|
(2) ۞ سورة البقرة ۞ مدنية وهي مئتان وست وثمانون آية |
|
من مغزى الحروف المقطعة {الم} (سورة البقرة: آية 1) أساس (علم الالكترون) مبني على النقطة والمدة (. ـ)، أي: النقطة والحرف. وتركيباتهما المختلفة، تؤدي إلى تفاعلات كثيرة. ولعل القرآن بدأ بثلاثة أحرف مهملة مختلفة، مشيراً إلى أسس الطاقات الفاعلة في الوجود. ولعل بعض الحديث يعبر عن ذلك حين يقول: «ألف: الله، لام: جبرئيل، ميم: محمد»(1). الضمير الأول {ذلك الكتاب: لا ريب فيه، هدى للمتقين}. (سورة البقرة: آية 2) الضمير، إذا جاء في غير أول الكلام، كان تكراراً مختصراً لكلمة سبقت. وإذا جاء الضمير في أول الكلام، كان إشارة إلى شيءٍ تكاثف حوله الضباب، حتى حجب عنه الرؤية الواضحة. ففي أول محاولة لتعويمه، وإزالة الضباب من حوله، لا يصح التعبير عنه بالاسم الصريح، لأنه لا يزال ضميراً، فلا بد من الإشارة إليه بضمير، ليقول: (إن هذا الشيء الغائم، الذي تكتنفه الشكوك كتاب لا شك فيه). وهذا النوع من التصوير الفني الدقيق، ورد في العديد من الآيات، والنصوص الرفيعة:ـ {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقّ الّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ}(2). {قل: هو الله أحد}(3). هذا .. ابن خير عباد الله كلهم هذا .. التقي، النقي، الطاهر العلم» «هذا .. علي، رسول الله والده بجده، أنبياء الله قد ختموا»(4) أسلوب القرآن في عرض الواقع الكبير {ذلك الكتاب: لا ريب فيه، هدى للمتقين}. (سورة البقرة: آية 2) {ذلك الكتاب}(5)، وليس هذا الكتاب. فذلك الكتاب الذي يتناقض الناس حوله: فيقول بعض: (إنه شعر)، ويقول بعض: (إنه سحر)، ويقولون .. ويقولون ... فيه وعنه، كل ما يمكن أن يفسر مفعوله العميق، بتفسير مرفوض لدى الرأي العام، ليحذره الناس، فلا يتعرضوا لتياره الأخاذ. ذلك الكتاب، واضح مكشوف، { لا ريب فيه}(6). فلا هو سحر، ولا هو شعر، وإنما {هدى للمتقين}(7). وللقرآن سبق ذكي في تحديد مواقف الناس، بنقلهم من مواقعهم ـ كلما وجدها غير مناسبة ـ إلى مواقع مناسبة. فالبصيرة ـ كالبصر ـ إذا اقتربت من واقع كبير، تعجز عن استيعابه. وبما أن العقل البشري لا يخضع للمألوف ـ مهما كان عظيماً ورفيعاً ـ فالسماء، والأرض، والشمس، والقمر، وحتى ورقة الشجر، وخلية الـ (أميبا)، وكل شيء في الكون؛ معجز، يوجه الناس إلى الله، ولكنهم لا يتوجهون به، لأنه مألوف؛ فلا بد من مفاجأتهم بمعجزات جديدة، حتى يتخلوا عن كبريائهم، فيخشعوا، ويسلموا تسليما. ولكن ليس كل الناس قادرين على استيعاب المعجزات من وجهتها الصحيحة، لأنهم لم يتمرنوا على هضم ما في حجمها. فتربكهم، فيتناقضون، ويتحطمون. وهنا.. ينجدهم القرآن، فيبعد المعجزات عنهم حتى لا تبهرهم، ويتاح لهم النظر إليها من بعيد، ويتخذوا منها المواقف الصحيحة. فمن بعيد، يعرض الأفق كله، وتبدو الأشياء الكبيرة واضحة. ومع الهدوء، الذي يمنحه النظر من بعيد، تسنح فرصة تترسب فيها الأفكار، ويصبح ذلك العالم المجهول في أعماقنا، صافياً، شفافاً، ينفذ النور إليه، وتسهل الرؤية من خلاله. فكلما يجد القرآن الناس يتساقطون في درب عظيمة، أبعدها عنهم. فبادروا إلى تصوير ذاته، بعيداً عن الناس ـ بعداً مكانياً ـ ولما يزل في مستقبل الطريق، في ثاني آية من سورة: {ذلك الكتاب لا ريب فيه} كما نقل عيسى بن مريم، بعيداً عنهم، عندما رآهم يمترون فيه: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقّ الّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ}(8). وكما نقل الإله، بعيداً عنهم، حينما انهاروا دون معرفته: {قل: هو الله أحد}(9). وكما نقل النبي محمداً، بعيداً عنهم ـ بعداً زمانياً يصوره حرف: كان ـ، فور ما وجدهم اقتربوا منه أكثر مما ينبغي: {مّا كَانَ عَلَى النّبِيّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللّهُ لَهُ سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مّقْدُوراً(38) الّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاَتِ اللّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللّهَ وَكَفَىَ بِاللّهِ حَسِيباً(39) مّا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَـَكِن رّسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ}(10). وهذا الكتاب: {هدى}، وتوجيه رائد، ولكن {للمتقين} الذين تسبقهم عقولهم إلى كل موضع قدم، واهتزازات كل كلمة؛ فلا يتخذون أي قرار لم تسبقه دراسة. فهؤلاء.. هم الذين يجعلون القرآن أمامهم، ولا يتجاوزون هديه. وأما اللامبالون، الذين لا يفكرون ولا يأبهون؛ فهم لا يستهدون بالقرآن، لأنهم لا يتحاشون من شيء حتى يتحروا السداد. مواصفات المتقين {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(3) والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (سورة البقرة: 3ـ 4) ذلك الكتاب: هدى للمتقين. والمتقون، لهم مواصفات خمس: 1ـ الإيمان بالغيب، الذي لا يحسونه. يؤمنون به، لأن العقل أرشدهم إليه، لا لأن الحس دل عليه. 2ـ إقامة الصلاة، والتكريس لذلك الغيب الذي آمنوا به. 3ـ الإنفاق لبعض ما رزقهم الله، بلا بدل، تطبيقاً لذلك الإيمان بالغيب. 4ـ الإيمان بالأنبياء الذين: يبشرون بذلك الغيب، ويوجهون تكريس الإنسان لذلك الغيب، ويقدرون الانفاق. 5ـ اليقين بالآخرة، التي تجمع آثار عمل الإنسان، في صيغة حياتية مثلى. 1ـ أما بالنسبة إلى النقطة الأولى: الإيمان بالغيب ضروري للإنسان، لأن كل عمل حياتي في تطور ـ نتيجة لسيرها الدائب نحو الكمال ـ. وكل شيء متطور، متغير وغير ثابت. والإنسان ـ في حياته ـ يحتاج إلى الاعتماد على أرضية صلبة، يعتمد عليها للانطلاق منها في دفع الحياة إلى الأمام. فالفلسفة، والعلم، والتكنولوجيا، وكل شيء فكري أو مادي... يتغير: فالعلم يثبت اليوم ما نفاه بالأمس، وينفي اليوم ما أثبته بالأمس. وما هو صحيح اليوم يصبح خطأ غداً، وما خطأ اليوم يصبح صحيحاً غداً. وكما هو في العلم، كذلك: في الفلسفة، وفي التكنولوجيا... فلو اعتمد الإنسان على ما هو متغير وغير ثابت، يصبح الإنسان ـ مثله ـ متغيراً وغير ثابت، فيعيش قلقاً مضطرباً. إن الأشياء الفكرية تبدأ من الإنسان، فلا يمكن للإنسان أن يبدأ بها. وإن الأشياء المادية مشابهة للإنسان، ومتساوية له، في أنها ـ أيضاً ـ تحتاج إلى مبدأ ثابت، فلا يمكن للإنسان أن يبدأ بها. وبقدر ما تزداد سرعة الحياة وتطورها، تزداد حاجة الإنسان إلى تلك الأرضية الصلبة الثابتة، التي ينطلق منها. وفي عصرنا الحاضر، حيث ازدادت سرعة الحياة، ازدادت حاجة الإنسان إلى الأرضية الثابتة، حتى يصبح