الفهرس

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

مصادر القانون وفروعه

القانون ومصادره الصحيحة

ذكر بعض رجال القانون في كتابه: «مباديء اُصول القانون» بما لفظه: نستطيع ان نحدّد أهم المصادر بصورة مجملة بما يأتي:

1 ـ الدّين.

2 ـ العرف والعادة.

3 ـ مباديء العدالة.

4 ـ سوابق القضاء.

5 ـ آراء الفقهاء.

6 ـ التشريع.

ثمّ اضاف قائلاً: ويتضح الفرق في التشريع بين الإسلام والمسيحية عند النظر إلى الفرق بين مكانتي محمّد وعيسى عليهما السلام في مجتمعيهما، فيما كان النبي العربي مرشداً ومصلحاً وقائداً ومنشئاً لدولة، ورسولاً لاُمة، وقد كان المسيح وهو مواطن مجرد عن كل سلطة مصلحاً اجتماعياً يخاطب النفس الإنسانية قبل كل شيء ويعنى بالفرد من حيث هو فردٌ، فطبيعي والحالة هذه ان يقول المسيح: (اعط ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه) وان يقول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: (كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته)(1) و: (من رآى منكم منكراً فلينكر بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه فحسبه أن يعلم اللّه من قلبه انه لذلك كاره)(2) إلى آخر كلامه.

ولا يخفى ما في هذا الكلام من نقاط ضعف شديدة.

هذا وقد زارني مؤلف الكتاب (عبد الرحمان البزّاز) ابّان رئاسته للوزارة في العراق، فذكرت له: ان يعملوا بالإسلام إذا ارادوا السعادة، وقلت له: كيف تركتم عقوبات الإسلام البسيطة الرادعة، التي فيها اقل قدر من الإعدام والسجن، وذهبتم إلى (قانون العقوبات البغدادي) الذي في اوّله يصرّح قائد الحملة البريطانية على العراق قائلاً: بأنّي آمر بتطبيق هذا القانون، لانّه بالإضافة إلى كونه استعماراً، ابعد من الواقع بالنسبة إلى الإعدامات الكثيرة والسجون الكثيرة التي يحتوي الكتاب عليها؟

فلم يكن من البزّاز الا أن تبسم، إذ لم يجد الجواب.

أهم نقاط الضعف:

وكيف كان: فان اهم ما في كلامه السابق من نقاط الضعف امران:ـ

الأوّل: انه جعل المسيح عليه السلام نبّي عبادة فقط، بينما القرآن يصرّح بان المسيح قد اتى بالإنجيل وامر باتباع التوراة إلا في بعض بنوده (ولاُحلّ لكم بعض الذي حرّم عليكم)(3) ومن المعلوم: انه كان في التوراة الأحكام المحتاج اليها آنذاك، فالمسيح عليه السلام كالنبي الاُمّي صلى الله عليه وآله وسلم، جاء مبيّناً لكل الأحكام التي تحتاج إليه البشرية وليس العبادة والأخلاق فحسب.

امّا ما نراه اليوم في المسيحية فهو دين قد حرّف وبدّل، وقد دل على ذلك بالإضافة إلى ما نطق به قرآننا، وصرحت به رواياتنا، ما جاء في تواريخهم الناطقة بالتحريف والتبديل، كما لا يخفى على من راجع كتب البلاغي قدّس اللّه سرّه، ومنه يظهر ان (دع ما لقيصر لقيصر) ليس اكثر من تحريف منسوب إلى المسيح عليه الصلاة والسلام.

الثاني: انه جعل مصادر القانون اموراً ستة، بينما لا تناسق بين هذه الاُمور الستة في نفسها، كما لا وجه لجعل الخمسة الباقية في قبال الدّين الذي جعله اولاً.

أما انه لا تناسق بينها: فلأن بعضها مربوط بالموضوع وبعضها مربوط بالحكم، فهو مثل أن يقول: الحكم إمّا انه (ماء) واما انه (طاهر).

