الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(2)

۞ سورة البقرة ۞

مدنية وهي مئتان وست وثمانون آية

الصبر والصلاة


{واستعينوا...الخاشعين}

(سورة البقرة: الآية 45)


من طبيعة الحياة الهدم والبناء: هدم ما استنفد أغراضه، فأصبح مائلاً نحو الانحدار. وبناء ما لم يحقق أغراضه، فأصبح متحفزاً نحو الارتفاع. والحياة لا تجري رخاءً نحو أهدافها دائماً، ولا تعصف بأهدافها باستمرار، وإنما تتحرك على عربتين: صعب وذلول، وتتكلم بلغتين: ناعمة ونابية، فتسير مترسلة نحو الأهداف التي لا يمكن تحقيقها إلا بالترسل، ثم تسير مترقلة نحو الأهداف التي لا يمكن تحقيقها إلا بالترقل. ولو كانت تسير على نمط، لما أمكنها إلا تحقيق بعض أهدافها، ولكانت رتابتها مملة يصعب تكلفها.

فتتطور الرياح، ابتداءً بالنسائم وحتى العواصف. وتختلف الأمطار، من الرشاش حتى السيول. وتتقلب الطقوس من الربيع حتى الصيف، ومن الخريف حتى الشتاء. وتتطور الأناسي، من الطفولة حتى الشيخوخة. وتتغير الجبال، من المروج حتى البراكين...

وتتلون الأشياء ـ كلها ـ بلون الطاقات، التي تنحسر عن شيء لتتجمع في شيء آخر: كما تنزح المياه من جانب، لتتراكم في جانب آخر. وكما تلقي الأرض بثقلها في قاعات بحار، لتصير قمم جبال. وتسحبه من قمم جبال، لتصير قاعات بحار...

وتبقى موازين القوى متأرجحة، وفق معادلات محسوبة:

{... يكور الليل...الليل..}(1)، {... كل يجري لأجل مسمى...}(2)، {... لكل أجل كتاب}(3)... حتى تبقى الحياة دائبة في الهدم والبناء، فتتوالد الأشياء وتتصاعد، في حركة التغيير التي تشمل كل شيء، وسبحان من يغير ولا يتغير.

والأزمات نوع من حركة الحياة، بل هي الهيكل العظمي للحياة، لأنها تسرع عملية الحياة، وتربي قدرة الإنسان على الاحتمال، فلها رسالة أعلى من رسالة الرخاء. فتوقع الرخاء الدائم، ناتج من الجهل بطبيعة الحياة. والرخاء إذا استمر لفترة، فإنه يربي الإنسان الرخو الذي يحترق في أول تجربة، ولا يصلح إلا للبطالة واللهو.

وإذا كانت الأزمات موجات الحياة المتكاثفة، كالسيول والبراكين التي هي التجمعات الكبيرة لمواد الحياة، فهي خير ورحمة يلزم ترقبها وانتظارها. غير أنها قد تفاجىء غير المتأهب لها، فتغمره، وتجرفه مع ما تجرف من الزوائد والنفايات. وقد تأتي المتأهب لها، فتستقبل بالسدود التي تنظمها، فتولد الطاقة، وتروي المرتفعات.

فلا بد لكل من يعيش ضمن الحياة، أن يعلم أنه معرض لموجاتها العالية، فيستعين بالصبر. وما هو الصبر؟ غير الاستعداد لاستقبال الموجات العالية، والاستفادة من طاقاتها إيجابياً:

{واستعينوا بالصبر}(4).

ثم: ماذا يكون مصير من لا يريد الاستعانة بالصبر؟ غير الانهيار السريع. لأن الحياة لا تخلو من الأزمات، فهي ستعصف به، وتعلوه، فتستهلكه بدل أن يستهلكها، والجزع يساعدها على امتصاصه، فلا تتركه الأزمات إلا هيكلاً هشاً، حتفه فوقه ومصيره فاغر أمامه.

فمن يستعين بالصبر، يعلو على الأزمات بدل أن تعلو عليه، ويستغلها لصالحه، فلا يشعر بوطأتها عليه، فيخرج منها منتصراً بمكاسب كثيرة. بينما الذي لا يستعين بالصبر، يفرض عليه الصبر: لا على احتمال الأزمات وحدها، وإنما على احتمال الجزع أيضاً؛ فيخرج منها منكسراً بخسائر كثيرة.

{و} على كل من يعيش ضمن الحياة أن يستعين لا بالصبر وحده ـ الذي هو التوكل على القدرات الذاتية ـ، وإنما بـ{الصلاة} أيضا ـ التي هي التوكل على القدرة العليا ـ. لأن الصّلاةتشد الإنسان الضعيف المحدود بالله القوي المطلق، الذي هو مصدر الحياة، وموجه كل تياراتها، والقيوم على كل تفاعلاتها. والتوجه إلى الله ـ في اللحظات الدقيقة ـ يمنحه فرصة التروي لاتخاذ القرار، فيفتح أبواباً لا يفتحها غير الابتهال إلى الله. بالإضافة إلى: أن مجرد شعور الإنسان بأن مصدر الكون معه في محنته، يزوده بمعنويات عالية: تنقذه من الخنوع والارتباك، وتعينه على مغالبة الصعاب.

{وإنها}: هذه الصلاة، بتلك الحركات والتمتمات الخفيفة، وذلك التوجه البسيط؛ هذه الصّلاة{لكبيرة} على الناس العاديين الذين لم يستوعبوها، فتكون متنافرة معهم، فلا يتحملوها، وخاصة: في أحيان التذمر والضجر، فتتخيل لهم أنها ضريبة المحنة التي يمتحنون بها، وإتاوة الفشل الذي انتكسوا به، فتكون الصّلاةكبيرة عليهم بطبيعتها. وهي كبيرة ـ بالفعل ـ على كل الناس الذين لا تساعدهم ظروفهم المختلفة على الالتزام الدائم بأوقاتها الدقيقة، {إلا على الخاشعين}(5).

النبي المفضل، والأمة المفضلة


{يا بني إسرائيل: ..العالمين}.

(سورة البقرة: الآية 47)


لقد أنعم الله على الأمة الإسرائيلية بنعم كثيرة، لعل المشار إليها في هذه الآية، نعمة القيادة الروحية العالمية، التي اصطفى لها هذه الأمة دون سواها، فبعث فيها (موسى بن عمران) برسالة عالمية، غطت كل أجيال البشر حتى مبعث (عيسى بن مريم). فلقد كان موسى بن عمران رسولاً من (أولي العزم)، وكان جميع الأنبياء ـ في عهده وبعده ـ يبشرون برسالته، حتى نسختها رسالة عيسى بن مريم، التي كانت ـ بدورها ـ عالمية، غطت أجيال البشر حتى مبعث الرسول الأعظم (ص).

فـ{يا بني إسرائيل!..عليكم}(6).

وبهذه الرسالة، فضل الله الأمة الإسرائيلية على جميع العالمين، {وأني فضلتكم على العالمين}،(7)من: الملائكة والانس، والجن والشيطان، وغيرها... من المخلوقات المكلفة في عالمنا هذا. لأن المؤمن الحق ـ في تلك الفترة ـ هو الذي يعتنق الديانة اليهودية. والأمة المؤمنة الحق ـ في كل فترة ـ مفضلة عند الله على غيرها من العالمين: فالمؤمن الحق في عهد (نوح)، هو الذي يؤمن برسالته. والمؤمن الحق في عهد (إبراهيم)، هو الذي يتبع دينه. والمؤمن الحق في عهد (عيسى)، هو الذي يختار طريقته. والمؤمن الحق في عهد الرسول الأكرم (ص)، هو المسلم بدين الإسلام.

