الفهرس

 

المؤلفات

 

أصولية المسألة

قد تُعنون المسألة (بأن التجرّي هل هو حرام أم لا؟) وعنونه صاحب الكفاية (قُدِّس سرُّه) بقوله (فهل يوجب استحقاقها ـ أي العقوبة ـ في صورة عدم الإصابة) والشيخ (قُدِّس سرُّه): (لكنَّ الكلام في أنَّ قطعه هل هو حجّه عليه من الشّارع وإن كان مخالفاً للواقع، وبعض: (بأنَّ الخطابات الأوّليّة تعمّ صورتَي الإصابة والخطأ أم لا) وآخرون: (بأنَّه قبيحٌ أم لا).

العنوان الأول

وَيردُ على الأول: بأنَّه يكون حينئذٍ من عوارض فعل المكلّف، فتخرج عن كونها أصوليّة.

ولا يجدي التقصّي بعمومية المسألة للموضوعات وكلّ ما كان كذلك يكون قاعدة أصوليّة، بخلاف المسائل الفقهية، فإنَّها تبحث عن أحكام مواضيع خاصّة، وهذه ليست كذلك بل هي عامّة.

وذلك لأنَّه لا يُشترط فيها ذلك المناط غيره.

إذ جملة من القواعد الفقهيّة كذلك كقاعدة ما يضمن وعكسها، وكالحمل على الصحة وغيرها كثير، هذا من حيث انطباق تعريف الفقه عليه.

مضافاً إلى أنَّه بناءً عليه يكون موضوع الفقه متحققاً فتكون فقهيّة، إذ كما حقق في محله يكون تمايز العلوم بالموضوع، فإنَّ كان واحداً وإلاّ فبالجامع العنواني بين المواضيع.

وأمّا ما قيل: من أنّ الجامع لا يمكن، فإنَّ الموضوع قد يكون وجوديّاً وقد يكون عدميّاً، كالفقه فبعضها كالصلاة وجوديّ، وبعضها عدميّ كتروك الحج والصوم ـ بناءً على أنَّه الترك لا كف النفس ـ كما أنَّه قد يكون من مقولة الكم كالتكلّم، وقد يكون من مقولة أخرى، ويمنع الجامع الماهوي بين مقولتين فضلاً عن الوجود والعدم، فكيف يمكن الالتزام بوجود جامع حقيقي يكون مؤثراً في الغرض؟

فجوابه: الالتزام بالجامع العنواني ـ وهو جامع اعتباري كالمفهوم الجامع بينهما ـ ولكن لا ندّعي أنَّه المؤدي للغرض، بل هو جامع لمسائل العلم ومائزه عن غيره، والغرض يترتب على نسبة المحمول إلى الموضوع في كلّ مسألة، وكلّ واحد منها موضوعه حقيقي، كما أنّ كلّ مسألة من مسائل النحو تؤدي جزءاً من غرضه وهو الصيانة إذ الغرض واحد نوعي، وكلّ واحد نوعي يكون كذلك.

لا يقال: إنَّ بعض العلوم موضوعها متحدٌ كالنحو والصرف، فإمّا يلتزم باتحادها وهو باطل، أو بأنّ التمايز بغيره.

لأنَّه يقال: إنّ الموضوع ليس الكلّمة حتى يلزم ذلك، بل هو ذلك مقيداً بالحيثيّة فهما متغايران بها، ففي النحو الكلّمة من حيث تلفظ آخرها، وفي الصرف من حيث صحتها وإعلالها، وليس المراد منها إلا القابليّة لكي لا يلزم حمل الشيء على نفسه، كما أشار إليه الأصفهاني، وحاصله أنَّه لا يرد إشكال تحصيل الحاصل في تقسيماته كقولنا الكلّمة من حيث الإعراب والبناء معربة أو مبنيّة، إذ فيه أخذ قيد القابليّة وفيها الفعلية، فيصحُ التقسيم كما لا يخفى.

ولا يمكن أن يكون التمايز بالغرض إذ هو معلول، ففي رتبة العلّة لابدَّ من مائز، ليس إلاّ الموضوع.

مضافاً إلى أن بعض العلوم لا غرض لها سوى حب الاستطلاع، فلا يوجد حتى يكون مائزاً، وإنْ قيل: إنّ هذا هو الغرض، فيقال لازمه اتحاد تلك العلوم ممّا لا يصح.

