|
(2) ۞ سورة البقرة ۞ مدنية وهي مئتان وست وثمانون آية |
|
الأناني والمضحي {وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَىَ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ(204) وَإِذَا تَوَلّىَ سَعَىَ فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَاد(205)َ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ(206) وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}. (سورة البقرة: الآية 207) هذه الآية تقسم الناس قسمين:ـ 1ـ قسم يجعل نفسه هدفه، فيعمل كل ما يعتقد أنه يوفر مصالحه، ويبادر إلى العمل الذي يوفر له رغبة من رغباته، أو يحقق حلماً من أحلامه، فيعدو خلف ما يؤمن له راحة، أو مالاً، أو منصباً، أو مكانة... ويعرض عن كل ما يؤثر على رغبة من رغباته، أو حلم من أحلامه؛ مهما كان الربح الذي يناله المجتمع من ورائه. وهذا القسم من الناس، يتبنى مبادئه وأهدافه طرقاً إلى نفسه، فيقول ـ بعمله ـ: (كل شيء من أجلي)، ويغدو عالة على كل ما يتبناه من مبادىء وأهداف. 2ـ قسم يجعل إمامه هدفه ـ وهو الله تعالى ـ، فيعمل كل ما يعتقد أنه يخدم هدفه، مهما أثر على رغباته وأحلامه، وإن تم على حساب نفسه، فهو يقول ـ بعمله ـ: (كل شيء من أجل هدفي)، ويجعل نفسه طريقاً إلى هدفه. وهذا القسم من الناس، هو الذي لا يوجد منه ـ في كل مشروع ـ إلا عدد أقل من أصابع اليد، ولكنه يحقق الأهداف الكبار، والآخرون مجرد قشور تملأ الفراغ. أما سر النجاح، فهو ذلك العديد من هذا القسم، لأنه يعمل ـ باستمرار ـ عملاً انتحارياً لا يعرف الملل ولا الفتور، ويبقى في الصميم، يقدم برحابة، كل ما تقتضيه القضية من تضحيات، بلا تردد أو حساب، ثم يبقى مصراً لا يعتذر، ولا يقدم استقالة. فالنبي، الذي هو سيد من تنطبق عليه هذه الآية، تحدى ـ في مكة ـ النظام العقائدي، عندما قال: {إنكم وما تعبدون..واردون}(1). وتحدى النظام الاقتصادي، عندما حرم الربا والاحتكار. وتحدى النظام الاجتماعي، عندما ألغى التقسيم الطبقي والقبلي، وفضل المسود المسلم على السيد الكافر. وتحدى النظام العائلي، عندما رفع المرأة من درجة الأداة إلى درجة الشريكة في الحياة. وتحدى كل النظم والمقاييس الحاكمة يوم ذاك. وقبل كل التحديات بقوله: «اللهم! اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون»(2). وضحى بمكانته الشخصية كـ (الصادق الأمين). وضحى بسيادة أسرته، في شخص عمه (أبي طالب)، الذي كان سيد البطحاء. وضحى بأموال (خديجة). وضحى بمواطنيته كفرد من أهل مكة، حتى طورد مرة إلى (شعب أبي طالب) ومرة إلى (الطائف). فلما طورد من الطائف ـ بالشكل المعروف ـ ناجى ربه، وقال في مناجاته: «اللهم!... إن لم يكن بك غضب علي، فلا أبالي»(3). فبعد أن تحمل، وأعطى وما يشبه المستحيل، يتواضع لله تعالى، ويحاذر أن يكون قد قصر فاستحق غضب الله، ويرجو أن لا يكون الله غاضباً عليه، حتى لا يبالي بما تحمل، ولا بما أعطى. والإمام علي ـ الذي نزلت فيه هذه الآية ـ كان يعمل عملاً انتحارياً دائباً، منذ صباه الباكر، في: رحاب (مكة)، وفي باحات (يثرب)، وساحات (بدر)، ومعارك (أحد)، ونزالات (خيبر)، وفي ميادين (الخندق)، ومجالات (البصرة) و(صفين) و(النهروان)، وفي كل مشتبك سلاح، وملتقح مكر... إلى أن تلقى سيف ابن ملجم برأسه، في المحراب، والصلاة بين شفاهه، ثم يقول ـ في مناجاته تواضعاً لله تعالى ـ: «... آهٍ آهٍ، إن أنا قرأت ـ في الصحف ـ سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته...»(4)، ويقول: «... لألف ضربة بالسيف، أهون علي من ميتة على الفراش»(5). والقرآن يريد للمسلم: أن يكون كتلة ملتهبة من نشاط، وطاقة مقتحمة في الصميم من كل مجال، ومتحفزة في كل جبهة، بحيث يتفوق كل مسلم على عشرة. والقرآن يريد للمسلم: أن يكون إيجابياً بمعنى الكلمة، ويتخلى عن السلبية بمعنى الكلمة: فلا انهزام، ولا تقوقع، ولا اعتزال، ولا رهبانية، و«إنما رهبانية أمتي، الجهاد»(6) كما قال الرسول (ص): على خلاف المقياس الذي استبد بأذهان جيلنا، من ان الفرد يكون أكثر تمسكاً بالدين بمقدار ما يكون أكثر تقوقعاً وجهلاً بالحياة. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم ): «ليس في أمتي رهبانية»(7). دور نقاهة المرأة {ويسئلونك عن المحيض....المتطهرين}. (سورة البقرة: الآية 222) الحيض أشبه بحالة الاجهاض أو النفاس، لأنه انخلاع للغشاء الداخلي في الرحم، فهو حالة مرضية، فالمرأة الحائض مريضة، تدفع إلى الخارج المواد الفاسدة. فعلى زوجها اعتزالها، إن أراد أن يبقى بعيداً عن المواد الفاسدة، التي تعرضه للإصابات المرضية. وكيان المرأة أدق من كيان الرجل، كيانها الروحي أدق وكيانها الجسمي أدق، فترعب أسرع من الرجل وتتعب أسرع من الرجل. وإذا أرعبت أو أتعبت، تحيض. فالحيض يعبر عن حالة مرضية، كما أن سرعة حركة القلب تعبر عن حالة مرضية، وكما أن الضوء الأحمر ـ في الأجهزة الأوتوماتيكية ـ يعبر عن طروء خلل. فبمجرد ما تحيض، تعتبر في دور النقاهة، فتعطى إجازة استجمام تنفض عن روحها الرعب أو عن جسدها التعب. فتعفى عن الواجبات الدينية، وعن الواجبات الاجتماعية، وحتى عن الممارسات الجنسية. إنها مريضة، فعليها أن تستريح. تعدي حدود الله {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ}. (سورة البقرة: الآية 229) في سير تقنين الأسرة، يأتي التركيز على أهميته بأنه حدود الله، والالتزام به يعني الالتزام بحدود الله، وتجاوزه يعني تجاوز حدود الله. لأن تنظيم المجتمع، يؤدي إلى استمراره، وسعادة أفراده. والأسرة، هي الوحدة الأساسية التي يستقيم عليها بناء المجتمع والمورد الأساس للمجتمع، لأنها تشبه العروق الشعرية التي تؤلف البحر، وتضمن استمراره. فتنظيم الأسرة، يعني تنظيم المجتمع. ذلك، أن الله ينظم المجتمع من وحدة نامية: فيبدأ، يربط رجلاً وامرأة برباط الزواج، ويجعل لكل منهما على الآخر حقوقاً متبادلة. ثم: يبرعم منهما أولاداً، يربطهم بالوالدين برباط الأسرة، ويجعل لكل منهم على الآخرين حقوقاً متبادلة. ثم: يفرع منهم أبناء العمومة والخؤولة... فيربطهم برباط الرحم، ويجعل بينهم حقوقاً متبادلة. ومن هذه الوحدة الأسرية، يوجد تيار إلى جانب تيارات متشابهة في المجتمع. فيربط أغصاناً من هذه الشجرة بأغصان من أشجار متعايشة معها، برباطات: الزواج، والتعليم، والجيرة... لتأكيد التماسك بينها. ثم: يوجد رباطاً واسعاً هو: رباط (الوطن)، فيربط مجموعة التيارات المتعايشة على أرض برباط، ويجعل حبها من الإيمان: «حب الوطن من الإيمان»(8). ثم: يوجد رباطاً أوسع هو: (الأمة)، ويجعل اهتمام كل فرد منها بشؤونها شرطاً أساسياً في كونه فرداً منها: «من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين، فليس منهم»(9). ثم: يوجد رباطاً عاماً يحتوي البشرية كافة هو: رباط (الإنسانية): «... فإنهم ـ الرعية ـ صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق... فأعظم من عفوك وصفحك، مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه...»