|
(2) ۞ سورة البقرة ۞ مدنية وهي مئتان وست وثمانون آية |
|
|
حقيقة الصيام {يا أيها الذين آمنوا! كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون}. (سورة البقرة: الآية 183) لا يطرح الصيام على من يعرف أن الإسلام دين واقعي حياتي، إلا ويتساءل: (ما هي حقيقة الصيام، التي جعلته ركناً من أركان الإسلام، ومن أركان الأديان ـ كما يقول القرآن ـ؟). (هل الصيام هو مجرد الامتناع عن الممارسات الحيوانية الترابية، من: الأكل، والشراب، والجنس... أم الصيام شيء آخر؟؟). لايمكن أن يكون الصيام مجرد الكف عن الممارسات الجسدية، لأمرين:ـ 1ـ أن طبيعة الصيام ـ في ظاهر التشريع ـ طبيعة سلبية، لا يمكن أن، تكون هدفاً من أهداف شرائع السماء الإيجابية. لأن كبح نداءات الجسد ـ ولو لفترة الصيام ـ عملية هدم، وليست عملية بناءٍ، فهو عملية سلبية، لا ينسجم مع طبيعة الأديان، وخاصة مع طبيعة الإسلام، الذي هو حضارة الروح والجسد معاً، والذي اهتم برعاية الجسد كما اهتم برعاية الروح، فقال: {وابتغ ـ فيما...الدنيا... }(1). وقال ـ على لسان الإمام علي بن الحسين (ع) ـ : «ليس منا من ترك آخرته لدنياه، ولا من ترك دنياه لآخرته»(2) وقال ـ على لسان معصوم آخر ـ: «.... وإن لجسدك عليك حقاً»(3). 2ـ إن طبيعة الصيام ـ في ظاهر التشريع ـ محاولة لإلغاء رغبات الجسد ـ ولو فترة الصيام ـ. وإلغاء رغبات الجسد لا يمكن ما دام الجسد، إلا إذا كان حلقة في سلسلة أعمال تصفوية تمارس لإلغاء الجسد أو تذويبه. والإسلام عمل لصيانة الجسد وترتيبه، واعتبر أي عمل يؤدي إلى إهلاك الجسد ـ أو طرف من أطرافه ـ من أكبر المحرمات، وألغى أي حكم يؤدي الالتزام به إلى إهلاك الجسد، أو طرف من أطرافه. والإسلام احترم رغبات الجسد، واعتبرها أمانة الله لدى الإنسان، وشرع الأحكام لتقنينها. فكيف يكون إهمال رغبات الجسد، عبادة تقرب إلى الله، والاستجابة لها، معصية تبعد عن الله؟؟!! فلا بد أن نفترض الصيام، أحد شيئين لا ثالث لهما:ـ 1ـ شيء مركب له جانبان: جانب سلبي وجانب إيجابي وجانبه السلبي، تجاهل نداءات الجسد ـ فترة الصيام ـ. فيكون التساؤل: (إذن: فما هو جانبه الإيجابي؟). 2ـ شيء بسيط، يمهد له تجاهل الجسد ـ خلال فترة الصيام ـ كالبناء الذي يمهد له الهدم. والصيام، يؤدي دور الهدم. فيكون التساؤل: (إذن: فما هو الصوم الحقيقي الذي يمهد له الصيام الظاهري؟). ففي الفرضية الأولى، يكون التساؤل بحثا عن الجانب الإيجابي للصيام. وفي الفرضية الثانية يكون التساؤل بحثاً عن حقيقة الصيام. ويمكن الجواب على هذا التساؤل بما يلي:ـ 1ـ إن حقيقة الصيام ـ كلها ـ هي ما يبدو من ظاهر التشريع، وهو إيقاف الغرائز ـ فترة الصيام ـ. وليس إيقاف الغرائز لفترة محددة، عملاً سلبياً، إذا كان من مصلحة الغرائز أنفسها، وفي صالح الجسد ذاته. لأن الإيجابية بالنسبة إلى أي شيء، لا تعني العفوية والاسترسال، وإنما تعني الالتزام وفق التقييم الواقعي المدروس. والتقييم الواقعي المدروس، دل على: أن الاسترسال العفوي مع الغرائز إلى منتهى طغيانها واندفاعها؛ يودي إلى استنفادها الباكر، وتبكيت الجسد من ورائها. وأن ترويضها، يساوي احترامها وصيانة الجسد من ورائها. وقد أفاد الطب: أن الصيام ـ بظاهره الوارد في نصوص الشريعة ـ يؤدي إلى تربية الجسد، وتخليصه من الرواسب المتطفلة عليه، والزوائد العالة التي تشل نشاطه واستقامته. وقد أفاد الطب أن الصيام ـ بظاهره الوارد في نصوص الشريعة ـ يؤدي إلى تنشيط الغرائز، وإنقاذها من الرهق الكابي. فهو عمل إيجابي، رغم ظاهره السلبي. لأن واقع كل شيء لا يقاس بظاهره، فرب شيء ظاهره سلبي وواقعه إيجابي: فالنوم ـ في ظاهره ـ عمل سلبي، لأنه يعطل الجسد عن ممارساته الحيوية، و ـ في واقعه ـ إيجابي، لأنه يهدىء الأعصاب ويريحها، فيهيىء الجسد لمواصلة ممارساته الحيوية. وتشذيب الشجر ـ في ظاهره ـ عمل سلبي، لأنه تنقيص لحجمه، وبتر لأغصانه، وتحديد لامتداده، و ـ في واقعه ـ إيجابي، لأنه تطهير له من عفويته، وإنقاذ له من الفروع المحسوبة عليه، التي تعيق فيه نشاط الإثمار ووفرة الغضارة. الدعاء: يطوي المداواة {وإذا سألك...يرشدون}. (سورة البقرة: الآية 186) مباحث: ـ الدعاء لماذا؟ أوليس الله ـ تعالى ـ سير الكون بنظام قوي متين يشد بعضه بعضاً؟! هكذا النظام العام الذي ربط الكون ببعضه، ابتداءً من الذرة وانتهاءً بالمجرات الهائلة ـ في حدود ما نعرف ـ. وهو أخبر بأن ما يحوي الفضاء الخارجي، من السماوات العلى وما فوقها ـ أيضاً ـ مشدود بنظام قوي دقيق: {الذي أحسن كل شيء خلقه...}(4)، {... الذي أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى}(5)... هذا النظام العام، الذي كان الأنبياء والأولياء يوفقون أعمالهم به، وهم قمم العارفين بالله وبالكون، وخيرة الداعين إلى الله والداعين الله. فعلى الإنسان أن يكتسب الخبرة ـ في حدود حاجاته ـ بالنظام الكوني العام، ويرتب أعماله وفق معطياته بوعي واتقان، حتى تثمر جهوده بدون دعاء، كما يفعل العلماء الملحدون. فإنهم وإن ألحدوا بالله، إلا أنهم يؤمنون بالنظام الكوني العام، ويستفيدون من خبرتهم به، في تسخير أكبر قدر متاح من المواد. والله ـ تعالى ـ لا يعيقهم عن استنتاج مواد الكون لأنهم لا يدعونه. والجواب: .ـ صحيح أن الله تعالى، سير الكون بنظام قوي متين يشد بعضه بعضاً، في حدود ما نعرف وخارج حدود ما نعرف. .ـ وصحيح أن من رتب أعماله وفق معطيات ذلك النظام، يستثمر جهوده، حتى بدون دعاء. وأن الله لا يعيقه عن استنتاج مواد الكون، لمجرد أنه لا يدعوه. .ـ ولكن الصحيح ـ أيضاً ـ أن ما نستطيع معرفته وتوفيقه من النظام الكوني العام، ليس كل شيء في جميع استنتاجاتنا لمواد الكون فهنالك شيء آخر هو: (العناية الإلهية): قد يأتي، فيتمم الناقص، ويطوي مسافات ومداواة. وقد لا يأتي، فيتأخر السابق، ويبتعد القريب. أمثلة: .ـ طالبان جالسان على طاولة واحدة للامتحان، أحدهما حضر 50% من دروسه والثاني حضر 90%، ثم تأتي الأسئلة من ذلك الـ 50% الذي حضره الطالب الأول ومن ذلك الـ 10% الذي لم يحضره الطالب الثاني، فينجح الأول بتفوق ويسقط الثاني أو ينال نجاحاً محدوداً. فما هو السبب؟ هل هو الصدفة؟ الصدفة مستحيلة. ـ عالمان يقضيان في مختبر: أحدهما يطرق مفكراً، فتلتمع في خياله لحظة نصف واعية بفكرة، فينهض مسرعاً إلى الأدوات المتراكبة، ويجرب تلك اللمعة الذهنية، فإذا به يتوصل إلى اكتشاف كبير. والآخر يحك رأسه وذقنه، ولا يهتدي إلى تكميل الجهاز البسيط، الذي بقي يضاجعه في المختبر من سنين. فيحرز الأول في لحظة، نجاحاً ينتظره الثاني منذ سنين ولا يجده. فما هو السبب؟ هل هو الصدفة؟. .ـ شاعر تطلب منه قطعة شعرية في أسنى المناسبات، أو يحاول تسجيل قطعة فريدة عبر قصيدة. فيغلق باب مكتبه، ويضع الورق أمامه، ويمتص القلم حيناً.. ويعضه حيناً.. حتى لا يغفو بين أنامله؛ دون أن ينبض عرق في رأسه. ويضيق، فينهض من مكتبه، ويدوخ الغرفة روحة وجيئة، ويكاد ينفجر، فيدخن، ويتمطى ويتثاءب، ويضرب الأرض والجدران برجليه وقبضتيه، ولكن دون جدوى. قد يمر في طريق تتعبه المناكب المتزاحمة، وتهدده الآليات المتسابقة، وأشعة الأصيل تتحدى الرؤية. فإذا به يرقص على أراجيح الضياء، ويعاكس غيمة غفت حين سارت قافلتها، حتى لا يعرف كيف يوصل نفسه إلى أقرب قلم وورق، ليطوف الكلمات التي انفجرت في رأسه بلا ميعاد، لتحرقه في وسط الطريق. إذن: كل شيء إلهام. لذلك: عندما يفتح الالهام، ينفجر الإنسان، وإن لم يحاول. وعندما يغلق الإلهام، يصبح دماغ الإنسان كقطعة حجر، مهما حاول أن يفجره فكأنما يحاول تفجير الصخرة ماءً. س:ـ إذا كانت إرادتك ـ التي ينطلق منها دعاؤك ـ لا تستطيل، حتى تؤثر على إرادة الله وحكمته البالغة مطلقاً، فلا تستطيع إرادتك أن تغير حلكة الشمس والأرض والجاذبية، ولا تبدل حتى حركة قلبك ومعدتك؛ فكيف يؤثر دعائك ـ عند الله ـ على أي أمر من الأمور؟! والله واحد، ولا فرق لديه بين الكبير والصغير، فكل الأمور متساوية عنده. ج:ـ 1ـ إن مجرد الدعاء ممارسة نافعة لك، فمجرد التوجه إلى الله يرفع مستواك، ويبلور ذاتك، بمقدار ذلك التوجه. 2ـ إن الأشياء ليست متساوية بالنسبة إليك: فهنالك أشياء اختص الله بها، ولم يترك لك صلاحية التدخل، مثل الحركات الكونية، حتى في باطنك ـ مثلاً ـ. وهنالك أشياء تركها الله لمدى إرادتك، فأنت تشعر بأنك لو تناولت الأشياء المغذية يقوى جسمك، ولو لم تتناولها يضعف جسمك، لأنها متروكة لإرادتك. 3ـ إن التوجه إلى الله ـ ذاته ـ له تأثير في تغيير بعض الأشياء، كما أن مجرد التعرض لنور الشمس له تأثير في جسمك. أما أن نعرف: ما حدود تأثير دعاء كل فرد؟ فعلينا أن نعرف أولاً: ما حدود تأثير نور الشمس على جسم كل فرد؟ لا أن نعرف حدود تأثير دعاء كل فرد، كما لا نعرف حدود أشياء كثيرة. وهذا.. شيء واضح وبسيط. والجواب العام من كل هذه الظواهر: 1ـ منطلق هذه الظواهر ـ كلها ـ مجرد استبعاد. والاستبعاد لا يزيد عن التعبير عن: عدم استيعاب الموضوع بشكل كاملة من جهة، وعدم وجود دليل يعاكسه من جهة أخرى. وهذا.. يساوي الشك الذي: لا يثبت أياً من طرفيه، ولا يدحضه. 2ـ التشكيك حسن ـ بالنسبة إلى عمل الإنسان ـ إذا كان يريد أن يقوم بعمل، ليأخذ جميع الاحتمالات السلبية والإيجابية بنظر الاعتبار، فيناقشها، حتى لا يفاجأ بما لم يكن في الحسبان. وأما بالنسبة إلى عمل يخص غيره، فهذا التشكيك في غير محله، فكيف بعمل الله وأوليائه؟! من شرائط الدعاء {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلّهُمْ يَرْشُدُونَ} (سورة البقرة: الآية 186) ادعو ـ أيها الناس! ـ بشرائط الدعاء حتى يستجاب لكم، أما إذا دعوتم بدون توفر شرائطه فلا تتوقعوا الاستجابة، فليس الدعاء إلا الطلب من الله، والله ـ تعالى ـ لا يلبي أي طلب يرفع إليه، وإلا لشاع الفوضى في الكون، وارتبك النظام الذي يسير به الكون: فكما أنه لا يمنح القمح إلا لمن زرع، ولا يفجر النخيل إلا لمن شتل، ولا يهب الأولاد إلا لمن استولد... لأنه قرر للكون نظاماً، وأحب سيادة النظام؛ فلا يخرقه إلا لسبب أحب إليه من سيادة ذلك النظام. والدعاء، ما هو الدعاء؟ إنه محاولة لخرق ذلك النظام، لا بقوة الداعي نفسه، إذ لا قوة له على اختراق جدار التكوين، وإنما بقوة الله المهيمن على ذلك النظام، فلا بد أن يكون الداعي في وضع يجعل استجابة دعائه أحب إلى الله من استمرار ذلك النظام. فمن كان قريباً إلى الله بهذا المستوى، فليعلم: أن دعاءه يساوي التلبية. كما كان إبراهيم الخليل (ع)، حيث دعا ـ بعد بناء الكعبة ـ بدعوات عديدة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأصْنَامَ(35) رَبّ إِنّهُنّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مّنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنّهُ مِنّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنّكَ غَفُورٌ رّحِيمٌ(36) رّبّنَآ إِنّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ رَبّنَا لِيُقِيمُواْ الصّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النّاسِ تَهْوِيَ إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مّنَ الثّمَرَاتِ لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ(37) رَبّنَآ إِنّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىَ عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأرْضِ وَلاَ فِي السّمَآءِ(38) الْحَمْدُ للّهِ الّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنّ رَبّي لَسَمِيعُ الدّعَآءِ(39) رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصّلاَةِ وَمِن ذُرّيَتِي رَبّنَا وَتَقَبّلْ دُعَآءِ(40) رَبّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}(6)؛ وعندما نقلها الله في القرآن لم يردفها بقوله: (قد أجبت دعواتك)، لأن مجرد دعاء إبراهيم (ع) ضمان أكيد لاستجابة الله تعالى. فقد استجاب الله هذه الأدعية، رغم أنها دعوات واسعة المدى، لأنها تشمل كل الأجيال المنحدرة من صلبه إلى يوم القيامة. ومن كان بعيداً عن الله كالكافر، أو قريباً من الله ولكن دون المستوى اللازم لاستجابة الدعاء كالفاسق؛ فليعلم: أن دعاءه يساوي الرفض: تماماً.. كالعامل ورب العمل: فالعامل الذي يتقن علمه، ويبدي الإخلاص حتى التفوق، فليعلم: أنه إذا طلب منحة من رب عمله فإنه يستجيب له. والعامل الذي يهمل عمله، ولا يبدي الإخلاص مطلقاً، أويبديه حيناً ويحجبه أحياناً، فليعلم: أنه إذا طلب منحة من رب عمله فإنه لا يستجيب له. وكالإنسان الذي يركب آلية سيارة: فإذا كان قد أكملها فإنها تنقله إلى هدفه، وإلا فإنها لا تنقله إلى هدفه. فللدعاء ـ كما للأشياء ـ شرائط: إذا توفرت يؤدي مفعوله، وإذا لم تتوفر لا يؤدي مفعوله. وانطلاقاً من هذه القاعدة نستطيع التأكيد على: أن أدعية المؤمنين الصالحين، مستجابة مئة بالمئة. وأن أدعية الكافرين، مرفوضة مئة بالمئة. وأن أدعية المؤمنين المترددين بين الطاعة والتمرد، مترددة بين الاستجابة والرفض. فقد يصادف دعاء ـ منها ـ شرائطه كاملة فيستجاب، وربما لا يصادف شرائطه فيرفض. كما أن