والى أنَّه قيل بإمكان غرضين لعلم واحد، ولازمه على ذلك كون العلم علمين. اللَّهم إلاّ أنْ يقال إنّ التمايز بالغرض، لا أنّ وحدة الغرض مكونة لوحدة العلم، وقاعدة الواحد لا يصدر إلاّ من الواحد غير جارية في المقام لإمكان الجامع بين الغرضين.

لا يقال: إنَّ الغرض أول ما ينقدح ويطلب الوصول إليه، وإنْ كان آخرُ ما يتحقق من الخارج.

لأنَّه يُقال: إنَّه وإنْ كان كذلك، إلاّ أنَّه بحسب قاعدة المسانخة يجب أنْ يكون المائز والمميّز في عالم واحد، إمّا كلاهما في الخارج، أو هما في الذهن، وإمّا هما حقيقيان أو اعتباريّان إلى آخر التقسيمات ولا يمكن التفكيك، وهو ذهني لكونه علّة غائية والتمايز خارجي.

فاتضح أنَّ هذا العنوان يشمله موضوع الفقه، فتخرج عن كونها أصوليّة.

ولو سلم أنّ التمايز بالغرض فإنَّ غرض الفقه متحققٌ بناءً عليه وحيث إنَّ التمايز بالغرض فتكون فقهيةً كما لا يخفى.

لكن قد يُقال: إنَّ المسألة فقهية، والبحث عنها استطرادي، إذ وإنْ أمكن تصحيح أصوليتها ـ كما سيجيء ـ لكن المراعى في الأصولية وعدمها هو النظر فيما تقتضيه المسألة من كيفية طرحها والنظر في مصبِّها، وإلاّ أمكن طرح كلّ مسألة فقهيّة في الأصول بتغيير في المحمول.

ولذا قد أُشكلّ على من صحّح أصولية المسألة في مقدمة الواجب: (بأنّ كلّ مقدمة يستلزم وجوب ذيها وجوبها) بأنَّه إنْ قُبل ذلك أمكن تحويل المسائل الفقهيّة بجعلها أصولية. مثلاً يقال: (الضمان بالصحيح يستلزم الضمان بالفاسد) فيُضمُّ إلى صغرى (هذا فيه الضمان بالصحيح) أو يُقال: (كلّ أمر المسلم محمولٌ على الصحيح) فيضَّمُ إليه هذا أمر المسلم، فتأمّل، فإنَّ النتيجة في المثال حكم فرعي، وأن الطرح منوط بالطارح والصبّ بالصاب.

ولا يرد على تحريرها فقهية ما أشكلّ به النائيني (قُدِّس سرُّه) بقوله: (وأنت بعدما عرفت أنَّ انكشاف الواقع لا يزيد بنظر القاطع على الواقع بشيء ويستحيل أنْ يكون بهذا العنوان محكوماً بحكم آخر، تعرف بطلان تحريرها فقهية).

إذ فيه:

أولاً: أعميّة البحث لغيره كالظن، بل قال قبل أسطر من ذلك: (إنّ حال مخالفة الطريق الوجداني، حال الطريق الجعلي، بعينها من دون فرق بينهما أصلاً، وعليه يكون محل النزاع في المقام أعمّ من مخالفة القطع الوجداني والإمارات والأصول، حتى أصالة الاحتياط في موارد العلم الإجمالي أو غيرها، وبالجملة مخالفة مطلق المنجز للحكم على تقدير انكشاف عدم ثبوته في الواقع يكون محل الكلام في المقام).

وثانياً: إنَّ ما ذكره يجري في الطريقي فقط لا الموضوعي، إلاّ أنْ يقال بخروجه كما سيجيء أنَّ ذلك هو الصحيح.

وثالثاً: إنَّ الحكم بالحرمة لا يختصُّ بالظن بل يجري في القطع أيضاً، فإنَّ ارتكاب القاطع بالحرمة ـ مصادفاً للواقع ـ حرام قطعاً ويمكن نهيه، بل قد يجب، إنْ اجتمعت الشروط، فلا مانع من نهي الجاهل المركب والحكم بالحرمة عليه، والخلط إنَّما حصل بين الحكم والموضوع، فإنَّ ما ذكره يجري في الأول، وأمّا الثاني فإنَّ المقطوع به والحكم متغايران.

