الفهرس

 

المؤلفات

 

قاعدة الملازمة

إنْ قلت: إنَّ قاعدة الملازمة، تدلّ على ذلك، لأنَّ كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع.

أقول: لتوضيح ودفع الإشكال ينبغي التنبيه على مسائل:

(الأولى)

إنَّ الحسن والقبح ـ بمعنى أن يفعل أو يترك، الذي لازمه المدح والذمُّ ـ لهما واقع غير أمر أو نهي الشارع، كما عليه العدليّة، وذلك إنَّما يكون في الأفعال الاختيارية التي توصف بأمر زائد عليها، لا كحركة المرتعش، خلافاً للأشاعرة القائلين بأنَّ الحسن ما حسنَّه الشّارع والقبيح ما قبَّحه هو، ولا واقع لهما سوى ذلك.

ويدلُّ عليه: إنَّ كلّ عاقل يجزم بقبح الظلم وحسن العدل، ولو كان غير متشرع إذ يحكم به حتى الملحدون، ولو لم يكن كذلك لجاز أنْ تعتقد طوائف من العقلاء بخلافها، كما في كثير من الأحكام الشرعيَّة، وأمّا اعتقاد الأشاعرة بخلاف ذلك وهم من العقلاء، فلشبهة حصلت لهم، كما قال بعض الفلاسفة بوجود الحال مقابلاً للوجود والعدم، مع أنَّ بطلانه من البديهيات، لذلك وحيث بطل التالي فالمقدم مثله، ومضافاً إلى أنَّه لو لم يكن كذلك، بل ثبتا بالشرع فلازمه انتفاؤهما به وبالعقل، إذ لو لم يكن قبح الكذب عقلياً، لجاز ذلك على الشارع، فلو أخبر بقبح شيء لا نعلم بقبحه، إذ يقبحه وكذب علينا ـ تعالى الله عن ذلك ـ وكذا في الحسن، ويلزم من وجوده عدمه باطل.

أمّا ما استدلوا به، بأنّ لا تفاوت بين الضروريات مع أنا نرى تفاوتاً بين العلم بحسن أو قبح بعض الأشياء، وبين العلم بأن الواحد نصف الاثنين، وبأن الشيء لو كان قبيحاً لكان كذلك مطلقاً، مع أنا نرى اختلافه باختلاف الموارد.

فغير تام: إذ لا نسلم عدم تفاوتها، بل منها ما يحتاج إلى تأمل كثير، كما في كثير من المسائل الرياضية، كالجذور والكسور ونحوها، والقبيح قد يعارضه أقبح، فيرجح الأهم على المهم.

أمّا هما بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، وبمعنى الكمال والنقص، فليسا محل إنكارهم لعقليتها، بل الكلّ متفقون على ذلك.

وقد يقول البعض بأنّ المصلحة في نفس الأمر والنهي، لا في المتعلق ـ في الجملة ـ.

وفيه أولاً: ما مرَّ في ردِّ كلام الأشاعرة.

وثانياً: إنَّ المصلحة الناشئة من الأوامر معلومة لها، فلا يمكن أنْ تكون مقتضية لها.

وأمّا ما مثلوا به لذلك من الأوامر الامتحانية، فغير صحيح، إذ المصلحة هي الامتحان والأمر طريق إليه، فإنَّ المصلحة حينئذٍ ليست في الأمر، وإلاّ لزم حصول المصلحة بمجرد الأمر بلا توقع حصول شيء من العبد.