(10). وهذه الرباطات، هي التي تنظم المجتمع تنظيماً واقعياً، نجد نداءاته في عاطفة كل فرد. فهنالك حنين طبيعي متبادل: بين الزوجين، وبين الوالدين والأولاد، وبين أبناء الإخوة والأخوات، وبين أبناء الوطن الواحد، وبين أبناء الأمة، وبين الإنسان والإنسان. ولكن هذه الرباطات لا تستطيع الفاعلية في بدائيتها العاطفية الغامضة، وإنما تحتاج نداءات العاطفة إلى التأكيد والتقنين، حتى تجد شرعيتها وإلزامها. والإسلام قد منحها التأكيد والتقنين، فهي ـ بدافع الإيمان ـ تأخذ مجاريها في تعاملات الأفراد مع بعضهم. وأما إذا تقلص الإيمان في نفوس مجموعة، حتى عجز عن السيطرة على تعاملاتها؛ فإنه يترك مجاله للمصلحة. والمصلحة لا تحمل استمرارية، فهي تختلف حسب المقتضيات والتصورات. فتوكد العاطفة وتقننها في مورد، وتهملها أو تناقضها في موارد. فتتفكك المجموعة دون أن يشدها شيء: فالزوجان إذا ارتبطا برباط الإيمان، يؤدي كل منهما حقوق الآخر، أداءً مطلقاً، وهو يشعر بأنه يؤدي واجباً، فلا يقعده الشعور بالخسارة عن الاستمرار في أدائها. وهما يعطيان للأولاد عطاءً مطلقاً، لا بمقدار ما يعطون لهما. والأخ يعطي لأخيه، بدون مقابل. والقريب يعطي لقريبه، بلا تحسب. وكل فرد يعطي للآخر ـ مهما كان ـ دون توقع أو انتظار، إلا توقع مرضاة الله وانتظار الأجر في الآخرة. وأما إذا لم يقدر الإيمان في النفوس، على تحريكها نحو العطاء المطلق، وحلت المصلحة محل الإيمان، فإنها تكون محدودة ومحسوبة بحساب دقيق، وبقدرها يكون العطاء: فالزوج لا يعطي لزوجته إلا بمقدار رغبته فيها، وهي لا تعطيه إلا بمقدار ما تأخذ منه. وعندما لا يعطيان عاطفتهما، يتطلعان إلى من هو أنسب لهما. وعندما يجدان الأنسب، يوثقان صلتهما به ويوتران صلتهما ببعضهما. والأم لا تعطي لولدها إلا القليل الذي لا يكفيه، لأنها لا تأخذ منه ـ في المدى القصير ـ إلا عطاءً عاطفياً شفيفاً لا يعوض ما يطلبه منها. فترميه في دور الحضانة، والمربية لا تعطيه إلا عطاءً محدوداً بمقدار ما تتقاضى من وليه من أجر. وإذا نشأ الطفل على العطاء المحدود مقابل أجر فهو لا يعطي لأخيه إلا عطاءً محدوداً بمقدار ما يكسب منه. والقريب لا يعطي لقريبه، إلا إذا كان مقابل أجر وبمقداره. وكل فرد لا يعطي للآخر ـ مهما كان ـ إلا عطاءاً محدوداً بحدود المصلحة التي تربطهما. وإذا كانت المصلحة ـ وحدها ـ هي التي تحدد علاقات الأفراد، يزامل كل فرد مصلحته في الاتجاه إلى الآخرين: فيكون الزوج مع زوجته بمقدار مصلحته معها، وإذا رجحت مصلحته مع غيرها رجح معها ضدها بمقدار ذلك الرجحان. ويكون الوالد مع ولده، بمقدار مصلحته معه، وإذا رجحت مصلحته مع غيره رجح معه ضد ولده بنفس المقدار. ويكون الأخ مع أخيه بمقدار مصلحته معه،فإذا انقلبت ضده كان ضد أخيه... فيسير كل فرد في المجتمع، متأبطاً مصلحته بيمينه ومتأبطاً القانون بشماله، بين ترقب وتوجس، وكأنه يسر في صحراء جرداء يحمل زاده بيد وسلاحه بيد، يتصيد ضعيفاً ينتهزه ويتخوف قوياً يفترسه. ومتى أصبح المجتمع جميعاً غير مترابط بروابط ذاتية ـ أو كما يصف القرآن: {تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى}(11) ـ يكون أشبه بمخزن للغيار، يعج بغيارات تحتاج إلى براغي ومشدات. وقد يقوم القانون بدور البراغي والمشدات في المجالات الظاهرة، ولكنه لا يستطيع القيام بدورها في المجالات الدقيقة التي تغيب عن أعين القانون. والمجالات الدقيقة ـ دائماً ـ هي المجالات الحساسة التي تقرر دور المجالات الظاهرة, لأنها أشبه بالعروق الشعرية التي تغذي البحر أكثر من الروافد الصاخبة. فالقانون ينظم المجتمع، ولكنه لا يوجد المجتمع المترابط. ولذلك: نجد المجتمعات التي توتر فيها الإيمان، تسعى خلف مبادىء تقوم بدور الإيمان في إيجاد الترابط بين الأفراد، ولكن المبادىء النابتة من الأرض أثبتت عجزها عن القيام بنفس الدور، لأمرين: ـ 1ـ لأن المبادىء لا تجد دلالاتها في عاطفة الفرد، فتدفعه من خارجه دون أن تجد تجاوباً من العاطفة التي تحرك الفرد من داخله. بينما الإيمان، بمعونة دلالات العاطفة، يدفع الفرد دفعاً متجاوباً بين خارجه وداخله. 2ـ لأن المبادىء لا تربط الفرد بالقوة الأعظم التي تراقبه على كل شيء وفي كل مجال، ولا تضعه على طريق الحياة الخالدة بين الثواب والعقاب، بينما الإيمان يربط الفرد بالقوة الأعظم التي لا تغرب عنها صغيرة ولا كبيرة، ويضع الفرد على طريق الحياة الآخرة بين الجنة والنار. فلا بد من الإيمان، لتشجيع دلالات العاطفة وتقنينها. و رغم أن الإيمان في تنظيم المجتمع ـ كما في سائر المجالات ـ لا يخلق روابط متكلفة، وإنما يثير ما هو مخزون في واقع الإنسان, فيعطي كل نزوع تقليعته، وبعترف بالروابط الحية في عمق كل فرد، حتى كان الجدير به أن يعبر عن تلك الروابط قائلاً: (تلك حدود العلاقات الاجتماعية)؛ إلا أن القرآن لم يعبر عنها بحدود العلاقات الاجتماعية، ولم يعبر القرآن عنها بحدود الله، لبيان أن من تجاوزها فقد تجاوز الله، وأن من تحداها لم يتحد العلاقات الواقعية ولم يتحد أحكام الله فقط، وإنما تحدى الله ذاته. لأن تجاوز العلاقات الاجتماعية التي سنها الله تكويناً وتشريعاً، يعني الانفلات، والانفلات يعني تجاوز كل الحقوق والواجبات. فمن تجاوز العلاقات الاجتماعية فقد تجاوز الله فكراً أو عملاً، وإن كان تجاوز الله مستحيلاً، إلا أن الغرور قد يحمل البشر التافه إلى حسبان إمكانية تجاوز الله في حسابه، فيفكر ويعمل كما لو أنه تجاوز الله بالفعل. طالوت: يختبر الجيش {فَلَمّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنّ اللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنّهُ مِنّيَ إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} (سورة البقرة: الآية 249) 1ـ الماء شراب، وليس طعاماً. وحيث ورد التعبير بـ(يطعمه)، استدل بعض الفقهاء بهذا التعبير على أن الطعام يشمل السوائل، وليس مختصاً بالحبوب، في قوله تعالى: {...وطعام الذين أوتوا...لهم...}(12)، فيدل على طهارة أهل الكتاب طهارة ظاهرية. ويمكن القول: إن (طعمه بمعنى تذوقه، لا بمعنى أكله، وإن كان الأصل اشتقاقهما واحداً، فالطعام سمي طعاماً لأنه يتذوق واستخدمت كلمة (يطعمه) دون (يشربه)، تأكيداً في التحذير. لأن الشرب قد لا يصدق على تناول القليل، والطعم يصدق حتى على القليل. 2ـ الظاهر من سياق الآية، أن المنع من شرب الماء ـ بعد عطش طويل ـ إلا غرفة واحدة باليد؛ كان أمراً تعبدياً، لامتحان جيش (طالوت)، واختيار العناصر الممتازة لقتال جيش (جالوت). ويحتمل أن يكون أمراً صحياً، لأن شرب الماء كثيراً ـ بعد العطش الطويل ـ يضر بالصحة. بل إن شرب الماء ـ كثيراً ـ يضر بالصحة في شتى الحالات. وهذا.. ثابت في علم الطب، ويشير إليه الحديث الشريف: «الماء، ثلاث جرع»(13). ويفسر هذا الحديث بقطع الشرب بالتنفس مرتين، وعدم عبه عباً. وهذا.. صحيح طباً، ولكن يحتمل أن يكون المراد عدم شرب الماء أكثر من ثلاث جرع، والجرعة هي الكمية التي يمكن ابتلاعها بازدرادة واحدة. الله، والدين، والطاغوت {الله لا إله .. خالدون} (سورة البقرة: 255 ـ 257) ـ 1 ـ {الله: لا إله إلا هو}(14). فهو الإله الوحيد، الذي لا إله سواه. {الحي}(15)، حياة ذاتية، لا مدة لها ولا أمد، ولم يسبقها موت ولا يتبعها موت. الدائم، فليس طاقة ميتة تتحرك بدفع غيره. {القيوم}(16) على غيره، فليس طبيعة قائمة بغيرها: بذي الطبيعية. {لا تأخذه سنة ولا نوم}(17). فهو دائم الحضور، ودائم الوعي. فلا يغفل كالوسنان، ولا يتعطل كالنائم. {له ما في السماوات وما في الأرض}(18). فكل له، وتحت سيطرته المطلقة الشاملة. فلا توجد معه سلطة أخرى، ولا يوجد شيء خارج عن سلطانه وإرادته، وإنما كل شيء تحت سلطته، وليس هذا فقط، وإنما كل شيء ملكه. فلا مبرر ـ مطلقاً ـ للتزلف إلى غيره، أو محاولة كسب أو استرضاء غيره، لأن غيره ـ مهما كان ـ فهو بعض ملكه، فهو المالك الوحيد، الذي لا يوجد إلى جانبه مالك آخر. وليس ذلك فقط، وإنما هو المؤثر الوحيد في الكون، فلا تأثير لغيره، حتى تأثير الشفاعة. فالشفعاء موجودون، ولكن الشفعاء ـ أيضاً ـ بعض ملكه، ولا يتحركون نحو الشفاعة لأحد إلا وفق مقاييس الشفاعة التي وضعها هو، وأذن للمقربين إليه أن يتصرفوا وفقها. فهذه... هي حدود الشفاعة الحكيمة، التي يمكن أن يوجد شفيع عند الله، خارجاً عن المقياس الذي وضعه الله للشفاعة؟!: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟!}(19)، أين يوجد ذلك الشفيع، الذي يشفع عن الله بدافع العاطفة، أو المصلحة، أو اللحمة... ؟! فليس للشفعاء دالة على الله، حتى يسمحوا بها لأنفسهم الخروج عن إرادته في عدالة الشفاعة. وإنما هم ـ جميعاً ـ يعلمون: أنهم عبيد، محاطون بالله، وغير محيطين بأي شيء منه إلا في حدود ما يريد هو أن يعلموا. لأن الذي يسمح لنفسه بالخروج على إرادة سيده، أحد رجلين: 1ـ من يكون خارجاً عن أنظار السيد، بحيث يصور نفسه لسيده بشكل يقوي موقفه. 