جهاز اللاسلكي المعطوب، قد ينقل كلمة وقد لا ينقل كلمة، لأن الأولى صادفت كماله، والثانية صادفت نقصاً فيه. أما ما نجد في بعض الحديث، من أن (عابداً) رفض دعاؤه وأن (فاسقاً) استجيب له؛ فلأن العابد ـ في تلك اللحظة ـ ركبه الغرور المرائي فأبعده عن الله تعالى، والفاسق ـ في تلك اللحظة ـ غمره الندم الخاشع فكان توبة، فأصبح زلفة. فالأول فقد بعض الشرائط بعد كمالها، والثاني استكملها بعد نقصها. فكانت المفاجأة في: فقدان الأول لشرائط الزلفة بمجرد الغرور، وفي استجماع الثاني شرائط الزلفة بمجرد الندم، لا في: استجابة الله ـ تعالى ـ للبعيد، ورفضه للقريب. فهذا.. مستحيل على الله، لأن الله حكيم: فكما لا يحرك الأرض بالورود لمن زرعها شوكاً، ولا يبعثها شوكاً لمن زرعها بالورود ـ رغم أنه على كل شيء قدير ـ؛ كذلك: لا يلبي نداء البعيد، ولا يرد نداء القريب. فادعوا ـ أيها الناس! ـ ما طاب لكم الدعاء، مزقوا حناجركم صراخاً، وحطموا صدوركم شهيقاً، فإن ذلك لا يقدم ولا يؤخر، ولكن اعلموا: أن من أول شرائط الاستجابة، هو الإيمان. فمن كان مؤمناً ترجى استجابته، وما دعاء الكافرين مستجاباً أبداً. لأنه كمن يصرخ في جهاز حاكٍ معطوب، أو يحث آلية ناقصة على الحركة، أو ـ كما يقول المثل ـ (كمن ينفخ في رماد، ويصرخ في وادٍ). ولذلك: فدعاؤهم ليس مرفوضاً فحسب، لأنه منطلق من موقع ناقص، وليس هو غلطاً فقط، لأنه منطلق من موقع الجهل بمقاييس استجابة الدعاء، وإنما هو نوع من الكفر بالله، فليس هو إلا عمقاً في ضلال. لأن الكافر الذي يدعو ـ مع معرفته بموقعه من الله ـ، هو الذي يتصور أن بإمكانه أن ينتزع الاستجابة من الله بعنجهيته، كما قد ينتزع حوائجه من خصومه بالعنجهية، قياساً على مختلقات الأناجيل المحرفة التي تروي أن (يعقوب)(ع) انتزع البركة = النبوة من الله عنوة، بعد صراع طال من أول الليل إلى آخره، وانتهى بفوز يعقوب. ونظائر هذه القصة الوهمية، من القصص التي تصور الله ـ تعالى ـ في مستوى فرد من البشر، ساذج جاهل ـ وسبحان الله ـ. فدعاء الكافرين ـ انطلاقاً من هذا التصور الضال ـ توغل في ضلال، فهو لا ينتهي بالرفض فقط، وإنما يدفع إلى الانزلاق نحو الهوة أعمق.. فأعمق.. لأن الدعاء ـ في مثل هذه الحالة ـ نوع من الممارسة للضلال = المتصور، وممارسة الضلال تؤصله كما أن ممارسة الهدى تؤصله. القتال: درءاً للفتنة، وحائطة للدين {وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لله} (سورة البقرة: الآية 193) ـ 1 ـ الإنسان، هذا الخلق البشري المعقد الدقيق، في مسيرته نحو قمته، منذ تكونه، قبل تكون الزمان، وعبر العوالم الكثيرة ـ التي من أواخرها عالم الدنيا ـ يتأرجح بين عاملين، كل منهما يشده في اتجاهٍ معاكس للآخرة، وهما: الرغبة والرهبة. فالرغبة تدفعه نحو الانفلات، والإغارة على كل ما يرضي شهوته. والرهبة تدعوه إلى الالتزام، والتحصن بما يراه حقاً. والرغبة على قسمين: 1ـ جسدية، تتعلق بمرطبات الجسد، كالطعام، والشراب، والكساء، والسكن، والجنس، والجمال المنظور والمسموع والمشموم، وما يوفر بعض هذ ه المرطبات كالمال... 2ـ روحية، تتعلق بمرطبات الروح: كالشهرة، والسيطرة، والرضى ـ بأن يكون مرضياً لدى غيره ـ... والرهبة على قسمين: 1ـ جسدية، تتعلق بنواقص الجسد: كالجوع والعطش، والعري، والمسكنة، والعزوبة، والبشع المنظور والمسموع والمشموم، وما يمهد لكل هذه النواقص كالموت... 