(الثانية)

إنَّ الشّارع لا يفعل القبيح ولا يأمر به، ولا يخلُّ بواجب ولا ينهى عنه، إذ عكسه إنَّما يكون من المحتاج أو الجاهل أو الخبيث، أمّا الغني العالم غير الخبيث فلا، إذ الفعل إنَّما يتم إذا كان هناك داعٍ مع قدرة الفاعل، ولا داعي له إلى القبيح، لعدم حاجته إليه وعلمه بقبحه، فلا يصدر عنه ذلك حينئذٍ ضرورة، مضافاً إلى أنه لو جاز منه ذلك لم يمكن الوثوق بكلامه، واحتُمل صدور الكذب منه، وكذا لم يحصل وثوق بصدق الأنبياء (عليهم السلام) لجواز إظهار المعجزة على يد الكاذب، تعالى الله عن ذلك.

(الثالثة)

إنَّه أنكر بعض الإخباريين الملازمة بين حكم العقل بوجوب أو حرمة شيء، وبين حكم الشرع كذلك، فلا طريق إليه إلاّ الصادقون (عليهم السلام).

وذلك لأنَّ العقل يفيد الظن بحكم الله، ولا اعتماد على الظنّ المتعلق بإثبات أحكامه تعالى أو بنفيه.

فعن الأسترابادي في فوائده المدنية: (إنْ تمسكنا بكلامهم (عليهم السلام) فقد عصمنا من الخطأ، وإنْ تمسكنا بغيره لم نُعصم منه، ومن المعلوم أنَّ العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً وعقلاً، ألاّ ترى أنَّ الإمامية استدلوا على وجوب العصمة بأنَّه لو لا العصمة للزم أمره تعالى عباده باتباع الخطأ، وذلك محال، لأنَّه قبيح، وأنت إذا تأملت في هذا الدليل علمت أنَّ مقتضاه أنَّه لا يجوز الاعتماد على الدليل الظني في أحكامه تعالى). انتهى.

لكن الكلام أنَّ الملازمة قد تكون قطعية، فلا جرم يكون اللازم وهو الحكم الشرعي ثابتاً، فيكون النزاع حينئذٍ صغروياً، وليس من شك في أنَّ الحكم الشرعي إذا لم يثبت بالسماع فلا طريق إليه إلاّ القطع، لكونه حجةً ذاتاً لا يمكن جعله، ولا الردع عنه شرعاً، لاستلزام ذلك تحصيل الحاصل أو اجتماع الضدين، ولو في نظر العبد، والقائل بالملازمة إنَّما يدَّعى حصول القطع بها، وبعبارة أخرى إنَّ القائل بها إنَّما يقول بها في مورد حصول القطع بها.

وتوضيح ذلك: بأنَّه لا طريق إلى العلم بملاكات أكثر الأحكام، وكذلك نفس الأحكام إلاّ عن طريق الكتاب والسنة، إذ لا يوجد علم من العقل بجميع أسرار حكم الله تعالى، وأنَّها مبتنية على آية قاعدة واصل، نعم هي مجعولة طبق المصالح والمفاسد الواقعية، ولا علم لنا بكثير منها، (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، ولو فرض أنَّه علم بالملاك، فلا يصح أنْ ينسب الحكم إلى الشارع، إذا لعلَّه توجد موانع منه لم يدركها العقل.

نعم، القضايا التي تطابق عليها العقلاء أجمع ـ التي تسمى بالقضايا المشهورات ـ والتي يحكم العقل طبقها جزماً كالإطاعة ونحوها يمكن أن تكون ملاكات للأحكام المولوية الشرعيَّة، لكن يستحيل توجيه أمر مولوي ثانياً ـ بعد حكم العقل، للغويّته ولكونه تحصيلاً للحاصل، إذ غاية ما يكون فيه إيجاد الداعي لدى العبد للفعل في الواجب أو الترك في الحرام، والفرض أنَّ العقل يوجد ذلك الداعي فلا حاجة إلى أمر جديد إلاّ من باب التأكيد والإرشاد.

لكن قد يُدّعى أنّ كثيراً من العباد لا يصغي للعقل، فهو لم يوجد الداعي فيه، فالشّارع يوجد الداعي بأمر مولوي.

