| المؤلفات |
الإسلام وقوانينه التقدّمية |
قد تكلّمنا سابقاً باختصار حول بعض القوانين الإسلاميّة، وها نحن نتكلّم عنها هنا بشيء من التفصيل، فنقول: كلّ قوانين الإسلام حيويّة، غير أنّ منها ما له دور العمود الفقري من بين القوانين بالنسبة إلى تقديم الحياة إلى الأمام، ومنها هذه القوانين الثلاثة الآتية: |
قانون الاُخوّة |
الأوّل: قانون الاُخوّة، حيث قال سبحانه: (إنّما المؤمنون إخوة)(1). |
قانون الاُمّة الواحدة |
الثاني: قانون الاُمّة الواحدة، حيث قال تعالى: (وإنَّ هذه اُمّتكم اُمّة واحدة)(2). |
قانون الحرّية |
الثالث: قانون الحريّة، حيث قال سبحانه: (يضع عنهم إصرهم والأغلال التّي كانت عليهم)(3). وهذه القوانين الثلاثة، الّتي في كلّ منها عشرات الروايات ويسندها السيرة الطاهرة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام. مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم»(4). وقول علي عليه السلام: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حرّاً»(5) إلى غيرهما، هي من أهم ما سبّب تحرّك المسلمين وتقدّمهم في كلّ أبعاد الحياة وبسرعة مدهشة، مما قد أدهش العالم إلى هذا اليوم. ومن المعلوم: ان الناس بفطرتهم يلتفون حول من إذا دخلوا في دينه يساويهم مع الآخرين في كلّ شيء، ولا يجعل بينهم تفاضلاً إلاّ بالتقوى : (إنَّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم)(6) وهذا القانون ليس له تطبيق خارجي حتّى في أرقى بلاد العالم اليوم ـ حسب ادّعائهم ـ. والناس يلتفـّون حول من يجعلهم جميعاً كتلة واحدة: «يسعى بذمّتهم أدناهم»(7) وحول من يعطيهم كل الحريّات إلاّ ما نذكره من الإستثناء، ولا يأخذ من أموالهم إلاّ قدراً قليلاً هي الضرائب الإسلامية الأربع فقط ـ كما سبق ـ. وإذا أخذ الإسلام بالزمام أعني: بأن طبّق هذه القوانين الثلاثة، لرأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً، كما سبق في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم ولكن جهل جملة من المسلمين، وكيد عدّة من الأعداء المنتفعين، أوجب تجميد هذه القوانين الثلاثة الحيويّة، وبتجميدها لم يتوقّف الإسلام عن الإنتشار فقط، بل ربما خرج جماعة من المسلمين عن الإسلام، لجهلهم بحقيقة الإسلام. وعلى أيّ حال: فالمهم الإهتمام لإرجاع هذه القوانين الثلاثة إلى الحياة. |
الفرق بين الاُمّة والاُخوّة |
ولنشر قبل ذكر المستثنيات إلى الفرق بين «الاُمّة» و«الاُخوّة» فإنّ بينهما من وجه: فالامة الهندية ـ مثلاً ـ اُمّة، ولكن ليست بين أفرادها من السيك والمسلم وعابد النار وعابد البقر وما أشبه اُخوّة. والاُخوّة يمكن حصولها بدون الاُمة الواحدة، كما إذا عاش أحدهم في بلاد الإسلام والآخر في غير بلاد الإسلام، علماً بأن المراد من الاُخوّة هي: اُخوّة الإيمان، إذ الأخ قد يطلق في النسب كالأخ من الأب والاُم أو من أحدهم، وقد يطلق في الإيمان ونحوه، وقد يطلق في القوم ونحوه، ولذا قال سبحانه: (وإخوان لوط)(8) وقال تعالى: (إلى عـــاد أخـــاهـــم هوداً)(9) وقال عزّوجلّ: (وإلى ثمود أخاهم صالحاً...)