2ـ روحية. تتعلق بنواقص الرواح: وهي الشعور بأنه مهمل، أو مغلوب، أو مكروه... وأعلى الرغائب هي الرغائب الروحية، لأنها تؤمن ـ ولو في دائرة الاحتمال ـ الرغائب الجسدية. وقمة الرغائب الروحية، هي السيطرة. وأخطر الرهائب هي الرهائب الجسدية، لأنها تعبر ـ ولو في التصور ـ عن الرهائب الروحية. وأشد الرهائب الجسدية هو الموت، لأنه يوقف نشاط الوجود، بالنسبة إلى من لا يؤمن بالمفهوم الديني للموت. والإغراء يحرك الرغبة، والإرهاب يحرك الرهبة. وكل إيجابية مرغوبة، تحرك سلبية مرهوبة. وعندما تتقابل الرغبة والرهبة، ينتصر الأشد. والأقوى فكراً ـ أو جسداً ـ يجد الوسائل لتخفيف رهبته، فتنشط رغبته للتجاوب مع المغريات التي تمرح في ساحة الوجود. وإذا استسلم لرغبته، يكون (مفتوناً)، يغير على كل ما يرضي شهوته، وينسف كل الحواجز التي تعترضه، حتى لو كانت حدود الله التي يدين بها عباده. و (المفتون) وحش، يحاول أن يمسخ كل شيء وحشاً حتى ينسجم معه، وحتى الدين يحاول أن يمسخه وحشاً أليفاً يخبط غيره ليربت له. ولا يمكنه مسخ الدين إلا إذا جعل هواه إلهه، يصوغ الدين من مجموعة مجاملات تغني رغبته، ويفتح المجتمع وليمة للهوه: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه؟!...}(7) فلا بد من تصعيد الرهبة في نفوس الأقوياء، بإخراج الإرهاب من مجرد تأنيب الضمير إلى معسكر قوي يهدد المنفلتين بأشد الرهائب، وهو الموت ـ في مفهومهم ـ، حتى يعود الدين مطلقاً لله، فيضعه نظاماً يوقف الناس سواسية ـ كأسنان المشط ـ أمام حقوقهم وواجباتهم. {وقاتلوهم}، فالقتل أشد الرهائب في مفهوم المنفلتين، {حتى} لا يستطيعوا تخفيف الرهبة من الجريمة، و{ لا تكون فتنة} تسلمهم إلى الإغراء، وحتى تأخذ مقاييس الواقع مواقعها، و{يكون الدين} خالصاً {لله}، فيضعه نظاماً تشريعياً ينظم الجزء الاختياري من حركة الإنسان، متناسقاً مع النظام التكويني الذي ينظم الجزء الإجباري من حركة الإنسان، وفق الفلسفة العامة للوجود الدنيوي، التي انبثقت هي والكون توأمين من إرادة الله القدير الحكيم. ـ 2 ـ 1ـ البشر هو البشر، يحمل في طياته الروح والحنين إلى القيم. ولكنه جسد أكثر مما هو روح، وهو حاجات قبل أن يكون حنيناً، وضرورات قبل أن يكون ضميراً. صحيح أن هنالك من يقدمون الروح على الجسد، ولكن أين هم؟ وكم هم؟ إنهم في أفضل التقادير لا يشكلون نسبة مئوية ولا ألفية، وربما يشكلون نسبة مليونية. وهذه نسبة لا تنافي العموم. وصحيح أن هؤلاء القلائل، يثورون.. ويغيرون.. ولكنهم ـ منذ خلق الله البشر، وحتى اليوم ـ لم يتمكنوا في الحياة، ولم يغيروا مجمل البشرية. فالبشر ـ على وجه العموم ـ بشر الجسد لا بشر الروح، فيعتبر نداء الجسد ضرورة ونداء الروح كمالية، فيندفع مع الجسد ويتمهل مع الروح. فالأولويات لحسابات الجسد. وفي حسابات الجسد، تأتي الرهبة قبل الرغبة. فيحاول إشباع رغباته إذا لم ينتصب الخطر أمامه، أما إذا جاء الخوف ينتهي دور الرجاء، فدفع المضرة قبل جلب المنفعة. هكذا.. يفكر البشر، ومن هذا التفكير تنطلق تصرفاته. 