لكنّها بعيدة إذ لا يراد من ذلك إلاّ صلاحية العقل للدعوة إلى الفعل أو الترك، لا أنَّه يكون داعياً بالفعل لكلّ أحد ـ كما أنَّ الأوامر المولوية كذلك فإنَّها لا تسبب فعلية الداعي بل قد يخالفها أكثر الناس، وإنَّما هي صالحة لإيجاد الداعي، فكما أنَّه لو لم يمتثل العبد بالأمر الأول، فأمره المولى بأمر ثان، وأوجد الأمر الثاني الداعي فيه، ليس ذلك أمراً جديداً وإنَّما هو تأكيد للأمر الأول ـ والذي كان صالحاً للداعوّية ـ لغرض فعليّة الداعي، فكذلك ما نحن فيه من حكم العقل، فإنَّه لا يمكن الحكم الشرعي فيه إلاّ إرشاداً.

والحاصل أنَّ الأوامر ـ عقلية كانت أو مولوية ـ لا يُراد منها إلاّ صلاحيتها لإيجاد الداعي لا لفعليته، وحيث كان حكم العقل صالحاً لذلك، فلا يمكن إيجادها مرة ثانية بالأمر المولوي، وإلاّ لزم تحصيل الحاصل.

اللَّهم إلاّ أنْ يقال: فرق بين الأمر العقلي الأول والأمر الشرعي الأول، إذ وزان الأمرين الشرعيين واحد، بخلاف الأمر العقلي الأول والشرعي الثاني، وبعبارة أخرى: الحكم العقلي فاقد للصلاحية عند البعض فالأمر الشرعي ينشئ الصلاحية، بعكس الأمرين الشرعيين فإنَّ وزانَّهما واحد.

مضافاً إلى أن الأمر الشرعي المولوي هو استحقاق العقاب على مخالفته، فإنَّ المعروف أنَّه لا عقاب على مخالفة الحكم العقلي، فالشّارع يأمره وأثره استحقاق العقاب، وأثر ذلك انبعاث المكلّف، إذ يرى أنَّه لو لم يكن عقاباً فلا داعي للتقيُّد بحكم العقل، فتأمّل.

وبعد بيان أنَّ العقل لا يمكن أنْ يستقل بإدراك حكم الشرع وملاكه نقول: إنَّ حكم العقل إنَّما يكون في الملازمة بين حكم شرعي ثابت معلوم أو حكم عقلي كذلك، وبين حكم شرعي آخر، فقد تكون ملازمة واضحة إمّا لكونها من البديهيات، كما في الحكم باستحالة العقاب بلا بيان، اللازم منه البراءة الشرعيَّة، وقد تحتاج إلى تعمُّل العقل فيدركها بالكسب عن طريق البديهيات أو النظريات التي تنتهي إلى المسائل البديهية كما في مسألة الأجزاء والضد ونحوهما، بعد ذلك يحصل القطع بالحكم الشرعي، لكونه اللازم، إذ لو حصل قطع بالملزوم ـ وهو الحكم الشرعي أو العقلي المعلوم ـ، وكذلك بالملازمة، فلابد وأن يحصل له قطع باللازم ـ وهو الحكم الشرعي ـ بداهة.

والحاصل: إنَّه مع هذين القطعين يحصل القطع الثالث بداهة، كما في كلّ قياس اقتراني، فإنَّه يشكلّ منه قياس على هذه الصورة فيقال مثلاً: هذا ممّا قام الدليل على وجوبه، وكلّما كان كذلك استلزم حرمة ضدهّ ـ بناءً على القول بها فينتج من ذلك حرمة الضد، فالملازمات تكون الكُبريات، فلو علمنا بحكم شرعي أو عقلي تحصل الصغرى، وبضمّها إلى الكبرى تحصل النتيجة لا محالة.

وستأتي إن شاء الله تعالى تتمة لذلك.

