الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

أنا على الحق

روى حبة العرني قال: كنت عند عمار حين استشهد، فصاح: إن هذا اليوم هو آخر أيامي من الدنيا.

فجيء إليه بشراب من لبن..

فقال: اليوم ألقي الأحبة محمدا وحزبه، والله لو ضربونا حتى بلغنا سعفات (هجر) لعلمنا أننا على الحق، وهم ـ معاوية وأتباعه ـ على الباطل، ثم استشهد عن عمر ناهز الـ 94 عاما.

الزرقاء ومعاوية

كان معاوية جالسا في إحدى الليالي مع عمرو بن العاص، وسعيد، وعتبة، فتذاكروا الزرقاء بنت عدي بن غالب مع قومها، وحضورهم في معركة صفين.

فقال معاوية: من يتذكر منكم كلامها؟

فقال بعضهم: أنا أتذكر ذلك.

فقال له معاوية: قل لي: ما الذي أفعله معها؟

قال: أقتلها.

قال معاوية: بئس ما أشرت به علي، تريد مني أن أقتلها، حتى يقول الناس، إن معاوية بعد انتصاره قد قتل امرأة؟!

فكتب معاوية إلى عامله في الكوفة: ابعث لي بالزرقاء بصحبة محارمها، واعرف لها قدرها ومكانتها.

فلما وصلت الزرقاء إلى الشام، دخلت على معاوية، فرحب بها، وأكرم مجيئها، وعظم مقامها، واخذ يسألها، فقال: كيف كان سفرك.؟

قالت الزرقاء،: بخير، مثل بيتي، وكأنني طفل في المهد.

فقال معاوية: أنا الذي أمرت بهذا.

ثم قال لها: أتدرين لم أحضرتك؟

قالت: ومن أين لي العلم به؟

فقال معاوية: ألم تكوني في صفين راكبة الجمل ذو الشعر الأحمر، وقد وقفت بين الصفين، وتحركين الناس علي، وأنك أشعلت نار الحرب؟

لماذا فعلت ذلك؟

فقالت الزرقاء: مات قائدنا علي (عليه السلام) وذهب طاهراً مطهرا، ولم يرجع أبدا، والدهر دائما في تغيير وتبديل.

فقال معاوية: أتتذكرين ما قلتيه في صفين؟

قالت: لا، والله لقد نسيته.

فقال معاوية: ولكني أتذكر ما قلتيه، وهو : أيها الناس ! راعوا الحق واتبعوه، لأن الفتنة قد أحيطت بكم، لتخرجكم عن الطريق السوي، فتنة عمياء صماء خرساء، تدعوكم إليها وتصم مسامعكم، ولم تطع قائدها، فلا ضياء للفانوس في مقابل الشمس، ولا نور للنجوم مع وجود القمر، ولا يأخذ الحديد غير الحديد، وكل من يريد الدليل فسوف ندله، وكل من يسألنا شيئاً نجيبه.

أيها الناس! هذا هو اليوم الذي تطلبون فيه حقكم الضائع، يا معشر المهاجرين والأنصار ! اصبروا على الغصص، حتى تبدل الفرقة بالاجتماع، ويلتئم الكلام العدل، ويزهق الحق الباطل، واعلموا أن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدم، اليوم له غد وعاقبة الصبر أفضل من كل شيء.

ثم قال لها معاوية: والله، يا زرقاء ! أنت شريكة علي (عليه السلام) في هدر هذه الدماء التي أراقها.

فقالت الزرقاء: سلمك الله على ما بشرتني به، ومن مثلك يكون يبشر بالخير، ويفرح جليسه.

فقال معاوية: أيكون سرورك وفرحك بأن تكوني شريكة مع علي بإراقة الدماء!!

قالت: والله، ما سرني مثل هذا الخبر.

فقال معاوية: إن وفاءك لعلي بعد وفاته لأعجب من وفائك إياه في حياته، اذكري حاجتك.

قالت: إني أقسمت على نفسي أن لا آخذ شيئا من أحد، كنت قد حرضت عليه، ولكن من هو في مثل مقامك، ينبغي له الإعطاء دون السؤال.