فالأمة المفضلة على العالمين ـ في كل فترة ـ هي التي تلتزم بالديانة التي شرعها الله لتلك الفترة، وتتبع رسول تلك الفترة. ولقد كانت الأمة الإسرائيلية، هي الملتزمة بالديانة التي شرعها الله لفترة: ما بين مبعث موسى بن عمران ومبعث عيسى بن مريم.

فالأمة الإسرائيلية، هي المفضلة على العالمين في تلك الفترة؛ طول عمر الإنسان على الأرض.

ويرشد إلى تجزئة التفضيل حسب الفترات، قول الله تعالى: {...واسماعيل..العالمين}(8).

فكل واحد من هؤلاء الأنبياء، الذين وردت أسماؤهم في هذه الآية وثلاث آيات قبلها، مفضل على العالمين في عهد، وليس على العالمين من الأولين والآخرين، وإلا لم يكن الجمع بينهم في التفضيل، لأن التفضيل الشمولي ينحصر في شخص واحد، كما هو الحال بخصوص النبي محمد بن عبد الله (ص)، حيث فضله الله على العالمين، الذين عاصروا عمر الأرض، إن لم يكن مفضلاً على كل من خلق الله.

لا جدوى في استرضاء اليهود والنصارى


{ولن ترضى...ولا نصير}.

(سورة البقرة: الآية 120)


لا تجهد نفسك ـ يا محمد (ص)!ـ مع اليهود، والنصارى، رغبة في كسب رضاهم، فإنك لن تكسب رضاهم مهما حاولت، ومهما حاولوا التظاهر بالرضا منك: {ولن ترضى عنك اليهود}(9) حتى تصبح يهودياً مثلهم، {ولا النصارى}(10) ترضى عنك حتى تصبح نصرانياً مثلهم، ولن ترضى عنك أمة من الأمم {حتى تتبع ملتهم}(11)، فكل أمة تسعى بمعتقداتها نحو الآخرين، لاستهلاكهم فيها، حتى تتوسع هي على حسابهم، لأنها بالقضاء على سائر الكيانات، تبقى سيدة الموقف، فتطمئن على مصيرها. وأما ما دامت سائر الكيانات قائمة إلى جانبها فإنها تبقى قلقة على مصيرها. فلا ينام بطل ما دام يعلم بأن في الميدان أنداد، وإنما ينام ـ ملء العين ـ عندما لا يرى في الميدان بطلاً. والأمة ـ كالفرد ـ ما دامت ترى إلى جانبها أمماً، لا تطمئن إلى مصيرها وإن تآخت معها، فلعلها إن هادنتها اليوم لا تهادنها غداً. وكما هي تشعر بالقلق على مصيرها فتلك تشعر بالقلق، والقلق ـ في العناصر المختلفة ـ يغري بالصراع، والصراع خطر على كل الجوانب فلا تطمئن أمة، إلا باستهلاك سائر الأمم.

وأنت يا ـ محمد (ص) ـ ما دمت تمثل أمة، فإن سائر الأمم لن ترضى عنك، مهماتنازلت لها، وحاولت إقناعها بنواياك السلمية، وتقربت إليها. فأنت ـ كممثل أمة ـ خطر على كل الأمم ـ في منظارهم ـ وإن لم تضمر لها سوءاً. فإنها تقيس نواياك بنواياها السود، وتشعر أنك خطر عليها.

ومن الممكن أن تظهر الرضا عنك، في يوم من الأيام، لتخفيف خطرك عليها، بإبداء الرضا عنك، خضوعاً لنداءات الظروف، ولكنها لن ترضى عنك ـ في أعماقها ـ إلا بانحلال الشخصية الإسلامية في واقعك، وذوبانك في أمة معينة. فهي ترضى عنك، وحدها، دون سواها، لأنها ـ عندئذٍ ـ تشعر بأنك لست طرفاً في معركة تنازع البقاء.

وما دمت لا يمكنك ـ عقائدياً وضميرياً لأنك الحق الصراح ـ الخروج من معركة تنازع البقاء، بالتنازل عن بعض عقائدك، أو بمحاولة التقارب من سائر الأمم؛ فلا تنازل عن شيءٍ من عقائدك، ولا تحاول التملق التافه لها، بل ابق ثابتاً في موقفك، و{قل: إن هدى الله هو الهدى}(12)، وارفع كلمتك عالية مدوية.

{و} طالما عرفت أن لا مبرر للتنازل، أو للمجاملة مع سائر الأمم، فـ{لئن اتبعت أهواءهم}(13) وتنازلت عن شيء من دينك، أو جاملتهم على حساب دينك، {بعد الذي جاءك من العلم}(14)، بأنهم لا يرضون عنك إلا بالاندماج في أممهم؛ فإنك قد خسرت عطف ربك، ولا يكون الله لك ولياً يرعاك، ولا نصيراً يعضدك على سائر الأمم، فـ{ ما لك من الله من ولي ولا نصير}(15).

الرسول الشهيد، والأمة الشهيدة


{وكذلك: ..شهيدا...}

(سورة البقرة: الآية 143)


هذه الآية فصلان، يتولد ثانيهما من الأول:

الفصل الأول: {وكذلك: جعلناكم أمة وسطاً}(16). فالأمة الإسلامية، أمة وسط.

والأمة الوسط.

والأمة الوسط، هي الأمة المعتدلة، التي لا تطرف فيها: فلا تركز على الالتزامات الروحية أكثر مما تفرض الروح من إلزامات، ولا تركز على الالتزامات الجسدية أكثر مما يفرض الجسد من إلزامات. وإنما تتوفر على كل بمقدار ما يفرض، وبشكل يتيح لهما تكافؤ الفرص، ليبلغ كل مداه، بمقدار ما تبقى له من نداءات بعد التناقض مع نداءات الآخر. فهي ليست كالأمم البوذية والمسيحية التي تتوفر على الروح، ولا كالأمم اليهودية والوجودية التي تتوفر على الجسد.

ولا تركز على الجشع الفردي حتى الرأسمالية، ولا تغمط الوازع الفردي حتى الاشتراكية.

ولا تطغي الجنس حتى مذهب فرويد، ولا تكبت الجنس حتى مذهب غاندي.

ولا تستهتر بالدماء حتى مذاهب الطغاة، ولا تتقشف بالدماء حتى مذاهب الدعاة إلى الرأفة بالحيوان كذباً ورياءً.

ولا تستبد بالحكم حتى الديكتاتورية، ولا تميع الحكم حتى الشيوعية النظرية.

ولا تغرق في قشرة الأخلاق حتى المسيحية، ولا تسفه الأخلاق حتى الشيوعية.

فهي تقف ـ دائماً ـ في الحد الوسط العادل، بين التطرفات المختلفة. إنها أمة طبيعية، ومواقفها طبيعية، لأن دينها طبيعي، منبثق من الواقع، ومنسجم مع الواقع.

فهي كالمقياس الذي يقاس به كل منحرف، ليكشف مدى انحرافه. ويعرض كل زائغ، ليحدد مقدار نقصه أو تجاوزه.

وهذه الأمة، من الطبيعي أن تكون الأمة الموجهة للبشرية جمعاء لأنها تلقي الضوء على كل منحرف وكل زائغ، وتقدر مدى انحرافه ومقدار زيغه.

فهي أمة وسط: {و كذلك: جعلناكم أمة وسطاً}(17).

والفصل الثاني: {لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا}(18).

وهذا الفصل، يتولد من الفصل الأول، وتبرعم عنه. فالأمة الإسلامية ـ لأنها أمة وسط ـ يستدعي واقعها منصباً قيادياً رسالياً، ما استدعاه واقع أية أمة. لأن سائر الأمم كانت تعاني التطرف، ومن يعاني التطرف لا يصلح لتحمل القيادة ولا الرسالة، وإنما يحتاج هو إلى القائد والرسول.

فواقع الهرم البشري، يوزعه إلى ثلاثة أدوار:

1ـ الدور الأول، القمة التي يشكلها رجل واحد.

2ـ الدور الثاني، الذي يشكله عدد كبير.

