فإن المكلف تجرّى بالنسبة إلى شرب الخمر، وعصى بالنسبة إلى شرب المغصوب، بناءً على أنَّ العلم بجنس التكليف يكفي في تنجّز التكليف، وإنْ لم يعلم فصله، فيقال في المثال أنّه قد تعلّق علمه بحرمة شرب المائع على أنه خمر، فبالنسبة إلى كونه خمراً خطأ علمه، وبالنسبة إلى الحرمة لم يخطأ وصادف الواقع، لأنه كان مغصوباً، فيكون قد فعل محرماً ويعاقب عليه، وإنْ لم يعاقب على خصوص الغصبية لعدم تعلق العلم بها، بل يعاقب على القدر المشترك بين الخمرية والغصبية، فلو فرض أنَّ عقاب الغصب أشد، يعاقب عقاب الخمر، ولو انعكس الأمر يعاقب عقاب الغصب، لأن المفروض أنَّه لم يشرب الخمر، فلا يعاقب عليه، وفي الصورة الأولى إنّما كان يعاقب عقاب شرب الخمر، مع أنّه لم يشرب الخمر من جهة أنّ عقاب ما يقتضيه شرب الخمر هو المتيقن الأقل، والمنفي هو العقاب الزائد الذي يقتضيه الغصب.

وهذا التقرير وأنْ لم يبعد صحته في الجملة، لكن فيه مواقع للنظر، وإنْ كان ما مثلت له من السرقة أسلم إذ لا يرد عليه بعضها.

وقد استدل المحقق الأصفهاني لذلك: بأنَّه لا واقع للحسن والقبح عقلاً، ولا لكون شيء وجهاً وموجباً لهما إلاّ في ظرف وجدان العقل، وعدم كون عنوان مقطوع الوجوب والحرمة من العناوين الحسنة والقبيحة بالذات، ممّا لا شبهة فيه، وكذا عدم كونهما من العناوين العرضية المنتهية إلى العناوين الذاتية.

وأجاب بأن عنوان هتك الحرمة من عناوين الفعل ووجوهه، فلا حاجة إلى إحراز عنوان مقطوع الحرمة مثلاً، لإثبات استحقاق العقاب على الفعل المتجرّى به.

وبعبارة أُخرى إنَّ العلم لا يؤثر في الحرمة والقبح، لكنّه يؤثر في صيرورة المعلوم منطبقاً على عنوان التجرّي.

واستدل أيضاً: بأنّ العناوين المحسِّنة والمقبِّحة لابد وأنْ تكون مقصودة كي يتعلّق بها الاختيار، والقاطع عند الفعل لا يقصد عنوان المقطوعيّة، وإنَّما يقصد العنوان المتوهم.

وفيه: إنَّ القصد بهذا النحو لا يشتط في اختيارية الفعل، فإنَّ من يشرب الخمر بقصد أنَّه بارد لا بقصد أنه خمر، يصدق عليه أنه شارب خمر مع أنه لم يقصد هذه الجهة.

وعلى أي حال فإنَّ الفعل المتجرّى به يبقى بحاله من الحسن أو القبح لما ذكرنا أولاً، والوجدان أقوى شاهد عليه.

السادس:

إنّ قوام التجرّي هو الحجّة، بمعنى عدم العذر العقلي والشرعي، وليس مختصاً بالقطع فقط، فلو خالف الطرق والإمارات أو الأصول الشرعيَّة المثبتة للتكلّيف ولم تكن مطابقة للواقع فهو تجرٍّ، فلو اقتحم أحد أطراف الشبهة المحصورة فيما لو كان العلم منجزاً عليه، أو أحد أطراف الشبهة البدويّة قبل الفحص في الحكمية أو الموضوعية ـ بناءً على القول بوجوب الفحص فيها مطلقاً أو في الجملة على خلاف ـ لو خالف البيّنة أو قاعدة اليد أو الاستصحاب وغيرها من الأصول والإمارات، ثم تبين خطأُها فإنَّه يكون متجرّياً حينئذٍ، ولا خصوصية للعلم في ذلك أصلاً.

ثم إنَّه قد قال بعض بعدم جريانَّه فيها، بل يستحق العقاب على مخالفتها سواء وافقت الواقع أم لا، فلا مجال لاحتمال عدم الحرمة فيها، فهو حرام قطعاً، ولأنَّ الإمارة والأصل العملي موردهما الشكّ أو موضوعهما ومقتضى إطلاق حجيّتها حجيّتها ولو انكشف الخلاف.