ـ هو ـ ثابتاً، يستطيع أن يرى بوضوح، وأن يتحرك باستقامة، وأن يحرك بدقة. وتلك الأرضية الثابتة، التي تصلح قاعدة للإنسان، ومنطلقاً له، هو الإيمان بالغيب لأن الغيب = ما وراء الطبيعة، غير خاضع لنظام التطور لأنه كامل لا يحتاج إلى السير نحو الكمال. ولو لم يبدأ الإنسان حياته من الإيمان بالغيب، يبدأ حياته من نفسه، فيعبد رغبته ـ إذ لا مطلق يدجن رغبته ـ، ويصبح عبد هواه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلَـَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللّهُ عَلَىَ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىَ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىَ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللّهِ أَفَلاَ تَذَكّرُونَ}(11). ورغبته تتجسد في مصلحته، ومصلحته تعبير رغبته. والمصالح تتوافق وتتناقض، فيتآلف الناس ويتناقضون بتآلف وتناقض تلك المصالح. وتتوزع الحياة إلى شركات متنافسة، لا إلى وحدات متآلفة: كل فرد إله في نفسه، وتائه في حياته. صديق مصلحته، وعدو منافسه. وكما لا بد من الإيمان بالغيب في تحديد المنطلق الرئيس للإنسان، كذلك لا بد من الإيمان بالغيب في تحديد المنطلقات الفرعية، وهي الأخلاق. فلو لم ترفد الأخلاق من الإيمان بالمطلق، فيتبنى الإنسان: الصدق، والوفاء، والإخلاص، والأمانة، والحق، والعدل... لأن الله أمر بها؛ يضطر إلى أن يتبناها، لأن المصلحة توحي بها. فلا يبقى صدق مطلق يمكن الانطلاق منه، وإنما يكون: صدق مصلحي، وعدل مصلحي، وحق مصلحي... يتغير ويتطور بتغير وتطور المصلحة. فلا تصلح منطلقات للإنسان. إن القيم والأخلاق، لا تصح منطلقات للإنسان، إلا إذا كانت مطلقات، ولا تكون مطلقات، إلا إذا أخذت من مصدر الغيب، وهو: المطلق.. المطلق... (الله)، الغائب عن كل الحواس والعقول، الذي يشير إليه كل محسوس وكل معقول. إن المنطلق، لا بد أن يكون أسبق من الإنسان، وأثبت من الإنسان... وإلا تصبح الحياة كما هي في القرن العشرين، رغم جميع المكاسب الطبيعية والنظرية، قلقة مضطربة، تظهر تشنجاتها في: الحروب، والثورات، والتناحرات السياسية، والتمردات الفردية والفكرية، والانتحار ... وكل مظاهر الشذوذ التي أصبحت ضمير القرن العشرين، وطابع القرن العشرين. وكما لا يغني العلم عن الإيمان، كذلك: لا يغني الإيمان عن العلم. لأن الإنسان يحتاج إلى المنطلق الثابت، حتى لا يتشنج، وهو: (الإيمان). ويحتاج إلى الحركة الواعية حتى لا يجهد، وهو: (العلم). فلكل من الإيمان والعلم، دوره. وكلاهما ضروريان. 2ـ إقامة الصلاة: التي هي تكريس للإنسان ـ بروحه وجسده ـ أمام الله. سؤال: هل الصّلاةتقام، تكريماً، وإشباعاً لرغبة الألوهية؟ كلا.. فالله أكبر من أن يكرم بشيء من أعمالنا، وأعلى من أن تكون له رغبة، أو أن تشبع رغبته بشيءٍ منا. سؤال: هل الصّلاةتقام، رياضة لأجسامنا، وتقويماً لأخلاقنا؟ كلا.. فالصلاة أرفع من أن تقدر برياضة جسدية، أو ترقية خلقية. إذن: فلماذا تقام الصلاة؟ تقام الصّلاةلـ:ـ 1ـ لتأصيل الإيمان في النفس. ذلك: أن الإنسان، ليس كيانين معزولين مستقلين: كيان روحي، له أوضاعه ومستقلاته. وكيان جسدي، له أوضاعه ومستقلاته. وإنما الروح والجسد، كيانان متواحدان في الخلقة، وإن كانا مختلفين في المصدر. فما من شيء يترسب في الروح إلا وينعكس على الجسد، وما من شيء يمارس بالجسد إلا ويمتد عمقه إلى الروح ففي بعض الحديث: «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ـ بالنسبة إلى من كان يصلي ويعبث بيده ـ»(12)، وفي الآية: {... إن الصلاة..المنكر...}(13). فلا يمكن أن يكون الفرد مؤمناً بقلبه، ولا يعمل بجسده عمل الإيمان. ولا يمكن أن يعمل عمل الإيمان، ولا يتأثر به روحه. وليس من الصحيح تصور من يزعم: أنه مؤمن بقلبه، والإيمان هو الهدف، إذن: فلا حاجة إلى عمله. ولا ادعاء من يدعي: أنه وصل إلى الحق، فلا عليه لو ترك الفرائض. فالإيمان طاقة ـ كأية طاقة ـ، إذا لم تمارس تتهافت وتنسحب. وأين هو الإيمان الذي، لا يملك قوة الفرض ولا قوة الرفض بالنسبة إلى جسده؟! وكيف يمكن افتراض التناقض بين الروح والجسد؛ والروح ضمير الجسد، والجسد قشرة الروح، أو الوجه الظاهر للروح؟! إذن: لا تناقض بينهما. فمن آمن قلبه عمل جسده، ومن عمل جسده ـ قربة إلى الله ـ آمن قلبه. فالروح والجسد، عندما يصليان ينسجمان في الانقياد أمام الله، فيتمليان من الخضوع لله، ومن تعود الخضوع لله، لا يعصي الله في سره أو في علنه: {إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ}(14). 2ـ إذا صلينا (صلاة صوفية) بأرواحنا لله، فعودناها على الاتجاه إلى الله، ولم نعود عضلاتنا على الخشوع لله؛ نحاول فصل الروح عن الجسد ـ وإن كان من غير الممكن ـ، إلا أنه إذا لم نعود الجسد على الاتجاه إلى الله، يبقى شاغلاً للروح عن الله كلما اتجه الجسد إلى عمل، فلا يستطيع أن يتجه إلى الله وهو يمارس أي عمل آخر. بينما لو عودناهما الصلاة، يستطيع الإنسان ـ في أي عمل ـ أن يبقى متجهاً إلى الله، حتى ولو كان في حقله، أو معمله، أو مكتبه، أو حانوته، أو في طريقه... ولعل ذلك هو المطلوب، وهو التعويد على البقاء متصلاً بالله، لقوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة...}(15). فالاستعانة بالصبر ـ الذي يطلب في الأعمال المرهقة ـ قرنت بالاستعانة بالصلاة. إذن: لا بد أن يبقى الإنسان ـ في كل حياته، وخاصة: في اللحظات الحرجة ـ مصلياً، متجهاً إلى الله. 3ـ الإنفاق مما رزقهم الله: {ومما رزقناهم ينفقون}(16). والإنفاق، هو: العطاء. وما رزقهم الله: كل شيء منفصل عن الإنسان ذاتاً، والمتعلق به عرضاً. فيشمل: المال، والعلم، والفن، والخبرة، والجاه، والإيمان... وليس المطلوب من المؤمن، أن يتجرد من كل ما رزقه الله، حتى يدقع ـ هو ـ ويتسكع. وإنما المطلوب هو: إنفاق الفضل من رزقه، وبذل ما يمكنه الاستغناء عنه. والعطاء لا يمكن، إلا بأحد شعورين:ـ الأول: الشعور الإيماني، بأن ما يملكه الإنسان، أمانة أودعها الله عنده، لافتتانه وتجربته، كيف يتصرف بها؟ الثاني: الشعور الإنساني، بأنه وسائر الناس، رؤوس لجسم كبير هو الإنسانية العامة. فهو لا يتميز عن غيره إلا بمقدار ممارسته لهذا الشعور، بواسطة ما تمكن منه من ثروة وقدرة، فممتلكاته ليست إلا وسائل لتصعيد ذاته: فالذي يبخل إنما يبخل على نفسه، لأنه يحصرها في حدود الـ (أنا)، ويدعها مشدودة بجواذب الأرض، فيكون أشبه بمن لا يأكل ليوفر، فيضعف جسمه ويقلصه. ومن يعطي إنما يعطي لنفسه قبل أن يمتد عطاؤه إلى غيره، لأنه يطلق نفسه من حدود الـ (أنا)، أو يعبر عن سعته وقدرته على الشمول والاحتواء، حيث يضم إليه كل من يعطيه فيجعلهم أعضاء فيه، فيجعل لنفسه كوناً واسعاً، يستوعب العشرات، أو المئات والألوف وربما الملايين، بمقدار من يحولهم عطاؤه إلى أعضاء فيه. وأما الذي لا ينفق مما رزقه الله، يتحمل عبء ما رزق دون أن يستخدمه في تمديد ذاته، ويمثل دور الحارس أكثر مما يقوم بدور المالك. لأنه لا يتصرف فيه، وإنما يخزنه، ويكون أشبه بالأفعى الرابضة على الكنز، لا تحركه هي ولا تدع غيرها يحركه. بالإضافة إلى: أنه يجمد الطاقات التي رزقها، ويميتها حتى لا تؤدي حركتها الطبيعية: كمن يملك الأرض فيدعها مرقصاً للزوابع، وكمن يملك الجبل فيتركه حقلاً لتجارب الشمس. فيخون الأمانة التي أودعها الله عنده. ويكفر بالإنسانية التي تعتبره عضواً في جسم، عليه أن يعمل لكل الجسم كما يعمل كل الجسم له. 4ـ الإيمان بما أنزل على النبي محمد (ص)، وبما أنزل على سائر الأنبياء عليهم السلام: {والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ}(17). فالإيمان بأي نبي يلزمه الإيمان بكل الأنبياء، لأن النبي يعني التعبير البشري عن الله. والله ـ تعالى ـ جعل له تعابير بشرية كثيرة، ومختلفة باختلاف مستويات البشر، تماماً كالمعلمين لصفوف الطلاب، ابتداء من الروضة وانتهاء بالجامعة. فالمعلمون كثيرون، ومختلفون باختلاف مستويات الطلاب، ولكنهم ـ جميعاً ـ يعبرون تعبيراً متفقاً عن المادة التي يلقنونها لطلابهم. والأنبياء ـ جميعاً ـ كانوا متفقين في الخطوط العريضة للرسالة السماوية الواحدة، المعبرة عن حقائق الكون الثابتة، والموجهة إلى مصلحة الإنسان: الثابتة كمصلحة، والمتغيرة بوسائلها. وإذا كانت رسالات الأنبياء مختلفة فبمقدار ما تتجاوب مع الظروف والحاجات المتغيرة. فالإيمان بأي نبي، يلزمه الإيمان بكل الأنبياء، والالتزام بأية رسالة، يلزمها الالتزام بكل الرسالات ـ في ما عدا الفرعيات المتغيرة ـ. 5ـ اليقين بالآخرة: {وبالآخرة هم يوقنون}(18). والآخرة أعم من القيامة، فالقيامة هي افتتاح الآخرة. وأما الآخرة، فهي العالم الأوسع من هذا العالم، بنسبة هذا العالم إلى الموطن السابق للإنسان، وهو: «الرحم». أولاً: والآخرة واقع كوني، لا يمكن أن لا تكون إلا إذا لم يكن هذا الكون. فهذا الكون، «عالم الكون والفساد» ـ حسب تعبير الفلاسفة ـ، أو هو مجموعة تفاعلات ذرية، تجري على سنة واحدة، هي سنة انبثاق النتيجة من مقدماتها. فإذا التقت شحنة موجبة بشحنة سالبة، يؤدي إلى الاحتراق. وإذا تأثر الماء بالطاقة، تجزأ وتصاعد. وإذا تلقحت بويضة الأنثى ببويضة الذكر، في المناخ المناسب، كان الإخصاب ... فكلما ترتبت المقدمات، كانت النتيجة. وحتمية النتيجة بعد ترتب المقدمات، ترفض الشك والحوار. في مثل هذا الكون، نجد الملايين من المقدمات تترتب ـ وهي أعمالنا المختلفة ـ، ولا تظهر نتائجها، فهل يمكن أن تكون عقيمة لا تنتج؟! إن أية ذرة ـ في الكون ـ لا تتحرك من موقعها شعرة إلا بسبب، ولا تتحرك دون أن تترك أثراً، فهل البشر ـ والبشر يتحرك كثيرا.. ويحرك كثيراً ..ـ لا يندفع عن سبب، ولا يؤدي إلى أثر؟؟!! إن ذلك مستحيل، إلا إذا كان الكون ـ كله ـ غلطاً ومتناقضاً. فكل حركة فكرية ـ أو عضلية ـ تولد أثراً، وإذا كنا لا نرى ـ في وضعنا المعاصر ـ أثرها، فأثرها واقع، نعجز اليوم عن رؤيته، وسنراه في يوم من الأيام، وهو يوم القيامة: {يؤمئذٍ: ..يره}(19). ثانياً: والآخرة واقع فلسفي، لا يمكن إنكاره إلا إذا أنكرنا فلسفة الكون، لأن الكون منطلق من فلسفة واعية ودقيقة، تظهر في كل مظاهر الكون، من الذرة إلى السديم. وهذه الفلسفة الواعية والدقيقة، تظهر ـ بجلاء ـ في كون الإنسان. فأين تظهر هذه الفلسفة، في الهدف من الإنسان؟ إن أصل وجود الإنسان ـ بهذا الشكل المتآكل ـ لا مبرر له على الإطلاق، إن كان لهذه الدنيا فقط. فوجوده ـ في هذه الدنيا ـ تجربة ألم مريرة، منذ سقوطه على رأسه ـ في القبر ـ مقهوراً بالموت. فلا بد أن يكون تمريره ـ في هذه الدنيا، بهذا الشكل المأساوي ـ لهدف كبير، يبرر هذه التجربة المريرة. وهذا الهدف لا يتجسد في الدنيا، فلا بد أن يكون في الآخرة. ثالثاً: وهذا التناقض الكبير بين اتجاه الكون المستقيم وبين اتجاه الإنسان المنحرف، وذلك الانضباط الدقيق في الموجات البشرية؛ لا بد أن يستمر كل حتى يبلغ مداه، فننتهي إلى مجابهة مدمرة، وينتهي الكون والإنسان بانفجار، وعندئذٍ: ينجو الهواء، والطاقة، والقيم، وكل فاعلات الكون... من اللوث بشيءٍ اسمه: (أنا). إن انفلات (بروتون) موجب من مداره، يؤدي إلى حريق هائل، وانفلات أجيال من البشر لا يولد حرائق؟! رابعاً: إن الآخرة خبر غيبي، اتفق المخبرون الغيبيون على نقله. وقد كانوا صادقين في كل إخباراتهم الغيبة، فلا بد أن يكونوا صادقين في هذا الخبر. خامساً: إن الدليل على نفي الآخرة واحد، وهو: (الاستبعاد). والاستبعاد غير وارد في شأن الناس المزودين بالقوى السماوية، وحتى في شأن الناس العاديين المزودين بالقوى الأرضية ـ فهاهم يعملون كل ما يستبعده الإنسان، ولا يصدقه إلا إذا صدمته الرؤية، فتقاعس عن استبعاده ـ، فكيف يكون وارداً بالنسبة إلى العظيم القدير؟! ولليقين بالآخرة أثر تربوي كبير، فعندما يتركز في وجدان الإنسان إشعار بالحساب ـ أي حساب ـ، يتحرك في الشعور بالمسؤولية، فلا يقدم على أي عمل إلا بعد دراسة، ولا يمارس أي عمل إلا بإتقان؛ فكيف إذا تردد ـ في يقينه ـ إيحاء مستمر بالمحاكمة والقرار؟! وليست تلك المحاولات الكثيرة، التي تبذلها الأديان لتحرير الإنسان من قوقعة (أنا)، وتوسيع أفقه حتى يسع الأبوين، ثم الأخوة والأقرباء، ثم الجيران، ثم الأصدقاء، ثم أبناء وطنه، ثم المؤمنين جميعاً، ثم البشرية جمعاء؛ ليست تلك المحاولات، إلا مقدمات تمهيدية لتميد أفقه إلى الآخرة، حتى يتطابق مداه الفكري مع خطه الذي يتحرك فيه، ويصبح على مستوى الواقع. الصلاة.. الصلاة.. {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. (سورة البقرة: الآية 3) الصلاة التي نقيمها ـ نحن ـ، مجموعة حركات صوتية وعضوية، نؤديها ـ نحن ـ بأحد حافزين: 1ـ الخوف من العقاب، تماماً.. كالجندي الذي يخوض معركة قد لا يعرف عنها شيئاً، أو يعرفها ويكفر بأهدافها؛ ولكنه يخوضها باندفاع، لأن أمامه احتمالين: الموت والنصر، وأما وراءه: فليس سوى رصاص قائده يحصد المتمردين. وربما كالدابة، تسير بأثقالها حتى تنجو من بطش صاحبها. وفي أحسن الحالات، كالطفل الذي يتناول جرعة الدواء، حتى لا يتعرض لتعنيف أبيه. 2ـ الطمع في الثواب، كالتاجر الذي يبكر إلى متجره، لتأمين حياته أو لتوفير أمواله. ونستطيع تنظير النوافل، بالساعات الإضافية، التي يجهد خلالها العامل لتحسين معيشته. ولعلي أستأذن في القول: بأن أكثر المصلين ـ بل أكثر المتدينين ـ يتحركون بالحافز الأول. فلولا الخوف من العقاب، لهبطت نسبة المتدينين إلى دون العشرة بالمائة. وكيفما كانت صلاتنا، فالذي لا شك فيه: أن الصّلاة في مشاعر أولياء الله لم تكن كالصلاة في مشاعرنا، لأنهم لم يكونوا يؤدونها رهبة من العقاب ولا رغبة في الثواب، وإنما كانوا يتذوقونها، ويرتاحون إليها. ألم يقل النبي (ص): «أحب من دنياكم ثلاث... وقرة عيني الصلاة»(20)؟! وكانت الهموم إذا تراكمت عليه، قال لبلال: «أرحنا يا بلال!»