2ـ من يكون مطلعاً على بعض عورات سيده، فيرهبه سيده، ويمرر تصرفاته الخارجة على إرادته؛ خشية أن يشيع عنه ما لا يحب أن يشيع عنه. والشفعاء عند الله بعكس هذين تماماً، فهم محاطون بالله يعلم عنهم كل شيء، وهم لا يعلمون عنه إلا ما يريد أن يعلموا عنه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ}(20). ذلك: أن سلطة الله تختلف عن سلطة أي سيد، لسببين: 1ـ إن سلطة كل سيد ـ من الناس ـ محدودة لا يستطيع تجاوزها، فهو مقيد بتلك الحدود التي تعكر حتى سلطته ضمنها، فهو ـ حتى في نطاق سلطته ـ متعكر غير مطلق. 2ـ إن كل سيد يحتاج إلى مسوديه، فهو يستعين بهم في ذات الوقت الذي يسودهم. فسيادته غير مطلقة، لأنها معكرة بالحاجة ففيها: ازدواجية بين السيادة والحاجة. وسلطة الله ـ تعالى ـ ليست محدودة، وإنما هي مطلقة: {وسع كرسيه السماوات والأرض}(21). هذا من جهة، ومن جهة أخرى: إن الله ـ تعالى ـ لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وإنما هو يفعل كل ما يشاء أن يفعل في الكون، دون أن يعجز حتى يحتاج إلى معين، وحتى دون أن يتعب أو يرهق، فيستعين بغيره ـ كمالياً ـ حتى لا يتعب ويرهق: {ولا يؤوده حفظهما}(22). إذن: فالشفاعة عند الله عادلة، تكمل المغفرة لمن فاتته التوبة، وقد عصى في الدنيا فهو من المخطئين. ولكن مجمل وضعه العام ـ مع أخذ كل النبضات في ظروفه بعين الاعتبار ـ لا يجعله مستحقاً للعقاب، وإنما يجعله جديراً بالعفو. وحيث لم تغسله التوبة ـ لسبب من الأسباب ـ لا بد أن تطهره الشفاعة، حتى يدخل الجنة منسجماً معها. أما الشفاعة الظالمة: التي تطرد الرجل المناسب من المكان المناسب، فتظلم المطرود، لتأتي بالرجل غير المناسب إلى المكان المناسب، فتظلم المكان المناسب؛ هذه الشفاعة الأرضية، لا تجد طريقها إلى الله. لأن الله لم يأذن بتخطي المقاييس التي سير عليها الكون، ولم يأذن إرباك أي شيء من الكون، بالتفريق بين المنسجمين والجمع بين المتنافرين. فإذن: لا بد من الاقتراب من الله بالاقتراب من الواقع الذي سنه للإنسان في الحياة، وعدم التفكير في الخروج على واقع الكون اتكالاً على إله آخر تجمعه الزمالة في الألوهية مع الله ـ تعالى الله عن ذلك ـ أو اعتماداً على ولي ترفعه صلاحية الشفاعة إلى المشاركة مع الله في تقرير مصائر عباده. فلا إله مع الله، ولا شفيع يملك حق (الفيتو) لنقض قرار الله بحق عباده. وكيف يمكن أن يطاله العباد بما يطالون بعضهم، فيفرضون على بعضهم شفاعات ووساطات على أثر مداخلات، فيدخلون إلى بعضهم من مدخل الحاجة، أو معرفة نقائض وسيئات يحرصون على إنكارها ونسيانها؟! كيف يمكن أن يطال الله ـ تعالى ـ من هذه المداخل، {وهوالعلي}(23) عن مجالات تحرك الإنسان وذبذبات خياله، فلا يسقط في الفخاخ التي ننصبها لبعضنا، {العظيم}(24) ـ في عليائه ـ فلا يرد في الحسابات المحدودة، التي نجريهما لبعضنا، ونؤسس عليها آمالنا وتوقعاتنا؟!. {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(25). هنالك معادلة لا يستطيع البشر التخلص منها، معادلة: الله ـ الطاغوت. وطالما البشر ليس إلهاً حتى يكون مطلقاً، فهو خاضع لسلطة عليا. وهذه السلطة قد تكون حقاً وهو الاله، وقد تكون باطلاً وهو الطاغوت. ولا يمكنه الخروج على هذين الخيارين فلا يخضع لسلطة علية. لأنه بشر والبشر ضعيف ومحتاج، فيردد بين هذين الخيارين، ولا بد له من أحدهما. الله، يعني: العلم الكامل، والعدل الكامل، والقدرة الكاملة، والرحمة الكاملة، وكل الصفات الفاضة في أعلى درجات الكمال المطلق. الطاغوت، يعني: كل ما ليست له مؤهلات تأخذ البشر إليه من داخله، وإنما له مؤهل واحد يأخذ إليه البشر من خارجه وهو السلطة، فبالسلطة يجر إليه البشر. فهو البشر من خارجه، بينما الله يأخذ البشر من داخله، من: عقله، وعاطفته، وسمعه، وبصره، ووجوده كله. ولا يأتيه من خارجه إلا في حالة واحدة، هي حالة التمرد عليه فيمارس معه السلطة. فيما الطاغوت يمارس السلطة أولاً وآخراً، وعن طريقها يأسر من يتورط بها. والطاغوت: كل ما طغى على الإنسان واستعبده، فالطاغوت: قد يكون (المال) بالنسبة إلى شخص، وقد يكون (الجنس) بالنسبة إلى شخص آخر، وقد يكون (الكرسي) بالنسبة إلى ثالث، وقد يكون (الشهرة) بالنسبة إلى رابع، وقد يكون (شخص آخر) بالنسبة إلى خامس... فالطاغوت: مطلق الأصنام الحجرية، والبشرية، والمادية، والوهمية... وكل ما يخضع له الإنسان وليس إلهاً. والطاغوت كذب، لأنه ليس إلهاً ويؤله، بينما الله صدق، لأنه الإله المطلق. وهنالك جانب تربوي لا بد أن نركز عليه، وهو: أن عبادة الله توجه الإنسان نحو الكمال المطلق، فيسير دائماً نحو الكمال. وعبادة الطاغوت توجهه إلى الأغلال التي تسيطر عليه، فيتجه دائماً نحو الاستعباد. {الله ولي الذي آمنوا}(26): فالذين يعبدون الله، وينفذون إرادته في الأرض، إنما تولاهم الله وقادهم، وسيرهم وفق تيار الحياة، الذي صممه منسجماً مع الإنسان. فبمجرد أن يتجه الإنسان إلى عبادة الله ـ عملياً ـ يشعر باتجاهه نحو الانسجام: الانسجام مع نفسه، مع نوازعه الداخلية، الانسجام مع الآخرين. الانسجام مع الكون، ومع كل ما يتعامل معه. يصبح: كالسفينة التي رفعت شراعها في اتجاه الريح، كالجسم الذي تناول الطعام الصحي. فيأخذ كل شيء مجراه، بعفوية وبساطة. وتتضح الآفاق أمام أعين الانسان، فيرى كل شيء على واقعه، ويتعامل معه على الأساس، فلا يعاني غموضاً، ولا يلفه ضباب: {يخرجهم من الظلمات إلى النور}(27). {والذين كفروا}(28) بالله، تنكبوا الطريق. ومن تنكب الطريق، كان تحت رحمة الغول: كالغنم الذي خرج على راعيه، وخرج عن القطيع، فقد شذ عن رعويته، فتقوده الحيرة إلى رعاية الذئب. كالغيار الذي خرج عن موضعه من الجهاز، لا بد أن يتعرض ويتحطم. كأي شيء ترك مكانه، وحاول اتخاذ مكان غيره، لا بد أن يواجهه الخطر. فالذين كفروا بالله، كان {أولياؤهم الطاغوت}(29): أحدهم وليه المال، والآخر وليه الجنس، والثالث وليه الكرسي، والرابع وليه الشهرة، والخامس وليه إنسان آخر مثله... يجمعها الطاغوت. لقد فرغ القلب من شحنته المناسبة: حب الله، فامتلأ بحب ما لا يستحق المحبة، لأن الفراغ المطلق مستحيل. وأنواع الطاغوت، عندما تتولى أشخاصاً كفروا بالله، تقودهم إلى اتجاهها، في معاكسة الواقع الذي أراده الله، فتأمرهم: بالغش، والخيانة، والخداع، والكذب، والزور، والاستعلاء، والمزايدة، والمناورة... فيكونون: كالسفينة التي قلبت شراعها ضد الريح، كالجسم الذي تغذى بغذاء غير مناسب، كالجهاز الذي نفرت غياراته من أماكنها... ككل شيء لا يجد مجراه، فيطغى على غيره، وتتعطل طاقته، وتعطل طاقة غيره، وكل نقلة تواجه صدمة وعقدة. فلا يستطيعون التعامل مع الحياة بمقتضى قوانينها، وإنما يريدون التعامل مع الحياة بمقتضى سنن الطاغوت، التي تتلخص في معاكسة الواقع فيضطرون إلى الابتعاد عن الأضواء والسير في المنحدرات والملتويات. وهكذا.. الطواغيت {يخرجونهم من النور}(30) الذي أشاعه الله في الحياة لضمان الرؤية السليمة، {إلى الظلمات}(31).: ظلمات المخابىء التي يلجؤون إليها من الاستقامة، وظلمات الليل التي يعملون فيها هروباً من نور النهار، وظلمات التنكر للحقائق التي يسفسطون ضدها لمعاكستها. وكل من يريد الخروج على سنن الكون، وشق تيار الحياة؛ يصطدم ويغالب، فيتذرع بالعنف لمغالبة الصدمات والعقبات، فيخرج ـ بالتدريج ـ من منطقة الأمان إلى منطقة النار، كما خرج ـ قبل ذلك ـ من منطقة النور إلى منطقة الظلام: {أولئك أصحاب النار}(32)؛ يصاحبون النار برفقة السلاح، ويصحبون أخلاقاً نارية يرعبون بها من يواجههم، ولساناً نارياً يسلقون به من ينضح عليهم من الماء. ومن دخل منطقة النار، لا يخرج منها، وإنما يتوغل في العمق مع مرور الزمان، لأنه يأنس بها مع الأيام. وتكثر اصطداماته مع الناس، فيكثر أعداؤه، وتزداد حاجته إلى المزيد من النار. فلا يروق له منظر الأفق الساجي، وينفر من الرخاء والأمان، وإنما يعجب بالنار... النار... النار... فـ{هم فيها خالدون}(33). ـ 2 ـ كانت هذه الآية ـ التي هي من أهم آيات القرآن ـ تحاول إلقاء الضوء على الفاصلة الكبرى بين الله والناس، لمكافحة الذهنية الوثنية التي قد تتجه إلى عبودية فرد من البشر: تألهياً، أو حلولاً، أو تنسيباً. فتضع نقاط فاصلة :ـ .