وأما انه لا يصح جعل الخمسة في قبال الدّين: فلأن الدّين عبارة عن مجموعة الأحكام من الطهارة إلى الديات، فأيّ مكان للخمسة الاخر؟.

والشريعة هي الدّين، قال سبحانه: (شرع لكم من الدّين)(4).

القانون ومصادره اللفظية والعقلية

ان الشيء الذي لا يتغيّر في الدولة الإسلامية هي النصوص الشرعية ـ أعم من النص والظاهر الإصطلاحيّين ـ اما الإجتهادات، فهي حتى في شورى الفقهاء ممكنة التغيير وذلك حسب اجتهاد من تتوفّر فيهم الشروط.

وأما الأدلة اللفظية فهي كالأدلة العقلية، وهما مصدران من مصادر الأحكام.

أما اللفظية: فهي التي تستفاد من المطابقة والتضمّن والإلتزام الذي يفهمه العُرف، لا اللوازم البعيدة غير الظاهرة من اللفظ عند أهل اللسان.

وأما العقلية: فهي التي يحكم العقل بوجوبه أو امتناعه وإن لم يكن لفظ، مثل: استحالة الجمع أو الرفع للنقيضين، أو للضدين الذين لا ثالث لهما.

ومثل استحالة الخلف، واستحالة وحدة المرتبة في المتأخّر والمتقدم زماناً، أو مكاناً، أو شرفاً، أو ما أشبه ذلك، مما ذكره المتكلّمون والفلاسفة في بحث المتقدم والمتأخّر ـ من الأقسام ـ.

ومثل استحالة أن يكون الجزء مساوياً للكل أو أكبر منه، ومثل استحالة الإختلاف بين المتضايفين قوّة وفعلاً وخصوصية، ومثال الخصوصية: أن يكون الواحد نصف الإثنين، ولا يكون الإثنان ضعف الواحد.

إلى غير ذلك من المحالات المعروفة والتي مرجعها جميعاً إلى التناقض البديهيّ الإستحالة.

وربما يفهم القانون من اللفظ والعقل معاً، مثل ما ذكره علي عليه السلام من ضمّ آية قدر الحمل والرضاع، قال سبحانه: (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً)(5) إلى آية الرضاع وحده، قال تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين)(6) ثم الإستنتاج منهما: بأن أقل الحمل ـ العادي ـ ستّة أشهر.

وانما قيّدنا «الحمل» بقيد «العادي» لإخراج الإعجاز كحمل عيسى عليه السلام ـ على بعض الروايات ـ ولإخراج ما تغيّر مدته بسبب العلاج، كأطفال الانبوب المتداول في الطب، أو مع فرض تمديد مدّة الحمل بوسائل طبّية بما أوجب بقاء الطفل في الرحم أكثر من أقصى مدّة الحمل شرعاً.

ومن هذا القبيل ما يفهم بدليل الإقتضاء، وهو عبارة عما يتوقّف صدق الكلام أو صحّته عليه، فمثل قوله سبحانه: (وسئل القرية)(7) يراد بها: الأهل، لاستحالة سؤال نفس القرية سؤالاً مفيداً.

كما ان منه ما يفهم بمفهوم المخالفة، إذا لم يكن للشرط والوصف ونحوهما فائدة سواها.

ومنه دليل الملاك والفحوى.

فالأول: ما يستفاد من الدليل من جهة وحدة الحكم في الأصل والفرع ـ استفادة عرفية ـ لأنه ربما ينتقل الإنسان من الجزئي إلى الكلي، ومن الكلي يفهم حكم الجزئي الآخر، فإن من يرى النار الجزئية ـ في بيته، في مثال التكوينيات ـ ولم ير غيرها انتقل بفطرته إلى ان كلّ نار حارّة، ومنه ينتقل إلى ان النار التي في بيت الجار تكون حارة أيضاً، وهذا الإنتقال قد يكون بسبب التعليل في الشرعيات، وقد يكون بسبب القرائن الاُخر.

