الفهرس

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

القانون والحوادث الطارئة

 في القانون الوضعي 

هناك في جملة من القوانين الوضعية: «قانون الحوادث الطارئة» وحاصله: تخفيض عبأ الملتزم: «المتعاقدين، ونحوهما» إذا حدثت طوارىء لم تكن متوقّعة، وصار بسببها تنفيذ الإلتزام مُرهقاً عرفاً، فيقضي القانون ارجاع الأمر إلى العدالة بالتخفيف على الملتزم.

مثلاً: إذا التزمت شركة ـ في مناقصة رسمية ـ بصنع مطار في بلد بمليون دينار، فتنزّل الدينار، وارتفعت مواد البناء والاُجور، حتّى صار الدينار بقيمة نصف الدينار عند تنفيذ المناقصة، فللشركة ادعاء التفاوت يعني: المطالبة بمليون دينار آخر.

وفي عكسه العكس، كما لو ارتفع الدينار وتنزّلت مواد البناء والاُجور إلى النصف، فللدولة التي فوّضت انشاء المطار إلى الشركة، أن تنقص من المبلغ المتّفق عليه النصف وتعطي الشركة نصف مليون دينار حسب المثال السابق.

وعلى هذا المعدّل، فالشركة ـ مثلاً ـ لو قرّرت بالمبلغ المتّفق عليه وهو مليون دينار، أن يكون لنفسها مائتي ألف، ولأدوات البناء خمسمائة ألف، وللاُجور ثلاثمائة ألف، وقد فرض ان الشركة اشترت كل أدوات البناء بما قرّرته له من الخمسمائة ألف، وذلك أبّان رخصها، فانها لا تستحق تضعيف قيمة الأدوات إلى الضعف، والمطالبة بخمسمائة اُخرى، لكن لها المطالبة بما ارتفع من الاُجور والربح.

وفي عكسه العكس، فإنه لا يحق للدولة تقليل قيمة الأدوات إلى النصف ـ لأن الأمر بالنسبة إلى أدوات البناء لا يرهق أيّاً من الطرفين ـ لكن لها تقليل ما انخفض من الاُجور والربح.

ونفس هذا الكلام في المناقصة، يأتي في سائر المعاملات، وفي الشروط التي لها قيمة، وفي بدل الخلع، وما أشبه ذلك.

في القانون الإسلامي

هذا في القانون الوضعي، وأمّا في القانون الإسلامي فالأمر لا يخلو من أحد اُمور ثلاثة:

الأول: أن يكون المُرهَق ـ بالفتح ـ عالماً بالإرهاق ومع ذلك أقدم، فلا حقّ له حينئذٍ، لأنه من قبيل الإقدام على ضرر نفسه كما ذكره الفقهاء في باب خيار الغبن.

الثاني: أن تكون المعاملة منصرفة إلى صورة عدم الإرتفاع والإنخفاض، فمع هذا الإنصراف تبطل المعاملة ـ إن كان الإنصراف على نحو القيد ـ.

وتصحّ مع خيار المرهق ـ بالفتح ـ لأنه من قبيل الشرط، وللشارط خيار الشرط من غير فرق بين ذكر الشرط لفظاً أو ارتكازاً، كما ذكره الفقهاء في خيار العيب حيث قالوا: بأن الشرط المرتكز مثل الشرط المذكور في اللفظ.

وأما إذا لم يكن انصراف، فلا حقّ للطرف المرهق ـ بالفتح ـ لقاعدة: (أوفوا بالعقود)(1) وإلا لملك كثير من الناس ابطال عقودهم، وهذا ما لا يمكن القول به عند العقلاء.