ـ ديمومة إحاطة الله وتقطع وعي الناس، فهنالك سلطتان تتناوبان خطف الناس من وعيهم: الأولى: سلطة الغفوة، التي تخطف الفرد وتطلقه، وتلعب معه لعبة الهر والفأر، لتؤكد له ـ ولغيره ـ أنه ليس سلطان نفسه، فكيف يمكن أن يكون سلطان غيره؟! وبما أن هذه السلطة تحاول فضحه ـ في نفسه، وأمام غيره ـ لا توفر عليه مجالاً، فتمارس لعبتها معه في كل مجال، فتخطفه: من مجلسه، ومن مكتب عمله، ومن مركبه... كما تخطفه في وحدته. الثانية: سلطة النوم، التي ترمي به ـ كل يوم ـ ساعات عديدة. ـ 3 ـ النعاس الذي يتطور إلى سنة أو نوم، من عوارض المزاج الحيواني أو النباتي. أما المزاج الطاقوي، فلا يتعرض للنعاس فالطاقات لا نعاس لها، سواء الصغيرة منها كالمغناطيس والكهرباء، أو الكبيرة منها كالجاذبية. فكيف بالمجرد المطلق، الذي لا مزاج له على الاطلاق؟! والسنة، هي الجذبة أو الغفوة. والنوم، هو الغيبوبة الطبيعية العميقة. ـ 4 ـ الشفاعة هي: أن ينضم شخص مقرب عند الله بشخص غير مقرب عند الله، أن يشفع قوي بضعيف، ليتجاوز به الصعاب التي لا يستطيع ذلك الضعيف أن يجتازها لولا انضمام ذلك القوي إليه، شأن الضعيف في كل مجال: فالطفل لا يستطيع أن يحصل الغذاء إلا بانضمام وليه إليه وعندما يبلغ دور الشباب، لا يقدر على تأمين حاجاته المختلفة، إلا بانضمام والده، وصديقه، والمحسنين في بعض الأحيان. ولا يمكنه تأمين الأمن لنفسه وعائلته، إلا بانضمام الدولة إليه. وهكذا.. فالشيخ الهرم يعتمد على عكازته، والمريض يعتمد على عكازته، والمريض يعتمد على خبرة الطبيب، ومن يجد المؤونة لبناء بيت، يشفع المؤونة بعلم المهندس. وهكذا... فالضعيف ـ في أي مجال ـ عندما يحاول ما يعجز عنه بمفرده، يستعين بأقوى منه، مزود بالطاقة المناسبة في ذلك المجال، فتشفع طاقة القوي بطاقة الضعيف، لتشكل معها الطاقة الكافية لإنجاز ما حاول الضعيف إنجازه، والضعيف في عمل الخير، الذي لم يمهد لنفسه حاجاته يوم القيامة، أو لغم طريقه بالعقبات؛ عليه أن يستعين بغيره من الأقوياء، في ذلك الطريق الملغوم، حتى يجتازه بسلام. وهذه.. هي الشفاعة، وهي ـ بكلمة ـ: ضم قدرة راشدة إلى قدرة قاصرة، من أجل التغلب على الموقف الصعب. وإذا فهمنا الشفاعة بهذا المعنى، نجدها طبيعية في الآخرة كما في الدنيا، وكما في مجال الدين كذلك في سائر المجالات. فمن الآليات العفوية، أن قدرة قاصرة تحاول ما هو أكبر من مداها، تستعين بقدرة راشدة، حتى تنجح المحاولة بانضمام القدرتين إلى بعضهما. والقدرة الراشدة ـ دائماً ـ تكمل مقدار القصور في القدرة القاصرة؛ فقد تكون القدرة القاصرة بمقدار عشرة بالمئة من القدرة اللازمة لنجاح المحاولة، فتدفع القدرة الراشدة تسعين بالمئة من القدرة اللازمة. وربما يكون العكس. وربما يكون النقص أقل.. أو أكثر.. ولكن ـ في كل الأحوال ـ: تكون القدرة الشفيعة هي وسيلة النجاح، التي بدونها لا تنجح القدرة القاصرة. ويشترط في انجاح الشفاعة: 1ـ التكافؤ بين الفائض في القدرة الشفيعة والنقص في القدرة القاصرة. فعلى القدرة الشفيعة أن تملك ـ في احتياطيها ـ ما يساوي النقص الموجود في القدرة القاصرة، وأما إذا لم يكن في احتياطيها ما يساوي النقص المطلوب ردمه في القدرة القاصرة، فلا تتم الشفاعة: فالتاجر الذي يريد انتشال المفلسين من التجار، عليه أن يملك ـ في احتياطيه ـ ما يعادل نقائصهم. فمن يملك عشرة ملايين، يستطيع أن يشفع للمفلس الذي يمكن تطويق إفلاسه بالعشرة ملايين أو أقل، ولا يستطيع أن يشفع لمن تراكمت عليه مئة مليون من الديون أو أكثر ـ مثلاً ـ. 2ـ السنخية بين القدرة الشفيعة والقدرة القاصرة. فمثلاً: التاجر الذي يملك ـ في احتياطه ـ عشرة ملايين، يملك الشفاعة للتاجر المفلس الذي يكون إفلاسه تحت العشرة ملايين، بأن يعطيه من المال أو من الاعتبار ما يستعيد به مكانته، ولكنه لا يستطيع أن يجعل من السارق تاجراً، إذ لا سنخية بينهما. وهكذا.. فالأولياء يملكون الشفاعة للمؤمن القاصر، الذي تخلف عن بعض الواجبات أو اجترح بعض السيئات، ولكنهم لا يملكون الشفاعة للفاسق الذي عليه، من الدماء والأعراض والأموال، ما لا ينهض به رصيد مهما عظم. كما لا يملكون الشفاعة للكافر الذي محا السنخية بينه وبين أصحاب الشفاعة، بكفره. وهذا.. هو معنى (الإذن) في الشفاعة، أي: الإذن التكويني، وهو الاستطاعة بمقتضى المؤهلات المتوفرة. وليس الإذن التشريعي الذي يساوي الإجازة، لأسباب: 1ـ أن الله أمر بشفاعة الأقوياء للضعفاء في كل المجالات، فكيف يصدها في الآخرة؟! 2ـ أن الله لم يمنع فيضه عن شيء، فكيف يمنع فيض غيره عن بعض عباده؟! 3ـ (إذن الله) الوارد في القرآن كله، إذن تكويني، أي القدرة، أو الإقدار، ويظهر ذلك في الآيات التالية: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا... }(34). {أَنِيَ أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَىَ بِإِذْنِ اللّهِ}(35). فالله يأذن بالشفاعة لمن يكون نقصه بمقدار قدرة الشفيع أو أقل، إذناً طبيعياً. ولا يأذن لمن يكون نقصه أكثر من قدره الشفيع، إذناً طبيعياً أيضاً. ـ 5 ـ {ما بين أيديهم}(36): مستقبلهم. {وما خلفهم}(37): ماضيهم. والله يعلم المستقبل والماضي كما يعلم الحاضر. لأن الزمان حاجز بالقياس إلى من يعيش داخل الزمان، أما بالقياس إلى من يعيش خارج الزمان ـ حتى غير الله ـ فيرى الزمان شيئاً إلى جانب بقية الأشياء، فلا يكون حاجزاً دونه. تماماً.. كالمكان، فهو يحدد من يكون داخله، ولا يحدد من يكون خارجه. ورؤيتنا للزمان والمكان صعبة، لأننا لا نستطيع الخروج منهما، فلا بد أن نستعين بالأمثال: ـ مثلاً: لو كنت داخل غرفة لا تطل على الشارع إلا من خلال نافذة ضيقة، وكانت فيه قافلة من السيارات، فإنك ترى في الشارع السيارات التي تمر أمام نافذتك واحدة.. واحدة.. أي: أنك ترى السيارة التي تكون أمام نافذتك، ولا ترى معها السيارة التي تجاوزت نافذتك، ولا التي لم تحاذها بعد. فبالنسبة إليك: توجد سيارة ماضية، وسيارة حاضرة، وسيارة مستقبلة. ولو أطللت من الجو لرأيت غرفتك والسيارات جمعاء في نظرة واحدة، فاتسعت رؤيتك بمقدار استعلائك على المكان. ولو استطعت الاستعلاء على المكان كله، لرأيت كل المكان وكل ما فيه. وهكذا.. بالنسبة إلى الزمان، فلو استطعنا الخروج منه لرأيناه كله، ولسقط التصنيف إلى الماضي والحاضر والمستقبل، بل يكون الكل حاضراً، كما يكون بالنسبة إلينا يوم القيامة، حين نخرج من حدود الزمان والمكان، فنجد ماضينا في الدنيا حاضراً يوم القيامة، كما يقول القرآن: {... ووجدوا ما عملوا حاضراً...}(38). فلذلك: تبقى السيئات موجودة، ثابتة في تاريخ أي مسيء، وإن تاب وقبل الله توبته. كما تبقى الحسنات موجودة، ثابتة في تاريخ أي محسن، وإن ارتد وأصبح من أهل النار. أقصى ما هنالك: أن التائب يغطي بعضاً من تاريخه بالتوبة فيكون (الغفران)، والمرتد يشوه بعضاً من تاريخه بالكفر فيكون (الحبط). وبما أن الله فوق الزمان، لا يحجزهم عن شيء، فيكون محيطاً بماضي الناس ومستقبلهم كما يكون محيطاً بحاضرهم. بينما الناس لا يحيطون بماضيهم ومستقبلهم، فهم ينسون كثيراً من الماضي، ولا يعرفون شيئاً عن المستقبل. هذا.. من جهة. ومن جهة أخرى: الله يعلم كل شيء من الناس، وهم لا يعرفون منه أي شيء. ومن جهة ثالثة: يعلم الله كل شيء، من العوالم المادية والماورائية، التي كانت أو ستكون أو هي كائنة. ولا يعلم الناس شيئاً منها، إلا بمقدار ما يسمح الله بمعرفته. وهذا المقدار أقل من أن يقال له قليل، فليس للناس ـ حتى اليوم ـ إلا فرضيات ونظريات قشرية متفرقة، تتعرض ـ كل يوم ـ لهزات تصحيحية. فلا مجال لمقارنة علمهم بعلم الله. ـ 6ـ ما هو الكرسي؟ يقال: الكرسي هو الجرم الكوني الأعظم، الذي يضم جميع السماوات والأرضين. ويقال: الكرسي رمز السلطان، فيكون المعنى: وسع سلطانه السماوات والأرض. الكرسي، هو المقعد الذي يجلس عليه الإنسان. وعادة تستخدم هذه الكلمة للمقامات الرئاسية، فيقال: كرسي الملك، وكرسي الرئيس، وكرسي الدولة. لأن لكل ذي سلطان كرسياً يطمح إليه، فاستخدم رمزاً للسلطان ذاته. فإذا كان المقصود من: {كرسيه}(39) ذلك الجرم الكوني الأعظم، فتسميته بالكرسي وإضافته إلى ضمير يرجع إلى الله، للدلالة على أن سيطرة الله على ذلك الجرم الكوني مكينة كسيطرة الملك على عرشه ذاته ـ تشبيهاً للمعقول بالمحسوس ـ وسيطرة الملك أقوى ما تكون على عرشه، فهي سيطرة حضورية ومباشرة، وليست سيطرة غيابية ولا بواسطة. وإذا كان ذلك الجرم الكوني خاضعاً لله خضوع الكرسي للملك، فخضوع بقية الكائنات لله أمر مفروغ منه. وإذا كان المقصود من: {كرسيه}(40) سلطانه، فالتعبير عن السلطان بالكرسي للدلالة على أنه سلطان مطلق، فسلطانه على كل شيء من {السماوات والأرض}(41) سلطان قوي وحضوري ومباشر. وربما يؤيد المعنى الثاني قوله: {ولا يؤوده حفظهما}(42)، فعادة يجهد الملوك والرؤساء لحفظ البلاد تحت سلطانهم، ولا يفترون عن الإمساك بها إلا وتتمرد عليهم أو تنفرط من أيديهم، ولكن قبضة الله ـ تعالى ـ مكينة من السماوات والأرض، فهو لا يجهد لحفظهما تحت سلطانه. ـ 7 ـ للمعنويات وجود فعلي كالماديات، وهي أقوى ـ وجوداً وأصالةً ـ من الماديات، لأن الماديات تفرز من المعنويات، ولا عكس. فكما ـ هنالك ـ في الماديات ما يمكن الاعتماد عليه، ولا تنفصم: كالجاذبية، وكالنسبية العامة... هكذا.. في المعنويات ما يمكن الاعتماد عليه، ولا تنفصم أبداً: كالإيمان بالله، فهو أقوى وأثبت من الجاذبية والنسبية. ولكننا نلمس الجاذبية ونشعر بالنسبية العامة، لأنهما من فصيلة الماديات التي نحن منها. ولا نلمس الإيمان، ولا نشعر بقوته وثباته، إلا إذا ارتفعت معنوياتنا، وبلغت درجة الحس واللمس، وعند ذلك: نعرف أن المؤمن مستمسك بعروة وثيقة، لا انفصام لها أبداً. نور الله وظلمات الطاغوت {اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ وَالّذِينَ كَفَرُوَاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مّنَ النّورِ إِلَى الظّلُمَاتِ أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. (سورة البقرة: الآية 257) ـ 1 ـ 1ـ {الله} الذي هو مصدر القيم الصحيحة، والمقاييس الثابتة؛ {وليّ} كل {الذين} دخلوا الحياة ثم {آمنوا}. ومتى كان مصدر القيم والمقاييس الواقعية وليّ صنف من الناس، فإنه يحركهم في المجاري السليمة ويدفعهم في الطرق التي تفرغهم في أهداف الإنسانية من الحياة، دون أن يعانوا ارتباكاً في البحث عن الطرق والأهداف، ومن غير أن يقاسوا تناقضاً مع تيارات الوجود، فيخرجون من ظلمات أنفسهم وظلمات الحياة، إلى نور أنفسهم ونور الحياة. لأن الله المحيط بالكون يقودهم، فيتصرفون كما لو كانوا محيطين بالكون، فيكونون خارجين من الظلمات إلى النور. بينما الذين لا ينقادون لإرادة الله، يعتركون الحياة، وسرعان ما يعترفون يعجزهم عن السيطرة عليها، فيتشبثون بالقيادات البشرية التي تستخدمهم لأنانياتها. وبما أن الطواغيت لا يريدون الإجابة على مصالح البسطاء بقدر ما يريدون الإجابة على شهواتهم، يخرجون البسطاء من نور الفطرة المشرق في داخلهم، إلى ظلمات الاستسلام الأعمى لشهواتهم، هم: الطواغيت. فيكونون قد أخرجوا البسطاء من محيط النور إلى دائرة الظلمات، حيث يبعدونهم عن المسالك الصحيحة أكثر مما كانوا يبتعدون عنها لو تركهم الطواغيت، ويعقدون حياتهم أكثر مما هي معقدة لو لم يستأثر بهم الطواغيت. 2ـ إن الله يزود المؤمنين بمقاييس وقيم، تعصمهم من التخبط العشوائي في الحياة من جهة، وتزودهم بالمناعة ضد المستغلين والمستأثرين من جهة أخرى. فلا يخنعون ولا يستسلمون، وإنما يتابعون مسيرتهم الصاعدة، واثقين من هدى الله، مطمئنين إلى سلامة الطريق، فلا يمكنون الطواغيت من أنفسهم مهما كانت التضحيات. بينما الكافرون لا يجدون مثل هذه الثقة بالخطة والهدف، فيتخبطون سادرين، وسرعان ما يستولي عليهم الطواغيت ليستخدموهم، كما يستخدمون الآلات الصغار في المعامل الكبار. 3ـ وهنا.. تم اختيار كلمة (ولي)، دون كلمة (يتولّى) التي تم اختيارها في مواضع أخرى؛ لأن من يؤمن، أي: ينفتح بعقله وعاطفته ومسلكيته على مصدر القيم والمقاييس، يكون عنصراً منسجماً وليه الله طبيعياً، وليس عنصراً منغلقاً معقداً حتى يتولاه الله، فيفتحه ويبسطه ويدفع به في الاتجاه السليم. فهنالك: فارق كبير بين الفرد المنطلق المتوجه الذي تكفيه إشارة الضوء لئلا يخطىء الطريق الصحيح، وبين الفرد المتقوقع المتلبد الذي لا بد من حمله على الطريق لئلا يتجمد ويتحجر. س:ـ الله ولي المؤمنين وغير المؤمنين، فماذا يعني هذا التخصيص بالمؤمنين؟ ج: ـ الله ولي جميع المخلوقات ـ من البشر وغيره ـ واقعاً. وأما معاملة، فتختلف: إذ يعامل أناساً على أنه وليهم، لأنهم يعترفون بولايته، فيصونهم من سلبيات أنفسهم ومن سلبيات غيرهم. فيما يعامل آخرين على أنه ليس وليهم، لأنهم يرفضون الاعتراف بولايته، فيتركهم لسلبيات أنفسهم وسلبيات غيرهم. فمثلاً: ينص على أنه مولى النبي: {... وإن تظاهرا عليه، فإن الله هو مولاه... }(43). ويقول ـ عن قوم آخرين ـ: {... نسوا الله، فنسيهم...}(44). ويشبه تركه الكفار لسلبيات الحياة قائلاً: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَكَأَنّمَا خَرّ مِنَ السّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}(45). وورد (الذين آمنوا)، ولم يرد (المؤمنون) على غرار ما ورد في مناسبات أخر؛ للإشارة إلى أن الإيمان الفطري لا يكفي في هذا المجال، بل لا بد من الإيمان الإرادي: ففي المجالات التكوينية، تكفي القابلية الذاتية، لجعل صاحبها مشمولاً بالعناية الإلهية. وأما في المجالات التجريبية = التشريعية، فلا بد من التوجه حتى يجد التجاوب. فأنت لا تتزود بطاقة الشمس، ومواهب السحاب، وشعاع المعلم، ودفء الكرسي، ووهج المال، وعبير البنين.. إلا إذا تحركت نحوها، أوليس في الحديث: «إن لله نفحات، ألا فتعرضوا لها»(46)؟!. فالله ـ في لطف ذاتي ـ ولي كل من تسربلوا بالإيمان، لأن إيمانهم تعرض للفيض المطلق الذي لا مرد له؛ غير انغلاق الفرد عنه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكَـاةَ وَالّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}(47). والذين يتعرضون لولاية الله عليهم، فيؤمنون به؛ يكون الله مولاهم، أي: يقبلهم في ولايته، في المجالات التفاعلية التي وكلوا بها: فيحفظهم من سلبيات غيرهم، ويسددهم من سلبياتهم هم، ويلهمهم الإيجابيات، التي يجدون ـ في ذاتياتهم ـ ذبذبة الحنين إليها ولا يستوفون الزخم الكافي لتكميلها أو تنفيذها، فيقصرون عنها بدون مدد إلهي، إلى جانب: ما قبلهم فيه من المجالات الوجودية، أي: في إيجادهم وإبقائهم. وعندما يتقبلهم الله في ولايته، تكون لهذه الولاية مظاهر، ولعل أبرز هذه المظاهر: أنه {يخرجهم من الظلمات إلى النور}(48). 4ـ إن الإنسان قد يعاني من نوعين من الظلمات، ظلمات جسده وظلمات روحه: وظلمات الجسد، هي الغرائز التي يحملها الجسد إلى الإنسان، من طبائع المواد الكثيفة، التي نعبر عنها بالأرض أو بالتراب. وظلمات الروح، هي الشهوات التي يحملها الروح إلى الإنسان، من طبائع العناصر اللطيفة، التي يعبر عنها في النصوص الدينية: بالنور، وبالظلمة، وبالنار، وبالريح: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخّارِ(14) وَخَلَقَ الْجَآنّ مِن مّارِجٍ مّن نّارٍ}(49) وفي الحديث: «أول ما خلق الله، نوري»(50)... ويمكن تلخيص ظلمات الجسد في ثلاث:ـ 1ـ الجشع، وهو طلب أكثر مما يحتاج إليه الفرد. 