2ـ البشر ـ دائماً ـ يحب التبجح، فيسف، ولكن لا يعترف بأنه يسف، لأنه يعرف الأفضل. والأفضل أصعب، فلا يحتمل الأفضل، ويريد أن يحمد بالأفضل. فيعمل القبيح، ويصوره ـ لغيره ـ حسناً، حتى يبرره الناس، ويعتبروه حسناً. ولذلك: يفلسف كل لموقفه، ما وسعه التفلسف، فتنطلق الفلسفات من المواقف، ولا تنطلق المواقف من الفلسفات. فرغم أن الجيوش من المستويات البدائية، ولا تنطلق من مواقع الحق؛ إلا أنها لا تسير إلا وتسحق مبادىء وتشيد مبادىء والمفكرون يسيرون في ركاب الجنود: فلا يكفهر مقاتل إلا ويركع فيلسوف، ولا تزعق رصاصة إلا ويسبح قلم. لهذين السببين: لأن البشر جسد أكثر مما هو روح، ولأنه يبرر مواقفه؛ نجد الحق لا موقع له إلا عند الذين يستطيعون الارتفاع فوق بشريتهم، وهم المعصومون ـ في الدرجة الأولى ـ. ومجاهرتهم بالحق لا تجدي غيرهم، لأن الحق ليس مجهولاً وإنما هو مسحوق. ولا يفجر الحق ـ من تحت ركام نداءات الجسد، والتفلسفات ـ، ولا يمنحه الشرعية والسيادة؛ غير القوة القاهرة، التي ترفض وتفرض، وهي قوة (الموت)، الذي يتقيه البشر أكثر من أي شيء آخر: فمن كانت معه قوة (الموت)، فهو صاحب الحق، مهما توغل في الباطل ومن خانته قوة (الموت)، فهو صاحب الباطل، مهما توغل في الحق. فأصحاب الرسالات، ليس لهم أن ينتظروا حتى يفتح الحق أمامه الطريق، وإنما عليهم ـ هم ـ أن يفتحوا الطريق أمام الحق. ولا يمكنهم أن يفتحوا الطريق أمام الحق، إلا إذا شهروا (الموت) في وجوه المتنكرين للحق. {وقاتلوهم} أيها المصلحون! {حتى لا تكون فتنة}، لأن الافتتان بالمغريات لا يقف عنده حد إلا حد الموت. {و} قاتلوهم، أيها المؤمنون بالله! حتى {يكون الدين لله}، ولا يكون ـ كله، أو بعضه ـ تبريراً للمواقف، وتملقاً للشهوات. ـ 3 ـ هنالك: مسألة (الحب والكره) في الإنسان العادي، والإنسان الولي، وفي الله. فالإنسان العادي: يحب من يوافقه، ويكره من يزعجه. فيحب ويكره بعاطفته. وهل الله، والإنسان الولي، أيضاً كذلك؟؟ أما بالنسبة إلى الله ـ تعالى ـ فمستحيل، لـ:ـ 1ـ لا يوجد من يوافقه ومن يزعجه لأن الله ـ تعالى ـ ليس من نوع الإنسان في شيء، حتى يوافقه شيء من الإنسان، ويزعجه شيء من الإنسان. 2ـ لأن الله ـ تعالى ـ ليس مهباً لعاطفة، حتى يكون له الحب لشخص والكره لشخص. ولكن الله جعل الحياة ترافق من يوافقها وتعاكس من يعاكسها، فكأنه يتصرف مع من يعرفه ويفهم الحياة تصرف المحب مع حبيبه، وكأنه يتصرف مع من لا يعرفه ولا يفهم الحياة تصرف المبغض مع بغيضه. فنسب القرآن والحديث، الحب والكره إلى الله، لوجود نتيجة الحب وهي المرافقة ونتيجة الكره وهي المماكسة. فالمسببات متشابهة، والأسباب مختلفة، ولكن العقلية العامة لا تهضم اختلاف الأسباب مع وحدة المسببات، والقرآن والحديث جاءا بلغة تهضمها العقلية العامة. فالتعبير غير دقيق، ولكنه أقصى ما تهضمه العقلية العامة ويحمله التعبير. وأما بالنسبة إلى الإنسان الولي فشبه مستحيل لـ :ـ 1ـ إن عاطفته مقهورة بعقله، فيريد ما يقرر العقل وجوده، ولا يريد ما يقرر العقل عدمه. فهو لا يندفع بعاطفته، فله عاطفة ـ كأي بشر ـ ولكن عاطفته لا تقهر عقله، ولا تستقل بالتأثير، وإنما تؤيد وتعارض، ولكنها لا تملك قوة الفرض ولا قوة الرفض، فهي لا تحكم وإنما تشير، وإشارتها غير ملزمة. 