3ـ الدور الثالث، الذي تشكله بقية البشر.

فالدور الأول = القمة: يشكلها الرسول الأكرم (ص). فهو أقوى البشر، وأقربهم إلى الله. وقد خوله الله القيادة البشرية العليا، وأعظم رسالات السماء. فلم يكن قائداً ورسولاً لأمته فحسب، وإنما بعثه الله رحمة للعالمين، وكافة للناس. وجعل قرآنه ـ المجسد لرسالته ـ مهيمناً على الكتب السابقة: مصدقاً للكتب السماوية، وكاشفاً لما دس فيها.

وامتداداً لهذا الدور العظيم فقد عين الرسول (ص) بأمر الله تعالى أئمة اثني عشر من أهل بيته يقومون مقامه من بعده ويواصلون مهمته في أمته كاملة ومستوعبة غير أنهم لا يوحى إليهم.

والدور الثاني: تشكله الأمة الإسلامية.

والدور الثالث: تشكله بقية البشر.

فالرسول الأكرم، هو المقياس الأصل للإنسان الكامل، الذي تقاس به أفراد الامة:

{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة...}(19). فالإنسان الساعي نحو الكمال، هو الذي يسعى للالتزام بنهجه: فالسابق عليه مارق، والمختلف عنه زاهق، واللازم له لاحق.

والأمة الإسلامية، هي المقياس طبق الأصل، تقاس بها سائر الأمم.

فالرسول الأكرم، هو المقياس للأمة المقياس، والأمة مقياس للأمم.

وبالترتيب ذاته، تأتي القيادة = الرسالة من السماء، للهرم البشري: فتهبط الرسالة على قمة البشرية: الرسول الأكرم (ص)! ـ مع آله ـ، لتوجيه الدور الثاني: الأمة الإسلامية. ومن بعد أن يؤدي رسالته، تنحدر الرسالة إلى الدور الثاني: الأمة الإسلامية، لتوجيه الدور الثالث: البشرية جمعاء، التي هي القاعدة الواسعة.

ودور الرسول (ص)! ـ مع آله ـ يتلخص في:

1ـ تلقي الرسالة من قبل الله.

2ـ تفريغ تلك الرسالة في الأمة.

ودور الأمة يتلخص في:

1ـ تلقي الرسالة من قبل الرسول.

2ـ تفريغ تلك الرسالة في البشر.

فالرسول الأكرم (ص)! ـ مع آله ـ رسول من قبل الله إلى الأمة، والأمة رسولة من قبل الله ـ بواسطة الرسول الأكرم ـ إلى البشر.

فكما أن الأمة وسط بين الدورين، كذلك: وسط بين الرسول الأكرم (ص)! ـ مع اله ـ والبشر في تفريغ الرسالة.

فمحمد (ص) رسول، وأمته رسولة.

وهنا.. استفهامات، لا بد من الإجابة عليها:

؟ـ إن الرسول هو الذي يتلقى الوحي من الله مباشرة، والأمة لا تتلقى الوحي من الله مباشرة.

: ـ إن الرسول ليس هو الذي يتلقى الوحي من الله مباشرة بالمعنى الدقيق وإنما هو كل من تلقى الرسالة من قبل الله ـ ولو بواسطة أو وسائط ـ. لأن الله ـ تعالى ـ ليس بجسم حتى يتكلم مشافهة مع الناس من خلقه فيكونوا رسله، وإنما الله يوحي إلى أناس من خلقه ـ بوسائط مختلفة ـ فيكونون رسله: فإما يرسل إليهم رسولاً من الملائكة يحمل إليهم الوحي، كجبرئيل الذي هو رسول الله إلى كثير من أنبيائه أو يخلق الكلام في موجود من الموجودات فيسمعه النبي، كما خلق الكلام في شجرة فسمعها موسى بن عمران فسمي كليم الله. أو يريه في المنام شيئاً فيكون وحياً، كما فعل بالنسبة إلى إبراهيم، حيث جاء في القرآن نقلاً عنه:

{... إني أرى في المناس أني أذبحك...}(20).

وبذلك صرح القرآن قائلاً:

{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا }(21). فالواسطة بين الله والرسول، لا تعني انقطاعه عن الله، كما لا تعني أنه ليس رسولاً، بل لا بد من الواسطة.

هذا .. بالنسبة إلى الواسطة غير البشرية، وأما بالنسبة إلى الواسطة البشرية، فهي ـ كتلك ـ لا تعني انقطاعه عن الله كما لا تعني أنه ليس رسولاً، فكثير من رسل الله، كانوا رسله بواسطة بعض أولي العزم من الرسل، فالثلاثة الذين تحدث عنهم القرآن بقوله:

{إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذّبُوهُمَا فَعَزّزْنَا بِثَالِثٍ}(22)؛ نص القرآن على أنهم رسل الله إذ قال: {أرسلنا}، رغم أنهم كانوا رسل عيسى بن مريم ـ كما في الحديث ـ.

؟ـ إن الرسول ليس كل من استوعب رسالة سماوية، وإنما الرسالة منصب قيادي لا بد فيه من قرار صادر عن الله باختيار شخص، وبدونه لا يصح لأي فرد أن يتصدى ـ تلقائياً ـ لأي منصب قيادي، مهما ارتفعت مؤهلاته. وهؤلاء الملايين من أفراد الأمة، لم يصدر بحقهم قرار التخويل من الله.

:ـ صحيح أن الرسول هو من صدر بحقه قرار التخويل من قبل الله، ولكن هذا القرار صدر من قبل الله تعالى، وسجل في القرآن، وفي هذه الآية بالذات:

{لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}(23). فقد أراد الله لكل أفراد الأمة، أن يتولوا الشؤون الرسالية للناس كما يتولى الرسول الشؤون الرسالية لهم. وفي هذه المقارنة: { شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} دلالة على الشهادة الرسالية.

؟ـ إن للمستوى النفسي حساباً دقيقاً لا يمكن تجاهله، ولا شك أن رسل الله كانوا في أعلى المستويات النفسية، التي لم يصل ولن يصل إليها أحد من الأمة، بعد النبي والأئمة الطاهرين.

:ـ إن حساب المستوى النفسي هو أهم وأول الحسابات ـ في مثل هذه المجال ـ لا ريب. ولكن: من ذا يستطيع أن يثبت أن أحداً من الأمة لم يصل ولن يصل إلى ذلك المستوى المتناسب مع تلقي الرسالة؟! ولعل من بعض الحديث يعرف أن من هذه الأمة ـ بل ممن سبقوها ـ أناس بلغوا ذلك المستوى: كلقمان، وسلمان، والمرأة التي دلت موسى بن عمران على موضع قبر يوسف من (النيل). ولكنهم لم يكونوا أنبياء، لأسباب مذكورة في أماكنها.

؟ـ ولكن: هؤلاء.. أفراد قليلون، وليسوا كل الأمة.

:ـ ولهذا ليسوا في مستوى الأنبياء في درجات الآخرة، وإن كان لهم ذلك الدور الرسالي نفسه.

وهنا.. لا بد من الاعتراف:

بأن عظمة الشخص لا تعتمد على رفعة مستواه النفسي فقط، وإنما هنالك عنصر آخر يساهم في عظمة الشخص، وهو عنصر العمل الذي يؤديه، فربما يقوم فرد عادي بعمل عظيم فيصبح عظيماً بمقدار عظمة عمله. والتاريخ حافل بأفراد عاديين، دفعتهم الظروف إلى أعمال عظيمة، فأصبحوا بها عظماء. وربما يوجد: في أصحاب داود، وفي أصحاب النبي يوم بدر، وفي أصحاب الحسين يوم عاشوراء؛ شباب جديرو العهد بالإسلام، لم يكن مستواهم الفكري عظيماً، ولكن الأعمال التي قاموا بها رفعتهم إلى مصاف الخالدين، الذين لا يتجاوز عددهم الألف في كل عمر الإنسان على الأرض.