أقول: أمثال هذه الأعمال من معاوية كانت لأجل إمالة القلوب إلى نفسه، لكنه لم يتمكن كما هو مذكور في التواريخ.

أروى بنت عبد المطلب

دخلت أروى بنت عبد المطلب، وكانت امرأة طاعنة في السن، يوما على معاوية، فلما رآها معاوية قال: مرحبا بك يا عمة! كيف حالك بعدنا؟

قالت: يابن أخي! كفرت بالنعمة، وجاريت ابن عمك، وسميت بغير اسمك ـ أمير المؤمنين ـ وأخذت غير حقك، دون أن يكون لك ولآبائك عملا يذكر، ولم يكن لكم سابقة في الإسلام، وبعد هذا فقد كفرت برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأهدر الله دماءكم، وذلل وجوهكم، فارجع الحق إلى أهله، وإن كان ذلك لا يرضي المشركين، فكلمتنا هي العليا، ونبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الغالب.

تآمرت علينا بعد نبيك (صلى الله عليه وآله وسلم)، واحتجت على الناس بقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أناّ أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمس به رحماً والأنسب لخلافة المسلمين، ونحن بينكم كبني إسرائيل عند الفراعنة، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمنزلة هارون من موسى، وآخر مقامنا هو الجنة، وآخر منزل تنزلونه هو النار.

فقال عمرو بن العاص: اسكتي أيتها العجوز الضالة! إنه لا عقل لك، ولم نقبل شهادتك.

فقالت له: أنت الذي تتكلم يا بن النابعة؟ وأمك المشهورة بالزنا يعرفها أهل مكة، وكانت تتقاضى أجرا كبيرا، تخاصم فيك خمسة وكل منهم يدعي أبوتك، فقالت أمك: زنوا بي خمستهم، وسألحقه بمن هو أكثر به شبهاً، ولما أشبهت العاص بن وائل ألحقتك أمك به.

فقال مروان: اسكتي أيتها العجوز! واذكري حاجتك؟

فقالت له: يا بن الغمازة! أنت الذي تكلمني؟.

ثم التفتت إلى معاوية وقالت: أنت الذي جرأتهم بالكلام، إن أمك هند كانت تقول عند قتل حمزة:

نحن جزيناكم بيوم بـــــدر والحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان لي من عتبة من صبروشكر وحشي علي دهــــري

فقالت ابنة عمي في جوابها:

  خزيت في بدر وغير بدر يا بنت جبار عظيم الكفر

فقال معاوية: لقد عفا الله عّما سلف، اذكري حاجتك يا عمة!.

قالت: لا حاجة لي عندك.

ايها الملك

روي أن سعد بن أبي وقاص دخل على معاوية فقال: السلام عليك ، أيها الملك!.

 فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت: يا أمير المؤمنين!.

فقال: أتقولها جذلان ضاحكاً؟ والله، ما أحب أني وليتها بما وليتها به.

` وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: وفدت مع أبي إلى معاوية، أوفدنا إليه زياد، فدخلنا على معاوية، فقال: حدثنا يا أبا بكرة؟.

فقال: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: الخلافة ثلاثون، ثم يكون الملك(1).

` وعن عمار بن ياسر قال: إذا رأيتم الشام اجتمع أمرها على ابن أبي سفيان فألحقوا بمكة.

وبلغ المغيرة بن شعبة: أن معين بن عبد الله يريد الخروج، فأرسل إليه وعنده جماعة فأخذ وحبس، وبعث المغيرة إلى معاوية يخبره بأمره، فكتب إليه: إن شهد أني خليفة فخل سبيله.

فأحضره المغيرة فقال: أتشهد أن معاوية خليفة، وأنه أمير المؤمنين.

فقال: أشهد أن الله عزوجل حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فأمر به فقتل.

عبد الله بن بديل الخزاعي

قال الشعبي: كان عبد الله بن بديل الخزاعي وهو من أصحاب علي (عليه السلام) في معركة صفين، متقلدا سيفين ودرعين، ففرق اهل الشام بسيفه وحمل عليهم حتى وصل قريبا من خيمة معاوية.

