| المؤلفات |
مقوّمات تطبيق القانون |
الدين والأخلاق لهما معنى عام يشمل كل جوانب الحياة، قال سبحانه: (ذلك الدين القيّم)(1). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّما بُعِثتُ لاُتمِّم مكارم الأخلاق»(2) وغير ذلك. ولهما معنى خاص فيراد بالدين: العقائد وما أشبه، وبالأخلاق: الفضائل الأخلاقية كالسلام والتواضع واحترام الناس وما أشبه. وكلا الأمرين وإن كان لهما جزاء دنيوي واُخروي، إلا ان الكلام - فعلاً - في القانون الذي يكون مخالفه معاقباً بنوع من العقوبات التي قرّرت في الشريعة - أو في أيّ مقام آخر عند من لا يعترف بالشريعة -. سواء كان عقوبة بدنية: كالحد والتعزير. أم عقوبة تحديدية: كالسجن، والمنع عن الخروج من البلد، والمقاطعة الإجتماعية. أم عقوبة مالية: كالديات وسائر الغرامات. أم عقوبة معنويّة: كالحرمان عن التصويت، أو من انتمائه كعضو في المجلس البلدي أو مجلس الاُمّة ـ مثلاً ـ. أم عقوبات اُخر كالمنع عن السياقة، وما أشبه ذلك. فإن القانون إذا لم يكن وراءَهُ رادع لم يمكن تطبيقه في الخارج، فتضيع المصلحة التي وضع القانون من أجلها. لا يقال: الترغيب كاف في التطبيق. لأنّه يقال: ليس للترغيب مفعول الردع في تطبيق القانون، ولذا نشاهد ان أكثر الذين يصلّون الصلوات الخمس لا يصلّون صلاة اللّيل مع ما فيها من الثواب العظيم، بل احياناً يكون ثواب الواجب أقلّ من المستحبّ بمراتب، ومع ذلك فإن الناس يأتون بالواجب ولا يأتون بالمستحبّ مثل ثواب السلام المستحبّ، وثواب الجواب الواجب، فإن الثاني أقلّ من الأول عشرات المرّات، ومع ذلك فإن الناس يتقيَّدون بالجواب، ولا يتقيّدون بالسلام. لكن لا يخفى: ان الردع المترتّب على ترك القانون ليس هو المحرّك الوحيد إلى الإلتزام بالقانون - خصوصاً في السرّ- بل اللازم تزامن القانون مع العوامل النفسية والإجتماعية والحقوقية وما أشبه. إذن: فإن اللازم لتطبيق القانون احتفافه بالترغيب والثواب من جهة، والردع والعقاب من جهة اُخرى. ولقد كان السرّ في نجاح الإسلام هذا النجاح الهائل الذي دفع الناس إلى الأمام، هو: انه جعل لقوانينه احترام الثواب - بالإضافة إلى التخويف من العقاب في تركها - وجعل لها أيضاً احترام الواقعية حيث أرى الناس فوائد القوانين التي شرَّعها لهم، مثل: فائدة النظافة، والنظام، والإلتزام بالعهد، والصدق، والأمانة، والنشاط، والإستقامة، وما أشبه، كما وجعل أيضاً احترام رضى اللّه سبحانه، قال تعالى: (ورضوان من اللّه أكبر)(3). ولذا فشلت المادية مع كل بريقها الخلاّب إذ لم يكن لقوانينها تلك الإحترامات، بل بالعكس فكلّما تقدّمت المادية، كثر الفوضى والإجرام والتمرّد على القانون، وانتهاك الحقوق، وذلك لأنه لم يقترن القانون الوضعي مع السموّ الروحي، والملكات الأخلاقية، والخوف من اللّه سبحانه، والحبّ له تعالى «فإنّ المحبّ لمن يحب مطيع»(4). |
بين الدين والقانون والأخلاق |
ثم انك قد عرفت ممّا تقدّم: ان بين الدين وبين القانون والأخلاق عموماً مطلقاً، إذ كلّما كان أخلاق أو قانون كان الدين وليس العكس - على ما نراه من الإسلام الذي هو دين يستوعب الحياة - فالعقيدة بالمعاد دين وليس بأحدهما، بينما التواضع وقانون الأحوال الشخصية دين كلاهما. والغالب ان الأخلاق بالمعنى الأخص عبارة عن قواعد أدبيّة له جزاء التأنيب من النفس ومن المجتمع، وإن لم يكن فعله محرَّماً، ولا عليه عقاب في الآخرة، فإنّ من لم يسلّم على الناس مثلاً فقد ارتكب ما يخالف الأخلاق وكثيراً ما يؤنّبه ضميره والمجتمع، لكن ليس له جزاء العقوبة في الدنيا ولا في