نعم إنْ أراد ما قاله الشيخ (قُدِّس سرُّه) مِنْ أنَّ الحكم إنَّما هو على الواقع لا على مقطوع الحرمة مثلاً، فلهذا الكلام مجال هذا.

ويظهر من الشيخ التصريح بذلك حيث قال: (إنّ الكلام في أنّ الفعل غير المنهي عنه واقعاً يصير مُحرماً شرعاً أو مبغوضاً، بسبب تعلّق اعتقاد المكلّف بكونه كذلك؟).

العنوان الثاني

وأورد على الثاني: بأنّ البحث عن استحقاق العقاب وعدمه كالبحث عن الحسن والقبح بحث كلامي.

لكنَّه غير وارد على الآخوند (قُدِّس سرُّه) إذ هو قائل بأنَّ البحث عن القطع في الأصول بحث استطرادي حيث قال: (لا بأس بصرف الكلام إلى بيان ما للقطع من الأحكام، وإنْ كان خارجاً عن مسائل الفن وكان أشبه بمسائل الكلام) والتجرّي من بحوث القطع، وقد صرّح بذلك في حاشية الرسائل حيث قال: ويمكن أنْ يقع النزاع في مجرد استحقاق العقوبة في صورة المخالفة واستحقاق المثوبة في صورة الموافقة، من دون نظر إلى جهة أخرى فيكون مسألة كلامية.

وإنْ كان يرد عليه الإشكال صغرى وكبرى:

أمّا صغرى: فإنَّه كما يجري في القطع كذلك يجري في الظن المعتبر والشك، إذا كانت حجّه على العبد كالاستصحاب والاحتياط ونحوها، كما لو ارتكب أحد أطراف الشبهة المحصورة ولم يصادف حراماً، أو مستصحب النجاسة وقد طهر واقعاً، أو خالف البيّنة وكانت مخطئة، فإذا كان كذلك فيمكن طرحه في غير القطع أصولياً، ولا داعي للقول بالاستطراد، لو كان بعض أطراف المسألة منه.

وأمّا كبرى:

فيَرِدُ عليه بأن الالتزام بخروج القطع عن مسائل الأصول لجهتين كلتاهما محل تأمل.

الجهة الأولى: إنَّ مسائل الأصول قواعد يستنبط منها أحكام شرعية أو ينتهي إليها المكلّف في مقام العمل، فالعلم بالأحكام من اللوازم المترتبة على العلم بتلك المسائل فلا يكون موضوعاً لها.

الجهة الثانية: إنَّ مسائل الأصول ما كانت حجّة، والحجّة عبارة عن الوسط الذي يحتجُ به على ثبوت الأكبر للأصغر، ويكون واسطة في الإثبات، ولا يمكن ذلك في القطع، إذ لا يقال إنّ هذا معلوم الخمريّة، وكلّ معلوم الخمريّة يجب الاجتناب عنه، وذلك لأنَّ وجوب الاجتناب ليس عن معلوم الخمريّة، وإنَّما هو عن الخمر الواقعي، فإطلاق الحجّة عليه من باب إطلاق السبب على المسبب.

أمّا الأولى ففيها:

أولاً: إنّ بعض مسائل القطع لا تقع نتيجة القياس بل تقع في مقدماته، كمباحث العلم الإجمالي، فإنَّه في كبراه يبحث عن تنجّزه بنحو المقتضي أو العلَّة التّامة، للموافقة القطعية أو المخالفة كذلك، أو بالتفصيل، ففي الأول إحداهما وفي الثاني الآخر، إلى آخر التفصيلات فيه، فحينئذٍ يقال: هذا معلوم الحرمة مثلاً بالعلم الإجمالي، وكلّما كان كذلك فحكمه كذا، فإطلاق القول بأنَّه يقع في النتيجة فقط لا وجه له.

وثانياً: إنَّ حجيتّه ليست مختصة بما لو كان نتيجة لمسألة أصوليّة ـ توجب القطع بالحكم أو بالوظيفة ـ بل تجري ولو حصل من غير سبب شرعي، سواءٌ حصل بلا سببٍ ظاهر ـ وإنْ كان واقعاً إذ لا يعقل معلول بلا علة ـ أو ظاهر غير مجعول شرعاً، فإنَّ حجيتّه ذاتيّة.