فأبلغ معاوية حبيب بن مسلمة الفهري بأن يحمل بكامل جنده على عبد الله.

فتشابكت ميسرة أهل الشام بقيادة حبيب بن مسلمة مع ميمنة أهل العراق، فحمل عبد الله حملة على خيمة معاوية حتى اقترب منها، مما اضطر معاوية أن يتحرك من مكانه إلى الخلف، وصاح بأعلى صوته، (يا لثارات عثمان)! فظن معاوية وأتباعه أنه يريد عثمان بن عفان، في حين أن كان يقصد أخاه عثمان الذي استشهد.

وكان عبد الله بن بديل قد صمم على قتل معاوية، فصاح معاوية بأهل الشام: ويحكم ارموه بالحجارة، فأخذ أهل الشام يرمونه بالسهام وبالحجارة من كل جانب، حتى أصيب بجراحات بالغة في جسمه،ولم يستطع الوقوف فسقط على أثرها.

فجاء معاوية مع عبد الله بن عامر وكان ابن عامر صديقاً لابن بديل من قبل، فوقفا على نعش ابن بديل، فنزع ابن عامر عمامته من رأسه ووضعها على جنازة ابن بديل، وترحم عليه.

فقال معاوية: اكشف لي عن وجهه.

فقال ابن عامر، والله، لا أتركك لتجعله مثلة، ما دامت لي روح في بدني.

فلما كشف ابن عامر عن وجه ابن بديل، قال  معاوية: والله، إن هذا لصنديد وكبش قومه.

` عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي: من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورئيس قبيلة خزاعة، أسلم قبل فتح مكة، وشارك في غزوة فتح مكة وحنين والطائف، ثم كان من فضلاء أصحاب علي (عليه السلام) واستشهد وأخوه عبد الرحمن في معركة صفين.

عباس بن ربيعة في صفين

روى أبو الأغر التميمي قال: رأيت عباس بن ربيعة في حرب صفين، وقد ملأ نفسه بالسلاح، فعلى رأسه قناع، وكان في يده سيف يماني، وقد ركب فرسا أصيلة سوداء، عيناها كعيني الأفعى تضيء.

 فصاح به رجل من  أهل الشام يدعى (عرار) فقال: هلم إلي يا عباس لنتبارز.

فقال له عباس: فلننزل عن فرسينا، فشد عباس شيئا من ثوبه على ظهره شدا محكماً، وأعطى فرسه لغلامه.

فحمل كلاهما كل على الآخر بالسيف، ولم يستطع كل منهما أن يوقع إصابة بالآخر، حتى رأى العباس أن أزرار ـ الدكمة ـ الرجل الشامي مشقوق قليلا، فمد يده إليه وجذبه حتى مزّقه الى الصدر، ثم رجع فضربه على صدره ضربة هشم أضلاعه، فسقط الشامي إلى الأرض، فهزت أصوات التكبير من العسكرين الأرض.

قال أبـــــو الأغر: فسمعت ورائــــي صوتا يقول: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)(2).

فالتفت إليه فإذا أنا بأميرالمؤمنين(عليه السلام) يقول: يا أبا الأغر! من هذا الذي يقاتل عدونا؟.

قلت: عباس بن ربيعة.

فأحضر الإمام (عليه السلام) عباس بن ربيعة وقال له: ألم أقل لك وللحسن والحسين وعبد الله بن جعفر: أن لا تتركوا مكانكم، ولا تباشروا القتال.

فقال عباس: يا أمير المؤمنين أيطلبوني للمبارزة ولا أجيبهم؟.

قال (عليه السلام): نعم إطاعة الإمام أفضل، يريد معاوية أن لا يبقى أحد من بني هاشم حيا، ويحب أن يطفئ نور الله ويحرق قلوبهم.

فلما علم معاوية ما جرى، قال: هل من رجل يأخذ بدم عرار؟ فتهيأ رجلان من قبيلة لخم.

فقال لهما معاوية: كل من قتل عباسا فله عندي جائزة كبيرة، فجاء الرجلان إلى الميدان وطلبا عباسا للمبارزة.