والثاني: ما يستفاد من الحكم الجزئي بالأولوية، كما قال سبحانه: (فلا تقل لهما اُفّ)(8) حيث يفهم منه عدم جواز ضربهما بطريق أولى، وبهذا الصدد يقولون بتحريم التصرّف فيما لو أن انساناً كتب على انائه: انه لا يجوز لأحد أن يشرب منه، فذهب آخر به ليرش ماءه في بيته قائلاً: ان المالك لم يمنع من الرش.

ومما تقدم ظهر الكلام في القرائن العقلية والنقلية المكتنفة بالكلام، سواء كانتا لصرف الظاهر إلى غيره، أو لجعل الظاهر فيما لا ظهور طبيعي له، لولاهما.

ومما تقدم يعلم أيضاً: وجه حق المولى في العقاب لو لم يأمر العبد بشيء إطلاقاً، فرآى العبد ان داره احترقت أو أخذ اللص أمتعته أو سقط ولده في البئر، فلم يعالج الأمر، معتذراً بأن المولى لم يأمره بذلك.

القانون وجذوره المتجذرة

لكثير من الاُمور المادية والمعنوية التي تشاهد في الكون جذور، وللجذور جذور، واحياناً يكون لظاهرة واحدة جذور في ابعاد مختلفة، فلو لاحظنا ـ مثلاً ـ كأساً من عصير التفاح استحضر عبر ماكنة كهربائية، وقدّم لإنسان، لرأينا ان هناك لكل من (ماء التفاح) و (الاناء) و (الماكنة) و (الكهرباء) جذوراً.

فالتفاح من الشجرة، والشجرة من الأرض والماء والهواء والشمس، ثمّ ان الأرض نتجت من الماء (وكان عرشه على الماء)(9) والهواء نتج من الدخان (ثم استوى إلى السماء وهي دخان)(10) وهكذا، والكلام في (الاناء) أيضاً كذلك، إلى غيرها.

ثمّ ان الجذور على قسمين:

1 - جذور ممتدة، 2 - جذور متطورة.

مثلاً: البحث الفلاني المذكور في الاُصول، جاء من (عدّة شيخ الطائفة قدس سره) إلى (المعالم) إلى (القوانين) إلى (الفصول) إلى (الرسائل) إلى (الكفاية).

اما الجذور المتطورة فكما ذكرناه في مثال عصير التفاح.

وإذا تحقق ذلك نقول: القانون أيضاً كذلك، قال سبحانه: (ملّة ابيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل)(11) فكثير من الشريعة جاء به النبي آدم عليه السلام ماراً بكثير من الأنبياء، ولذا ورد في الآية الكريمة: (قولوا آمنّا باللّه وما اُنزل الينا..)(12).

وقال تعالى: (شرع لكم من الدّين ما وصى به نوحاً..)(13).

وقال سبحانه: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)(14) إلى غيرها.

وفي الحديث: (انّ عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن، أجراها اللّه عزّوجلّ في الإسلام...)(15).

ولكن احياناً يتطور قانون الشريعة لملاحظة التسهيل، أو ملاحظة تغيّر الإنسان كما ورد في النصوص.

مثلاً: اُلغي صوم الصمت وصوم الوصال، إلى غير ذلك مما لا يخفى على من لاحظ الروايات.

وفي القوانين الوضعيّة نجد هذا الامر أيضاً بجلاء.

مثلاً: جملة من القوانين العراقية مصدرها ما وضعه (السنهوري) المصري، ومصدر (السنهوري) استاذه (لامبير)، و (لامبير) اخذه من (القانون الروماني) وكثيراً ما ينقل هؤلاء القانون نصاً، واحياناً مع تحوير يناسب الزمان والمكان وظروف ذلك البلد الذي ينقل إليه القانون.

وهذا جار ليس في القانون فحسب بل في كل اقسام الأفكار السياسية والإجتماعية والإقتصادية والتربوية وغيرها.