2ـ الغضب، وهو استنكار الإساءة بأكثر من حجمها. 3ـ الحقد، وهو إرصاد الغضب للقيام برد الفعل، بعد المدة التي يستوجبها الفعل. ويمكن تلخيص ظلمات الروح في أربع:ـ 1ـ الجهل، وهو عدم معرفة ما ينفع. 2ـ الجبن، وهو الحرص على العافية أكثر مما ينبغي. 3ـ الكبر، وهي المعاملة مع النفس على أنها أكبر مما هي. 4ـ الحزن، وهو التأثر على فقدان عزيز، أو فوات مقصد. ويمكن تلخيص هذه الصفات السبع في صفة واحدة، وهي: وضع الشيء في غير نصابه. وأما مظاهر نور الجسد ونور الروح، فهي أضداد الصفات السبع المذكورة. وهنالك حقائق ينبغي التوقف عليها :ـ الأولى:ـ كل إنسان ـ باستثناء المعصومين (ع) طبعاً ـ يعاني من ظلمات جسده، لأن كل الأجساد مخلوق من حزن الأرض وسبخها، وبعض مخلوق من سهل الأرض وطيبها. ولكنها ـ جميعاً ـ تشترك في المواد الأصلية التي ركب منها التراب. الثانية:ـ لا بد لكل جسد ـ مع نفس الاستثناء الآنف ـ أن يعاني من ظلمات الأرض، حتى يكون مسرحاً للصراع بين الخير والشر، ويعرض للتجربة. ويدل على أن أجساد المؤمنين تعاني من الظلمات، قوله تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل}(51)، وهذا الغل هو المظهر الرمزي ـ أو الحقيقي ـ لتلك الظلمات. كما يدل عليه: ما ورد من إخراج الملائكة علقة سوداء من قلب رسول الله (ص)، في الحديث المعروف. ولا بد لكل إنسان ـ كذلك باستثناء المعصومين (ع) ـ أن يعاني من ظلمات روحه، لأن الأرواح ثلاثة أقسام:ـ 1ـ أرواح المعصومين، وهي مخلوقة من النور الخالص. 2ـ أرواح المعاندين ـ من: الجن والأنس، والشياطين ـ وهي مخلوقة من الظلمة الخالصة. 3ـ أرواح غير المعصومين والمعاندين، وهي مخلوقة من النور والظلمة، بنسب مختلفة. فبمقدار ما ترتفع نسبة النور في الفرد ترتفع درجته في الخير، وبمقدار ما ترتفع نسبة الظلمة في الفرد ترتفع درجته في الشر. الثالثة:ـ فالأجساد والأرواح مخلوقة من النور والظلمة، وإن كانت نوعية النور الذي خلقت منه الأجساد تختلف عن نوعية النور الذي خلقت منه الأرواح: فالنور الموجود في الأجساد، هو النور الكوني المنتشر في التراب والفضاء، وهو من عالم الخلق. بينما النور الموجود في الأرواح، هو النور الماورائي، وهو من عالم الأمر. وكذلك: الظلمة التي خلقت في الأجساد، ظلمة كونية منتشرة في الأرض والفضاء، وهي من عالم الخلق. والظلمة التي خلقت منها الأرواح، ظلمة ما ورائية، من عالم الأمر. الرابعة:ـ إن الإنسان ـ بشقيه: الروح والجسد ـ قابل للتطور. ـ 2ـ الله ـ تعالى ـ ولي المؤمنين وغير المؤمنين، فهو ولي الكون والإنسان. وقد قرر للكون والإنسان نظاماً عاماً خضع له كل شيء، ولا يستطيع شيء ممارسة الكفر به. فالأشياء كلها مؤمنة بالنظام الكوني، والله ـ سبحانه ـ يمارس ولايته الكونية دون أن يأخذ في الاعتبار إرادة الإنسان أو غير الإنسان، وإنما قهر كل شيءٍ في هذا المجال، فهو مسير طوعاً أو كرهاً: {ثم استوى إلى ..أمرها...}(52). وهذه الآية لا تعرض النظام الاجتماعي وإنما تعرض النظام الكوني. ففي مجال النظام الاجتماعي، ترك الله ـ تعالى ـ للإنسان حرية الاختيار، وجعل إرادته سيدة الموقف، فهي مصدر السلطة والسلطان. وبما أن الفرد الواحد لا يستطيع أن يكفي نفسه شؤونه النظامية، كما لا يستطيع أن يكفي نفسه شؤونه المادية، من: غذائية، وكسائية، وسكنية، وغيرها... ؛ يضطر إلى إضافة طاقته النظامية، إلى طاقات المشتركين معه في الشعور بالحاجة إلى سلطة قوية وقادرة على كفايتهم شؤونهم النظامية، وتركيز تلك الطاقات في قبضة واحدة، تمارس المهام السلطوية بلا عجز، وتحمي المجتمعين تحت خيمتها من التناقض والفوضى. وهذا الشعور المشترك بالحاجة المشتركة إلى القبضة الحديدية العليا، هو الذي دفع بالبشر ـ في طول التاريخ، وفي عرض الحياة ـ إلى التطوع بخيرة رجاله وطاقاته، من أجل إيجاد سلطة عليا يقودها حاكم أعلى بر أو فاجر، لأن النقائص والمشاكل التي تنتج في فراغ السلطة والحاكم ربما تكون أعقد ـ بكثير ـ من المشاكل التي تحدث بفعل السلطة الفاسدة والحاكم الفاسد. والمجموعة البشرية ـ التي تحددها ظروف معينة ـ للتعاون على إيجاد سلطة واختيار حاكم، تسمى (شعباً). ورقعة الأرض التي تتعايش عليها تلك المجموعة البشرية، تسمى (وطناً). وتلك المجموعة البشرية ـ: الشعب ـ، وهذه القطعة من الأرض ـ: الوطن ـ، تختلف أحجامهما من شعب إلى شعب.. ومن وطن إلى وطن.. نتيجة لاختلاف تلك الظروف. وتلك المجموعة البشرية، قد توفق ـ نسبياً ـ في إيجاد سلطة متناسبة واختيار حاكم متناسب معها، فتنخفض نسبة مشاكلها. وربما لا توفق في إيجاد سلطة متناسبة واختيار حاكم متناسب معها، فترتفع نسبة مشاكلها. وفي كلتا الحالتين، لا تنتهي مشاكل البشر. فالتدافع الاجتماعي حتمي لا يمكن معالجته، و(المدينة الفاضلة) ـ قبل ظهور صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ ضرب من الشعر البيزنطي، التي أدى توقعها إلى تشديد وطأة المشاكل على أجيال كثيرة. لأن الإنسان أكبر من الأرض التي تحمله، فلا تستطيع احتماله ومطامح الإنسان أوسع من رحاب الحياة التي تحويه، فلا تستطيع احتواءه. والفائض من مطامح الأفراد تتزاحم على رحاب الحياة المحدودة، فتتناقض، وتحدث مشاكل ترفض العلاج. لأن مشكلة محاولة حصر الواسع في الضيق، مشكلة ليس لها علاج، إلا بتغيير موقع البشر من هذا العالم ـ الذي هو أضيق من حجم البشر ـ إلى عالم بحجم البشر، أو أوسع من حجم البشر. ولعل السبب الأساس في أن حياة الدنيا مثقلة بالمشاكل، وحياة الجنة معافاة من المشاكل، هو: أن حياة الدنيا أضيق من البشر، فالبشر مضغوط فيها، كما لو حصر مترٌ مكعب من الغاز في فراغ نصف متر مكعب، فإن هذا الحصر يؤدي إلى توتر يؤدي إلى انفجار لدى أولى إمكانية. فكل شيءٍ مضغوط يحاول أن يأخذ امتداده الطبيعي، ويعكس رد فعله، فور توفر أدنى فرصة مناسبة. بينما حياة الجنة أوسع من البشر، فلا ضغط عليه فيها، كما لو أطلق متر مكعب من الغاز في مساحة متر ونصف مكعبين، فإن هذا الترهي يؤدي إلى أن تأخذ كل جزيئة من الغاز امتدادها الطبيعي، وتجد منطلقاً أوسع مما تحتاج، فلا توتر يؤدي إلى انفجار، ولا فائق يؤدي إلى تزاحم وتناقض. فلا مشكلة في حياة الجنة، ولا يمكن إيجادها، لأن إيجاد أي شيءٍ بدون توفر عناصره مستحيل. فيما المشكلة طبيعية في حياة الدنيا، ولا يمكن إزالتها، لأن إزالة أي شيء مع توفر عناصره مستحيل. والممكن الوحيد ـ في هذا المجال ـ هو تغيير نسبة المشكلة بتغيير نسبة الضغط: فإذا كانت السلطة والحاكم يساعدان على تخفيف الضغوط الطبيعية، تنخفض نسبة المشكلة إلى أدنى حد ممكن. وإذا كانت السلطة والحاكم يكثفان الضغط، ترتفع بمعدله نسبة المشكلة. وكل فرد ـ بمقدار شعاعه ـ يساعد على تحديد نوعية السلطة، وتعديل شخصية الحاكم: فربما يتعاون أفراد المجتمع على أن يكون الله ـ تعالى ـ حاكماً عليهم، فتكون السلطة المفرزة منه عادلة، وقادرة على تخفيض الضغوط إلى الحد الأدنى، الذي لا يمكن تخفيضهم أكثر مع الاحتفاظ بالبشر في حياة الدنيا. وربما يتظافر المجتمع على اختيار طاغية من الطواغيت حاكماًً عليه، فتكون سلطته جائرة، وعاجزة عن تخفيف الضغوط، وإنما تتجه ـ عكسياً ـ إلى تصعيد الضغوط بمقدار أنانية الطاغية وجهله. فالمجتمع هو الذي يختار وليه في مجال النظام الاجتماعي: فالمجتمع الإيماني ـ عفوياً ـ يختار الله، لأن المؤمن لا يجد نقصاً ولا عجزاً إلا ويتوجه إلى الله بمشاعره، فهي لا تنبض إلا بالله، فـ{الله ولي الذين آمنوا}(53)، في واقعهم وفي توجهاتهم. وإذا اختاروا الله لتولية نظامهم الاجتماعي، فمن الطبيعي أن {يخرجهم من}(54) جميع أنواع {الظلمات}(55) الاجتماعية الثلاث، وهي:ـ 1ـ ظلمة التوقعات الناتجة من جهل الفرد: بواقعه، وإمكانية السلطة. فكما سبق: إن