فقال لهما عباس: ينبغي علي أن أستأذن إمامي.

فلما جاء إلى الإمام (عليه السلام) وأعلمه بالذي حصل.

قال له الإمام (عليه السلام): أعرني وسائل حربك.

فلما لبس الإمام (عليه السلام) لباس عباس، ركب فرسه، وذهب بنفسه إلى الميدان، فظن الرجلان الشاميان أنه عباس.

فقالا له: هل سمح لك إمامك؟.

فقرأ (عليه السلام) هذه الآية: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير)(3).

فحمل أحدهما على الإمام (عليه السلام) فلم يمهل، فحمل الآخر، فألحقه الإمام (عليه السلام) برفيقه، ثم رجع (عليه السلام) في الميدان، وهو يتلو قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص)(4).

ما منعك من نصر الخليفة؟

كان أبو الطفيل عامر بن وائلة رجلا فاضلا عاقلا، من شيعة علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، دخل يوما على معاوية، فسأله معاوية: كيف حزنك عل فراق صاحبك ومولاك أبي الحسن؟

قال: كحزن أم موسى على موسى، وعذري إلى الله فيما قصرت به عنه.

فقال معاوية: ألست ممن حاصر عثمان؟ وأعان عليه؟

قال: لا، ولكني ممن حضره ولم أنصره.

قال معاوية: وما منعك من نصره؟

قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار.

فقال معاوية: أما لقد كان حقه واجبا عليهم أن ينصروه!.

قال أبو الطفيل فما منعك من نصره، ومعك أهل الشام؟.

فقال معاوية: أما طلبي بدمه نصرة له.

فضحك أبو الطفيل، ثم قال: أنت وعثمان كما قال الشاعر:

لا ألفينك بعد الموت تندبني        وفي حياتي مـــا زودتني زاداً

` أبو الطفيل عامر بن وائلة الليثي: ولد في سنة معركة أحد، وأدرك ثمان سنين من حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد أن بلغ الحلم أقام في الكوفة واختارها مسكنا، وكان من خلص أصحاب علي (عليه السلام)، وشارك مع الإمام (عليه السلام) في جميع حروبه، توفي سنة 110 هـ، وكان آخر الصحابة موتا.

كلمة حق عند سلطان جائر

وقعت محاورة لجارية بن قدامة مع معاوية، كما أخرجها ابن عساكر في ( تاريخ الشام) عن الفضل بن سويد، قال: وفد جارية بن قدامة على معاوية، فقال له معاوية: إن الساعي مع علي بن أبي طالب، والموقد النار في شيعتك تجوس قرى عربية تسفك دماءهم.

قال جارية: يا معاوية! دع عنك عليا، فما أبغضنا عليا منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه.

قال: ويحك، يا جارية! ما كان اهونك على أهلك إذ سموك جارية!

قال: أنت يا معاوية! أهون على أهلك إذ سموك معاوية.

قال معاوية: لا أم لك!. قال جارية: أمّ ما ولدتني، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا. قال: لتهددني؟

قال: إنك لم تملكنا قسرة، ولم تفتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهودا ومواثيق، فان وفيت لنا وفينا، وإن ترغب إلى غير ذلك، فقد تركنا وراءنا رجالاً مداداً، وأدرعاً شداداً، والسنة حداداً، فان بسطت إلينا فترا من غدر، دلفنا إليك بباع من ختر؟.

قال معاوية: لا كثر الله في الناس أمثالك.

شجاعة ابن عباس

وفي أحد الأيام دخل معاوية مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلس مع عدد من الجالسين فقاموا له احتراما، إلا ما كان من عبد الله بن عباس، فلم يقم له ولا يهش لأجله.

فقال معاوية: يا بن عباس، أنا أعرف سبب عدم قيامك لي والترحيب بي كما فعل الآخرون وذلك لما كان بيننا يوم صفين، وينبغي لك أن لا تؤاخذني بذلك، إن ابن عمي عثمان قد قتل بغير حق ولذا حاربت في صفين.