وكثيراً ما وجد من هو أعلى منهم في المستوى الفكري والنفسي، ولكن حيث لم يوفقوا لعمل من ذلك الطراز، ظلوا مطمورين في الأرض والسماء.

ونوعية الرسالة التي تقوم بها الأمة الإسلامية نوعية عظيمة جداً، وإن كان رسالات السماء ـ في مصدرها، ومصبها، بل وحتى في عنصرها ـ واحدة؛ إلا: أن رسالة (آدم) (ع) كانت دورة تمهيدية للبشرية البدائية، ورسالة (نوح) (ع) كانت دورس الصف الأول الابتدائي من صفوف البشرية في مدرسة الحياة، ورسالة (إبراهيم) (ع) كانت دروس الصف الثاني من صفوف البشرية. ورسالة (موسى) (ع)، كانت دروس الصف الثالث من صفوف البشرية، ورسالة (عيسى) (ع) كانت دروس الصف الرابع من صفوف البشرية، ورسالة (محمد بن عبد الله) (ص) كانت دروس الصف النهائي من صفوف البشرية. ولو صح مثل هذا التعبير المعاصر؛ فآدم كان مدرس المجالات التمهيدية، ونوح كان مدرس الدور الأول، وإبراهيم كان مدرس الدور الثاني، وموسى كان مدرس الدور الثالث، وعيسى كان مدرس الدور الرابع، ومحمد (ص) كان مدرس الدور النهائي.

وبارتفاع درجة الرسالة ترتفع درجة الرسول، كما أن بارتفاع درجة الدرس ترتفع درجة المعلم.

ولذلك: كانت الشريعة التالية ناسخة للشريعة السابقة، لأن البشرية ـ عندما تتخذ من المجالات التمهيدية ـ لا معنى لالتزامها بدروس المجالات التمهيدية، فهي تبحث عن دروس ترفع مستواها، فلا بد لها من أن تدخل في الدور الأول، وتتلقى الدروس المعدة له وإذا تخرجت من الدور الأول لا بد لها من الدور الثاني، وهكذا... حتى إذا تخرجت من الدور الرابع فلا ينفعها إلا الدور النهائي، وحتى ترى من العبث الاحتفاظ بكتب الصفوف السابقة، إلا لمجرد الذكرى والتسلية أحيان الالتفات إلى الماضي، أما لواقعها الصاعد نحو المستقبل الأفضل، فلا جدوى من تلك الدروس والكتب. وحتى لو بقي معلمو الصفوف الأولى أحياء حتى بلغت البشرية الصف النهائي، لجلس أولئك المعلمون السابقون إلى جانب تلاميذهم السابقين، للاستماع إلى معلم الصف النهائي. وإن كانت لهم حالة خاصة لا يمكن الاستهانة بها، لأنهم أوصلوا البشرية إلى مستوى لم تكن تصل إليه لولاهم، إلا أن تصاعد الفكر والحياة، يفرض عليهم أن يواصلوا خط الكمال، حتى لا يتخلفوا عن تلاميذ الأمس.

ومن هنا.. نفهم أن الرسول الأكرم (ص) لم يكن مبالغاً عندما قال: «لو بعث موسى لما وسعه إلا اتباعي، ولو بعث عيسى لما وسعه إلا اتباعي»(24).

فأي نبي من الأنبياء السابقين، لو بعث اليوم، لما وسعه إلا الانخراط في الإسلام. كما أن عيسى (ع)، عندما يهبط من السماء،لا يسعه إلا الصّلاة خلف الإمام المهدي (ع)، وهو.. هو.. ذلك: عيسى بن مريم، كلمة الله، وروح منه، لم ينقص منه شيء، وإنما يزيده شيء عندما يصلي خلف الإمام المهدي (ع). فمعلم الدور الرابع إذا جلس في الدور النهائي، لا يعني ذلك غمطاً من حقه وغمزاً فيه، وإنما يعني استمراره في خط المعرفة التي لا تنتهي حتى اللحد.

فأمة الرسول الأكرم، حيث تقوم بأداء رسالة الرسول الأكرم، إنما تلقي دروس الدور النهائي على البشرية، فتقوم بدور رسالي أعظم من الأدوار الرسالية التي كان يقوم بها الأنبياء السابقون. فبمقدار سمو الرسالة الإسلامية على الرسالات السابقة، يكون سمو مبلغيها على مبلغي الرسالات السابقة.

وبهذا.. يمكن أن نفسر قول الرسول الأعظم: «علماء أمتي، كأنبياء بني إسرائيل»(25). فعلماء أمة الرسول الأكرم، الذين يؤدون رسالة ربهم بإخلاص، إنما يقومون بدور أنبياء بني إسرائيل.

بل يمكن أن نفهم الحديث الآخر، الذي يقول فيه الرسول الأكرم: «علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل»(26). لأنهم يؤدون أعلى رسالات السماء إلى أرقى أدوار البشرية، فهم أفضل من أولئك، لاختلاف النوعية التي تلائم نوعية الأدوار.

ولكن من الحق أن نقول: إن كلمة (العلماء) في هذين الحديثين، أولت بالأئمة الاثني عشر (ع). لأن التفوق النفسي الذي بلغ في الأنبياء والأئمة درجة العصمة، تفوق كبير، لا يقابل بالتفوق الرسالي مهما كان.

لأن حساب الإنسان بينه وبين الله، لا يمكن أن يقارن بأي حساب بينه وبين الناس؛ مهما بلغ: فملايين الضربات، وألوف الفتوحات في سبيل الله؛ لا يمكن أن تعادل بضربة علي (ع) يوم الخندق. وإنفاق كل نعيم الأرض في سبيل الله؛ لا يمكن أن يعادل بثلاثة صيعان من الشعير، أطعم بها أهل البيت (ع) مسكيناً ويتيماً وأسيراً.

ورغم ذلك، تطلع علينا هذه الآية الكريمة بعطائين:

1ـ التخويل الرسالي لكل فرد مسلم، فله صلاحية الممارسة الرسالية، والقيام بالتوجيه. وتدل على أنه يأتي يوم القيامة شاهداً على كل من امتد إليه توجيهه، كما أن الرسول الأكرم (ص) يأتي يوم القيامة شاهداً على أمته.

2ـ الاستمرار الرسولي. فالرسول لم ينقطع عن الناس، بموت محمد بن عبد الله (ص)، فرسله ـ وهم كل الواعين من أفراد أمته ـ باقون، ومنتشرون في الأرض، يبلغون رسالة ربهم. فلا يوجد على الأرض بلد لم يرسل الله إليه رسولاً، ولا يولد جيل لم يبعث الله إليه رسولاً، وإنما رسل الله مبعوثون إلى كل بلد.. وكل جيل.. إلى يوم القيامة، إن لم يكونوا رسلاً متصلين بالسماء عن طريق جبرئيل، فهم رسل متصلون بالسماء عن طريق محمد بن عبد الله (ص)، وليس ذلك بمهم بالنسبة إلى المبعوث إليهم، وإنما المهم بالنسبة إليهم أن تصلهم الرسالة دقيقة واضحة، حتى لا تبقى لهم على الله حجة بعد الرسل، وليكون لله الحجة البالغة.

{لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَىَ مَنْ حَيّ عَن بَيّنَةٍ}(27).

وهذا.. هو: التنظيم الهرمي الذي أبدعه الله تعالى للأمة الإسلامية، والتاريخ لا يدلنا على وجود التنظيم الهرمي الشعبي قبل نزول القرآن(28).

القدرة المطلقة


{... إن الله على كل شيء قدير}

(سورة البقرة: الآية 148)


كل شيء دون قدرة الله، لأنه القدرة المطلقة، فلا حدود ولا سدود أمام قدرته، ولا يمتنع عنه شيء صغير لصغره، ولا يأبى عنه كبير لكبره.