الآخرة. والأخلاق ربما يكون ظاهراً وحسناً كالتواضع، أو ظاهراً وسيّئاً ككثرة الأكل، وربما يكون باطناً وحسناً كحسن النيّة وحسن الظن بالآخرين، وربما يكون باطناً وسيّئاً كسوء النيّة والحسد ما لم يظهر بيد أو لسان، علماً بأنّ النيّة السيّئة كما في القرآن الحكيم لا عقاب عليها في الآخرة وإن كان يحاسب الإنسان بها، أما النية الحسنة فيثاب عليها في الآخرة، كما في النصوص. نعم، قال سبحانه: (لا تحسبنّ الذين يفرحون بما أتوا، ويحبّون أن يُحمَدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنَّهم بمفازة من العذاب)(5). وفي آية اُخرى: (إنَّ اللّه لا يحبّ الفرحين)(6) وحيث ان تفصيل الكلام في ذلك خارج عن مقصود البحث فنوكله إلى مظانّه من الاُصول والأخلاق. |
نيّة الحرام |
أما نية ما هو حرام قانوناً كنيّة القتل والزنا فبنفسها ليست حراماً وليس لها العقاب، وإن كان لها قبح فاعلي، إلاّ إذ قورنت بالفعل، فإنّ الفعل حينئذ يكون العقاب عليه مضاعفاً، وذلك للفرق بين من يقتل ناوياً القتل، وبين من يقع القتل منه ناوياً الصفع الحرام، فإن الأول يقادُ منه، بخلاف الثاني حيث يعزّر - أي يؤدّب فقط - وتكون الدية جزاء قتله. وكذلك الحال في الفرق بين من يزني ناوياً الزنا حيث يجلد أو يرجم - حسب المقرَّر في فقه الإسلام - وبين من يلامس المرأة المحرّمة بموضعه من دون قصد الدخول إطلاقاً، فدخل من غير اختياره، حيث يعزّر للملامسة المقصودة، وليس عليه الحدّ المقرَّر للزنا، إلى غير ذلك من الأمثلة. أمّا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «انّما الأعمال بالنيّات»(7) فهو فيما عمل عن نيّة، لا ما إذا كانت نيّة من دون عمل، وفيما كانت النيّة تؤثر في توجيه العمل، فتطهير النجس مثلاً لا توجِّهه النيّة، وكذلك تنجيس الطاهر، فمن أخذ يده النجسة تحت الماء تطهّرت بأيّة نيّة أخذها تحته، ومن وضع يده على البول تنجّست بأيّة نيّة وضعها عليه. أما من صلّى ركعتين صباحاً فإن قصد بها النافلة لم يؤدّ الفريضة، وإن قصد بها الفريضة فقد أدّاها وبرئت ذمّته، وهكذا من كان عليه صوم يوم نذراً، وصوم يوم اجارة، أو دينار خُمساً ودينار نذراً، إلى غيرها من الأمثلة. وأمّا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «نيّة المؤمن خير من عمله»(8) فالمراد: ان النيّة هي القائد والعمل هو الجندي، إذ كل انسان يوجّهه نيّته إلى حيث الخير أو الشرّ، أو الأفضل أو الأسوء، ومن الواضح: ان القائد أعلى منزلة من الجندي. وفي الحديثين تفصيل مذكور في كتب الحديث والأخلاق. ومما تقدّم تبيّن: ان الفعل قد يكون بلا لون وانما يلوّنه النية خيراً أو شرّاً، أو لا أحدهما كما إذا تقارن مجيء عالم واجب الإحترام مع قيام زيدٍ، فإنه إن نوى بقيامه الإستهزاء به أو احترامه، كان قيامه خيراً أو شرّاً، وإن نوى أن يأخذ شيئاً من الدَّف لم يكن أحدهما. |
الرضا بفعل الغير |
بقي شيء في هذا السياق، وهو الرضا بفعل انسان فعل خيراً أو شرّاً، وهناك تفصيل ذكرناه في كتاب الاُصول، ومن قبله ذكره الشيخ المرتضى في التقريرات، لكن لا عقاب عليه قانوناً ـ في سيّئه ـ كما إذا رضي بقتل زيد من دون أن يكون له أيّة مدخليّة فيه، وإن كان عليه العقاب إن كان مربوطاً باُصول الدين، ولذا ورد: «ولعن اللّه اُمّة سمعت بذلك فرضيت به»(9) وفي القرآن الحكيم: (فعقروها فدمدم عليهم)(10) حيث جاء في التفسير: انهم برضاهم عمهم العصيان فعّمهم العقاب. |
بين أهل الكتاب وغيرهم |