واقع الفرد ـ في هذه الحياة ـ واقع مضغوط، لا يمكن إطلاقه كاملاً ليأخذ امتداده الطبيعي. بالإضافة إلى: أن السلطة ـ مهما توسعت صلاحيتها ـ لا تقدر أن تؤمن لكل فرد كل تطلعاته. فالفرد الذي عمل على إيجاد سلطة معينة ـ ولو بأن أعطى لها صوته ـ يتوقع منها أن تستجيب لكل حاجاته. وإن استطاعت سلطة، الاستجابة لحاجات فرد أو أفراد، فإنها لن تستطيع الاستجابة لحاجات كل من ساعدوا على إيجادها. فإذا كان الفرد جاهلاً بواقعه وإمكانية السلطة فإن تصاعد درجة توقعاته كفيل بإحداث هوة بينه وبين السلطة التي عمل على إيجادها. ولذلك: نجد التلاميذ، عندما يأخذون مقاعدهم أمام الأستاذ، يرفعون إليه مطاليب لا قبل له بها، وهم ـ أنفسهم ـ فور ما يأخذون دور الأساتذة من تلاميذهم، يكثفون الأدلة على نسف المطاليب الموجهة إليهم. والعمال حينما يلتصقون بالآلات في معمل، يكون لهم موقف سلبي من صاحب المعمل، وأكثرهم تطرفاً، إذا ملك المعمل ذاته، ينقلب موقفه ـ بقدرة قادر، بين لحظة وأخرى ـ إلى موقف معاكس تماماً من موقف عماله. وكل فرد من أفراد الشعب، يحمل في جيبه ـ دائماً ـ عريضة شكوى واحتجاج، تمسح أخطاء الدولة، وإذا تلقى مرسوم تعيينه مسؤولاً، تتطور ـ في يده ـ عريضة الشكوى إلى مرافعة الدفاع عن تلك الأخطاء ذاتها. وكل هذا.. يدل على أن موجة توقعات الشعوب ليست واقعية بمقدار ما تجمع أصداء تقصير الحكام وعجزهم، فتكون توقعات إعلامية هدامة أكثر مما تكون توقعات واقعية بناءة. وبمقدار ما يصعد المحكومون موجة التوقعات في جانب حقوقهم على الحكام، بذات المقدار يصعد الحكام موجة التوقعات في جانب حقوقهم على الشعوب، فلهم شوط واسع لاستيفاء حقوقهم من شعوبهم. وتتصاعد الموجتان في خطين متوازيين، حتى يبلغ التوتر درجة الصراع والاحتكام إلى السلاح. وإن كانت الأسلحة تختلف: فبينما تحاول الشعوب ـ من جانبها ـ استيفاء حقوقها بالإضرابات، وبالمظاهرات، وأخيراً: بالثورات. في الجانب الآخر، يعمل الحكام على استيفاء حقوقهم بالقانون، وبأجهزة البوليس، والمخابرات، وأخيراً: بالجيوش. 2ـ ظلمة استئثار الحاكم وأنانيته، الناتجة من جهله ـ أو تجاهله ـ لمكانته الحقيقية من قاعدته البشرية. فالحاكم ـ باعتباره أسوة ـ يحاول الآخرون أن يتمثلوا به. فإذا أخذ لنفسه الكثير، فالآمرون يحاولون أن يأخذ كل واحد منهم بقدره. وهذه المحاولة، تضعهم على طريق مجموعة كبيرة من المشاكل. وأنانية الحاكم، تدفعه إلى البطش بمن لا يوافقون على هواه ومزاجه. وبطش الفرد العادي بنظيره، يقبل التناسي والغفران من قبل الآخرين، لأنه ليس مبعث الخوف والرجاء، فلا يهتمون بما ارتكب من كبيرة أو صغيرة. ولكن بطش الحاكم ـ سواء بالكبير أو بالصغير ـ يرفض التناسي والغفران من قبل الآخرين: أولاً: لأن الحاكم مبعث الخوف والرجاء. فالناس يقدرون أنه إن بطش اليوم بأصغر فرد في الشعب، ومرروا جريمته خوفاً منه أو طمعاً فيه، فإنه يتعود الولوغ فيهم وهم يتعودون تمرير جرائمه، إلى أن يتحول وحشاً ضارياً ويتحولون جثة هامدة لا يهزها البطش بها، فحتى لو بطش ـ هو ـ بأكبر فرد في الشعب أو بأكبر مجموعة من الشعب، فالجريمة لا تلقي ظلها عليه ولا عليهم، لأنها فقدت ظلها يوم أصبحت عادة مألوفة. وانطلاقاً من هذا الواقع، نجد أن الناس يحصون على الحاكم أنفاسه، وإذا وجدوا بادرة سيئة صدرت منه، أسرعوا إلى شد الجبهات ضده، وضربوا عليه حصاراً، وحاولوا إحكام الحصار عليه، وسلطوا المجاهر على بادرته لجعل النقطة جبلاً. كل ذلك: خشية أن يتعود الجريمة، ويستمرئها، فتجرفهم جرائمه في يوم من الأيام، لأنه يملك القدرة على تحطيم أقدس الحرمات، وليس أمامه إلا تهيب الجريمة، فلا بد من إثارة ردود فعل كثيرة في وجهه لأدنى بادرة سوء، حتى تتضخم في نظره، فلا يقترب منها، ولا يتجاوزها إلى أكبر منها. ثانياً: إن الحاكم ـ باعتباره صاحب السلطة ـ يحسده ويتربص به منافسوه، وهم يحاولون تعبئة الرأي العام ضده، ولا يجدون وسيلة لتأليب الرأي العام عليه أفضل من تركيز الأضواء على جرائمه، فيحاولون النفخ فيها ما أمكنهم استغلالاً للموقف. فاستئثار الحاكم وأنانيته تقابل باستئثار كل فرد من الشعب، ويحاول كل جانب أن يكبح جماح الآخر بالمزيد من الاستئثار والأنانية، ويتصاعد الجانبان في خطين متوازيين، حتى يبلغ التوتر درجة الصراع والاحتكام إلى السلاح. 3ـ ظلمة ارتباك المقاييس. فالحاكم، عندما يجمع في قبضته خيوط السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، لا يجد مبرراً للانحناء أمام الإمبراطوريات الوهمية التي تسمى بالمقاييس، وبخاصة: إذا وجد كلائش: التطور، والتقدمية، والتحرر... مطروحة على الساحة لكل من يحسن استغلالها. فإنه لا يتورع عن اعتبار نفسه قاعدة أساسية للحكم، واعتبار مصالحه منطلقات وأهداف، وبالطبع: سيجد من يفلسف له، وينحت ـ من مصالحه الخاصة ـ قضايا شعبية ومطالب جماهيرية تخدم الأمة والوطن، فيبادر إلى وضع مقاييس جديدة تعود إلى خدمته في نهاية المطاف. وهكذا.. يتوالد ـ في جانب الحكم ـ جيل جديد من المقاييس. غير أن الحاكم، مهما تبرقع أمام جماهير الشعب، إلا أنه يبقى عارياً أمام مفكريه. والمفكرون ـ في أي شعب ـ وإن كانوا قلة في العدد، إلا أن الشعب برمته ـ بعد تقدم أو تأخر، وتردد، وتمرد، ولف ودوران ـ يتبعهم في الشوط الأخير. وهم ـ بالتقابل ـ يعملون للقصاص من الحاكم، بوضع ـ أو استيراد ـ مقاييس مضادة، ويحسنون استغلال الشعارات البراقة لاستقطاب المتذبذبين، فيتوالد ـ إلى جانبهم ـ جيل جديد آخر من المقاييس. وتبدأ حملة المزايدات والمناورات، في أشكال متنوعة من: الثورة الثقافية، والثورة الثقافية المضادة، والفذلكة، والفذلكة المعاكسة... وتتصاعد الجبهتان في خطين متوازيين، حتى يبلغ التوتر درجة الصراع والاحتكام إلى السلاح. والله ـ سبحانه وتعالى ـ إذا تولى شؤون النظام الاجتماعي لمجموعة إيمانية من البشر، يخرجهم من هذه الظلمات الثلاث: فأولاً:ـ يخرجهم من ظلمة التوقعات التصاعدية المتسابقة في الخطوط البيانية، إلى نور الواقع وعافية الواقع، باتباع وسائل ـ واحدة منها عملية، والبقية فكرية ـ: فالأولى :ـ وهي وسيلة عملية، أنه يعين الحاكم حسب مواصفات معينة، تجعله ـ بالفعل ـ فوق مستوى الآخرين، وموضع ثقة واعتراف الآخرين. فهو: لا يعين الحاكم تعييناً خالصاً بالاسم، حتى يناقش في صلاحياته. ولا يعينه تعيينا بصفات باهتة متداولة، حتى يناقش في جدارة تلك الصفات لتصعيد شخص من مستوى القاعدة المحكومة إلى مستوى القمة الحاكمة وإنما يعينه بصفات تجعل منه قمة بالفعل، فتعيينه بتلك، الصفات يشبه أن يقال: (احتكموا إلى كل من هو قمتكم وأفضلكم). ـ 3 ـ «الله» الذي هو مصدر الكون والحياة والإنسان، يتولى شؤون المؤمنين به. وبما أنه الأقوى والأعلم، يسير المؤمنين به على أفضل المسالك الموجودة في الحياة. وإذا أردنا علمانية التعبير، نقول: الله رمز المقاييس الواقعية، والمؤمنون به ـ حيث تبينوا تلك المقاييس عن الأنبياء، الذين هم أعرف المصلحين بتلك المقاييس يلتزمون بتلك المقاييس، ولا يلتفتون إلى نداءات الإغراء والإلهاء التي ترفعها المجتمعات من حولهم، فيسيرون بأنفسهم ـ وبالناس والأشياء، من حولهم ـ على أفضل المسالك الموجودة في الحياة. فالله ـ سبحانه وتعالى ـ عندما يتولى المؤمنين به: {يخرجهم من الظلمات إلى النور}. لأن ظلمات الحياة ثلاث:ـ 1ـ مشاكل الحياة وألغامها، التي تفاجىء الإنسان في كل موطىء قدم. 2ـ انعكاسات تلك المشاكل على النفس البشرية، وتسمى بالمخاوف والأحزان والهموم. 3ـ والتخيبات التي تصيب الإنسان، نتيجة لكون نفسه أكبر من الحياة. والله ـ تعالى ـ يفجر تلك الظلمات بالنور، بعاملين:ـ 1ـ عامل معرفة المؤمن بالحياة، فالله ـ بواسطة أنبيائه وأوليائه المعصومين (ع) ـ يعرف المؤمنين بمشاكل الحياة وضيقها وتفاهتها، حتى يستعد المؤمنون لمشاكلها وضيقها، فلا تصدمه المشاكل، ولا تزعجهم الخيبة: {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم... }(56). والإنسان إذا عرف الصدمة، وتوقع الخيبة، لا يتألم. 