ثم إن صاحب الفصول (قُدِّس سرُّه) قد تبع بعض الإخباريين في إنكار الملازمة، فعنه: (إنَّه لا ملازمة عقلاً بين حسن الفعل وقبحه، وبين وقوع التكلّيف على حسبه ومقتضاه، وإنَّما الملازمة بين حسن التكلّيف بالفعل أو الترك وبين وقوعه).

وكلامه (قُدِّس سرُّه) وإنْ كان بحثاً في الأعمّ أي: الملازمة بين الحسن والحكم، وكذلك الحكم والحسن، لكنه يشمل أيضاً ما نحن فيه من الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، إذ حكم العقل إنَّما يكون فيما لو حسُن الفعل أو قبُح، فهل يحكم الشرع أيضاً طبقاً لذلك أم لا؟ فصاحب الفصول أنكر ذلك أيضاً تبعاً لإنكار الكلّي.

وقد تمسك لذلك بوجوه:

الأول: حسن التكلّيف الابتلائي، فإنَّ الضرورة قاضية بحسن أمر المولى عبده، بما يستحق فاعله المدح استخباراً لحال العبد أو إظهاراً لحاله عند غيره، ولو كان حسن التكلّيف مقصوراً على حسن الفعل لما حسن ذلك.

الثاني: التكاليف التي ترد مورد التقية، فإنَّها متصفة بالحسن لما فيها من صون المكلّف عن شرور المخالفين (مع أنَّه لا حسن في نفس الفعل).

الثالث: إنَّ بعض التكاليف مشترطة بقصد القربة، ولولاها لما رجحت، ولما وجبت مع أنَّ تلك الأفعال واقعاً إمّا واجبات عقلية مطلقاً أو بشرط الأمر بها، وعلى التقديرين يثبت المطلوب، إذ في الأول يحكم العقل بوجوبها حتى مع عدم قصد الامتثال، والشرع حكم بعدم الوجوب، وفي الثاني فلانتفاء الحسن قبل التكلّيف، فلم يتفرع حسن التكلّيف على حسن الفعل.

الرابع: الأخبار الدالة على عدم تعلق بعض التكاليف بهذه الأمة دفعاً للكلّفة والمشقة عنهم، كما يظهر من قوله (صلى الله عليه وآله): (لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسوِّاك)، فإنَّ وجود المشقة في الفعل قد يقدح في حسن الإلزام به.

ومردُّ هذا الوجه: إلى أنَّه من الممكن أنْ تكون لجهات المصالح والمفاسد، موانع في نظر الشارع، ولم يصل العقل إليها، إذ غاية ما يدرك أنَّ للفعل مصلحة فيُحسن أو مفسدة فيقبح، ويمكن أنْ لا تكون تلك ملاكاً للحكم الشرعي، لوجود موانع.

الخامس: إنَّ كثيراً من الأحكام الشرعيَّة معللّة ـ ظناً أو احتمالاً ـ بحِكَم غير مطّردة في مواردها ومع ذلك فقد حافظ الشّارع على عمومها وكلّيّتها، حذراً من الأداء إلى الاختلال بموارد الحكم، فالفعل في الموارد المنفكّة عن العلّة خالٍ من المصلحة، مع اطراد الحُكم واختصاص الحكمة بالبعض.

السادس: الصبي المراهق إذا كان لطيف القريحة، كامل العقل يثبت في حقّه الأحكام العقلية مع أنَّه لا يجب عليه شرعاً.

وَيردُ على الأول:

أولاً: إنًَّنا لم نقل حسن التكلّيف مقصور على حسن الفعل بمعنى أنَّه لا يحسن التكلّيف إلاّ مع حسن الفعل، بل قلنا: كلّما حسن الفعل حسن التكلّيف فالملازمة من ذلك الطرف، لا أنَّه كلّما حسن التكلّيف حسن الفعل.