مثلاً: (سلاَّمه موسى) أخذ جملة من افكاره من أساتذته في فرنسا، وأخذ من أفكار سلاّمه (علي الوردي) في العراق وادرجها في كتبه، واخذ من افكار الوردي (علي الشريعتي) في ايران ووضعها في كتبه، واخذ منه الاستاذ الفلاني ووضعها في كتبه، وهكذا.

وهنا مبحث لا بأس بالتنبيه عليه، وهو: ان الشيء الذي ينتج يمكن تحديده، بالصالح والأصلح، كما يمكن تحديده بالفاسد والأفسد، فشجرة البرتقال ـ مثلاً ـ تثمر البرتقال الصالح أو الأصلح، والعقرب تنتج العقرب الاشد لدغاً، أو الأقل شدّة.

وهذا شيء ظاهر للحواس، ولذا يمكن ان يقال بلا قيد ولا استثناء: البرتقال صالح للاكل، والعقرب يجب الفرار منها.

وكذا حال القانون، فمنه ينتج الصلاح أو الأصلح كقانون (بيت المال)، ومنه ينتج الفساد أو الأفسد، كقانون (الإشتراكية) أو (الرأسمالية).

كل هذه الأمثلة في البعد الإقتصادي، وفي البعد السياسي أيضاً كذلك، فقانون (الإستشارية: الديمقراطية) ينتج الصلاح أو الأصلح، وقانون (الإستبداد) ينتج الفساد أو الأفسد، وهكذا.

اما الشيء الذي لتغايره نتيجة محدودة كالتحديدات الشرعية ـ مثلاً ـ فليس للإنسان حق التدخل فيه زيادة ونقيصة ووضعاً ورفعاً، وما اشبه، الا إذا كان في الصغريات الجزئية التي لا محذور شرعاً ولا عقلاً للإنسان في الأخذ بما يراه.

مثلاً: قررّ الشارع حداً للزاني مائة جلدة، وللقاذف ثمانين، وللمفطر في شهر رمضان خمساً وعشرين، فالتساؤل عن انه لو قرّر الشارع مكان المائة: (تسعين أو مائة وعشرة) هل كان يختلف الامر الذي يترتب على الحدّ وهو الردع بقدر، ام لا؟ وكذا بالنسبة إلى المثالين الآخرين؟

والجواب: انا لا نعلم، وانما علينا ان نتّبع ونتعبّد، لان اللّه هو العالم بهذه الاُمور.

ومن المثال الثاني: (التعزير) الموكول إلى نظر الحاكم زيادة ونقيصة في حدّه الخاص الذي يجب ان لا يتجاوز عنه في كلا الطرفين.

والقوانين الوضعية لها نفس تلك الحالة، فهي ـ مثلاً ـ تقرّر للسرقة ستة اشهر من السجن أو غرامة اربعين ديناراً، بينما تقرّر لمن دخل البلاد بدون تأشيرة غرامة يتراوح قدرها بين دينار إلى خمسين ديناراً منوطاً بنظر الحاكم زيادة ونقيصة، فيأتي الكلام في انه لماذا هذا التقدير الثابت أو المترجرج؟

فإذا سأل عن الواضع للقانون: بانه لماذا لم تقرّر خمسة اشهر أو سبعة اشهر بدل الستة؟ أو لماذا لم تقرّر بين نصف دينار إلى ثلاثين ديناراً بدل الواحد إلى الخمسين؟ لم يكن له جواب، الا انه رآه واستحسنه.

غير المسلمين والقانون الإسلامي

قد تقدم: ان المسلمين يأخذون بقوانين الإسلام في بلادهم، ومع اختلاف الإجتهادات فالمتبع رأي الأكثرية، ومع التساوي فالمتبع القرعة، وانّه لو تبدّل الأكثر إلى اكثرية مخالفة تغير على اثرها بعض جزئيات القانون ـ وهذا نادر في الفقه بالنسبة إلى القوانين العامة ـ.