فقال ابن عباس: إن عمر بن الخطاب قد قتل أيضا بغير حق، فلم لم تطالب بدمه؟.

فقال معاوية: كان قاتل عمر كافرا.

فقال ابن عباس: فماذا كان قاتل عثمان؟

فقال معاوية: قتله المسلمون.

فقال ابن عباس: وهذا دليل يبطل ادعاءك ويدل على أنك على غير حق لأن اجتماع المسلمين على قتل أحد يدل على عدم حرمته.

فقال معاوية: كتبنا إلى الآفاق أن لا يجيزوا لأحد من ذكر فضائل علي وأهل بيته، وأحذر لسانك يا بن عباس، وإياك تتحدث بفضائل علي.

فقال ابن عباس: فهل تمنعنا من تلاوة القرآن؟

قال معاوية: لا.

فقال ابن عباس: فهل تمنعنا من تفسير القرآن وتأويله؟

فقال معاوية: نعم.

فقال ابن عباس: نتلو القرآن، ولم نتدبر آياته فهل ان تلاوة القرآن أوجب من العمل به؟

قال معاوية: العمل بأوامر القرآن أوجب.

فقال ابن عباس: إذا لم ندر ما يريده الله، فكيف نعمل بأوامر القرآن.

فقال معاوية: فسّر القرآن كما يفسره الآخرون، لا كما تفسره أنت ويفسره أهل بيتك.

فقال ابن عباس: نزل القرآن في بيتنا لا في بيت أبي سفيان، فهل تنهانا يا معاوية أن نعلّم عباد الله العمل بأوامر القرآن، وحلاله وحرامه؟ فإذا لم تسأل الأمة عن معاني القرآن ولم تتعلم، فيكن مصيرها الضياع والهلاك.

فقال معاوية: اقرأ القرآن، وعلّم الناس التفسير، وانقله إليهم، ولكن لا تنقل إليهم ما أنزل الله فيكم بني هاشم.

فقال ابن عباس: قال الله تعالى: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)(5).

فقال معاوية: اغتنم حياتك، وإياك أن تحدث بفضائل أهل بيتك، ثم دخل معاوية المنزل، ثم أمر المنادين أن ينادوا أن برئت الذمة ممن روى شيئاً في فضائل علي وأهل بيته.

الدفاع عن مولاه

كان الوليد بن جابر الطائي من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد ارتحال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، من هذه الدنيا، اختص بعلي (عليه السلام)، وكان من أصحابه ورجاله المعروفين في معركة صفين.

وبعد أن استشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل على معاوية في جمع من الناس، فسأل معاوية أحوالهم واحدا واحدا، فلما وصلت النوبة إلى الوليد سأله معاوية، إلا أن الوليد لم يفصح عن حاله.

فقال له معاوية: ألم تكن صاحب ليلة الهرير وكنت ترتجز بأعلى صوتك فتقول:

شدوا فداء لكم أمــــــي وأب                  فإنما الأمر غداً لمن غلــــب

هذا ابن عم المصطفى والمنتخب       تنميه للعلياء سادات العرب

ليس بموصوم إذا نص النســب        أول من صلى وصام واقترب

فقال الوليد: نعم، أنا كنت، وقلت هذا.

فقال له معاوية: لم قلت هذا؟

قال: لأننا كنا عند رجل قد اجتمعت فيه خصال الخلافة وكل الفضائل العظيمة: فهو أول من أسلم، وأكثر الناس علماً، وأعظمهم حلماً، وأطيبهم ذكراً، لم يدانيه أحد، أنار سبيل الهداية، فلم ينطفئ نوره، وكان رائداً للعدالة، فلن تندرس آثاره، فابتلانا الله بفراقه، واستقرت الخلافة لغيره، والآن دخلنا في جماعة المسلمين، فلا شققنا عصى الطاعة، ولم نفرق جماعة فظاهر ما هو من الأعمال بيدكم، واختيار القلوب إنما هو بيد الله فانس ما ظهر منا، واعف عما أصابك منا، حتى لا تشتعل نار الفتنة.