وثانياً: إنَّ الكلام في أنَّه بعد إدراك العقل الحسن أو القبح هل يحكم الشّارع طبقه أم لا، فلا معنى للامتحان حينئذٍ.

مضافاً إلى أن الامتحان إنَّما يكون لاشتمال الفعل على مصلحة بعد تعلّق الأمر، فعن الشيخ (قُدِّس سرُّه) تقسيم التكلّيف إلى ثلاثة أقسام: فقسم يكون الفعل المأمور به مشتملاً على مصلحة توجب الأمر به، وهذا خارج عن الأمر الامتحاني، وقسم تكون المصلحة في صدوره فقط من غير أنْ يكون الفعل ذا مصلحة ـ كما في التقية القولية ـ لا الفعلية ـ فحينئذٍ يكون الأمر صورياً محضاً، وقسم لا يكون في الفعل مصلحة بل تكون فيه مفسدة لكن بعد تعلّق الأمر به توجد في فعله مصلحة، من حيث إنَّه محصل للامتثال، أي يكون الفعل حينئذٍ طريقاً إلى تحصيل عنوان محبوب لا يمكن الأمر به ابتداءً، مثلاً يكون المطلوب هو الإطاعة فلا يصح الأمر بإظهار طاعة من دون سبق تكلّيف لأنَّها امتثال لأمر المولى لا غير، والمفروض انتفاء موضوعه في المقام، فلابدَّ في ذلك من الأمر بشيء قد يكون مبغوضاً، فهذا الأمر بالنسبة إلى المتعلق يكون صورياً، لا يوجب وجوباً، وإنْ تخيّله المكلّف لعدم إطلاعه، وبالنسبة إلى المطلوب واقعاً فهو كالقسم الأول.

والحاصل: إنَّه في الأوامر الامتحانية يسحن الفعل لتحصيله غرضاً من أغراض المولى، وإنْ لم يكن كذلك بالذات.

وعلى الثاني:

إن التقية تتصور على نحوين، فإمّا لحفظ الإمام (عليه السلام) نفسه، وإمّا لحفظ المكلّفين والسامعين.

والأول: إنَّما يكون فيما لم يكن في العمل تقيةٌ أصلاً، وإنَّما في القول فقط، وهذا لا يوجب حكماً أصلاً، لأنَّه صوري بحت قطعاً، وإنْ كان قد يتصور المكلّف ذلك لكنَّه لا يضر بها، فليس هناك تكلّيف كي يقال إنَّه حسن.

والثاني إنَّما يكون إذا كان في العمل تقية، وحينئذٍ يصير الفعل حسناً، لتلك الوجوه والاعتبارات التي منها صون النفس، فيكون الفعل من الأفعال التي تختلف باختلاف الوجوه والاعتبارات، كما في الكذب لإنقاذ محترم النفس من القتل فإنَّه حسن مانع عن النقيض، وإن كان الكذب مع قطع النظر عن ذلك لا حسن فيه، وكذلك يقال ههنا بأن العمل مع غض النظر عن حفظ النفس ـ لا مصلحة فيه ولا حسن بل قد يكون قبيحاًـ لكنّه باعتبارها ينقلب حسناً، بل قد يصل إلى المانع عن النقيض، فحينئذٍ يكون الفعل والتكلّيف كلاهما حسناً.

وعلى الثالث

إنَّ تقسيم تلك الأفعال إلى قسمين: فإمّا واجبات عقلية مطلقاً أو بشرط الأمر بها، ممّا لا يصح، إذ هنا قسم ثالث وهو: كونها واجبات عقلية بشرط القربة، أي أنّ الفعل بشرط القربة يحكم العقل بوجوبه لأنَّه كشف الحسن في هذه الصورة لا غير عن طريق الشرع، فلا يثبت حينئذٍ مطلوب صاحب الفصول (قُدِّس سرُّه).