(10). وتجتمع الاُمة والاُخوّة معاً بالنسبة إلى المسلمين في بلاد الإسلام. ثم من آثار الاُمّة الواحدة: عدم الحدود الجغرافية، والإمتيازات اللونية والعرقية واللغوية وما أشبه. كما ان من آثار الاُخوّة الإسلامية: الكفائة في الزواج والحقّ للجميع في شراء الأرض، وحيازتها، وحيازة المباحات، وذلك في كلّ بلاد الإسلام، والحقّ لكلّ واحد منهم في العمل والكسب في أيّ أرض اسلامية، كما يحقّ لكلّ منهم تسنّم كلّ منصب من مناصب الدولة من الرئاسة إلى أصغر منصب وكذلك له الحقّ في أن يكون مرجعاً أو قاضياً أو شاهداً أو إمام جماعة، أو ما أشبه ذلك. نعم، لا إشكال في لزوم توفّر العلم والعدالة ونحوهما في المنصب المشروط بهذه الاُمور. هذا ولو علم الإنسان من مطالعة الكتاب الكريم، ومراجعة السيرة العطرة، وعرف منهما: انّ الإسلام هو ما ذكرناه، ثم لاحظ أحوال المسلمين وقوانينهم الحاضرة، لاطّلع على البون الشاسع بين الأمرين، فالإسلام بوادٍ، والمسلمون بوادٍ آخر. |
المستثنيات |
أما الإستثناء عن القوانين المذكورة في الجملة ـ فنذكرها إلماعاً لا استيعاباً ـ فهو عبارة عن خمسة اُمور: ـ الأوّل: المحرّمات، فلا سلطان لأحد في فعل الحرام، أو الترك الذي هو محرّم، سواء في نفسه أم في ماله، فلا حريّة له في ذلك. الثاني: ما يمنعه شورى المراجع من الصغريات ـ المانعة تلك الصغريات عن بعض من الحريّات المذكورة ـ وانما يكون ذلك لقانون لا ضرر، وقانون الأهم والمهمّ، وما أشبه، مثل تنظيم المرور، وقضايا النجدة، والشرطة، والمستشفيات، ومعاهد العلم، والمطارات، والقاطرات، والباخرات، ونحو ذلك. هذا إذا اُريد تعميم الإستثناء، وإلاّ فالضرر الشخصي المتزايد، وقاعدة الأهمّ والمهم، ونحوهما، يجريها كل شخص بالنسبة إلى اُموره الخاصّة ونحوها مع تشخيص مواردها. ثم لا يخفى : انّ غير شورى المرجعية لا احترام لقانونه الإستثنائي، وانما يكون المحترم: الاُمور الشخصيّة الإستثنائية، فإذا وضع شورى المرجعية قانون المرور ـ مثلاً ـ لم يجز خرقه، أما إذا وضعه غير المراجع فكلُّ انسان وحريّته، وانما الواجب: أن لا يسبّب ضرر نفسه ضرراً بالغاً، في سياقة سيّارته ـ مثلاً ـ وأن لا يضر بالآخرين مطلقاً، بالغاً كان الضرر أو غير بالغ. الثالث: ما أثبته الإنسان على نفسه، أو أسقطه عن نفسه ـ في الاطار الذي أجازه اللّه سبحانه اثباتاً أو اسقاطاً ـ كإثبات شيء على نفسه بسبب الشرط في ضمن العقد، أو منع نفسه عن شيء كذلك، مشروطاً بأن لا يكون الشرط مخالفاً للكتاب والسنّة، ولا مخالفاً لمقتضى العقد، وكذلك إذا أثبت شيئاً على نفسه أو أسقط عنها شيئاً بالنذر أو العهد أو اليمين بشرط أن لا يكون فعل محرم كشرب الخمر، أو ترك واجب كترك صلة الرحم ـ على ما ذكر