وَيردُ عليه: أولا: إنَّه يجري على السببية والأدلة لا تساعد عليها، أمّا على الطريقية فلا وجه لذلك، وغاية ما يقال فيها أنَّها كالعلم، ومنزَّلة منزلته، فما يجري فيها بطريق أولى.

وثانياً: إنَّه لا حكم ظاهري في مواردها ـ كي يكون جارياً حتى مع المخالفة ـ وإنَّما هو تنجيز وإعذار.

ثم إنَّ المحقق النائيني (قُدِّس سرُّه) فصَّل في الأصول، فقال في الأصول النافية: إنَّه لو فعل متعلقها برجاء مخالفتها للواقع فلا يبعد أنْ يكون من التجرّي، كما لو قامت البيّنة على عدم خمرية مائع، وشرب المكلّف ذلك المائع برجاء أنَّه خمر وأنَّ البيّنة مخالفة للواقع، فحيث لم يكن شربه ذلك مستنداً إلى ترخيص شرعي وكان ذلك من التجرّي، بل لا يبعد أنْ يكون ذلك من المعصية الحقيقية، إذا كانت البيّنة في الواقع مخالفة وكان ما شربه خمراً، يكون المقام نظير الاقتحام في الشبهات قبل الفحص، فتأمّل.

وَيردُ عليه: إنَّه إنْ كان الملاك هو الترخيص الشرعي وعدمه، فلا فرق في ذلك بين الموردين، والرجاء لا مدخل له في ذلك إنْ لم يصل إلى القطع أو الإطمنيان، وإنْ كان المناط هو الرجاء فلازمه عدم حرمة ارتكاب ما قام الدليل على حرمته وكان الدليل مصادفاً للواقع، برجاء أنَّه غير مطابق له.

أمّا القول بأنَّ ما قامت البيّنة على عدم حرمته، وارتكبه المكلّف برجاء أنَّه الحرام، من التجرّي لعدم كون الشرب مستنداً إلى ترخيص شرعي، فممّا لم يعلم وجهه، كيف والبيّنة هي المستند الشرعي، مضافاً إلى أنَّ الرجاء لو كان له دخل في صدق التجرّي، ففي عكس المورد لا يكون تجرّياً، مع أنَّه قطعاً منه، فإنَّ من أقدم مع عدم وجود المؤِّمن برجاء الجواز، كمن ارتكب بعض أطراف الشبهة المحصورة المنجزة فإنَّه متجرٍّ.

أمّا تنظيره بالاقتحام في الشبهات قبل الفحص، فغير تام إذ هو تنظير مع الفارق فإنَّ المنظَّر به لا يوجد فيه مؤمِّن شرعي، أمّا المنظر فإنَّ ذلك يوجد فيه، ولعلَّ تأمّله يشير إلى ذلك.

فاتضح من ذلك أنَّ المناط هو وجود المؤمِّن الشرعي وعدمه، فإنْ كان فلا تجرّي فضلاً عن المعصية الواقعية، ولو كان رجاؤه أيَّ شيء، وإنْ لم يكن فهو تجرٍّ مطلقاً.

ومن ذلك يتضح كلام الشيخ (قُدِّس سرُّه) في أقسام التجرّي، فإنَّه قال: ثم إنَّ التجرّي على أقسام يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها، أحدها: مجرد القصد إلى المعصية، والثاني: القصد مع الاشتغال بمقدماته، والثالث: القصد مع التلبس بما يعتقد كونه معصية، والرابع: التلَّبس بما يحتمل كونه معصية رجاء تحقيق المعصية به، والخامس: التلَّبس به لعدم المبالاة بمصادفة الحرام، والسادس: التلّبس برجاء ألاّ يكون معصية وخوف كونها معصية، ويشترط في صدق التجرّي في الثلاثة الأخيرة عدم كون الجهل عذراً عقلياً أو شرعياً.

فإنَّه (قُدِّس سرُّه) عدَّ منه التلّبس بما يحتمل كونه معصية ـ وهو رابع الأقسام ـ، بشرط عدم المؤمِّن الشرعي، ومفهومه انَّه لو كان موجوداً فليس منه في شيء.

نعم يرد عليه: إنَّ الأول ليس منه، إذ القصد بدون الإتيان بالفعل أو بمقدماته ليس بمصطلح عليه ذلك، بلى يمكن أنْ يطلق عليه لغةً لكنَّه بعيد.

كما أنَّ الثاني أيضاً كذلك، وإنْ كان ذلك يكشف سوء السريرة وخبث الباطن، وقد مرَّ أنّ ذلك يستتبع مجرد اللوم والذم لا أكثر.