{إن الله على كل شيء قدير}(29)، كل شيء. كل من نرى من مواد كثيفة، وما لا نرى من مواد شفيفة ومن طاقة.كل ما نفهم وما لا نفهم. كل ما نعقل، وما لا نعقل. وكل مغزى، وكل معنى. فحتى المعاني، تحت قدرة الله.

وحتى الأفكار، أوليست الأفكار مخلوقات؟! كل ما هنالك: أن الأفكار متوالدة، كما أن النبات، وكما أن الحيوان، وكما أن كل شيء متوالد من أول نواتي. فالأفكار تتتابع في الذهن، تتابع قطرات المطر فهي تتحرك بإذن الله، وقدرته.

وحتى المستحيل، لأن المستحيل يعني الارتباط بشيء يمانعه، والمطلق متحرر من كل شيء، فعنده لا يمانع شيءٌ شيئاً. ولا يمكن أن نقيس مجال المطلق بمجال المحدود، فإذا وجدنا شيئاً مستحيلاً ـ في مجالنا كوني، أو في مجالنا الفكري ـ لا يصح أن نقول باستحالته في مجال الله ـ فتأمل ـ.

المصيبة، والصبر، ومعطيات الصبر


ـ 1 ـ

{ولنبلونكم..المهتدون}.

(سورة البقرة: 155 ـ 157)


1ـ المصيبة ضرورة من ضرورات الحياة، لولاها لتعطلت الحياة عن أداء هدفها. فالإنسان يتبلور بالتقوى، أي: بقيادة نفسه عبر المكاره والرغائب، وفق الخطة الصحية المرسومة له؛ ولكنه لا يتبلور بشيء قدر تبلوره بالمصائب. فالإنسان يتقدم ويشمخ، خلال أزمة ساعة، أكثر مما يتقدم ويشمخ خلال العبادات سنوات عديدة. لأن العصرات هي تحرك الذاتيات وتفجر المواهب، وأما الوظائف الروتينية فهي كالأمواج السطحية التي لا تؤثر على التيارات الفاعلة في الأعماق.

والإنسان الذي لا تهزه الأزمات يفقد وهجه الروحي، كما يترهل جسده إن لم يمارس حركات ترهق أعصابه وخلاياه.

وهذا.. واقع نلمس آثاره في كل مراحل الإنسان ومجالاته، فالذي اعترك الحياة وعاناها يكون أنضج من المثقف الذي لم يلامس الحياة إلا من خلال أساتذته وزملائه، ولولا مصائب الحياة لكانت الحياة نزهة أو مدرسة، ولم تكن مزرعة يزرع فيها الإنسان لتمضية دورة تكامله تأهيلا للآخرة: جنة أو ناراً، باعتبارها مرحلة أعلى من الدنيا، فلا بد أن يدخلها الإنسان أكمل منه وهو يدخل الدنيا.

فالمصيبة ضرورة حياتية، لتنمية الإنسان وتأهيله للآخرة.

2ـ المصيبة ليست مفاجأة تحصل نتيجة خلل في نظام الكون، فالخلل لا يحدث في نظام الكون، وإنما المصيبة حصيلة التنافر بين توقعات الإنسان المتحيزة له وبين الواقع الموضوعي الثابت الذي لا يجامل ولا يحابي:

ـ لا يحدث خلل في نظام الكون. لأن الكون مصون، فهو مشدود بإرادة ترفض الخطأ والخلل، هي إرادة الله الذي لا يتبدل ؟؟؟؟رأيهم ولا يتحول:

{ما يبدل القول لدي...}(30).

ولذلك، نجد سنن الكون حكيمة وثابتة:

{فَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَحْوِيلاً}(31).

ـ والمصيبة ليست مفاجأة. لأن كل ما يحدث في الكون نتيجة طبيعية لتلاقح مقدماتها الطبيعية:

{ما أصاب...نبرأها..}(32). ولكن الإنسان مزود بطاقة الخيال، وبدلاً من أن يسخرها لترتيب المقدمات التي تفرز الأهداف التي يسعى إليها؛قد يجرفه الخيال إلى أهدافه مباشرة، فيظن أنها واقعة، ويتوقع أن تترتب عليها نتائجها، فيحدث التنافر بين توقعاته هذه وبين الواقع الذي يحتاج إلى سعي حثيث حتى يبلغ مستوى هذه التوقعات، ويبقى الواقع غائباً عن الإنسان في زحمة التوقعات. وبما أن الواقع لا يجمد حيث يتركه الإنسان، وإنما يستمر في تكاثفه وتوالده الطبيعيين حتى يبلغ كماله حيث يصدم الإنسان؛ فيفاجأ بالصدمة من حيث لم يكن يتوقعها ويسميها مصيبة، بينما هي ليست مفاجأة في مقاييس الواقع، وإنما هي مفاجأة في توقعات من لا يتابع سير الواقع. ولو كان يتابعه في مصادره الأولية، لتوقعها، فصدف عنها، أو تلقاهما متهيئاً لامتصاصها والسيطرة عليها.

3ـ وبما أن الإنسان لا يحسن مراقبة جميع تيارات الحياة، وحتى إذا أحسن مراقبتها لا يحسن التهرب من لكماتها، ولا يملك القدرة على تلقيها وهضمها؛ يصاب كل إنسان بالمصائب.

وحتى لو استطاع إنسان ـ يملك المواهب المتفوقة ـ أن يتابع حركة الحياة، ويتقي ضرباتها بنفسه؛ فإنه لا يستطيع أن يتقيها بما يملك وبمن يقرب، فتصيبه شحنات الحياة فيما يملك وفيمن يقرب، ولعل في ما يملك وفي من يقرب ما هو أعز لديه من جسمه. وعندما تستهدف الحياة شخصاً، تصيبه في روحه، ثم سيان أن تكون الإصابة من خلال: جسمه، أو ماله، أو قريبه.

4ـ كما أن جسم الإنسان مركب من مجموعة عناصر مادية، كذلك: روحه مركب من مجموعة عناصر معنوية. وكما أن الإنسان مؤلف من جزئين: الجسم والروح، وكل واحد منهما مركب من مجموعة عناصر أولية؛ هكذا.. الكون مؤلف من جانبين: جانب مادي وجانب روحي، وكل جانب مركب من مجموعة عناصر أولية.

وإذا كنا نعرف أسماء بعض العناصر المادية: كالفيتامينات، والأوكسيدات، والكاربونات... فقد نستطيع أن نعرف أسماء بعض العناصر المعنوية عن طريقة مصادر الوحي.

وسواء عرفنا أسماء العناصر المادية والمعنوية أو لم نعرفها، فلا شك أن فقدان أو نقص أي عنصر من هذه العناصر، يؤدي إلى خلل أو تغيير في تركيبة الكون. كما لا شك أن إضافة أي عنصر آخر إلى الكون، يؤدي إلى تغيير في تركيبته.

والتركيبة الفعلية للكون، مضافة إلى التركيبة الفعلية للإنسان؛ نظمت بشكل يؤدي إلى الصدام المستمر بين الإنسان وأشياء الكون، لتتم تجربة الحياة.

وبما أن الفرد الإنساني يشكل وحدة مستقلة في حاجاته ومطامحه، يكون الجانب الأضعف في مواجهة أي شيء من أشياء الكون. فعندما يحدث الصدام بينه وبين أي شيء، يكون هو الذي يتلقى الصدمة.