2ـ جعل الله لتحمل لصدمة أو خيبة، مكافأة أكبر من تلك الصدمة أو الخيبة. وبهذين العاملين، خفف من انعكاس المشاكل على النفوس. وهكذا.. أخرجهم من ظلمات الحياة إلى نور المعرفة، والأمل بالآخرة. {و} أما {الذين كفروا}: فالله لا يتولاهم، لا لأن رحمة الله تضيق بهم، وإنما لأنهم يعيشون بأحاسيسهم لا بعقولهم. وأحاسيسهم لا ترقى إلى الله تعالى: فينصرفون عن الله وتعاليمه إلى الطواغيت ـ من البشر ـ ينتهزون ضياعهم، فيكون {أولياؤهم الطاغوت} بدلاً عن الله. وبما أن الطواغيت لا يتولون الناس لإسعادهم، وإنما يتولونهم ليضيفوهم إلى ما حولهم من أشياء، توفيراً على جشعهم في السلطة والشهرة، وتنفيساً عن عقدة العظمة التي توحي إليهم بأن من حقهم أن يستأثروا بأفضل الأشياء. واندفاعاً من مواقع الأنانية والأثرة، يضغطون على من يسقط تحت سلطتهم، بأقصى ما يملكون من قوة، لتقزيمه وصهره في القنوات التي تصب في مآربهم، فيخرجون كل من تناله سلطتهم، مما له من بصيص نور الإنسانية إلى ظلمات الانسياق الأعمى تحت السلطة الغاشمة، إلى الاحتمالات الوحشية. بالإضافة إلى: ما يعانون من ظلمات الحياة. وجاء (الطاغوت) بصيغة المفرد، للتشابه اللفظي مع (الله) الذي هو واحد أحد. ثم: وجه إلى (الطاغوت) ضمير الجمع ـ في: (يخرجونهم) ـ لأن الطاغوت كثير، حتى بالنسبة إلى كل فرد، فما من فرد إلا ويعاني من عدة طواغيت. البعث: كيف؟ {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَىَ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىَ وَلَـكِن لّيَطْمَئِنّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطّيْرِ فَصُرْهُنّ إِلَيْكَ ثُمّ اجْعَلْ عَلَىَ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنّ جُزْءًا ثُمّ ادْعُهُنّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. (سورة البقرة: الآية 260) 1ـ تآلف الجسم البشري بذات عناصره، بعد تفرقها وتطورها في تركيبات مختلفة كثيرة، أمر لا يهضمه الفكر البشري بسهولة. فأعطى القرآن شرعية التساؤل عنه حتى القناعة، بطرح السؤال على لسان نبي من أولي العزم، هو رأس الموحدين بعد نوح (ع). 2ـ لو سقطت حبة سكر في كأس ماء، ما كان القدماء يصدقون إمكانية استخلاصها، وتجميعها بكل عناصرها. ولكن أبسط خبير كيمياوي، يعمله ـ اليوم ـ ببساطة. 3ـ ولو سقطت حبة ملح، وحبة سكر، وقطرة أسيد، وقطرة دم؛ وامتزج الجميع، فهل يمكن إفرازها بشكل دقيق؟ كان آباؤنا يقولون: لا.. ونحن نقول: نعم.. بكل بساطة. 4ـ والله يكرر التجربة ـ باستمرار ـ: مياه البحر ترتفع سحاباً، ثم: ترجع إلى الأرض قطرات مطر، وتمتزج بكل مواد الأرض، وتتطور في النبات والحيوان والإنسان، ثم:ـ لا تضيع، وإنما تفتح طرقها الدقيقة الطويلة إلى البحر، لتعود إلى الجو. فماذا يمنع أن يكون الإنسان كذلك؟!. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ إِنّ الّذِيَ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْتَىَ إِنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(57). المركز، وغير المركز {يا أيها الذين آمنوا...بصير}. (سورة البقرة: 264 ـ 265) 1ـ الصدقة مشتقة من (صَدَقَ ) ، إذا عبر عن انطباعه عن الواقع، صادقه الواقع أو لم يصادقه. ويعاكسه (كذب)، إذا لم يعبر عن انطباعه عن الواقع صادقه الواقع أو خالفه. فالتعبير عن الواقع النفسي (صدق)، والتعبير بخلاف الواقع النفسي (كذب). والصدقة هي التعبير العملي عن الواقع النفسي المنعكس على الواقع، بالمشاركة في الإصلاح. فهي مشاركة عملية، نابعة من الضمير. إذن: فالصدقة أخلص ما يدفعه الإنسان لخدمة المجتمع. غير أن سوء تصرف أفراد من المسلمين، شوه صيغة الصدقة، فأصبحت توحي: بيد عليا تبذل القليل باستعلاءٍ، ويد أدنى تأخذ القليل باستخذاء، ووجه مصعر ممنن، ووجه متللٍ ممتنٍ. ولكن سوء تصرف أفراد، لا يغير حقيقة الصدفة، التي هي أوفر ما ينفق بإخلاص. 2ـ والذي يتبع صدقته بالمن أو بالأذى، لا يكون إنفاقه صدقة. لأنها لا تكون مشاركة عملية نابعة من الضمير، وإنما تكون تعبيراً عن حب الاستعلاء والتسخير. فلا تكون صدقة، فهو يبذل ولا يتصدق. 3ـ {لا يقدرون على شيء مما كسبوا}(58): فلقد كسبوا المال، وهذا المال خرج من حوزتهم عندما دفعوه بالمن أو بالأذى، ولو دفعوه صدقة مخلصة، بقي في حوزتهم بعوضها العظيم عند الله فالمتصدق بإخلاص، يتجر بماله، فلا يدفعه إلا لقاء الافضل والمتصدق بمنٍ أو بأذى، يستهلك ماله بلا عوض. 4ـ {فمثله كمثل صفوان عليه تراب... }(59) {كمثل جنة بربوة...}(60): هذه المقارنة بين المنفق رياء والمتصدق بإخلاص، تعطي الكثير: فالأول غير مركز في عمله، والثاني مركز في عمله. الأول مدفوع برغبة غيره، والثاني مندفع بدافع ذاته. الأول يعبر عن مجاملته لإرادة الغير، والثاني ينتزع من إرادته. فالأول كصخرة، وإنفاقه كالتراب يتراكم عليها من الهواء: إن أول رشة مطر تغسلها فيزول التراب، والثاني كجنة: لا يزيدها المطر إلا نمواً وعنفواناً. هذا الفارق، هو الفارق الأساسي بين غير المركز والمركز: فغير المركز، لا يتعرض للتجربة إلا ويزول عن مستودعه والمركز، لا تزيده التجارب إلا توغلاً في مستقره. وغير المركز محدود المدى: فهو يعمل طالما الرغبات تدفعه والأنظار تتابعه، ولا تكف عنه الرغبات والأنظار إلا ويجمد في موضعه. بينما المركز بعيد المدى: فهو سواء أشجعته الرغبات أو عاكسته، وسواء تابعته الأنظار او لاحقته. والمركز: هو الذي يمكن الاعتماد عليه، وتنجح يه الأعمال الكبار، ويسير الكثيرين من غير المركزين. |
|
(1) سورة الأنبياء: آية 98. (2) مجمع الزوائد للهيثمي ج6 ص117. (3) السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي ج2 ص53 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص150. (4) نهج البلاغة ـ صبحي الصالح ـ الخطبة(123). (5) نهج البلاغة / الخطبة 121. (6) سفينة البحار ج1 ص540 باب رهب. (7) الوسائل / ج8 / ص149/ الحديث 4. (8) سفينة البحار ج2 ص668. (9) الكافي ج2 ص164 باب 70 ح5. (10) نهج البلاغة (فيض الإسلام) ـ 993. (11) سورة الحشر: آية 14. (12) سورة المائدة الآية 5. (13) الوسائل ج17 الباب 9 ص195. (14) سورة البقرة: آية 255. (15) سورة البقرة: آية 255. (16) سورة البقرة: آية 255. (17) سورة البقرة: آية 255. (18) سورة البقرة: آية 255. (19) سورة البقرة: آية 255. (20) سورة البقرة: آية 255. (21) سورة البقرة: آية 255. (22) سورة البقرة: آية 255. (23) سورة البقرة: آية 255. (24) سورة البقرة: آية 255. (25) سورة البقرة: آية 256. (26) سورة البقرة: آية 257. (27) سورة البقرة: آية 257. (28) سورة البقرة: آية 257. (29) سورة 257. (30) سورة البقرة: آية 257. (31) سورة البقرة: آية 257 (32) سورة البقرة: آية 257. (33) سورة البقرة: آية 257. (34) سورة الحج: آية 39. (35) سورة آل عمران: آية 49. (36) سورة البقرة: آية 255. (37) سورة البقرة: آية 255. (38) سورة الكهف: آية 49. (39) سورة البقرة: آية 255. (40) سورة البقرة: آية 255. (41) سورة البقرة: آية 255. (42) سورة البقرة: آية 255. (43) سورة التحريم: آية 4. (44) سورة التوبة: آية 67. (45) سورة الحج: آية 31. (46) انظر النهاية ج5 ص90 باب النون مع الفاء. (47) سورة الاعراف: آية 156. (48) سورة البقرة: آية 257. (49) سورة الرحمن: آية 14 ـ 15. (50) بحار الأنوار ـ ج15 ـ باب(1) حديث(44) ص24 ـ ط مؤسسة الوفاء. (51) سورة الاعراف: آية 43. (52) سورة فصلت: آية 11 ـ 12. (53) سورة البقرة: آية 257. (54) سورة البقرة: آية 257. (55) سورة البقرة: آية 257. (56) سورة الحديد: آية 23. (57) سورة فصلت: آية 39. (58) سورة البقرة: آية 264. (59) سورة البقرة: آية 264. (60) سورة البقرة: آية 265. |