مضافاً إلى أنّ مقدمة الحرام ليست محرمة ـ إمّا مطلقاً وإمّا غير الموصلة ـ حتى عند القائلين بحرمة التجرّي، وذلك ليس تهافتاً في كلامهم، إذ ارتكابها ليس منه اصطلاحاً، وإنْ أمكن أنْ يطلق على ارتكابها لغةً، ولو كان الكلام في التجرّي اللغوي فإنَّه يشمل التجرّي بارتكاب المحرَّم المصادف للواقع، إلاّ أنْ يقال إنَّ ذلك ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال فليس مقصوداً، لكن الكلام أن هذا العنوان هل يوجب عقاباً أم لا، مع قطع النظر عن الفعل المتجرى به، وقد وقع خلاف في استحقاق عقابٍ ثانٍ أم تداخلهما كما سيجيء.

وأن الأقسام الأخرى متداخلة، ومرجعها إلى شيء واحد هو ما مرَّ من أنَّ المِلاك التنجز وعدمه فإنَّ كان وارتكبه وكان مخطئاً فهو، وإنْ لم يكن فليس منه، وإلاّ فيمكن تكثير الأقسام بأن يجعل من أقسامه التلّبس بما ظنَّه محرَّماً بظنٍّ معتبر عند العقلاء مع عدم وجود مؤمِّن شرعي، فإنَّ هذا القسم ليس بقطع بالحرام ولا احتماله، اللَّهم إلاّ أنْ يقال بشمول الاحتمال به، لكنّه خلاف الظاهر.

ثم إنَّ بعض هذه الأقسام لا تجري فيما لو كان قاطعاً، كالقسم الرابع والخامس والسادس، فإنَّ القاطع يستحيل أن يتحمل خطأه وإلاّ انقلب غير قاطع، ولذا ذكرها الشيخ (قُدِّس سرُّه) بعنوان: التلّبس بما يُحتمل كونه معصية، لا بما كان مقطوعاً.

هذا ويمكن أن يضاف إلى التجرّي أقسام أخرى على بعض المباني وإنْ كان فيها تأمل كما في الوصائل.

منها: إراءة مقدمات المعصية بدون قصدها، كمن يذهب إلى سوق الخمّارين موهماً أنَّه يريد الشرب، ولكن لا يقصد ذلك، إنَّما قصده مجرد الإراءة.

ومنها: إراءة مستتبعات المعصية من دون أنْ يكون قد ارتكبها، كمن يتصرف كما يتصرف الخمّارون، يريد إراءة أنَّه شرب الخمر من دون أنْ يكون قد شربها.

ومنها: أنْ يتظاهر بما يزعم الناس أنَّه عصيان، وهو يعلم أنَّه ليس بعصيان، كمن يملأ قنينة الخمر ماءً ثم يشربها، ممّا يتوهم للناس أنَّه خمر، وليس بخمرٍ.

ومنها: ترك ما يزعم الناس أنَّه ترك واجب، كمن يزعمه الناس أنَّه مستطيع، ولكنه لا يحج لعدم كونه مستطيعاً واقعاً، وإن كان يريهم نفسه أنَّه غيرُ مبال للحج، أو ترك المرأة الحائض الصوم حيث يزعم الناس أنَّها طاهرة.

وعد هذه الوجوه من التجري مبتنٍ على أنّ من التجري فعل المقدمات بدون القصد وهو يوهم للناس أنَّه قاصد.

وهذه الوجوه وإن كانت محل تأمل، إلاّ أنَّه حيث تم الخروج عن الاصطلاح فلا بأس بها.

ثم إنَّه قد يقال: إنَّ مرتكب ما قامت الإمارة على حرمته برجاء خطأها، إنَّما هو متجرِ للطريق إذ يلزم إلغاء احتمال الخلاف، كما أنَّ مرتكبها بناءً على أنَّها مصادفة إنَّما هو متجرٍّ للواقع.

لكن حيث إنَّ الإمارة طريقية فلا فرق بينهما في تجرّي الواقع لا الطريق، حيث إنَّ في الأول إلغاء احتمال الخلاف لم يكن واجباً واقعاًـ وإنْ كان كذلك ظاهراًـ، والمرتكب برجاء الخطأ يبني على عدم كون هذا الإلغاء واجباً.

اللَّهم إلاّ أنْ يقال بأن هذا هو عين التجرّي إذ إلغاء احتمال الخلاف وإن لم يكن واجباً واقعاً إلاّ أنَّه واجب ظاهراً، وليس المراد الحكم الظاهري، بل المراد أنَّ المرتكب يتصوره واجباً، هذا أولاً.