صحيح أن الإنسان عندما يستفرد وحدة من وحدات الكون المستقلة، كحيوان أو نبات أو صخرة، فإنه يوجه إليها صدمة، ويبدو له أنه الأقوى، ولكن إذا أحسنا تحليل أية قضية من هذا النوع، مثلاً إذا أخذنا قضية: (إنسان يقتل حيواناً)؛ يبدو لنا أن الإنسان ليس الأقوى. لأن عملية القتل إما حق وإما باطل: فإذا كانت حقاً، فالحيوان المقتول سخر الإنسان القاتل لانتقاله من هذه الحياة، واستنزف بعض جهد ووقت ذلك الإنسان. وإذا كانت باطلاً، فإن الحيوان دفع بالإنسان إلى منزلق الشر، فاستنزفه معنوياً، وسينتقم منه، إن لم يكن اليوم في هذه الدنيا فغداً في الآخرة، فيكون هو الذي يتلقى الصدمة.

فرغم ما يحلو للإنسان أن يكون القوي، إنه الضعيف في مواجهة أشياء الكون:

{...وخلق الإنسان ضعيفاً}(33). وهذا.. لا يعني أنه ليس مؤهلاً لأن يكون الأقوى، ليس في مواجهة أشياء الكون فحسب بل في الكون كله؛ وإنما يعني أنه ـ بشكله المبدئي كإنسان ـ هو الأضعف.

وكان الإنسان هو الأقوى، لو تغير شيء ما في تركيبته، حتى يصيب ولا يصاب، في صدامه المستمر مع أشياء الكون. وكان من الممكن أن لا يحدث في الكون صدام، لو تغير شيء ما في تركيبته ـ كما هو الحال في الآخرة ـ. ولكن كانت تنتهي فلسفة هذه الحياة، ولم يكن أي مبرر لتمرير الإنسان فيها.

فكان لا بد أن تنظم تركيبة الكون، مضافة إلى تركيبة الإنسان؛ بشكل يؤدي إلى الصدام المستمر بين الإنسان وأشياء الكون. وكان لا بد أن يكون الإنسان هو الأضعف، ليتلقى الصدمات، فينضج ويتبلور، وبالتالي: تتم تجربته، ويتحقق الهدف من تمريره في هذه الحياة.

5ـ والناس مختلفون في أرواحهم، أكثر مما هم مختلفون في أجسادهم. فكما لا يتطابق جسدان: لا في تقاسيم الوجه، ولا في خطوط الجسم، ولا في الذبذبات العصبية، ولا في الأوتار الصوتية... وإنما تبقى الفوارق بينهما كثيرة ومتشعبة مهما كان التشابه، وهذه الفوارق مما يميز خلق الله عن صنع الناس؛ هكذا.. وأكثر، تكون الفوارق بين روح وروح، وتنعكس هذه الفوارق على: المطامح والأهداف، والأعمال، والآراء، والأفكار، وحتى على الكلمات، والأشياء، والملابس، والألوان... التي يختارها الفرد.

وبمقدار ما تختلف الأجساد والأرواح، تختلف الصدمات التي يتلقاها الأفراد، فلا يوجد فردان يتساويان في الصدمات التي يتلقيانها، وإذا تساويا في تلقي الصدمات ـ عدداً أو نوعاً ـ فلن يتساويا في التأثر بتلك الصدمات.

وببيان آخر:

لا يوجد فردان يتساويان في الاستفادة من أشياء الكون، أي يتساوى فردان في : الطعام، والشراب، والكساء، والسكن، والجنس، والهواء الذي يستنشقانه، والمناظر التي يتمتعان بها... كما لا يتساويان في: الثقافة، والأصدقاء والمناصب... إلى آخر ما يمكن الاستفادة منه في الكون، جسماً أو روحاً.

وإذا وجد إثنان متساويان في هذه الأشياء، حجماً ونوعاً ـ وهو فرض شبيه بالمستحيل ـ؛ فلن يتساويا في هضم هذه الأشياء جسماً وروحاً. إذ لا يوجد جسمان يتساويان في هضم كوب واحد من الحليب، فكيف بالتساوي في هضم كل ما يتلقيان من الكون؟!

وكما لا يتساوى فردان في الاستفادة من أشياء الكون، لا يتساوى فردان في التأثر بصدمات الكون، حتى ولو فرض تساوي ما يتلقيان من الصدمات عدداً أو نوعاً.

6ـ وإذا تجاوزنا الصدمات المباشرة، التي يتلقاها الفرد في:

جسمه، وماله، وأقربائه... فهنالك صدمات روحية، لا تمر عبر التوابع المادية، كالصدمة في: المطامح، والأهداف، والعقائد... وهذه... صدمات لا يمكن اتقاؤها، طالما الكون يسير وفق إرادة الله، لا وفق إرادة أي واحد من البشر.

فبمقدار ما يكبر روحه، تتسع آفاق: مطامحه، وأهدافه، وعقائده... فتكثر الصدمات التي تتوارد عليه.

بالإضافة إلى: أن الروح تتحمل من وطأة التناقضات الكونية بمقدار حجمها، تماماً.. كما أن الجسد يتحمل من وطأة التناقضات الكونية بمقدار حجمه: فالجسد ـ بمقدار حجمه ـ يقع تحت تأثير الجاذبية والحاجة إلى الضرورات، ويتعرض لتفاعلات الميكروبات وطوارىء الجو... وهكذا.. الروح ـ بمقدار حجمها ـ تقع تحت تأثير المغريات الروحية، والضرورات: كالعقيدة، والثقافة... وتتعرض لتفاعلات التيارات الشعورية واللاشعورية.

ويشير إلى هذه الحقيقة، الحديث المشهور: «البلاء موكل بالأنبياء، ثم الأوصياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل»(34). أي: حسب الأحجام الروحية.

7ـ وطالما البشر ـ جميعاً ـ معرضون للصدمات، فمن الخطأ التفكير في التخلص منها نهائياً إنما الممكن الوحيد، هو تحديد تلك الصدمات بعدم التعرض لها، وهذا.. ليس المهم، لأن كل ذي شعور يحاوله، حتى الخلية الواحدة: (أميبا). إنما المهم هو، كيفية التعامل مع الصدمة.

والتعامل الصحيح مع الصدمة، يتم بأمرين:ـ

الأول:ـ فهم الصدمة فهماً صحيحاً، بأنها ليست نزوة عشوائية من مصدر مجهول. فكل صدمة، حركة مسؤولة، موجهة من قبل حكيم عليم:

{ولنبلونكم..الثمرات}(35).

فالله ـ تعالى ـ هو الذي يوجه الصدمات، ويوجهها امتحاناً لا جزافاً.

الثاني:ـ استيعاب الصدمة استيعاباً صحيحاً، بقبولها واستثمارها. أي: بتحملها، والتجاوب معها، للارتفاع بها من درجة أدنى إلى درجة أعلى، تماماً.. كما يكون موقف أحدنا من أية بادرة امتحانية، تسدد إليه من قبل المسؤول عنه: فإذا قبلها، وتجاوب مع هدفها، ارتفع إلى أعلى. وإن رفضها، أو تذمر منها، انحدر إلى أدنى.

هكذا.. يجب أن يكون موقف الفرد من جميع الصدمات التي تصيبه:

{وبشر الصابرين}(36)، الذين يقبلون الصدمات.

ولكن لا يكفي مجرد قبولها، إنما يجب استيعابها ـ أيضاً ـ:

{وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنّهُمْ إِلَىَ رَبّهِمْ رَاجِعُونَ}(37).

فنحن لسنا لأنفسنا حتى نتصرف بها كما يحلو لنا، وإنما نحن لله، ونتجه إليه عبر مسيرة الحياة، وهذه الصدمات امتحانات يريد بها تصعيدنا إلى المستوى الأمثل.

فـ{أولئك}(38) يصبحون قادرين على استيعاب رحمة الله:

{عليهم صلوات من ربهم، ورحمة}(39).

وصلوات الله ورحمته متاحة لجميع خلقه، ولكن جميع خلقه ليسوا مؤهلين لاستيعابها، وإنما المؤهلون لاستيعابها هم المتمرسون بالصدمات.