وقد ذكرنا في بعض الكتب الفقهية: استظهار عدم الفرق في ذلك بين أهل الكتاب وغير أهل الكتاب، والذي اشتهر بين الفقهاء: من تخيير أهل الكتاب بين ثلاثة اُمور، أو غيرهم بين أمرين، خـلاف ما يظـهر من سـيرة الرســول صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام. وعلى هذا فيؤخذ من الكفار غير أهل الكتاب الجزية أيضاً ويتركون وشأنهم ويلزمون بما التزموا به. كما انه ذكرنا هناك: ان قول بعض الفقهاء: من الزامهم باعطاء الزكاة خلاف ظواهر الأدلّة، بل عليهم اداء الجزية فقط. |
المسلم وتنفيذ القانون الوضعي |
وبما تقدم ظهر: انه لا يحق للدولة الإسلامية جعل قوانين تفرّق بين المسلمين للغة أو مذهب أو حدّ جغرافي أو عِرق أو ما اشبه ذلك، كما هي العادة في البلاد الحالية التي يحكمها اناس مسلمون باسم الإسلام أو بسائر الأسامي، حيث انها بلاد قومية وان كان الحاكم يسميها إسلامياً. واللازم على المسلمين خرق هذه الفوارق بعدم الإطاعة، فانه لا طاعة للحاكم الجائر، كما لا طاعة للحكم غير الإسلامي، وانما الواجب على المسلم أن يطبق احكام الشريعة، فإذا قال الحاكم ـ مثلاً ـ لا حق للباكستاني في العراق من شراء الأرض، أو من الكسب أو من الزواج بالعراقية، أوبالعكس، عمل المسلم بما هو في الشريعة من الجواز. كل ذلك مهما امكن، فإن اللازم تنفيذ قانون الإسلام، لا قانون الحكومة القومية. وكذلك لا طاعة لمثل هذا الحاكم في المصاديق التطبيقية، وان كان يجب اطاعته لو كان عادلاً، فإذا وضع ـ مثلاً ـ قانون المرور، أو قانون الشرطة، أو قانون المستشفيات، أو ما أشبه ذلك، فانه لا طاعة له في مثلها على المسلم وانما اللازم عليه: تجنب الضرر فيها عن نفسه وعدم الإضرار بالآخرين وان كان عمله مخالفاً للقانون الذي وضعه هذا الحاكم الجائر. وهكذا يصح له التحايل على القانون في مختلف الشؤون، لانه تحايل على الباطل لإجراء الحق. |
المسلم في غير بلاد الإسلام |
وإذا كان المسلم في غير بلاد الإسلام طبق على نفسه أيضاً احكام الشريعة، إذ لا احترام لقانون يخالف الإسلام سواء وضعه مسلم أم كافر، إلا إذا كان هناك محذور. مثلاً: إذا منع الحاكم الكافر من زواج المسلم بالكتابية لم ينفذ ذلك بالنسبة إلى المسلم، وانما يلزم عليه اتباع قانون الإسلام من الجواز فيتزوج بها. نعم إذا أوجب مثل ذلك محذوراً خارجياً كفّ، لا لأن القانون له احترامه، بل لان الشارع نهى عنه حينئذٍ حيث استلزم المحذور المنهي عنه. والحاصل ان المانع قد يكون حكماً شرعياً، وقد يكون لأجل ان الحاكم عادل فيجب اطاعته، اما في ما عدا ذلك، فلا مانع من المخالفة إلا إذا كان هناك ضرر، أو كان هناك محذور خارجي مثل: ان يكون العمل خلاف القانون موجباً لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين في غير بلاد الإسلام، أو كانت هناك معاهدة بين الحاكم الإسلامي العادل وحاكم غير بلاد الإسلام حيث يلزم تنفيذ المعاهدات حتى مع الكفار كما قرر في كتاب «الجهاد» أو كان هناك عنوان من العناوين الثانوية كقانون الأهمّ والمهمّ وما أشبه. ثمّ انا ذكرنا في بعض الكتب انّ الحاكم إذا وجب إسقاطه، حق للشخص الإمتناع عن اعطاء أجور الماء والكهرباء والتليفون وسائر ما يرتبط بالدولة، وذلك باجازة من الحاكم الشرعي لأنها من مجهول المالك.
|
|
|
(1) سورة يوسف ، الآية : 40 . (2) نهج الفصاحة : ص 191 ، ح 944 . (3) سورة التوبة ، الآية : 72 . (4) محاسبة النفس للكفعمي ص 169 . (5) سورة آل عمران ، الآية : 188 . (6) سورة القصص ، الآية : 76 . (7) وسائل الشيعة : ج 1 ، ص 34 ، ب 5 ، ح 7 . (8) وسائل الشيعة : ج 1 ، ص 35 ، ب 6 ، ح 3 . (9) زيارة عاشوراء . (10) سورة الشمس ، الاية : 14 . |