وثالثاً: إنّ بعض مسائله هي نتائج لمسائل أصوليّة أخرى، ككل صغريات حجيّة الظهور، فإنَّها نتيجة لكبرى حجيته، فتأمّل.

وكأنَّ وجهه مبتنٍ على ما قيل من أنَّ مسائله كبريات القياس، وهو غير صحيح، لاستلزامه الاستطراد في هذه الصغريات، ممّا لا وجه للالتزام به.

وأمّا الثانية فيَرِدُ عليها:

أولاً: النقض بالظن، فإنَّ الحكم كما أنَّه ليس على المعلوم الخمرية مثلاً، كذلك ليس على مظنونها.

وكان الوجه في التفريق بينهما، أنَّ في الظنِّ حكمين واقعياً وظاهرياً، فتكون الكبرى صحيحة، إذ كلّ مظنون الخمريّة مثلاً، حرام ظاهراً، وليس كذلك في القطع، إذ لا حكم ظاهري فيه، وإلاّ لزم الدور في قولنا: (هذا معلوم الحرمة، وكلّ معلوم الحرمة حرام) إذ العلم بالحكم متأخر عن الحكم رتبة، فلا يمكن أخذه فيه، إذ أفق المعلوم متقدم على أفق العلم، فلو أخذ العلم بالحكم في موضوعه، لزم الدور.

فإنَّ تعلّق القطع بحرمة الخمر يستلزم تقدم حكمه الواقعي المترتب عليه، فلو ترتب ثبوت الحكم الواقعي عليه ـ إذ يكون وسطاً ـ يلزم تأخر الحكم عنه فيلزم تقدم الحكم على نفسه.

لكنَّ التفريق غير وجيه، إذ هو إنَّما يكون على مبنى الحكم الظاهري.

وأمّا على مبنى جعل المنجزيّة، فليس حكمان بل التنجيز والإعذار، وكذلك على مبنى جعل الحكم المماثل (فما أدّيا عني، فعنّي يؤديّان) إلاّ أنْ يقال بأنَّ لا جعل مماثل في مورد القطع إطلاقاً، وكذلك على مبنى الانكشاف، فإنَّه على الأول والثالث، ليس إلاّ واحداً فيهما وعلى الثاني حكمان فيهما، فعليها لا فرق.

وأمّا الدور، فيدفع بما عن النائيني (قُدِّس سرُّه) بأنّ المولى يتصوّر أنَّه أمر وبعد ذلك يعلم البعض به، فيأمرهم حقيقة أو الأعمُّ منهم، كما في اختصاص القصر بالعالم ونحوه موارد أُخر، فتأمّل ففيها رفع اليد عنه، لا اختصاصه بهم.

ولو سلم إمكان دفعه الدور فغير معلوم وقوعه، إذ هو أعمُّ منه ومن عدم الوقوع.

لكن يدفع بأنَّه إنَّما يستحيل بناءً على كونه بشرط شيء أو بشرط لا أو مطلقاً.

فالأول للدور.

والثاني بأنَّ اختصاصه بغير العالم مستلزم لـ (اللغو)، إذ ما دام كذلك لا حكم عليه، إذ المفروض أنَّه جاهلٌ به وإنْ علم فيخرج موضوعاً.

والثالث بأنَّه إذا استحال التقييد، فالإطلاق أيضا محال، لتقابلهما تقابل العدم والملكة، فهو بحاجة إلى المحل القابل لكلّيهما، فإذا استحال أحدهما كان الآخر كذلك، أو لأنَّه إذا لم يمكن الأخص فالأعمُّ منه ومن غيره أيضا كذلك، إنْ لم نقل بتقابلهما كذلك، بل السلب والإيجاب أو الضدين ـ كما هو مبنى البعض ـ.

ولا يستحيل على كونها مهملة في الموالي العرفية أي في حين الأمر يهملهما ولا طريق آخر غيره، نعم الإهمال الثبوتي بالنسبة إلى الشّارع غير معقول، لأنَّه غرضه إمّا بالأعمّ أو بالأخصّ.

وثانياً: إنَّ الحجّة كذلك عند أهل الميزان، وإمّا عند الأصوليين فمطلق ما كان دليلاً ـ ولو عند البعض أو في الجملة ـ سواءً كان وسطاً أم لا، وإطلاقهم الحجّة على القطع وغيره على السواء، كما أشار إليه جملة من محشي الرسائل، وهو لفظي كما أشاروا إليه، فحينئذٍ يكون القطع من الحجّة، إذ هو دليل على الحكم، وإنْ لم يكن بالجعل.