كما ان هذا يكون هو المتّبع بالنسبة إلى المذاهب الأربعة للعامة حيث ان الأكثرية في المذاهب تكون هي المتبعة.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الظاهرية والزيدية، ونحوهما في بلادهم.

ثمّ انه إذا ترافع بعضهم إلى قاض من غير مذهبهم، فإن له ان يلزمهم بما التزموا به.

كما ان ذلك يجري في الشيعة أيضاً إذا اختلف فقهاءهم، فإنه يؤخذ برأي اكثرية فقهاء الشيعة من الأحياء، إذا كانت اكثرية، ومع التساوي يؤخذ بالقرعة، وإذا انقلبت الأقلية، أو التساوي، إلى الاكثرية، تُبع الحكم المتحول إليه لا المتحول عنه.

آراء الفقهاء

وامّا آراء الفقهاء، فإن اُريد بها ما يستنبطونه من الأدلة ـ سواء الأدلة الأربعة على رأي الشيعة، ام الأكثر على رأي العامة ـ فهذه عبارة اُخرى عن استفادة القانون من مصادره، لا انه مصدر للقانون، وإن اُريد غير ذلك فأيّة قيمة لآراء الفقهاء في قبال الدّين؟.

وعليه: فآراء الفقهاء انما تكون ذات قيمة إذا كانت بالنسبة إلى الدين في الطول لا في العرض، وعلى فرض كونها في الطول يأتي فيها ما ذكرناه من الكلام السابق وهو: ان المسلمين الذين يقلّدون فقيهاً جامعاً للشرائط، فان رأيه يكون حجة عليهم ما دام حيّاً، فإذا مات وجاء فقيه آخر ـ ولعله اعلم من الميّت ـ كان اللازم عليهم: الأخذ برأي هذا الفقيه الثاني.

لا يقال: ان ذلك يوجب الإضطراب في القانون.

لأنه يقال: أولاً: ان الإضطراب انما هو في بعض الجزئيات والا فالكليات متفق عليها عند الفقهاء.

وثانياً: ماذا تقولون في تغيير رئيس الدولة، والوزراء، ومجلس الاُمة، مع ان اللاحق الذي يأتي بعدهم غالباً له رأي مخالف للسابق في التطبيقات، فإذا صح ذلك فيهم صحّ في آراء الفقهاء أيضاً.

وقد تقدم: انه لو اختلف الفقهاء اُخذ برأي الأكثرية، فان تساووا اُخذ بالقرعة، وهكذا يكون حال مجلس الاُمّة، ومجلس الوزراء، والقضاة المتعدّدون في قضية واحدة، فان الاخذ برأي الأكثرية، أو بالقرعة عند التساوي، الصيغة الحضارية لعالم اليوم، وهما مأخوذان من قوله سبحانه: (وأمرهم شورى بينهم)(16) وقوله تعالى: (فساهم)(17) بالإضافة إلى روايات كثيرة في الموضوعين، وقد ذكرنا نحن زهاء مائتي رواية في الشورى، في كتاب (الشورى في الإسلام) اما روايات القرعة فمشهورة ولا حاجة إلى احصائها.

هل القانون متطوّر أو جامد؟

ثم ان من البحث الذي ذكرناه حول الإستنباط، يسقط النزاع الذي حدث بين أهل القوانين الوضعية: بأنه هل القانون ـ في شرحه ـ متطوّر، فيستلزم الخروج عن مقصد المقنّن لكنه يماشي الزمان، أو جامد، فيستلزم الجمود والتوقّف عن التطوّر ومسايرة الزمان لكنه لا يخرج عن هدف المقنّن؟ وقلنا: بسقوط النزاع، لأنه يكون من السالبة بانتفاء الموضوع.