(21)، أي: أذن، لنقيم الصّلاة فنرتاح. ووقف في الصّلاة حتى تورمت قدماه(22). وكان أمير المؤمنين (ع) يصلي ألف ركعة في ليلة(23). وكان الأئمة الطاهرون (ع) إذا وقفوا للصلاة، لا يعرف متى ينتهون منها(24). فكيف كانوا يفهمون الصلاة، حتى كانوا يرغبون فيها، ويكثرون منها في جميع الحالات، دون أن يشعروا بالملل منها على أثر التكرار؟. إن نفسياتهم المتحفزة، كانت تدفعهم إلى الإعراض عما فيه أدنى تكلف، وإلى استثمار كل لحظة في انطلاقه حثيثة؛ فأي انطلاقة كانوا يجدونها في الصلاة؟ يمكن أن نطرح ـ هنا ـ موضوعين للنقاش:ـ 1ـ إن الإنسان يولد بكامل مشاعره، ولكنها خامات لم تتبلور. وتمر رحلة الانفتاح بأربع مراحل :ـ المرحلة الأولى: مرحلة الطفولة. ويعرف فيها الضرورات: كالطعام، والشراب، والكساء.. ويتألم من الأوجاع، ويستأنس بمن يجدهم حوله من: أبويه، وإخوانه، وقرنائه... المرحلة الثانية: مرحلة الفتوة. ويعرف فيها المطامع المادية: كالمال، والجنس، والشهرة، والمنصب... المرحلة الثالثة: مرحلة الكهولة. ويعرف فيها الأهداف العليا: كالخلود من خلال البنين والخدمات، والتطلع إلى ما وراء الطبيعة والمثاليات، والتفكير في المصير بعد الموت... ومن المستحيل على الطفل أن يستوعب ما يطمح إليه أبوه وهو في مرحلة الفتوة، كما يصعب على الفتى ـ في المرحلة الثانية ـ أن يعيش ما يهدف إليه أبوه في مرحلة الكهولة. وهنا.. ينتهي رشد الناس العاديين، فلا يتجاوزون المرحلة. المرحلة الرابعة: مرحلة التعامل مع الماورائيات. وهذه المرحلة تحتاج إلى نوع آخر من المشاعر، تختلف كثيراً عن مشاعر الناس العاديين. فمثلاً: تحتاج إلى عين ترى الأرواح، والروحانيات، وما وراء الحواجز، والمسافات. وتحتاج إلى أذن تسمع مناجاة الروحانيات، ونجوى الصدور. وتحتاج إلى أحاسيس تدرك جميع التحركات البشرية والكونية، القريبة والبعيدة. وهذه المرحلة مختصة بمن اصطفاهم الله لها. وهؤلاء .. يعرفون ما لا يعرفه الناس العاديون، ولعل الفاصل بينهم وبين الناس العاديين أكثر من الفاصل بين الطفل الوليد وجده الكهل. فمن الطبيعي أن يفهموا الصلاة، وسائر العبادات، بشكل يختلف كلياً عن فهمنا لها. 2ـ لعل أولياء الله المعصومين، كانوا يجدون في الصّلاة نوعاً من الارتقاء الفعلي، كما يظهر من قول النبي: «الصلاة معراج المؤمن»(25). فأصل التمثل بين يدي الله، يضفي على الإنسان قدرة جديدة. فإذا كان التعرض لضوء الشمس، يمده بشحنة من الطاقة. وإذا كان حضور المستخدم ـ يومياً ـ بين يدي سيده، والتزام الموظف بوظيفته، يؤهلانهما للترقية؛ فهل التمثل بين يدي الله يكون عبثاً؟! هذا .. إذا كانت الصّلاة مجرد تمثل بين يدي الله، فكيف إذا كانت الصّلاةتمثلاً مشحوناً بمضامين متفاعلة من: تلاوة، وأدعية، وأذكار، وحركات؛ إن لم نفهم تفاعلاتها التفصيلية، فإننا نفهم أن مجمل الصّلاةنوع فريد من التمثل بين يدي الله، ولا بد أن تكون لها آثار جليلة. ظواهر الشخصية المنافقة {ومن الناس..يعمهون} (سورة البقرة: 8 ـ 15) بعد أن أوضحت الآيات السابقة: دعائم الشخصية المؤمنة، وملامح الشخصية الكافرة؛ تنصرف هذه الآيات إلى الكشف عن ظواهر الشخصية المنافقة. والشخصية المنافقة، هي الشخصية المتفجرة التي فرغ القرآن كثيراً من آياته للتحذير منها، وحملها مسؤولية تفجير أكثر التناقضات في مختلف تشكيلات المجتمع: ابتداءً من التشكيلة ـ العائلة، وانتهاءً بالتشكيلة ـ الدولة أو الأمة. وإذا كانت عناصر الخير ـ جميعاً ـ تعمل لتلحيم الوحدات البشرية، وتنفيس أزماتها وتوتراتها؛ فإن عنصر المنافق، هو العنصر الوحيد الذي يقاومها جميعاً، ويعمل لتفكيل الوحدات البشرية، وإشعال أزماتها وتوتراتها. لذلك: سلط القرآن على شخصية المنافق أضواءه، من خلال هذه المجموعة من الآيات، في صدر أوسع سورة وثاني سورة في التنظيم، فكشف عن ظواهر خمس:ـ الأولى: ازدواجية الشخصية. فللمنافق شخصيتان: شخصية إيجابية معلنة، وشخصية سلبية متسترة. ويحاول التعامل بشخصيته المعلنة مع الإيجابيين، كما يحاول التعامل بشخصيته المتسترة مع السلبيين، ويشكل الفريق الثالث بين الفريقين. {و} الفريق الثالث {من الناس}، هو: {من يقول: آمنا بالله، وباليوم الآخر}. والإيمان بالله هو الأصل الأول في مثلث العقائد، والإيمان باليوم الآخر هو الأصل الثالث فيه، فمن آمن بهما فقد آمن بالنبوة التي يبني عليها الإيمان بالآخرة. ومعنى هذه المقولة، أنه مؤمن قد استوفى أصول الدين الثلاثة. {و} رغم هذه المقولة الوافية، {ما هم بمؤمنين}(26)، وإنما ينطوون على واقع كافر لا يؤمن بشيء مما يقولون. هذا الفريق الذي لا يتطابق لسانه وقلبه، يحاول التعامل ـ بلسانه ـ مع جبهة المؤمنين الذين تمحضوا للإيمان، وفي نفس الوقت يحاول التعامل ـ بقلبه ـ مع جبهة الكافرين الذين تجردوا للكفر. الثانية: ـ سلطوية الشخصية. فالمنافق الذي يوجه لسانه إلى اتجاه، ويوجه قلبه إلى اتجاه؛ لا يحاول تأمين نفسه مع الاتجاه الذي سينتصر في نهاية الجولة فحسب، كالجاسوس المزدوج الذي يرقص على حبلين ليعيش في ظل انتصار كيفما انتهت المعركة؛ وإنما يحاول السيطرة على الجانبين معاً: {... يريدون: أن يأمنوكم، ويؤمنوا قومهم...