العنوان الثالث

وَيردُ على الثالث:

أولاً: إنَّه ينافي ما مرّ من الشيخ (قُدِّس سرُّه) من ذاتيّة حجيتّه وعدم نيل يد الشرع له، فلا معنى للبحث عن حجيتّه شرعاً، عند مخالفته للواقع بعد ذلك، فسواءٌ خالفه أم وافقه فهو كذلك، إذ الحجيّة المنجزيّة والمعذريّة ـ كما هو مبنى المحقق صاحب الكفاية (قُدِّس سرُّه) ومعظم من تأخر عنه ـ فلا فرق بين الإصابة والخطأ حينئذٍ، ولا يمكن تخصيصها بالإصابة إذ الذاتي سواءٌ كان ذاتي باب الإيساغوجي أم البرهان لا يتخلف مطلقاً، أمّا الأول فلاستلزامه انقلاب الماهيّة، وأمّا الثاني فلأنَّه انتزاعي كالإمكان من الممكن، وهو لا ينفكُّ عن منشأه.

لا يقال: إنَّ شرط صحته هو الاشتقاق لمنشأ الانتزاع من المُنتزع ـ بالفتح ـ كالزوج من العين، المنتزع منها الزوجيّة.

لأنَّه يقال: يمكن ذلك بقولنا حجّه.

أمّا الإشكال عليه بأنَّ الشرط غير طارد، فبعض الاعتباريات أيضاً كذلك كالملكية من الملك ـ بناءً على الأصح، من أنَّ عالم الانتزاع يغاير عالم الاعتبار، إلاّ أنَّهما شيء واحد كما قال به صاحب الكفاية (قُدِّس سرُّه)، وذلك لاختلاف الآثار، من إمكان الانفكاك وعدمه وغير ذلك ـ.

فلا يخفى ما فيه إذ لم يقل بأنَّ كلّما اشتق منه فهو انتزاعي، بل قال: كلّ انتزاعي فهو مشتق منه.

لكن يمكن القول بأنَّه لم يقصد من الحجّة هنا ما ذكره في أول القطع ـ من كونها وسطاً فلا تنالها يد الجعل ـ بل ما يحتج به المولى لعقابه، كما يقولون مثل ذلك في

البراءة العقلية بأنَّ لا حُجّه للمولى على العبد، وفي الاشتغال العكس، وفي الاستصحاب ونحوه بالاختلاف حسب الموارد، ويؤيد ذلك تفريعه بقوله: فيعاقب... الخ، فتأمّل فإنَّ قوله حجة، عبارة أخرى عن الحرام فيعود المحذور، لأنَّ الكبرى حينئذٍ كلّ مقطوع الخمريّة مثلاً حرام.

وثانياً: إنَّه لا يكون حينئذٍ من مسائل الأصول على تعريفه لها ـ لأنَّه عرّفها بالقواعد التي يكون تطبيقها بيد المجتهد، والتجرّي بهذا العنوان لا يكون كذلك، وإنْ كان يَردُ على تعريفه، إنَّ بعض القواعد الفقهية كذلك، كقاعدة كون البيّنة على المدَّعي، لكن من هو المدعي وعلى من يُطبَّق؟ هل هو من إذا تَرك تُرِك، أو من خالف قولهُ الأصل، أو الظاهر، أو غير ذلك؟

العنوان الرابع

أمّا العنوان الرابع:

فقد قيل به وحاصله: إنَّ التكلّيف يتعلق بالمقدور فقط ـ إذ هي شرط عقلي، ويقبح من الحكيم التكلّيف بالمحال، بل يستحيل ذلك عليه، وإلاّ خرج موضوعاً، والتكلّيف المتعلَّق بالموضوع الخارجي إنَّما هو بوجوده العلمي، وإنْ كان وجوده الواقعي مشروطاً بذلك الموضوع، من غير دخل للعلم والجهل، إلاّ أنَّ ذلك وحده لا يكفي في الانبعاث، إذ هو بالوجود العلمي، فالعلم يكون طريقاً للمُتعلَّق، لكنه موضوعاً للاختيار والإرادة إذ لولاه لما أمكنّا، فالتكلّيف لا يكون بالوجود الخارجي، لكنَّه لا يكفي في الانبعاث، بل يكون التكلّيف بالاختيار الناشئ من العلم بالموضوع والتكلّيف، وهذا موجود في صورة الإصابة والخطأ، ولا يتعلق التكلّيف بالمصادفة فقط، إذ هي ليست اختيارية، فمفاد قول المولى لا تشرب الخمر مثلاً ـ بعد ما تبين من أن متعلق التكلّيف لا يكون إلاّ المقدور وهو الاختيار والانبعاث، نحو ما علم أنَّه موضوع التكلّيف ـ هو لا تختر شرب ما أحرزت أنَّه خمر، وهذا يوجد في التجرّي أيضاً.