نعم، لو قال أحد: بالقوانين الوضعية فمدرسة التطوّر أولى، لوضوح: ان القانون وضع لخدمة الإنسان، وأيّ فرق بين الإنسان المقنّن الذي وضع القانون حسب ما يراه صالحاً لزمانه، وبين انسان آخر في مستواه يرى تطوير ذلك القانون ليواكب الزمان، وقد أقام بعضهم(18) في كتابه دليلاً على التطوّر ـ بما لا يصح ـ وإن كان كلامه تامّاً بالنسبة إلى الدليل الذي ذكرناه.

قال: ان النص ينفصل عن ارادة واضعه بمجرّد صدوره ويصبح له كيان مستقل يتطوّر تبعاً للظروف، وان التفسير يجب أن يتوخّى البحث عن النية التي كان يتّجه إليها المشرّع لو انه وجد في الظروف المحيطة بالفقيه، الذي يتولى التفسير، وبالقاضي الذي يتولّى التطبيق، وهذه النية إذا لم تكن هي النية الحقيقية لواضع النص، فيمكن اعتبارها نيّته الإحتماليّة.

ويرد عليه ما يلي:

أولاً : أيّ داع لاتباع المشرّع، مع ان الفقيه والقاضي يساويانه بل قد يكونان أعلم منه؟

ثانياً : لا معنى محصّل لـ: ينفصل عن ارادة واضعه؟

ثالثاً : ما فائدة الإحتمال، ولو اتبع الإحتمالات التي هي خلاف الظاهر، لزم أن لا يكون الظاهر حجة؟(19).

لا يقال: فلماذا قالوا: (إذا جاء الإحتمال بطل الإستدلال)؟

لأنه يقال: أولاً: الكلام المتقدم عكس هذا، لأنه يقول: (إذا جاء الإحتمال ثبت الإستدلال).

وثانياً: ان تلك الكلمة صحيحة في الأدلة العقلية، حيث ان الدليل العقلي لا يكون إلا إذا قطع به، فمع الإحتمال لا قطع، أما الأدلة اللفظية، فالإحتمال لا يضرّ، وانما المهم النص ـ إذا كان ـ وإلا فالظهور.

نعم، لو كان نصّ وظاهر متنافيان، أو ظاهر أو أظهر كذلك، كالعام والخاص، والمطلق والمقيّد، والقرينة وذي القرينة، اتبع النص، واتبع الأظهر، وهذه المباحث مفروغ عنها ومستدل عليها في الاُصول، فلا حاجة إلى تفصيلها في المقام.

القانون والتعسّف

لا يجوز التعسّف في استعمال الحق، كما لا يجوز الفتوى والقضاء على طبق التعسّف إذا كان التعسّف يصل إلى الضرر الكثير في حق نفسه، ومطلق الضرر في حق الغير، وإلاّ جاز، إذ لا نصّ بالنسبة إلى لفظ: التعسّف وانما الميزان هو: ما ذكر في الشريعة من لفظ: «لا ضرر ولا ضرار»(20) وذلك مثل أن يبني داره عالياً بحيث يسدّ النور والهواء والمنظر الجميل على جاره، كما إذا كان دار الجار المتضرّر مشرفاً على غابة أو بحر أو ما أشبه ذلك.

ومثل ايجاد الأصوات المزعجة للجيران بسبب رحىً أو معمل أو ما أشبه.

ومثل معمل يهزّ حيطان الجيران، أو يوجب التعفن بسبب الدَّبغ وحرق النفايات، إلى غير ذلك.

وهل هذا يسري حتّى فيما إذا كان حق المضرّ للعموم، كأزيز الطائرات في المطار، وصوت القاطرات في المحطّات، وصفير الباخرات في الميناء ـ حيث انها وسائل عمومية لنفع الكلّ ـ وإذا تعارض نفع الكل مع ضرر أصحاب البيوت بهذا القدر، فهل يقدّم النفع العام أو يقدم الخاص؟ احتمالان، ومحل بحثه الفقه.