}(27). وهذه .. نقطة الخطأ والخطر: نقطة الخطأ. لأن الذي يسود فئة من الناس، لا بد أن يكون أخلصهم وأقواهم، فكيف يمكن أن يسود فرد فئة من الناس، بمجرد لسانه، أو بمجرد قلبه؟! إنما يبقى بينهما أشبه بطائر يجد سربين من الطير، يطيران في اتجاهين معاكسين، فيحاول أن يطير مع هذا السرب بجناح ومع ذلك السرب بجناح. ونقطة الخطر. لأنه يربك الجانبين بمشيته المتذبذبة، ويضيع نفسه واتجاهه بينهما، ما لم ينكشف. فإذا انكشف، فله السقوط المحتوم. فهو في خطر على الجانبين، ولكن خطره على نفسه أكبر، لأنه داخل في صراع خفي مع جانبين متناقضين، كل جانب يحاول امتصاصه وهو يحاول امتصاصهما: {يخادعون: الله، والذين آمنوا}: جبهة المؤمنين تحاول خداع المنافقين عن هدفهم، بصهرهم في الخط الإيماني. والمنافقون يحاولون خداع جبهة المؤمنين، باستغلالها في مآربهم الخاصة. ولكن المنافقين هم الخاسرون في هذا الصراع: لأن المنافق يعطي.. ويعطي.. حتى يثبت وجوده. ثم يعطي.. ويعطي.. حتى يثبت تفوقه. ثم يعطي .. ويعطي.. حتى يغطي نفاقه. وفي كل هذه العطاءات، يخسر بأمل السيطرة في نهاية المطاف، وهو أمل موهوم، لأن فرداً ـ بمجرد لسانه، أو بمجرد قلبه ـ لا يسيطر على جبهة واعية مضحية: {وما يخدعون إلا أنفسهم} بأمل السيطرة الموهوم، {وما يشعرون}(28) بأنهم يخسرون كل ما يعطون، لأنهم يخطؤون في تقييم أنفسهم. فالمنافق ـ عادة ـ يقيم نفسه بأكثر مما هو، فيراهن على ذكائه وبلادة الآخرين، ولا يتصور إمكانية أن يكون في الآخرين من هو أذكى منه. فسلطوية الشخصية المعتمدة على عقدة العظمة، نوع من الانحراف الفكري، الذي يصاب به بعض الناس نتيجة لأسباب نفسية واجتماعية. وهذا الانحراف هو الذي يدفعهم إلى مغامرة النفاق: {في قلوبهم مرض}. فالانحراف مرض: فإذا كان في النفس كان مرضاً نفسياً، وإذا كان في الجسم كان مرضاً جسمياً، والمنافق مريض نفسياً. ولو أن المنافقين تنبهوا إلى هذا المرض، وحاولوا علاجه، لبرئوا منه، ولكنهم يبررونه، ويمارسونه. وممارسة أية طاقة في الإنسان، تؤصلها وتنميها: {فزادهم الله مرضاً} بمقضى السنن التي أجرى عليها الكون والإنسان، ومن جملتها الحيوية التي جعلها في الإنسان لتنمية كل طاقة يمارسها. ومهما حاول المنافق تبرير مرضه، فلن يستطيع تبرير معاناته من المرض، فكذبه في القول والعمل ينعكس في داخله تمزقاً شديداً، فلا يخلو بنفسه إلا وتحطم أعصابه صرخات الألم في أعماقه: {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون}(29). الثالثة: عقدة الإصلاح. فالشخصية المنافقة تصاب بعقدة الإصلاح، نتيجة لمحاولة استقطاب خطين متناقضين، وتصوره أنه الأقوى، فيعتقد أنه المصلح، ولا يشعر بأنه عنصر الفساد. ذلك: أن الكون مبني على الاستقامة، وكل شيءٍ فيه سائر في خطه الواحد، نحو هدفه الواحد، فالفساد لا يحدث في الكون من قبل أي عنصر من عناصره، لأن الكون معصوم بكل جزئياته ومجموعاته: {.. فقال..طائعين}(30). وإنما يأتي الفساد من قبل الإنسان، الذي قد يشذ عن خطه المرسوم، فيصطدم بنفسه أو بغيره، ويعرقل جانباً من مسيرة الحياة. وإذا حدث ذلك الصدام، فلا يستطيع تطويقه وإزالة آثاره، إلا إنسان يكون ـ بنفسه ـ منسجماً مع الكون، وذا صلاحية للتغيير، حتى يقوم بدور الدركي، الذي يطلق السبيل للمستقيم ويضع حداً للمخالف. وأما المخالف ذاته، فلا يستطيع تطويق أي صدام، لأنه ـ بنفسه ـ مخالف، ولأنه لا يملك الصلاحية التي تؤهله لذلك. فمهما حاول وأخلص، فلن يزيد الأمر إلا تعقيداً، لأن عليه ـ أولاً ـ أن يبتعد عن الطريق. {وإذا قيل لهم}: أيها المنافقون! أنتم تعرقلون المسيرة، فابتعدوا عن الطريق، و{لا تفسدوا في الأرض} بسلوككم المتناقض، {قالوا}: نحن ـ هنا ـ لتنظيم الآخرين، و{إنما نحن مصلحون}(31)، لو تخلينا عن دورنا لتناقض الناس، وحدث ما لا يمكن التكهن بنتائجه. ويتدخل الحكم الأعلى ليعلن: أن المنافقين هم عنصر الفساد، {ألا إنهم هم المفسدون} الوحيدون، الذين يسببون كل التناقضات، {ولكن لا يشعرون}(32) بواقعهم. لأنهم فقدوا مقاييسهم، على أثر الممارسات الخاطئة التي درجوا عليها، حتى أصابتهم بالانهيار الفكري، فلا يملكون التفكير السليم. الرابعة: عقدة العظمة. فالمنافق حيث يبني حياته على التمويه والتدليس، ويغرر به بعض الناس في الجبهتين اللتين يصانعهما، أو لا يغررون به ولكن لا يجابهونه بواقعه؛ يظن أن الناس ـ جميعاً ـ سفهاء، وأنه الذكي المتألق الذي يطوق الآخرين. فإذا طرحت عليه الأعمال الإيجابية، رآها متواضعة، على الناس أن يعتصروا فيها أعصابهم وأفكارهم، وله أن يجمع فائض جهودهم. تماماً.. كاللص الذي يربأ عن استثمار جهده ووقته، وإنما يترك الآخرين يكدحون، ليخطف حصيلة سنوات بقفزة واحدة. وإذا كان من فارق بين اللص والمنافق، فهو: أن اللص يحصد ثمرات الجهد والعرق من شخص أو من أشخاص، والمنافق يحصد ثمرات المواقف والدماء من شعب أو من أمة. {وإذا قيل لهم} أيها المنافقون! {آمنوا} بالحقائق والقيم التي تتلخص في الإيمان بالله، {كما آمن الناس} بها، واتخذوا معهم المواقف السليمة، ولا تعيشوا على الخداع والتضليل؛ {قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء؟!} الذين لا يحسنون تصريف شؤونهم؛ فيضحون بمباهج الحياة في سبيل المبادىء والقيم، ونحن الأذكياء الجديرون بالحياة، ننعم بخيراتها دون أن نضحي بشيء. ومرة أخرى، يتدخل الحكم الأعلى، ليعلن: أن المنافقين هم المتطفلون، الذين لا يحسنون الوقوف على أقدامهم، فيتسكعون الحياة بدماء غيرهم، {ألا إنهم هم السفهاء} الذين لا يتولون أمورهم، ولا بد أن يعيشوا تحت وصاية القادرين على الحياة، {ولكن} المنافقين، لتمرسهم في النفاق، فقدوا قوة التمييز، فـ{لا يعلمون}(33)أن المستغلين الجشعين هم السفهاء، وأن الطامحين المضحين هم الأذكياء. فالحياة: تتمسك بالضمر المتعبين من أبنائها، وتحتفظ بهم ـ حتى بعد موتهم ـ فكراً ينير العقول والقلوب. وتقذف المتخمين في مجاهل النسيان، كما تنفض الأمواج الأجسام المنتفخة على حساب البحر. ووهج المصير، لمن يستبق قدرات الحياة، وليس لمن يزيف وهج الحياة. الخامسة:ـ تملقية الشخصية. فالمنافقون حيث يتصلون بالفريقين المتناقضين، ويحاولون الاتصال بكل فريق في غياب الفريق الآخر؛ يشكك فيهم الفريقان معاً، فلا يعترف بهم هذا الفريق ولا ذاك. فيصابون بأزمة ثقة حادة، ويبذلون قصارى جهودهم في التودد إلى هذا.. وذاك.. دون جدوى، ولا يتوغلون في التودد إلا ويتوغل الفريقان في الحذر. وقد يأخذ الفريقان منهم موقف المتربص، للتخلص منهم: {وَإِذَا لَقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ قَالُوَاْ آمَنّا}، لأن المؤمنين يشكون في أصل إيمانهم. {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوَاْ إِنّا مَعَكْمْ}، لأن الكفار ـ أيضاً ـ يشكون في أصل كفرهم نتيجة لاتصالهم بالمؤمنين. ويأتي دور التبرير: {إنما نحن} في اتصالنا بالمؤمنين، {مستهزئون}(34) نحاول كشفهم وتقصي أخبارهم. وهذا الاعتذار لا يرضي الكفار؛ لأنهم لم يوكلوهم بالتجسس على المؤمنين، ويغضب المؤمنين؛ لأنه يضعهم أمام جواسيس. فيأتي الرد غاضباً: {الله} ـ مباشرة ـ {يستهزىء بهم}، فيكشفهم، ويقصي أخبارهم، ويكفي المؤمنين مؤونة القيام بهذا الدور، لخطورته وصعوبته. وعندما يتولى الله الرد، لا يعاملهم بالمثل، فلا يكتفي بكشفهم وفضحهم، ليلاقوا عقابهم وينتهوا. وإنما يكشفهم لنبيه، ليأخذ حذره منهم، ويتركهم تحت المراقبة، يجهدون ويكدحون عشوائياً، دونما طائل: {ويمدهم} بعدم إعلان كشفهم، {في طغيانهم} وخروجهم على القيم الإنسانية، {يعمهون}(35): يتخبطون. و(العمه) هو الارتباك، الذي هو أسوأ من العمى، فالأعمى يستطيع أن يفكر تفكيراً سليماً، ويتوصل إلى بعض النتائج المرضية، وأما الأعمه فهو الذي فقد أعصابه، فلا يقدر على التفكير السليم. 