وفيه:

أولاً: إنَّ معنى ذلك رجوع الحرمة إلى المعلوم لا إلى الواقع، ولازمه عدم حرمة الخمر المجهول خمريتها واقعاً، فبين الالتزام بأنَّ الوجود الواقعي للتكلّيف مشروط بذلك الموضوع من غير دخل للعلم والجهل، والالتزام بأنَّ الوجود الواقعي لا يكفي في الانبعاث تهافت.

وثانياً: ضمُّ الأمرين ـ وهما أنّ شرط التكلّيف هو الوجود الواقعي، وأنَّ ذلك لا يكفي في الانبعاث، بل يحتاج إلى العلم به ـ لازمه أنَّ فعلية التكلّيف إنَّما هي في ظرف العلم المطابق للواقع، وإلاّ حصل التهافت كما مرّ.

وثالثاً: إنّ إرادة التكلّيف في رتبة متأخرة منه، إذ هي معلولة له، فلا يمكن أن تكون متعلقه، إذ هو متقدم عنه رتبة كما لا يخفى.

ورابعاً: إنَّه يلزم من ذلك جريان جميع الأحكام والآثار ـ ولو كان القطع مخالفاً ـ كالحدّ وغيره، مع أنَّه لا يلتزم به أحد، بل الكلام في العقاب والحرمة ونحوهما.

أمّا جواب النائيني: بأنَّ متعلق التكلّيف هو الفعل الصادر عن إرادة واختيار، لا نفس الإرادة والاختيار، فإنَّ الإرادة والاختيار تكون مغفولة عنها حين الفعل ولا يلتفت الفاعل إليها، فلا يصلح أنْ يتعلق التكلّيف بها، فإذا كان متعلق التكلّيف هو الشرب، المتعلق بالخمر، الصادر عن إرادة واختيار، فالمتجّري لم يتعلق شربه بالخمر.

فيَرِدُ عليه: إنَّ ذلك لا يصح التكلّيف بالمحال، إذ لو سُلِّمَ أنَّ الوجود الواقعي لا يكفي في انبعاث المكلّف، لأنَّه بالوجود العلمي، فلا يمكن تصحيح التكلّيف به، بأنَّ الإرادة والاختيار مغفول عنهما، مضافاً إلى وجود الالتفات إلى الإرادة في العبادات ونحوها.

العنوان الخامس

أمّا العنوان الخامس، فقد قال به غير واحد من الأصوليين، في تصحيح أصولية المسألة ببيان: إنَّ قبح الفعل المتجّرى به عقلاً، يستنتج منه الحرمة الشرعيَّة، فتكون المسألة أصولية، لوقوع الحكم الشرعي في نتيجتها.

إنْ قلت: بناءً على عدم القبح، كما هو مبنى بعض الأصوليين، فلا يستنتج الحكم الشرعي وهو الحرمة.

قلت: يكفي في أصولية المسألة انطباق الموضوع والتعريف عليها على بعض المباني ـ كما لا يخفى ـ.

لكن يستشكلّ على ذلك مبنىً وبناءً.

أمّا مبنىً: فنقول ما هو المراد ممّا يستنتج منه الحكم الشرعي؟

فإن كان مطلق ما يستنتج منه الحكم الشرعي، ولو كان من المقدمات البعيدة، داخل في علم الأصول، فيَرِدُ عليه: دخول أكثر العلوم فيه، كالنحو واللغة والمنطق والحكمة والرجال ونحوها، وإنْ التزم العراقي بدخول علم الرجال فيه، وبعض بدخولها أجمع، وإنَّما لم يبحث عنها فيه، لعدم الحاجة لإفرادها في علوم أُخرى.