{وأولئك}(40) الذين يفهمون الصدمات، ويستوعبونها، {هم}(41) الوحيدون، {المهتدون}(42) إلى مسالك الحياة، وأساليب التقدم فيها.


ـ 2 ـ


1ـ إن الإنسان منطلق من الله ـ عبر عوالم قبل الدنيا، وعالم الدنيا، وعوالم بعد الدنيا ـ وعائد إلى الله في نهاية النهايات.

2ـ والإنسان، في كل لحظة.. وفي كل نبضة..، منطلق من الله ـ عبر تلك اللحظة وتلك النبضة ـ وعائد إلى الله في نهايتها.

3ـ والإنسان ملك مطلق لله وتحت إرادته، وهو خاضع خضوعاً كونياً مطلقاً ـ والله مهيمن هيمنة كونية مطلقة ـ وسائر، كونياً، في تيار الكون إلى حيث يريد الله.

هذه الفلسفة:

{إنا لله، وإنا إليه راجعون}(43) واقعية، قد يجحدها الإنسان، فيدل جحوده على عدم واقعيته، وتصوره عن فهم واقعه، وواقع مسيره ومصيره. وقد يؤمن بها الإنسان، فيدل إيمانه على واقعيته، ورشده في فهم واقعه، وواقع مسيره ومصيره.

غير أن مجرد الإيمان العلمي لا يكفي، وإنما الذي يكفي هو الإيمان الجاري في كيان الإنسان: في شعوره ولا شعوره، في تصرفاته وتوقعاته، في تحريكه للأحداث وتحركه بالأحداث... هذا الإيمان، يظهر تمكنه من الإنسان في حالتين ـ ثانيتهما أقوى من الأولى ـ هما حالتا: الفرح والحزن، يفقد فيهما الإنسان أعصابه وأفكاره، ويترك نفسه لركائزه العميقة: تحركه وتوجهه. هما حالتا: الفرح والحزن.

فإذا هاج به الفرح أو الحزن، وخاصة: الحزن والحزن العميق بالذات؛ نتيجة لصدمة قاسية، نتيجة لمصيبة؛ وفقد أعصابه وأفكاره، ثم تحرك فيه الإيمان، ولا شيء غير الإيمان، فوجهه عملاً وقولاً، فذلك هو الإيمان المحض، وصاحبه هو المؤمن الصادق.

والذي تثبت المصيبة أنه المؤمن الصادق، فعليه:

1ـ صلوات من ربه، الصلوات، التي تعودنا تخصيصها بالأنبياء، بل لا نتجاوز فيها خاتم النبيين وأهل بيته (ص) ـ مع اختلاف المراتب فيها طبعاً ـ

2ـ ورحمة.

3ـ وهو المهتدي، المتفاعل مع الهداية، لا مجرد العالم بالهدى، وإنما السائر عليه.


ـ 3 ـ


الذين يقولون ذلك، عندما تعصف بهم المصائب، مجرد هذا القول يدل على:ـ

1ـ أنهم بلغوا، من قوة الشخصية، درجة يستطيعون بها الصمود أمام زعازع الحياة. أي سلخوا دور الطفولة، وبلغوا الرشد الاجتماعي.

والرشد الاجتماعي،إذا اقترن بالإيمان، يجعل صاحبه مؤهلاً عند الله. لأن الدين ليس مجرد حركات وتمتمات.. فارغات بمقدار ما هو وعي واتزان.

2ـ أنهم تفهموا دورة البشر، في مسيرته الأبدية، منذ صدوره عن الله عبر عوالم: (الذر)، و(الأشباح)، و(الدنيا)، و(البرزخ)، و(القيامة)، وحتى عودته النهائية إلى الله. وهذا التفهم ـ لدورة البشر ـ يجعلهم واعين لأدوارهم، وقادرين على استلهام صلوات الله ورحمته، ومؤهلين للاهتداء إلى الجزء المتصل بهم من الكون ـ على الأقل ـ .

والذي يتفهم دورة البشر، ويستوعب الواقع الذي يعيشه؛ يختلف حسابه عند الله عن حساب الآخرين.

حب المؤمن لله


{وَمِنَ النّاسِ مَن يَتّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِ وَالّذِينَ آمَنُواْ أَشَدّ حُبّاً للّهِ}

(سورة البقرة: الآية 165)


الإنسان يحب نفسه فقط، ويتعامل مع نفسه فحسب.

إنه يحب نفسه، ويحب غيره من خلال نفسه: فيحب أباه وأمه، لأنهما مصدر العطف الذي يشعر بحاجته إليه، وربما يكونان مصدري: رزقه، وثقافته، وسائر حاجاته... وبما أن محبته لهما من خلال نفسه، وليست خالصة لهما؛ نجد درجة محبته لهما ترتفع وتنخفض، في خط متوازٍ مع ارتفاع وانخفاض حاجته إليهما:

ففي صباه، حيث يحتاج إليهما في كل شؤونه، يحبهما بكل قلبه.

وفي شبابه، حيث تتوسع مطامحه وقدراته، ولا يستطيعان أن يجيبا على حاجاته من جهة، ومن جهة أخرى يستطيع هو أن يلبي بعض حاجاته بنفسه، وأن يستعين بغيرهما؛ يترك من قلبه لهما بمقدار حاجته إليهما، ويشرك فيه معهما كل من يشترك معهما في الإجابة على حاجاته، فيحب: زميله، وصديقه، ومديره، ومعلمه، وزوجته...

وفي كهولته، حيث لا يستطيع الأبوان أن يقدما إليه سوى العطف؛ يصادر منهما كل مجالات قلبه، ولا يترك لهما إلا زاوية العطف التي لا يملأها غير الأبوين.

وإذا كانت أخلاقهما متنافرة مع أخلاقه، بحيث لا يستطيعا ن تأمين حاجته من العطف الأبوي؛ بادر إلى نبذهما، والتذمر منهما. وإذا زاحما شيئاً من حاجاته، أو أحداً ممن يشاركهما في قلبه: فكانت مسلكيتهما تشوه شهرته أو علمه، أو تناقضا مع زوجته أو ابنه؛ لم يتردد في كرههما، والابتعاد عنهما، وإلقائهم تحت رحمة الأقدار.

فإذن: لم يكن يحب أبويه لأنهما أبواه وإنما كان يحبهما لأنهما يؤمنان حاجاته. فأذا عجزا عن تأمين حاجاته، وشعر بثقلهما عليه؛ طردهما من قلبه، وأجره لمن يؤمن حاجاته.

والإنسان يحب ابنه، لعاملين:

1ـ ما من إنسان إلا ويحب طفولته، وانفلاتها، وهوسها، وصخبها... ويعاني رجولته، والتزاماتها، ومطامحها، ومفاجآت الحياة التي ترهقه.. فيحن إلى طفولته، ويتمناها، ويجد في ابنه، عودته إلى الطفولة في نسختها الثانية.

2ـ ما من إنسان إلا ويرى في ابنه كنز مستقبله، فيجير له ـ من رصيد شبابه ـ ما يحب أن يتوفر له في شيخوخته.

لهذين العاملين، يحب الإنسان نفسه من خلال ابنه. ولذلك: يعطيه ـ من نفسهن ومن كل ما تحت تصرفه ـ بلا حدود، ولكن: إذا شب الابن ـ الطفل، وأصبح رب أسرة، وانصرف عن أبيه إلى عمله وأسرته، فلم يبق طفلاً يكرر طفولة أبيه؛ تتقلص مكانته في قلب أبيه وإذا انتهج منهجاً يخرجه على طاعة أبيه، فلم يبق جزءاً من ممتلكات أبيه؛ يعتبر الأب أن ابنه صادر ودائعه فيه. ولكنه يبقى يغازله، بمقدار ما له من أمل في عودته إلى حضيرته، وربما يتملقه تملق المغصوب الضعيف للغاصب القوي، فيحاول الاسترجاع بالاسترحام. وإذا يئس مه كلياً، أنحى على نفسه باللائمة، لوضعه آماله في غير أهلها، وأنحى على ابنه بالشتائم والتشهير.