الثالث: أن تكون المعاملة عن وليّ لا شأن له إلاّ بقدر الصلاح حالاً ومستقبلاً، كوليّ اليتيم، والولي الفقيه ـ بالمعنى الذي ذكرناه في كتبنا الفقهية ـ وحينئذ المرهق ـ بالفتح ـ «منهما» له الحق، لأنه لا ولاية له فوق الصلاح، والمفروض انه تصرّف فوق الصلاح، فإن اُعطي قدر ارهاقه بقي على معاملته، وإلاّ وجب عليه الإبطال للمعاملة، اللّهم إلاّ إذا تداركه من ماله الشخصي حيث انه يكون الصلاح حينئذ فلا يجبر بالإبطال ـ وفيه بحث طويل ذكرناه في الفقه ـ.

 حق الابطال وأخذ التفاوت في المعاملة 

الأول: من لا يرى له الحق في ابطال المعاملة، أو أخذ التفاوت، إذا كان طرفه من يرى ذلك، ديناً أو مذهباً، كالمسيحي والعامي ـ مثلاً ـ حق له الأخذ بقانون الإلزام.

الثاني: إذا لم يكن شيئاً من تلك الاُمور المذكورة ـ في الإبطال أو أخذ التفاوت ـ بقيت المعاملة كما كانت، بلاحق في الإبطال، ولا حقّ في أخذ التفاوت.

مع قانون الجَب

من القوانين التي يجب مراعاتها وجرت به السنّة الطاهرة هو: انه لو قامت الدولة الإسلامية لزم اجراء قانون «الجب» والعفو عمّا سلف بالنسبة إلى العلماء والتجّار والحكّام من المسلمين وغير المسلمين الذين يعيشون في بلاد الإسلام.

فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتل أحداً من الثلاثة ولا استحل أموالهم ولا سجنهم، وانما عفى عمّا سلف منهم، وأجرى قوانين الإسلام عليهم بعد ذلك، فطبّق عليهم قانون الإسلام فيمن أسلم منهم، وقانون احترام الإنسان بما هو إنسان فيمن لم يسلم منهم، كيهود البيان، ونصارى نجران، وكُفّار مكّة الذين لم يسلم كثير منهم عند الفتح.

امّا أن يحاسب الناس على سابق أعمالهم ويؤاخذهم بها فلا، نعم أهدر دم عدد قليل في الفتح لعظم جرمهم، وكبر جنايتهم، لكنه مع ذلك لما أسلم بعضهم كوحشي قاتل عمّه حمزة عليه السلام، عفى عنهم وتركهم وشأنهم.

وكذلك فعل علي عليه السلام لما وصل إلى الحكم، مع وضوح كثرة المخالفين والمرتكبين للآثام في خلافة الثالث وقد تمكن الآن منهم.

وكذا فعل عليه السلام في حرب الجمل فإنه لما ظفر بهم عفى عنهم وقال عليه السلام في ذلك: «مَننتُ على أهل البصرة كما مَنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل مكّة»(2).

نعم انه عليه السلام قال كلاماً في قطائع عثمان ـ كما في نهج البلاغة ـ يستشم منه رائحة المؤاخذة، لكن الظاهر انه كان مجرّد تهديد، فإنّه لم يتجاوز في فعله عليه السلام معهم فعل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل مكة، الذين استحلّوا داره ودار أصحابه وأقربائه في مكّة، حيث انه صلى الله عليه وآله وسلم لم يسترد شيئاً منها، بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يذهب مدّة بقائه في مكّة إلى الخيام التي نصبها في المعسكر خارج مكّة ويعيش فيها إلى أن خرج منها ورجع إلى المدينة، وكذلك فعل علي عليه السلام مع قطائع عثمان حيث لم يسترد منها شيئاً.

وهذا من أهمّ موازين العقل وأدقّ علامات الحنكة السياسية، وأضبط سمات التجربة في ادارة البلاد والعباد، وذلك لأن القائد إذا ورّط نفسه بهكذا اُمور، كان معناه: تكثير الأعداء حوله من جانب، وركود اصلاحاته، وعدم نموّه واطّراد تقدّمه من جانب آخر.

ثم انه حتى لو فرض ان الأمر من باب الأهمّ والمهمّ ـ لا من باب الاُسوة ـ لكان كافياً ذلك فيما ذكرناه.