1ـ ويلاحظ:ـ في هذه الآيات ـ وفي آيات أخر ـ أن الله يدخل نفسه في جبهة المؤمنين، فيعتبر نفسه طرفاً معهم: { يخادعون الله، والذين آمنوا}(36)، أو يقف هو طرفاً دونهم: {الله يستهزىء بهم}(37)، لأن الله ولي المؤمنين: {الله ولي الذين آمنوا..}(38)، فمن المتوقع أن يحميهم، وأن يدافع عنهم: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا..}(39) 2ـ إن الآيات تذكر مخادعة المنافقين لجبهة الإيمان، واستهزاءهم بها، ولا تذكر مخادعتهم لجبهة الكفر، واستهزاءهم بها. لأن موقف المنافقين من الجبهتين واحد، فإذا عرف موقفهم من إحداهما، عرف موقفهم من الأخرى. ولأن القرآن يعني ببيان وجهة نظر المؤمنين، ولا يعني ببيان وجهة نظر الكافرين. من عوامل إعجاز القرآن {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مّمّا نَزّلْنَا عَلَىَ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم مّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(23) فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتّقُواْ النّارَ الّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِين}. (سورة البقرة: 23 ـ 24) 1ـ الإنسان يتحدى في حدود معينة: فيدعي أنه يفوق الماضين، لأنهم توقفوا عن العطاء. ويتحدى المعاصرين، لأنه يعرف مداهم. ولكنه لا يتحدى المطلق ـ وإن حشد مواهب الأرض، ولف الفضاء بنظراته ـ، لأنه لا يعرف مدى المستقبل. والقرآن حيث تحدى المطلق، عبر ـ بمجرد هذا التحدي ـ عن اطمئنانه إلى أنه فوق مستوى البشر على مدى الحياة. وهذا الاطمئنان، لا يحصل لأي فرد من البشر، طالما المستقبل مفتوح للمفاجآت، وطالما تتفتق المواهب ـ في كل فترة ـ عما لم يكن متوقعاً قبلها. 2ـ ومحاولة تحدي القرآن، كانت يوم ترطبت شفاه النبي بآياته، وهي تتنزل ـ مع الأشعة الكونية ـ لتخصب القلوب الحجرية بنور الإيمان، وتمد ـ من عراء الحجاز ـ ظلال القيادة العالمية على كثير من بقاع الأرض. وبقي التحدي مستمراً عبر الأجيال، فقد حاول الكثيرون ـ ممن جهلوا القرآن ـ أن يأتوا بمثله، وحيث درسوه ليأتوا بمثله، اصطدموا بما لا قبل لهم به، فأعلنوا عجزهم عن تحديه. وآخر من عرفت دخولهم في هذه التجربة الفاشلة، لجنة من أدباء المهجر، فيها جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة... 3ـ ولعل السبب في عجز الناس عن تحدي القرآن: أنه مزيج مركب من مجموعة عناصر، لا يمكن لأية مجموعة من البشر أن تجمعها: فبالإضافة إلى عنصر البلاغة، فيه التفوق التشريعي، والنكات العلمية، والروعة الموسيقية، والمعادلة المناسبة للكلام الصادر من الله إلى عباده، وعناصر أخرى كثيرة... حفل بها القرآن. ومع تقدم البشرية ـ في كل حقبة من الزمان ـ يزاح ستار عن عنصر جديد من عجائبه. ولعل من تلك العناصر: أن القرآن لا يطرح نفسه على الساحة، طرحاً مكشوفاً، يمكن الناس من نقده وتجريحه. فهو يتناول كل المواضيع، ولكن بقدر معين، ثم يتركها. ويتعمق في كل ما يتناول، ولكن لا يتوسع. وعندما يأتي من يحاول انتقاده، لا يجد فيه مآخذ يمكن التمسك بها للتشهير به. فالمسلمون رغم تطور ثقافتهم ـ عبر تاريخ القرآن ـ، ورغم أنهم طالما تورطوا في أخطاء كبيرة وكثيرة؛ إلا أنهم لم يصطدموا بالقرآن، في أي وقت من الأوقات، حتى من خلال أخطائهم. فما عانوا من اصطدام ثقافتهم بكتابهم، شيئاً مما عاناه: اليهود، والنصارى، وبقية أهل الكتاب؛ من اصطدام ثقافاتهم بكتبهم. وخاصة: في القرون الأخيرة، حيث كشفت قفزة العلوم أخطاءً عديدة في الكتب المقدسة، فاضطر المثقفون إلى التحيز للعلم والاتجاه نحو الإلحاد، واضطر المتدينون إلى تعطيل العقل وتجميد العلم في مجال الإيمان. فالله الذي يعرف مدى مستويات جميع الأجيال البشرية، خلق كلاماً فوق تلك المستويات، ومن مصدر القوة والاطمئنان قال: {فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}(40). وهذا.. ليس شيئاً جديداً في القرآن، طالما هو من خلق الله. فالبشر عجز عن تحدي أي شيء من خلق الله. وقد تحدى القرآن البشرية الجاحدة، في كل ما خلق الله، فعجزت عن رد تحديه؛ قائلاً: {هذا.. دونه؟!...}(41)؛ فعجزت أن تأتي بمثل شيء من خلق الله. وإن كان وقع التحدي في الكلام أعمق من وقعه فيما أنشأه الله من العدم، مهما صغر وتضاءل. لأن الناس يتكلمون بسهولة، وفيهم علماء يتكلمون في: العلم، والبلاغة، والشريعة، والموسيقى، وغيرها... مما يتوقع أن تكون عناصر إعجاز القرآن، ثم يعجزون عن الإتيان بسطر مما يشبه القرآن، وإن كان قصيراً بمقدار سورة (الكوثر)، فيشعرون بوقع هذا التحدي، وبمرارة هذا العجز. 4ـ اعتذر الذين جربوا تحدي القرآن وفشلوا، بأعذار لتغطية فشلهم: فقالوا: إن القرآن ليس فوق مستوى البشر، ولكن الله يصرف الأفكار عن الإتيان بمثله، مع قدرتها على الإتيان بمثله لو تركها وشأنها. وقالوا بعد ذلك: إن ترديد القرآن باستمرار، وفي مجالات كثيرة، مئات السنين؛ أضفى عليه روعة وهمية، تخيل للناس أنهم عاجزون عن الإتيان بمثله، وليسوا عاجزين. وقالوا أخيراً: إن المؤمن يتهيب محاولة تحدي القرآن، فلا يتحداه. وغير المؤمن لا يهمه تحديه، فلا يتفرغ له. وقالوا أقوالاً كثيرة، لا تزيد على تبريرات الفاشلين لحفظ ماء الوجه. فأولاً:ـ مهما كان السبب، فتحدي القرآن جميع النوابغ، مع وجود الحوافز الحيوية الملحة ـ باستمرار ـ لرد تحديه، وعدم رده؛ يكشف أنه من قبل الله، وليس من صياغة أحد البشر. ثانياً:ـ إن ادعاء أن الله يصرف الأفكار عن الإتيان بمثله، يؤكد كونه من قبله، لأن الله لا يتطوع لصرف الأفكار عن رد تحديات المتحدين. ـ بالإضافة إلى: أن القرآن لو لم يكن من قبل الله لكان باطلاً، والله لا يدافع عن الباطل، ولا يستر على الذين ينسبون إليه ما لم يصدر منه، بل عليه أن يفضحهم ـ بمقتضى قاعدة اللطف ـ. إلى جانب: أن أروع الكلام الذي صدر من البشر، ليس دون القرآن بدرجة أو بدرجات، حتى يبقى وقع للقول بأن الله يحجب البشر عن الوصول إلى مستوى القرآن؛ وإنما تختلف النوعية تماماً. ـ مع: أن الله ليس محدود المدى، حتى يتحدى البشر بما في طاقته، ثم يمنعه عن الإتيان بمثله؛ وإنما مداه مطلق وغير محدود. ـ مضافاً إلى ماسبق، من: أن كل ما خلقه الله فوق طاقة البشر، وليس القرآن وحده. ثالثاً:ـ إن محاولة تحدي القرآن بدأت مع بدء نزوله، فالنبي طرحه ـ أول ما طرحه ـ معجزة ودستوراً. رابعاً:ـ المؤمن يحاول تحدي القرآن، عندما يريد التأكد من صدق إيمانه. وغير المؤمن يهمه تحدي القرآن، كجزءٍ من الحرب المستمرة الشعواء ضد الإسلام. شيخ المسجد، ونجم السينما {وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رّزْقاً قَالُواْ هَـَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. (سورة البقرة: الآية 25) سؤال:ـ هل هؤلاء العجائز، المتكومون في زوايا المساجد، يدخلون الجنة، وأولئك الأبطال الذين موجوا الحياة، وأغنوها بالحيوية والنشاط، يدخلون النار؟؟!! جواب:ـ أولا:ـ إننا لا نملك توزيع الجنة والنار، وإنما هنالك حقائق تأخذ مجاريها الواقعية، رضينا أم أبينا: فكما أن حبات المطر، تأخذ مجاريها ـ الضيقة الملتوية ـ إلى البحر. وكما أن النباتات والحيوانات . تستريح ـ أخيراً ـ في التراب. كذلك: كل ما كان من أصل الجنة، ينتهي إلى الجنة ـ باختياره ـ. وما كان من أصل ناري، ينتهي إلى النار ـ باختياره ـ مهما كانت التوقعات. وقديماً: تدخلت الآراء الموضعية في مقاييس الحياة، حتى: {...قالوا: ...عظيم؟!}(42)، فتصدى لها القرآن: {أهم..الدنيا..}(43). ثانياً :ـ من الخطأ أن نخصص الجنة بالعجائز المتكومين في زوايا المساجد، ومن الظلم أن ندفع الأبطال الذين موجوا الحياة إلى النار. فالإسلام ما قال: (الجنة للعجائز، والأبطال للنار)، وإنما قال الله: {وابتغ ـ..الدنيا..}(44)، وقال النبي: «ليس منا من ترك آخرته لدنياه، وليس منا من ترك دنياه لآخرته»(45). فأراد السيف مع المصحف ، ووضع الفقه إلى جانب المتجر، وينى المسجد في جوار العمل. ثالثاً:ـ إن لكل مقصد إعداداً خاصاً يتناسب معه: فالإعداد لحلبة الملاكمة يختلف عن الإعداد لمنصة القضاء، والتهيؤ للكمالات الروحية يكون بشكل بعيد عن التهيؤ للأعمال الإرهابية، هكذا.. الترشيح للآخرة غير الترشيح للدنيا: فالمؤهلات والممارسات التي تؤدي إلى الشهرة والمنصب والمال؛ ليست هي ـ بالضرورة ـ ذات الممارسات التي تؤدي إلى الدرجات الرفيعة في الآخرة لأن الأعمال المادية تبقى في الدنيا، ولا تنتقل إلى الآخرة إلا الصفات المنعكسة على الروح من الأعمال المعنوية. فالشيء المناسب للجنة قد يتناسب الدنيا وقد لا يتناسبها، كما أن الشيء المتجانس مع النار ربما يتلاءم مع الدنيا، وربما لا يتلاءم معها. فليس المهم ما هو مقبول في الرؤية الدنيوية، وإنما المهم من هو منسجم مع الآخرة. فللدنيا مقايس إن لم تكن متنافرة مع مقاييس الآخرة فإنها ليست متطابقة معها، ولا شك: أن هنالك نقاط لقاء كالمزايا والخدمات الإنسانية: {..فمن يعمل...يره}(46)، ولا شك ـ أيضاً ـ أن هنالك نقاط فراق كالصفات والأعمال الأنانية: {تلك الدار...فسادا..}(47). وعندما نعلم: أن للآخرة مقاييس ليست متطابقة مع مقاييس الدنيا، نضطر إلى استعلامها عن الخبراء بها. والخبراء بالآخرة، هم: الأنبياء والأوصياء، الذين تطوعوا بشرح تلك المقاييس. ورغم أن البشر معقوف إلى الوراء، فلا يرى مستقبله إلا من خلال ماضيه: فالأطفال لا يستوعبون مرحلة الشبيبة، والشبيبة لا تتفهم الشيخوخة إلا من خلال مسبقاتها؛ مع هذا القصور، نستطيع استطلاع الآخرة ـ من خلال الأنبياء والاوصياء ـ إذا تحلينا بشيء من التجرد والتأمل. وقال الأنبياء والأوصياء: إن هذا النوع من الإعداد الفكري والعملي: (الإيمان والتقوى) هو الذي يهيىء للجنة، وأن النوع المعاكس من الإعداد الفكري والعملي: (الجحود والانفلات) يهيىء للنار. وعندما تنتقل القضية إلى مرحلة لا نعرف عنها شيئاً إلا من خلال الخبراء، لا بد أن نقف عند قولهم، ولكن قد يستحوذ حماس مراهقي على بعض الناس، فيشق عليهم أن يروا: شيخاً مسجدياً في الجنة، ونجماً سينمائياً في النار. الإيمان والعمل الصالح {وبشر الذين...خالدون}. (سورة البقرة: الآية 25) لا نجد آية في القرآن أشارت بالإيمان وحده. فكلما ذكرت نتائج الإيمان، كان مقروناً بالعمل الصالح، مما يؤكد أن الإيمان ـ وحده ـ لا ينتج :ـ 1ـ الإيمان ليس أكثر من قناعة علمية، فإذا لم تمارس تكون عديمة الجدوى. فجدوى القناعات العلمية بممارستها، وقديماً قيل: «علم بلا عمل، كشجر بلا ثمر»(48). 2ـ الإيمان، كطاقة، إذا لم تمارس تتضاءل تدريجياً، حتى تفقد حرارتها وحيويتها ـ كسائر الطاقات الفكرية والعضلية ـ، وحتى تعجز عن التحرك، فتكون كالعديمة بالفعل. 3ـ الإيمان الذي لا ينعكس على سلوك المؤمن، يشك في وجوده. فالأحرى أن يعتبر (مقدمات الإيمان) أو (تقليد إيمان). فليس من الطبيعي: أن يقتنع فرد بفائدة كبيرة من عمل ثم يتركه. أو يقتنع بخسارة فادحة من عمل، ثم يرتكبه. العدد(7) {هو الذي...عليم}. (سورة البقرة: الآية 29) يقال: لماذا السماوات سبع والأرضون سبع، والبحار سبعة، والأقاليم سبعة، وأيام الأسبوع سبعة، وأبواب جهنم سبعة، وعدد البروتينات الموجبة ـ في الذرة ـ غالباً سبعة؟.. هذا الكلام خاطىء علمياً والجواب: 1ـ ما من عدد إلا وتوجد به أشياء كثيرة، وخاصة: من واحد إلى عشرة. 2ـ يبدو من (علم الأعداد): أن الأعداد طاقات خاملة في الكون، وأن الأرقام أسماء لتلك الطاقات. ونتيجة لتفاعل هذه الطاقات مع بقية الطاقات الفاعلة في الكون؛ وجدت أشياء بعدد سبعة، كما وجدت أشياء أخرى بأعداد أخرى. المراد بـ(خليفة) {وإذ قال...تعلمون)،}. (سورة البقرة: الآية 30) يقولون: (خليفة)، تعني: خليفة من خلفائي، فاجعل في الأرض من يخلفني فيها. وهذا.. يدل على سمو مكانة البشر، حتى اعتبره الله ـ تعالى ـ خليفته، فيما لم يعبر عن أي خلق سواه بمثل هذا التعبير، حتى عن الملائكة الذين يمثلون معنويات السماء. ويمكن القول بأن الآية لا تمنح البشر لقب: (خليفة الله على الأرض):ـ 1ـ إن كلمة (خليفة) وردت منكرة، ولو كانت تعني خليفة الله، لوردت معرفة أو شبيهة بالمعرفة، فوردت: (إني جاعل في الأرض خليفتي)، أو (خليفة لي)، أو (خليفة من خلفائي) ـ على الأقل ـ. 2ـ إن الخلافة ـ على العموم ـ لا تتم لشخص إلا بأحد سببين:ـ الأول:ـ باستخلاف من له صلاحية الاستخلاف لقيام آخر بدوره، كلاً أو جزءاً. الثاني:ـ بانتهاء شخص وقيام آخر مقامه، لأداء دوره، كلاً أو جزءاً. والله ـ تعالى ـ لم يستخلف البشر للقيام بدوره أو بجزء من دوره. ولم ينته حتى يقوم البشر بدوره أو لا يقوم. على أن دور الله مختص بالله، وليس بإمكان أحد القيام بدوره، بل ليس بإمكان أحد القيام بأي شيء إلا بإقدار الله إياه على ذلك الشيء. 