مضافاً إلى خروجه عن البحث، إذ عقولنا لا تدرك حسن الأعمال العبادية غالباً، غير إدراك الكلّي، كوجوب شكر المنعم ونحوه إلاّ عن طريق الشرع، والكلام إنَّما يكون فيما لو أدرك العقل حسن أو قبح شيء، هل يحكم الشرع طبقه أم لا.

وعلى الرابع

أولاً: بالنقص، فإنَّ صاحب الفصول (قُدِّس سرُّه) قائل بالملازمة بين حسن التكلّيف بالفعل أو الترك وبين وقوعه، ففي مورد السّواك التكلّيف حسن لقوله (صلى الله عليه وآله): (لأمرتهم). اللَّهم إلاّ أنْ يقال إنَّ الحسن حينئذٍ تقديري، والكلام في الحسن الفعلي.

وثانياً: إنَّ المشقّة من اعتبارات الفعل، فلولاها لكان حسناً مانعاً عن النقيض، كما في كلّ فعل يتغيّر بالاعتبارات، كما مرَّ.

لكن يمكن دفعه: بأنَّ بعض هذه التكاليف الحرجيّة كانت على الأمم السابقة، فيدلُّ ذلك على عدم كون المشقّة كذلك، بل رفع التكلّيف عن هذه الأمة امتناناً، ولازمه عدم الملازمة، فتأمّل.

وثالثاً: إنَّ الكلام في الملازمة فيما أدركه العقل من الحسن والقبح ونحوهما، لا فيما لم يدركه، فإنَّ غالب هذه التكاليف لا يدرك العقل حسنها أو قبحها، والشّارع أخبر بحسنها الواقعي مع رفعه لها، والكلام إنَّما يكون فيما يدركه العقل من ذلك.

وأمّا احتمال أن تكون لجهات المصالح والمفاسد موانع في نظر الشّارع لم يصل إليها العقل.

ففيه: إنَّ العقل إنَّما يستقل بالحكم بعد ملاحظة جميع الجوانب والقطع بعدم الموانع، حيث إنَّ الشّارع لا يحكم، إلاّ طبق المصالح والمفاسد ـ لحكمته ـ.

وعلى الخامس

مضافاً إلى خروجه عن البحث، إذ الكلام فيما يحكم العقل بالتكلّيف، لا فيما لا حكم له، وإلى عدم القطع بكون تلك الأمور عللاً، كما قال هو: (بأنَّ كثيراً من الأحكام الشرعيَّة معللة ظناً أو احتمالاً)، وذلك لا يكفي لدفع الملازمة، إنَّ نفس الحذر يكون حكمة في الباقي، أي أنَّ في الباقي وإنْ لم يكن في الفعل مصلحة، لكن نفس الحذر من الاختلال يكون من الوجوه والاعتبارات المحسِّنة للحكم: مع احتمال وجود علل وحكم أخرى في الباقي لم يصل إليها العقل، ولم تصل إلينا بالنقل.

وأمّا السادس:

فقد دفعه الشيخ (قُدِّس سرُّه) بالالتزام بالأحكام الشرعيَّة في حقه أيضاً بعد ما أدرك الحكم العقلي كحرمة الظلم، أو وجوب ردّ الوديعة، غاية ما في الباب العفو عنه ثابت بالشرع تفضلاً، كما في المعاصي الصغيرة مثلاً، مع أنَّ الحكم بثبوت العفو في بعض المقامات كما لو فرضنا فيما لو قتل الصبي قبل بلوغه بساعة، مع كمال عقله وإدراكه نبياً (صلى الله عليه وآله) أو وصي نبي (صلى الله عليه وآله) في غاية الصعوبة، فإنَّه ربَّما يخالف العدل على ما لا يخفى.

لكن يمكن أنْ يقال: إن حديث رفع القلم عن الصبي مطلق في جميع الموارد.