تفصيله في كتب الفقه. الرابع: ما لو أدخل نفسه في موضوع مضيّق له أحكام مضيّقة، فإنه يلزمه أحكام ذلك الموضوع المضيّق، كالعزب ـ مثلاً ـ يتزوّج حيث تَضيقُ دائرة حرّيته وحرّيتها، بوجوب انفاق الزوج على الزوجة، وحرمة خروج الزوجة عن الدار ـ في غير المعروف ـ بدون إذن الزوج. ومثل ما إذا آجر نفسه في غير إكراه شخصي، ولا أجواء إكراهي، - كما في السوق السوداء، وقصّة تجارة مصادف للصادق عليه السلام ورفضه أخذ الربح مشهورة - وقد ذكرنا تفصيل الأجواء الإكراهي في بعض كتب الفقه. الخامس: أن لا يزاحم حريّة الآخرين مطلقاً في هذا الجيل أو في الأجيال القادمة، مثل صرف الطاقات غير الدورية المهيئة للأجيال الآتية، في جيل واحد ـ على ما أشرنا إلى تفصيله فيما سبق ـ. ومن غريب الأمر: ان الاُمم المختلفة في هذا العصر عرفوا انّ مصالحها لا تتوفـّر إلاّ بإلغاء الحدود الجغرافية والقومية واللغوية، والعرفية، وما أشبه ذلك، فأخذوا في توحيد بلادهم ـ لأن الإتحاد قوّة وبهجة وتقدّم، مع العلم بأنه ليس بينهم - عادةً - أيّ لون من الإتحاد الديني أو المذهبي أو اللغوي، أو ما أشبه. مثلاً: الهند فيها ثلاثمائة دين، وسبعمائة قوميّة، ومئات اللغات، بالإضافة إلى توسّع غريب في بلادها، مع ذلك فإنها قد ألغت الحواجز، وصارت دولة واحدة تحتوي الآن على مليار من البشر، وبذلك تمكّنت الاُمة الهندية من أن تنفض عن نفسها تبعات الإستعمار والتخلّف، وأن تتقدّم في كلّ شيء، وأن تصنع من نفسها اُمّة مستقلة ذات كيان مستقلّ. والصين هي الاُخرى كذلك، حيث اتّحدت شعوبها، بما فيها ما يربو اليوم على ألف مليون وثلاثمأة مليون من البشر بلغاتها المختلفة، وأديانها المتشتّتة، وقومياتها المتباعدة. وآوروبا أيضاً هي الأخيرة التي اتَّحدت بإسقاط الحدود الجغرافية فيما بينها، مع اختلاف مذاهبها: من يهود، وكاثوليك، وبروتستان، وعباد الشمس، وغيرها، ولغاتها: من ايطالية، وانجليزية، وفرنسية، والمانية، وغيره، واختلاف قوميّاتها. أما المسلمون فمع انّ دينهم يأمرهم بالوحدة والاُخوّة، قد باتوا يعيشون في جحيم التفرقة والإختلافات، ويجلبون إلى أنفسهم مختلف الأهواء: من شيوعية وبعثية وقومية وغيرها، مما لم يزدهم إلاّ تخلّفاً وتأخّراً، وذلاً وهواناً، حتّى أصبحوا اليوم يتكفـّـفون اللحم والاُرز، والجبن والبيض، من الشرق والغرب، بعد أن كانوا هم المنتجون والمصدّرون، والمنفقون على الآخرين.
|
|
|
(1) سورة الحجرات ، الآية : 10 . (2) سورة المؤمنون ، الآية : 52 . (3) سورة الأعراف ، الآية : 157 . (4) بحار الأنوار : ج 2 ، ص 272 ، ب 23 ، ح 7 ، وفيه : الناس مسلّطون على أموالهم. (5) نهج البلاغة ، الكتاب : 31 . (6) سورة الحجرات ، الآية : 13 . (7) مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 45 ، ب 18 ، ح 4 . (8) سورة ق ، الآية : 13 . (9) سورة الأعراف ، الآية : 65 . (10) سورة الأعراف ، الآية : 73 . |