فقال معاوية: يا خاطئ! أتخوفني بأوباش العراق، أهل النفاق، ومعدن الشقاق؟

فقال الوليد: هم هؤلاء الذين أرادوا أن يقضوا عليك عطشاً، وجسوك عن الماء، ومنعوك من منتصف الطريق، حتى التجأت إلى المصاحف تدعوهم إلى الاحتكام إلى كتاب الله، فصدقوك، في حين أنك تكذبهم، وكانوا مؤمنين بنزوله، وكنت كافرا به ومنكرا لتأويله.

فلما سمع معاوية هذه من الوليد، أصيب بفلج الحجّة وقوة المحجة، فهدده، ـ كما هو عمل العاجزين على الرد المنطقي ـ بقوله: إيه، أيها المسكين إن هذا آخر كلام لك، وفي هذه الأثناء دخل عقير بن ذي يزن المجلس، وبتدبير حكيم خلص الوليد.

` ليلة الهرير: هي إحدى ليالي حرب صفين، استمر الحرب فيها من العصر وحتى صباح غد، ولم يسمع فيها إلا زمجرة السلاح، وصياح الرجال، وزفير الخيول، وأنين المجروحين، وأبدى أصحاب علي (عليه السلام) في تلك الليلة مقاومة باسلة وشجاعة فائقة لقتل معاوية، ولكن كان أمر الله قدراً مقدراً يريد ابتلاءهم. قال تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)(6).

مقتل حجر بن عدي

في سنة 51هـ، وبأمر من معاوية قُتل حجر بن عدي والثلاثة عشر من أصحابه صبرا بمرج عذراء(7).

قال حجر: اتركوني أتوضأ وأصلي، فإني ما توضأت ولا صليت، ولولا أن تظنوا فيّ جزعا من الموت لاستكثرت منها.

قالوا: لقد طالت صلاتك خوفا من الموت.

قال: لم أصل صلاة خفيفة مثل هذه.

ولما حضر الجلاد ليقتله ورفع السيف، وجيء بالكفن، وحفر القبر، قيل لحجر: قدم عنقك.

فقال: لا أساعدكم على إراقة دمي.

وقد قتل معاوية حجراً وأصحابه، وهم من خيرة أصحاب علي  (عليه السلام): شريك بن شداد الحضرمي، وصفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن صنبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي التميمي، وكدام بن حيان العنزي، وعبد الرحمن بن حسان العنزي، و…و…

وقد سمع علي بن أبي طالب  (عليه السلام) يقول : ( يا أهل العراق! سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود)(8) فقتل حجر وأصحابه.

` وكان حجر من فضلاء الصحابة، وكان على كندة يوم صفين، وعلى الميسرة يوم النهروان، ولما ولى معاوية زيادا العراق وما وراءها، وأظهر من الغلظة وسوء السيرة ما أظهر، خلعه حجر، وكتب فيه زياد إلى معاوية، فأمر أن يبعث به إليه، فبعثه مع وائل بن حجر الحضرمي في اثني عشر رجلا كلهم في الحديد، فقتلهم معاوية.

ولما حضرت معاوية الوفاة، جعل يقول: يومي منك يا حجر طويل.

وقيل: إن معاوية أول من قتل مسلماً صبراً: حجراً وأصحابه.

 

1 ـ ولا يخفى ان الحديث الصحيح المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الفريقين هو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يكون بعدي اثنا عشر خليفة) راجع مسند احمد، الحديث رقم 19944 . والخصال ص 472 ح26 فصل الخلفاء والأئمة بعد النبي (صلى الله عليه واله وسلم) اثني عشر وقد صرح رسول الله بان اولهم علي بن ابي طالب وآخرهم المهدى (عج) .

2 ـ سورة التوبة : 14 .

3 ـ سورة الحج : 39 .

4 ـ سورة البقرة : 194 .

5 ـ سورة الصف : 8 .

6 ـ سورة العنكبوت : 2 .

7 ـ تبعد عن مدينة دمشق عشرون كيلومتراً تقريباً .

8 ـ المناقب ج2 ص272 فصل في أخباره (عليه السلام) بالمنايا والبلايا، وشبهه في أعلام الورى ص33 .