أمّا التزام الشيخ (قُدِّس سرُّه) بالأحكام الشرعيَّة في حقّه، وما مَثّل به، فغير تام إذ بعض الأشياء صرف وقوعها في الخارج مبغوض للمولى، لا أنّ الفاعل مكلّف، مثلاً لو أراد الحيوان قتل إنسان وجب ردعه عن ذلك، ووجب تأديبه لكي لا يكرر، فالردع والتأديب ليس لأجل مخالفة التكلّيف، لأنَّه لا تكلّيف، بل لأجل مبغوضية وقوع الفعل ـ بالمعنى الاسم المصدري أي: مع قطع النظر عن الفاعل ـ، والصبي كذلك لا تكلّيف له، لكن ليس معنى ذلك أن لا يُردع أو لا يؤدب.

والحاصل: إنَّ العقل يمكن أنْ يدرك جميع المصالح والموانع، ويحكم جزماً، ويكشف من ذلك حكم الشرع أيضاً حيث لم تبتل تلك المصالح بموانع لا نعلمها، إذا الفرض إدراكها لها أجمع وفقدها في المورد.

ولا إشكال في أنّ العقل قد يستقل بإدراك المفسدة المانعة من النقيض غير المزاحمة أو المصلحة كذلك، وبعد ذلك يقبح أو يحسن العمل، ويذم أو يمدح الفاعل، وحينئذٍ يحصل العلم بتمام مناط حكم الشارع، فتثبت قاعدة الملازمة، اللَّهم إلاّ أن يقال إنْ الشرع قد يستغني بحكم العقل فلا يحكم حينئذٍ فتأمّل.

وقد يقال: لا يلزم أنْ يكون ذلك كلّ الملاك عند الشارع، إذ لعل الشّارع يرى مصلحة في سكوته على ارتكاب العبد القبيح لمصلحة أعظم، كتسهيل الأمر عليه، مع أنَّها لا توجب منع استقلال العقل عن حكمه بقبح العلم، إذ لا معنى للصبر على القبيح مع عدمه.

إنْ قلت: ورد في الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله): (إنَّ الله سكت عن أشياء ولم يسكت عنها نسياناً)، ومعنى ذلك أنَّه مع وجود المصلحة أو المفسدة، فقد سكت الله تعالى عنها، وسكوته تعالى هو عدم جعل الحكم فيها.

قلت:

أولاً: إنَّ تفسير الخبر بذلك محل تأمل؛ إذ لعل المراد في غير الأحكام أو غير الإلزاميّة.

وثانياً: ما أشار إليه النائيني (قُدِّس سرُّه): بأنَّه في المورد الذي استقل العقل بحسنه وقبحه لم يكن سكوت من الشارع، وكيف يكون ممّا سكت الله عنها، مع أنَّ العقل رسول باطني، وقد استقل به.

وإنْ أجاب العراقي (قُدِّس سرُّه) عنه (بأنَّ كونه رسولاً باطنياً إنَّما هو في صورة إحرازاً أنّ الشارع اتكلّ في بيان مرامه بحكم العقل، وإلاّ فمع احتمال عدم اتكاله عليه وإنّ صبره وسكوته عن إظهار مرامه لمصلحة أعظم من قبح العمل، فكيف يكون العقل رسولاً باطنياً)، فتأمّل.

وثالثا: مع غضِّ النظر عن الجواب الثاني، فإنَّ سكوته لعله في موارد لم يصل العقل إليها.

ثم إنَّ صاحب الفصول (قُدِّس سرُّه)، التزم بالملازمة الظاهرية، ومحصّل كلامه: إنَّه لو جهل العقل جهات التكلّيف وأدرك جهات الفعل، حكم في الظاهر بثبوت التكلّيف لأنَّ قضية جهات الفعل وقوع التكلّيف على حسبها إلاّ أنْ يعارضها مانع ولا يكفي احتماله، إذ المحتمل لا يصلح في نظر العقل لمعارضة المقطوع به.