فإذن: لم يكن يحب ابنه لمجرد أنه ابنه، وإنما كان يحب ابنه لأنه استعاد طفولته فيه، ولأنه وجد فيه (البنك) الذي يجير فيه من رصيد شبابه لشيخوخته. فإذا خلع الابن طفولته، وصادر رصيد أبيه فيه؛ انسحب من قلب أبيه كلياً، واستمطر لعنته ولعنة اللاعنين.

هكذا.. وبذات المقياس؛ يحب كل إنسان: زوجته، وصديقه، وقادته، والعاملين تحت إرادته، وأساتيذه، وتلاميذه... من خلال محبته لنفسه. أما الحب المجرد، الذي يتغنى به كل الشعراء؛ فلا يوجد بين الناس، لأنهم ليسوا مجردين، إنما هو للمجرد الفرد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

فالإنسان يحب نفسه فقط، وكل ما يقول ـ غير ذلك ـ فهو شعر، لاستدرار ما يأمل من الآخرين. وإذا كان الإنسان يحب نفسه فقط، فمن الطبيعي أن يتعامل مع نفسه فحسب.

إنه يتعامل مع نفسه فحسب، ويتعامل من الآخرين من خلال تعامله مع نفسه.

فلكل إنسان مطامح معينة يظن أنه يسعد بها، فيحدد هدفاً يظن أنه يحقق له تلك المطامح، فيبدأ بالجري في اتجاه ذلك الهدف، الذي يظن أنه لو توصل إليه نال السعادة التي يتصورها لمستقبله.

ويختلف ذلك الهدف المنشود، باختلاف: المستويات، والفلسفات، والقدرات... والمرتكزات المستخلصة من: البيئات، والأمزجة، والتطلعات...

فقد يكون إنسان يحدد هدفه بالمال، وأخوه يحدد هدفه بالسلطة، وإلى جانبهما صديق يجد هدفه بالشهرة، ومعهم رابع يستخف الحياة الدنيا كلها ويحدد هدفه بالجنة.

فالذي يحدد هدفه بالمال قد يسعى لتحصيل شهادة محترمة، ويقرأ الصحف والكتب، ويجمع صداقات، ويتكلم في: المصالح العامة والمثاليات، ويمارس الاجتماعيات... ولكنه يوظف جميع تصرفاته في خدمة المال.

والذي يحدد هدفه بالسلطة قد يقوم بخدمات لأفراد أو لجماعات، ويتصدق على الفقير، ويبني علاقات إنسانية، وربما يصلي، ويدعو، ويحج البيت الحرام... ولكنه يسخر كافة أعماله لصالح الخط الذي يراه مؤدياً إلى السلطة.

والذي يحدد هدفه بالشهرة قد يؤدي أدواراً كثيرة، تبدو موضوعية، وإذا فحصناها تظهر أنها مرتكزة على هدف واحد هو الشهرة.

والذي يحدد هدفه بالجنة مهما توغل في الدنيا، واستقطب منها؛ فإن دراسة أولية لأوضاعه، تكشف أنه يحاول احتواء الدنيا، وقيادتها إلى الجنة.

وهكذا.. لكل إنسان خط ينظم أعماله كلها ـ مهما بدت متبعثرة أو متناقضة ـ في اتجاه الهدف الذي حدده لنفسه. وسواء أكان مخطئاً في تحديد هدفه أم مصيباً، وسواء أكان مخطئاً في ترابط أعماله أم مصيباً؛ فالمهم أن له هدفاً، ويتصور أنه يوجه أعماله بشكل تتفرغ في هدفه الذي يظن أنه يحقق مطامحه.

فإذن: كل إنسان يتعامل مع نفسه من خلال تعامله مع الآخرين، مهما حاول التظاهر بغير ذلك. ويكشف هذه الحقيقة بوضوح: أنه لا يشعر بالتناقض بين نفسه وبين الآخرين إلا ويبتعد عنهم، استعداداً للهجوم عليهم والثأر منهم. وأنه لا يشعر بأن عدواً ـ من أعدائه التاريخيين ـ يساعده على تأمين شيءٍ من هدفه، إلا ويقلب الصفحة معه، ويتعلق به وكأنه ولي حميم.

فالذين يعبدون الأصنام: الحجرية، أو البشرية، أو الفكرية... يظنون أن تلك الأصنام تؤمن لهم شيئاً ـ أو أشياء ـ من أهدافهم، فيحبونها بالفعل. ولكن ظنهم هذا.. يبقى أملاً يدغدغ أحلامهم ولا يصل إلى درجة اليقين، لسببين:ـ

1ـ شكهم في قدرة تلك الأصنام على تأمين ما يأملون منها.

فاحتمال عجز الأصنام عن تأمين ما تريد وارد في قلوب من يعبدونها.

2ـ شكهم في استمرار تلك الأصنام إلى جانبهم. فاحتمال تقلب الأصنام وارد في قلوب من يعبدونها.

لهذين السببين، تبقى محبتهم لها محدودة وموقتة.

والذين يعبدون الله، يعلمون أن الله يؤمن لهم أهدافهم كاملة غير منقوصة، فيحبونه محبة غير محدودة وغير موقتة، لأن إيمانهم به، يقين لا توسوس حوله الشكوك. فهم يعلمون: أن قدرة الله مطلقة، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ويعلمون: أن الله ثابت في ذاته وفي صفاته، فهو الواسع الذي يحيط بالظروف والأحوال يقلبها كيفما تقتضي حكمته، ولا تحيط به الظروف والأحوال حتى تؤثر على إرادته.

فهم أشد حباً لله، من حب عبدة الأصنام لأصنامهم.

(1) سورة الزمر: آية 5.

(2) سورة الرعد: آية 2.

(3) سورة الرعد: آية 38.

(4) سورة البقرة: آية 45.

(5) وقد يفسر «الصبر» بالصيام، لأنه يهيىء الإنسان للأزمات، عندما يمرسه على ارتفاع على مطاليب البطن والجنس .م.

(6) سورة البقرة: آية 45.

(7) سورة البقرة: آية 47.

(8) سورة الأنعام: آية 86.

(9) سورة البقرة: آية 120.

(10) سورة البقرة: آية 120.

(11) سورة البقرة: آية 120.

(12) سورة البقرة: آية 120.

(13) سورة البقرة: آية 120.

(14) سورة البقرة: آية 120.

(15) سورة البقرة: آية 120.

(16) سورة البقرة: آية 143.

(17) سورة البقرة: آية 143.

(18) سورة البقرة: آية 143.

(19) سورة الأحزاب: آية 21.

(20) سورة الصافات: آية 103.

(21) سورة الشورى: آية 51.

(22) سورة يس: آية 14.

(23) سورة البقرة: آية 143.

(24) انظر بحار الأنوار ج 2 ص99 ح54.

(25) بحار الأنوار ج2 ص22.

(26) مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار ج1 ص434 ح83.

(27) سورة الأنفال: آية 42.

(28) قد بحثنا الموضوع بصورة مشابهة ـ في ذيل قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده...}. م .

(29) سورة البقرة: آية 148.

(30) سورة ق: آية 29.

(31) سورة فاطر: آية 43.

(32) سورة الحديد: آية 22.

(33) سورة النساء: آية 28.

(34) انظر الكافي ج2 ص252 باب شدة ابتلاء المؤمن ح1 وسفينة البحار ج1 ص105 باب بلا.

(35) سورة البقرة: آية 155.

(36) سورة البقرة: آية 155.

(37) سورة البقرة: آية 156

(38) البقرة: آية 157.

(39) البقرة: آية 157.

(40) البقرة: آية 157.

(41) البقرة: آية 157.

(42) البقرة: آية 157.

(43) سورة البقرة: آية 156.

يتبع

رجوع