كما انه لم ينقل في التاريخ قتل أحد أو مصادرة أموال أحد ـ من العلماء والحكام والأثرياء ـ في كل فتوحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كثرة المدن والقبائل التي فتحها، وكذلك بالنسبة إلى علي عليه السلام.

هذا وقد ذكر بعض المؤرّخين: انّ علياً عليه السلام كان له ألف وال وألف قاض ـ فإن صحَّ ـ كان ذلك دليلاً على اتّساع حكومته عليه السلام وشمولها لألف منطقة كبيرة تحتاج إلى الوالي.

الإرتداد

هذا من جانب، ومن جانب آخر ليُعلم ان المسلمين اليوم بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وحكّامهم وشعوبهم ليسوا مُرتدّين لأجل انهم لا يطبّقون أحكام الإسلام، كما ربما قيل مستدلاً بقوله تعالى: (ومَن لم يحكم بما أنزل اللّه فاُولئك هم الكافرون)(3) وذلك لأن المراد من الكفر هنا هو كفر العمل لا كفر العقيدة.

ومثل هذه الآية مثل كثير من الآيات والروايات الدالّة على كفر العمل، فإن الكفر عبارة عن الستر، فمن ستر عقيدةً فهو كافر، ومن ستر عملاً اسلامياً واجباً بتركه، أو ستر عملاً محرّماً بفعله فهو كافر، قال سبحانه: (وللّه على الناس حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر)(4) وقال تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم انّ عذابي لشديد)(5) إلى آيات اُخر، وعـشرات الروايـات من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الطاهرين عليهم السلام التي اطلقت لفظ «الكفر» على العاصي، كما لا يخفى ذلك على من راجع كتب الشيعة والسنّة.

وعليه: فإنّ ارتداد من لم يطبق حكماً شرعياً، أو وضع حكماً غير شرعي، كما في واضعي القوانين في كل من مجالس الوزراء ومجالس الاُمّة، ومن إليهم، في بلاد الإسلام من الحكام والمسؤولين، مما لا يساعد عليه الدليل، بل الدليل ظاهر في خلافه.

كلام الهمداني والحلّي قدس سرهما في الارتداد

حتى ان الفقيه الهمداني رحمه الله ـ وقبله العلاّمة الحلي رحمه الله في اشارة ـ ذكرا: انّ منكر الضروري إذا لم يرجع إنكاره إلى تكذيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مرتداً ـ وكذلك أفتينا به في الفقه ـ.

وانما أفتينا بعدم ارتداده، لأنه مقتضى الأدلة، خصوصاً وان هؤلاء قد حصلت لهم شبهة ـ عادة ـ فيقولون: بأن الأحكام متطوّرة، وان الحكم الكذائي في الإسلام وضع بعلّة كذا، والعلّة ـ مثلاً ـ ليست موجودة الآن، أو وضع لأنه لم تكن علّة كذا، والعلة موجودة الآن ـ مثلاً ـ.

هذا، ثم يأتي ـ بعد ذلك كلّه ـ قانون الأهم والمهم، فإن التكفير يوجب انفضاض نفس المسلمين عن الدولة الإسلاميّة الصحيحة مما معناه: عدم قيام الحكم الإسلامي، وبقاء هذه المآسي التي نشاهدها ـ والعياذ باللّه ـ.

كما ان هذا الذي ذكرناه موافق أيضاً للسيرة الطاهرة، فقد ثبت في التواريخ، وكذلك في التفاسير والأحاديث، مداراة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمنافقين الذين كانوا أسوء بكثير من الكفّار الذين قال فيهم تعالى: (ومَن لم يحكم بما أنزل اللّه فاُولئك هم الكافرون(6).