وَيردُ عليه: بأنَّه لا يستقل العقل بالحكم لو احتمل وجود المانع، حتى في الظاهر.

مضافاً إلى أنَّه يكون في بعض الموارد شكٌ في مانعية الموجود، ولا حكم مطلقاً ههنا، ولو كان شكَّ في المانع فلا يجري أصالة عدمه، لأنَّه إنْ كان أصلاً شرعياً فإنَّه حينئذٍ يكون أصلاً مثبتاً، إنْ كان أصلاً عقلياً فغير مسلم جريانَّه في الأمور الخارجية والواقعية، وإلى أنَّه يحتمل أن يكون المقتضي فاقداً لبعض أجزائه، فلا تجري الملازمة الظاهرية حينئذٍ.

وحيث اتضحت المسائل الثلاث نقول في دفع الإشكال على أنَّ القبح العقلي لا ينتج الحرمة، بقاعدة الملازمة:

إنّ معنى قاعدة الملازمة أنَّ الشرع يحكم بقبح التجرّي تبعاً للعقل، لكن ليس لازم ذلك الحرمة الشرعيَّة، لما ذكرنا من أنّ الحكم الشرعي المولوي يستحيل حينئذٍ لاستلزامه تحصيل ـ كما مرَّ على تأملٍ ـ.

ولذا قال الآخوند (قُدِّس سرُّه) في الحاشية:

(إنّ قصد الإطاعة الواجبة ووجوبه عقلاً، وقبح قصد المعصية وحرمته كذلك لا يستتبعان الوجوب والحرمة المولويين شرعاً ولو على القول بالملازمة.... الخ)، وإنْ عُلِّل ذلك بما يحتاج إلى التأمل.

نعم، يظهر من جملة من المتكلّمين: إنّ الحسن الذي لازمه المدح بفعله والذم بتركه، وكذلك القبح ليس عند الشّارع إلاّ الثواب والعقاب.

فعن بعضهم: إنَّ المدح والذم اللسانين يستحيلان عليه تعالى، فلابد من كونه بالثواب أو العقاب، وفي التقريرات بعد ذكر جملة من كلمات المتكلمين (فظهر من جميع ما مرَّ أنَّ المراد من الحسن والقبح الواقعين في عنوان النزاع، المراد به ما يستحق الفاعل المدح في العاجل والثواب في الآجل).

وإنَّما قلنا الحسن الذي لازمه المدح بفعله والذم بتركه، لأنَّ الحسن عندهم أعمُّ من ذلك، فقد قسَّموا الفعل إلى حسن وقبيح، والحسن إلى مالا يتعلق بفعله ذم، والقبيح بخلافه، والحسن أمّا أنْ لا يكون له وصف زائد على حسنه وهو المباح، وامّا أن يكون له وصف كذلك، فإمّا يستحق المدح بفعله والذمُّ بتركه وهو الواجب، أو يستحق المدح بفعله ولا يتعلق بتركه ذمُّ وهو المندوب، أو يستحق المدح بتركه ولا يتعلق بفعله ذم وهو المكروه.

لكن يرد عليه: إنَّ المدح كذلك والذم، عند الشّارع أعمَّ من العقاب والثواب، بل قد يحصل المدح برضوان الله تعالى وقرب العبد إليه، والذم بعدمهما مع عدم العقاب، فإنَّ صاحب النفس الخبيثة بلا مبرر لها عقلاً، وبقاعدة الملازمة شرعاً، لكن لا عقاب عليه لذلك، فأيُّ فرق بينهما.

والحاصل: إنَّهم يسلمون أنَّ لا عقاب على من يحمل نفساً خبيثة إذا لم يظهرها مع أنَّه مذموم عقلاً وشرعاً، فتفسيرهم الذمُّ الشرعي بالعقاب ينافي هذا الأصل المتسالم عليه، وعكس ذلك في المدح.