3ـ لو كانت هذه الآية وثيقة الاستخلاف، لدلت على استخلاف البشر، كل البشر. ولو كان البشر ـ كل البشر ـ خليفة الله، لتساءلنا: كل البشر خليفة الله على من؟ إذا لا يبقى أحد إلا وقد حمل لقب: (خليفة الله). ولو قيل: كل البشر خليفة الله على الكون ـ للتصرف فيما سمح له التصرف فيه من الكائنات ـ؛ لقلنا: إن الخلافة هي الولاية على البشر القاصر، أو على الأمور العامة المتعلقة بالكثيرين من مختلفي المصالح والاتجاهات، التي هي بمثابة القاصر، لأنها لا تتصرف تلقائياً بسبب الاختلاف عليها. والكون ليس قاصراً ولا بمثابة القاصر، لأن الله يصرفه بأكثر من وعي البشر ودقة البشر ـ بواسطة: {.. المدبرات أمراً}(49). بالإضافة إلى: أن هنالك فرقاً بين (الخلافة) و(الوصاية): فالخلافة تكون على البشر، والوصاية تكون على غير البشر، وإن كان من متعلقات البشر، كما في قوله تعالى: {يوصيكم...الأنثيين...}(50)، فكانت الوصاية على التراث لأولاد الميت. 4ـ ثم: أين صك استخلاف الله للبشر؟ إن الناس يختلفون حول خليفة أبسط الناس على القليل من ممتلكاته، والمسلمون اختلفوا ـ ولا يزالون ـ مختلفين حول خليفة رسول الله، فكيف بخليفة الله؟! 5ـ لو كان البشر ـ كل البشر ـ خليفة الله، لكان حتى الكافر المعاند المحارب لله ولرسله ولرسالاته؛ خليفة الله، بتنصيب من الله. فكيف يجب تقليص ظله وسلطانه، إذا كان خليفة الله؟! 6ـ لو كان البشر ـ كل البشر ـ خليفة الله، لما كان فضل للأنبياء والأئمة (ع) عندما يعتزون بأنهم خلفاء الله. 7ـ جواب الملائكة، يدل على أنهم لم يفهموا من (خليفة) خليفة الله. وإلا لما صح وصف خليفة الله بـ: {من يفسد فيها، ويسفك الدماء}(51)، ولو أرادوا أن يمانعوا خلقه لقالوا غير هذا القول. وإنما فهموا من: (خليفة)، خليفة من سبق آدم على الأرض. وحيث أن الخلق الذي سبق آدم على الأرض، كان يفسد فيها ويسفك الدماء، حتى استحق أن يقرضه الله؛ قاس الملائكة خليفته عليه، بأنه سيفسد فيها ويسفك الدماء كسلفه. فتفسير كلمة: (خليفة) بمفهومها العام ـ وهو من يخلف غيره ـ ربما يكون أقرب إلى ظاهر الآية. فقد كان على الأرض خلق انقرض نسله قبل أن يخلق الله آدم، فخلفه آدم على الأرض، فكان خليفته عفوياً، لأنه قام بدوره في الحياة على الأرض واستغلالها. الأسماء وآدم والملائكة {وعلم آدم...تكتمون؟!} (سورة البقرة: 31 ـ 33) فـ(الأسماء) هي القوى الأساسية الفاعلة، أما بقية الأشياء: فهي وليدة الأسماء. (كلها) أي: كل الأسماء الكونية، أما الأسماء الماورائية: فلم تعط كلها لآدم.. ولا للملائكة.. (ثم: عرضهم) لأنها عاقلة. فلم يحسن الملائكة التصرف بها، لأنها فوق مستواها، بينما أحسن آدم التصرف بها. دلالات الأحرف {وعلم آدم... تكتمون؟!} (سورة البقرة: 31 ـ 33) س: ـ ظاهر الآيات السابقة وهذه الآيات، توحي بأن الله وضع آدم والملائكة في امتحان، ثم أعطى لآدم مادة الامتحان ولم يعطها للملائكة، فسألهم جميعاً، فأجاب آدم ولم تجب الملائكة، فقال لهم: {إني أعلم ما لا تعلمون}(52). فكيف يمكن تبرير مثل هذا الامتحان؟ ج: ـ إن الأحرف المفردة أسماء للأحرف الواقعية، والأحرف الواقعية قوى فاعلة. والأحرف المركبة = الكلمات أسماء للأحرف المركبة الواقعية، وهي ـ بدورها ـ قوى فاعلة. ولكل حرف دلالة ذاتية، كما أن لكل عنصر من العناصر الكونية أثراً ذاتياً. ولكل وحدة حرفية معينة = كلمة، دلالة ذاتية خاصة، كما أن لكل وحدة عنصرية معينة = مخلوق، أثراً ذاتياً خاصاً. وعلم الله آدم والملائكة ـ معاً ـ دلالات الأسماء كلها، أي: الأحرف المفردة والمركبة، ثم عرض الخلائق على آدم والملائكة، وقال: {أنبئوني بأسماء هؤلاء}(53) الخلائق. فاستدل آدم بدلالات الأحرف والكلمات حتى طبقها على مسمياتها، ولم تستدل الملائكة بتلك الدلالات. فظهر أن آدم، بمقتضى تركيبة (السما ـ أرضية)، يمتاز بملكة الاستنباط، بينما الملائكة ـ بمقتضى فطرتهم البسيطة ـ لا يتمتعون بملكة الاستنباط. تلك الميزة، فضلت آدم على الملائكة. س:ـ كيف تكون للأحرف والكلمات دلالات ذاتية؟ ج:ـ كما لها آثار ذاتية، تظهر في: الأدعية، والأوراد، والسحر، والعبادات، والغناء، والموسيقى... وقد التقت الرسالات والعلوم، على آثار الأحرف والكلمات. وإذا كان العلماء لم يتبينوا ـ حتى اليوم ـ آثار الأحرف والكلمات، بوضوح يمكنهم من استخدامها؛ فإنهم ـ حتى اليوم ـ لم يتبينوا الطاقات المادية، المنتشرة في الأرض والفضاء، رغم أنها محسوسة، فما بالك بتبين آثار الأحرف والكلمات، التي هي من نوع الطاقات غير المحسوسة، وإن كانت تصبح مسموعة إذا صدرت بذبذبة معينة، ولكنها ـ في الأساس ـ ليست من المحسوسات، لأنها من الاجسام اللطيفة؟! |
|
(1) مجمع البيان ج1 ص112. (2) سورة مريم: آية 34. (3) سورة الإخلاص: آية 1. (4) من قصيدة الفرزدق، في مدح الإمام زين العابدين عليه السلام. (5) سورة البقرة: آية 2. (6) سورة البقرة: آية 2. (7) سورة البقرة: آية 2. (8) سورة مريم: آية 34. (9) سورة الأخلاص: آية 1. (10) سورة الأحزاب: آية 40. (11) سورة الجاثية: آية 23. (12) مجمع البيان تفسير القرآن ج7 ص157 ذيل تفسير آية «الذين هم في صلاتهم خاشعون» ط دار المعرفة بيروت. (13) سورة العنكبوت: آية 45. (14) سورة العنكبوت: آية 45. (15) سورة البقرة: آية 45. (16) سورة البقرة: آية 3. (17) سورة البقرة: آية 4. (18) سورة البقرة: آية 4. (19) سورة الزلزال: آية 6 ـ 8. (20) الوسائل ج14 الباب 3 من كتاب النكاح ص 10. (21) بحار الأنوار ج80 ص16. (22) سفينة البحار ج1 ص709 باب الشكر. (23) الوسائل ج3 الباب 30 من كتاب الصلاة. (24) بحار الأنوار ج84 ص265. (25) انظر نهج الفصاحة. (26) سورة البقرة: آية 8. (27) سورة النساء: آية 91. (28) سورة البقرة: آية 9. (29) سورة البقرة: آية 10. (30) سورة فصلت: آية 11. (31) سورة البقرة: آية 11. (32) سورة البقرة: آية 12. (33) سورة البقرة: آية 13. (34) سورة البقرة: آية 14. (35) سورة البقرة: آية 15. (36) سورة البقرة: آية 9. (37) سورة البقرة: آية 15. (38) سورة البقرة: آية 357. (39) سورة الحج: آية 38. (40) سورة البقرة: آية 23. (41) سورة لقمان: آية 11. (42) سورة الزخرف: آية 31. (43) سورة الزخرف: آية 32. (44) سورة القصص: آية 77. (45) وسائل الشيعة ج12 ص49 باب عدم جواز ترك الدنيا. (46) سورة الزلزلة: آية 7. (47) سورة القصص: آية 83. (48) غرر الحكم ودرر الكلم. (49) سورة النازعات: آية 5. (50) سورة النساء: آية 11. (51) سورة البقرة: آية 30. (52) سورة البقرة: آية 31. (53) سورة البقرة: آية 31. |
| يتبع |