وإن كان المراد: ما يستنتج منه الحكم الشرعي من المقدمات القريبة كما قال النائيني: والحاصل أنَّ علم الأصول يقع كبرى لقياس الاستنباط، وسائر العلوم تقع صغرى القياس، مثلاً استنباط الحكم الفرعي من خبر الواحد يتوقف على عدة أمور: فإنَّه يتوقف على معرفة معاني الألفاظ التي تضمنها الخبر، ويتوقف أيضاً على معرفة أبنية الكلمات ومحلها من الإعراب، ليتميز الفاعل عن المفعول، والمبتدأ عن الخبر ويتوقف أيضاً على حجيّة الخبر، ومن المعلوم أنَّ هذه الأمور مترتبة من حيث دخلها في الاستنباط حسب ترتّبها في الذِّكر، والمتكفل لإثبات الأمر الأول، هو علم اللغة، ولإثبات الثاني، هو علم النحو والصرف، ولإثبات الثالث، هو علم الرجال، ولإثبات الرابع، الذي يتمُّ به الاستنباط هو علم الأصول، فرتبة علم الأصول متأخرة عن جميع العلوم، ويكون كبرى لقياس الاستنباط. والحاصل أنّ كلّ مسألة كانت كبرى لقياس الاستنباط فهي من مسائل علم الأصول.

فيَرِدُ عليه: إنَّه وإنْ انطبق الضابط المزبور على المقام، إلاّ أنَّه يستلزم خروج كثير من مباحث الألفاظ عن الأصول، كمباحث الأمر والنهي، والظواهر ونحوها، إذ هي تقع صغرى، مثلاً دلالة الأمر على الوجوب، والمرة والتكرار وغيرها، أو عدم دلالتها عليها، صغرى لكبرى حُجيّة الظهور، فيقال: الأمر ظاهر في الوجوب، والظاهر حُجّة.

مضافاً إلى أنَّ مبنى كثير من المتأخرين، هو المنجزيّة والمعذريّة، والالتزام به إذا اجتمع مع الإلزام بكون المسألة الأصولية ما يستنتج منها الحكم الشرعي، ينتج خروج جميع الحجج الشرعيَّة عن الأصول، إذ الأدلة والحجج لا تكون طريقاً إلى الحكم الشرعي وكاشفاً عنه، بل هي منجزةٌ ومعذرةٌ، فتأمّل.

وإنْ كان المراد: القريب مطلقاً ـ ولو كان صغرىً ـ.

فيَرِدُ عليه دخول بعض المسائل الفقهية فيه، مثلاً يقال: (الحج واجب، وكلّ واجب يستلزم وجوبه وجوب مقدمته) وينتج من ذلك حكم شرعي كلّي هو (وجوب مقدمة الحج).

وأمّا بناءً: فقد يقال بعدم الحرمة، ولو قيل بالقبح عقلاً، فحينئذٍ لا يستنتج من ذلك الحكم الشرعي، فتخرج عن الأصولية: لأنَّ قبح قصد المعصية وحرمته عقلاً ـ لو تجرّى ـ، لا ينتجان الحرمة المولويّة شرعاً، كما أنّ حسن قصد الطاعة، لا ينتج الوجوب إذا كانت الطاعة واجبة، إذ القبح والحسن ليسا ملاكين للأوامر المولوية الشرعيَّة، بل في بعض صورهما، وهو ما إذا لم يكونا بنفسيهما مقربين وموجبين للثواب، أو مبعدين وموجبين للعقاب، كي يكون مجالاً لإعمال المولوية، نعم إنْ كان بنفسهِ مقرباً ولم يكن واجباً، بل كان الواجب كلّيّةً فلا مانع من الأمر المولوي بالنسبة إلى الجزئي.

أمّا إذا كان الحسن والقبح بنفسهما كذلك، فلا يُعقل الأمر المولوي، ولو كان أمراً فلا يكون إلاّ إرشاداً وتأكيداً، كما في (أطيعوا الله والرسول).

إنْ قلت: إنَّ كلّي العبادة واجبٌ عقلاً والجزئيات وإن كانت مقربة إلاّ أنَّها ليست واجبة، فلا مانع من ترك السجود ـ عقلاً ـ مع الإتيان بعبادة أخرى، فالأمر المولوي إنَّما يكون بتعيين الوجوب فيها، فتأمّل.