وثانياً: إنَّه لو سُلِّم أن في الأول تجرّياً للطريق، فإنَّ في الثاني لا يكون في الواقع فقط، بل فيه وفي الطريق أيضاً كما لا يخفى.

السابع:

أنَّه بناءً على حرمة التجرّي هل يوجب ارتكابه الفسق أم لا؟

حكى عن بعض العامة الحكم بفسق المتعاطي، وذلك لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي، ويعاقب في الآخرة ـ ما لم يتب ـ عقاباً متوسطاً بين الصغيرة والكبيرة، ورده الشهيد (قُدِّس سرُّه) بقوله: وكلاهما تحكّم وتخرّص على الغيب.

والمراد من قوله (كلاهما): الحكم بالفسق، والعقاب المتوسط.

أمّا أنَّ كون العقاب المتوسط بينهما تحكماً وتخرّصاً فلا شبهة فيه، حيث لم يدل عليه دليل أصلاً.

وأمّا أنّ كون ذلك فسقاً تخرّص، ففي إطلاقه تأمل.

إذ لو قلنا بأنَّ العدالة هي الملكة، وإنَّه لا واسطة بينها وبين الفسق، فإنَّ التجرّي على الكبيرة يزيل الملكة، وحيث لا واسطة فيصير فاسقاً.

أمّا لو قلنا بأنَّها ليست الملكة أو قلنا بالواسطة فلا ينقلب بذلك فاسقاً كما هو واضح.

نعم ما استدلَّ به هذا البعض من العامة من أنَّه فاسق لعدم المبالاة بالمعاصي، ليس وجهاً للفسق، اللَّهم إلاّ أنْ يقال بأنَّها الملكة وأنَّها تزول بذلك.

وبعبارة أخرى ـ كما عن بعض المحققين ـ إنَّ الوجه هو الحكم بكونه فاسقاً، إذا كان التجرّي على ارتكاب ما يوجب الفسق، وإنْ قلنا بعدم استحقاقه للعقاب أصلاً، نظراً إلى كشفه عن عدم وجود الملكة الرادعة له، بناءً على كون الفسق نقيضاً للعدالة بمعنى الملكة الرادعة، نعم لا إشكال في عدم الحكم بفسقه إذا كان متجرّياً بما لا يكون ارتكابه موجباً للفسق كما في الصغائر، وإن قلنا باستحقاق العقاب على التجرّي، إذا التجرّي على المعصية لا يكون أولى من ارتكاب نفس المعصية.

كما أنَّه لا إشكال في الحكم بعدم كونه فاسقاً لو بُني على كونه بمعنى الخروج عن طاعة الله بفعل الكبائر.

وفي هذا المبنى الأخير تأمل، لكن بناءً عليه يفرق بين مرتكب الكبيرة والمتجري بها حيث إنّ الأول يسقط عنها بمجرد الفعل، دون الثاني إذ على القول بالحرمة لا دليل على كونها كبيرة.

لا يقال: لا دليل على كونها صغيرةً أيضاً.

لأنَّه يقال: الأصل يدلُّ على عدم كونها كبيرة، وليس الأصل معارضاً، إذ هو أصل عدم الزيادة، وليس بمثبت، إذ لا نريد إثبات كونه صغيرة بل عدم كونه كبيرة، اللَّهم إلاّ أن يقال إنَّ الكبيرة والصغيرة من المتباينين.

وعلى فرض سقوط الأصل السببي، وصلت النوبة إلى الأصل المسببي وهو إجراء الأصل في الأثر، كعدم ترتيب أثرها كالفسق.

مضافاً إلى أنَّ كونه صغيرةً أثر شرعي، لا عقلي ولا عادي، فتأمّل: فإنَّ الأصل عدم كونه كبيرة، لازمه العقلي كونه صغيرة، لا أنه لازم شرعي، لأنَّ نفي أحد المتضادَّين الذين لا ثالث لها وإثبات الآخر بذلك، أصل مثبت عبر اللازم العقلي.

هذا، ولكن قد يشكلّ على إجراء أصل العدم ههنا، فإنَّه يمكن أنْ يقال، ما هو المراد به.

فإنَّ كان المراد أنَّه أصل برأسه، فلم يثبت وجوده.

وإنْ كان الاستصحاب، فلا حالة سابقة له، إذ المعصية منذ بدايتها إمّا كبيرة وإمّا صغيرة، فلا حالة سابقة كي تستصحب.

ثم إنّ أصل عدم الفسق لا يجري في جميع الموارد، فلو فرضنا أنَّ شخصاً تواردت الحالات عليه ونسيت الحالة المتأخرة، فلا تجري أصالة عدم الفسق، فتأمّل جيداً.