2ـ إنه وسيط في التكوين، كما هو وسيط في التشريع. وقد جبل على حب التكوين عقلاً وعاطفة، كما جبل على حب التشريع عقلاً وعاطفة، فهو لا يكره كما نكره، وإنما ينفذ الموقف السلبي للتشريع من شخص مجرم، دون أن يؤثر على تنفيذه ـ وفي ذات الوقت ـ الموقف الإيجابي للتكوين من نفس الشخص. فالله قد يقول لنا؛ (اكرهوا من عمل سيئةً)، حتى لا تجري فينا عدوى السيئة، دون أن نكرهه هو. وكذلك: الولي، لأن موقفه من موقف الله. فهو يشبه الوالد الذي ينهى ولده الصغير عن التقاص مع ولده الكبير، لأن مصلحة الصغير تقضي بالتخلي عن الكبير. لا لأن الوالد قد تخلى عن الكبير بالفعل، وإن قد صدر بالفعل من الكبير ما لا يحبذه الوالد. وفي هذه.. تعبير كامل عن هذا المغزى: {وقاتلوهم}. فالله أمرنا أن نقاتلهم، ولكنه لا يريد هو أن يقاتلهم. ولو أراد قتالهم لأفناهم بلا قتال، وإنما أراد لنا أن نقاتلهم. {حتى لا تكون فتنة}. وتقلص عدوى الانحراف. الإنفاق للمجهود الحربي {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ}. (سورة البقرة: الآية 195) يبدو من استطراد الآيات، أن الإنفاق المعين ـ هنا ـ هو الإنفاق الجهادي، لأن المجهود الحربي يستنزف ـ عادة ـ ما لا تحتمله الميزانية الاعتيادية للدولة: 1ـ لأن النظرة الاقتصادية ـ في أي نظام ـ تنطلق من موقع الحاجات المستمرة في حالة السلم، لأنها الحالة الطبيعية والغالبة، فلا يوفر فيها شيء لحالة الحرب، لأنها حالة شاذة، ناتجة من انحراف في مزاج المجتمع، والنظام العام يعالج الحالات الاعتيادية. 2ـ لأن حالة الحرب غير قابلة للتحديد، فلا يمكن توفير شيء لها، وخاصة: في نظام عالمي خالد، كالنظام الاقتصادي الإسلامي: فقد لا تقع حروب مدى قرون، وربما تثقل قرون أخرى بسلسلة حروب طواحن. فكان أن فتح القرآن الكريم اعتماداً خاصاً للمجهود الحربي، يقدر بقدره، ففرض على المسلمين ـ بمقتضى ظاهر الأمر في {أنفقوا} ـ إنفاقاً خاصاً هو الإنفاق {في سبيل الله}. وهذا التعبير: {في سبيل الله}، كثيراً ما يطلق على الجهاد، لأنه أكمل مصاديق سبيل الله. فأنفقوا ـ أيها المسلمون! ـ للمجهود الحربي، قدر المستطاع. {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} بإنفاق كل ما لديكم، فتنكبوا بانهيار اقتصادي لا نهوض منه، {و} إنما {أحسنوا} بما يمكنكم الاستغناء عنه، فـ{إن الله يحب المحسنين}. فتكون الآية موحية بكبح العاطفة في الإنفاق، حيث كان المسلمون الأولون لا يوفرون لأنفسهم شيئاً في حالة الحرب. ويمكن تفسير الآية بالتشجيع على المزيد من الإنفاق للمجهود الحربي، فيكون المعنى: أنفقوا ـ أيها المسلمون! ـ في سبيل الله بأقصى ما تستطيعون، ولا تقتروا فيه، لأنكم تفتدون أنفسكم بمالكم فإذا حرصتم على مالكم، فإنما تلقون بأيديكم إلى التهلكة، لأن الأعداء يسلطون عليكم، فيهلكونكم بمصادرة إرادتكم، وسلب كرامتكم، وينهبون أموالكم، فتخسرونها دون أن تكسبوا مكرمة الإحسان. فالإحسان يكون ببذل المال عن إرادة، ولا يكون بخسارته في سطو المعتدين. |
|
|
(1) سورة القصص: آية 77. (2) وسائل الشيعة ـ ج12 ص49 باب عدم جواز ترك الدنيا. (3) بحار الأنوار ج70 ص128 ج14. (4) سورة السجدة: آية 7. (5) سورة طه: آية 50. (6) سورة ابراهيم: آية 35 و37 و40 و41. (7) سورة الفرقان: آية 43. |
|
| يتبع | |