وذلك مثل «عبد اللّه بن اُبيّ» الذي أنزل اللّه سبحانه فيه: تلك الآيات المباركات، وكان من رؤوس المنافقين، ومع ذلك نرى ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عاده في مرضه، ونهى عن قتله، ومشى خلف جنازته، وصلّى ـ صوريّاً ـ عليه، ووقف على قبره، ممّا أدّى إلى رجوع كثير من أتباعه عن نفاقهم.

وكذلك فعل علي عليه السلام بمنافقي زمانه الأشدّاء عليه، من أمثال الأشعث وغيره، وكذلك فعل الحسن عليه السلام ابان تولّيه للخلافة عملاً.

وعلى هذا: فمقتضى القاعدة هو: أن لا يوضع قانون ـ في الدولة الإسلاميّة المرتقبة ـ خلاف هذين الأمرين الذين ذكرناهما.

حول قانون درء الحدود بالشبهات

ان الحدود تدرء بالشبهات، لكن السؤال هنا: هو انا نرى ان كل حكم ـ حداً كان أو غير حد ـ يدرء بالشبهة، سواء كانت الشبهة في الموضوع، أم في الحكم، أم في الشاهد أثناء النزاع والتخاصم، وعليه: فما هو فائدة تخصيص الدرء بالحدود؟

مثلاً: في حكم الشارع بأن: «من أتلف مال الغير، فهو له ضامن» إذا شهد شاهدان عند الحاكم ـ لكنهما غير متيقّنين بأن المتلِف زيد، أو ان المال الذي أتلفه كان لعمرو، أو أنه قد أتلف مالاً أو غير مال، فإنه لا يحكم بالضمان، كما انه لو شك في التلف وعدمه لم يكن ضمان.

وكذا إذا شك في ان المراد بالضمان هل هو ضمان الأكثر أو الأقل؟ لم يحكم بالأكثر، لأن المتيقن: الأقل، فالأكثر حيث فيه الشبهة لا ضمان فيه، إلى غير ذلك من الأمثلة التي يدرء الحكم فيها.

والجواب: ان الحدود ـ لا غيرها ـ هي وحدها التي تدرء بالشبهات، والأمثلة التي ذكرت ليست كذلك، بل درء الحكم فيها من باب الشك في الموضوع، أو في الحكم، أو في الشاهد، أو ما أشبه ذلك.

ثم انه وإن كان اطلاق الدرء على تلك الأمثلة صحيحاً أيضاً، إلا انّ (الحدود) فيها زيادة على تلك، وذلك لأنه كلما جرى في سائر الأمثلة يجري في الحدود،، ولكن ليس كلما يجري في الحدود يجري في سائر الأمثلة أيضاً.

مثلاً: لو لم يثبت عند الحاكم الشرعي لشبهة: ان أيّهما شرب الخمر أو زنى، لا يحدّ أحدهما، بينما إذا لم يعلم ان الدار ملك لأيّهما أو ان البستان وقف لأيّهما مع ادعائه كل منهما، حكم بقاعدة العدل فيهما.

وإذا لم يعلم ان هنداً زوجة زيد أو عمرو مع ان كلاً منهما يدّعيها، لم يحق لها التزوّج بأحدهما أو بثالث إلاّ بعد طلاقهما لها بأمر الحاكم الشرعي.

بينما إذا لم يعلم هل زيد الوارث أو عمرو، مع ان كلاّ منهما يدعيه، حكم بقاعدة العدل فيهما، وإذا لم يعلم ان زوجته هند أو زينب لم يحق له الزواج باُخت أو اُم أو بنت أحدهما، بينما إذا لم يعلم ان البضاعة المتنازع عليها لأي من زيد وعمرو، حكم فيهما بقاعدة العدل، وإلى غير ذلك من أمثلة العلم الإجمالي.

 

(1) سورة المائدة ، الآية : 1 .

(2) بحار الأنوار: ج32، ص329، ب8، ح308 ـ317.

(3) سورة المائدة ، الآية : 44 .

(4) سورة آل عمران ، الآية : 97 .

(5) سورة ابراهيم ، الآية : 7 .

(6) سورة المائدة ، الآية : 44 .