ثم انه لا اشكال ان في المورد الممنوع إذا أضر بالآخر، كان على الضار تحمل قدر ضرره، أمّا إذا لم يضرّ به، بل كان تعسّفاً عليه فقط، كما في الصوت المزعج، أو الهزّ بدون تخريب ـ اطلاقاً ـ فهل يضمن لأن حقوق المسلمين لا تبطل، فيلزم ارضائه ولو بالمال، أو لا يضمن لأنه ليس بأمر مالي؟ لا يبعد الأول.

لا يقال: صاحب العمل التعسّفي إذا عطّل عمله تضرّر هو، فيكون من تعارض الضررين، ويؤيّد حق صاحب العمل كونه مالكاً والناس مسلّطون على أموالهم(21).

لأنه يقال: انّ صاحب العمل التعسّفي إذا عطّل عمله لا يَنتفع، لا انه يتضرّر، بينما الجار يتضرّر، ولا ضرر(22) يكون حاكماً على: الناس مسلّطون(23).

النيّة وأثرها في القانون

يشترط في صحة المعاملات الأعم من العقود والايقاعات: النية، والاّ لم يتحقق الإنشاء، ولا يشترط القربة كما يشترط في العبادات، كما لا يشترط فيها حسن النية، فإن العقود تتبع القصود ولا تتبع حسن القصود، بمعنى: ان المعاملة تقع وان أوقع المعاملة المتعاملان بسوء النية، وكما في المثال العربي: «يشرب حَسْواً في ارتغاء».

نعم، حسن النية أمر أخلاقي رفيع، وسوءها خلاف الأخلاق الرفيعة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: في خطبة شهر الصيام: «فاسألوا ربّكم بنيّات صادقة»(24).

وفي بعض الأحاديث: «ان اللّه يرزق العباد حسب نيّاتهم».

هذا ولا يخفى: ان سوء النية يؤثر بالنسبة إلى العبادة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «انّما الأعمال بالنيّات»(25)، و«لكلّ امرءٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»(26) وعلى أثرها جاء في التاريخ: «شهيد الحمار» و«شهيد اُمّ جميل» كما ذكر في كتب الأخلاق.

ولكن سوء النية لا يؤثر بالنسبة إلى العقد والايقاع، فلا يوجب بطلانهما، فمن تزوّج امرأة لمالها أو جمالها، أو لكسب الجاه، أو كسب العمل، حيث انّ أباها أو أخاها يتمكّن من توفيرهما له، كان زواجه بها صحيحاً رغم سوء نيّته.

كما انّه لو طلّق زوجته المؤاتية ليتزوّج بعدها باُختها، أو بامرأة اُخرى يريدها هو، ولكنها هي غير مستعدّة لأن يكون لها ضرة، فإنه يصح طلاقها رغم سوء نيّته.

وهكذا من جعل التهديد لزوجته بالطلاق، ابتزازاً وطريقاً إلى تنازل الزوجة عن نفقتها ـ مثلاً ـ فتنازلت اضطراراً لحفظ ماء وجهها، صحّ التنازل منها له رغم سوء نيّته.

هذا من جهة القانون، وأمّا من جهة الواقع، فانّ اللّه سبحانه عادل، فلابدّ وأن يتلقى صاحب النية السيّئة والمبتز جزائه، حيث انه عمل خلاف الإنصاف الأخلاقي.

لا يقال: فلماذا اذن الفصل بين «الصحّة العقدية» و«الواقع الأخلاقي»؟

لأنه يقال: حيث ان النوايا لا يطلع عليها إلاّ علاّم الغيوب، فلا يمكن أن تجعل ميزاناً في تعامل الناس بعضهم مع بعض، ولكن مع ذلك حثّ الشارع على تصحيح النيّة، وتوعّد من ساءت نيّته، ففي الحديث: «من تزوّج امرأة وهو لا يريد اعطائها المهر فهو عند اللّه زان، ومن استدان دَيْناً وهو لا يريد دفعه فهو عند اللّه سارق» إلى غيره من الأحاديث التي ذكرت في كتب الأحاديث في باب «النيّة».

أمثلة تناسب المقام

ومن أمثلة المقام: ما لو باع أو اشترى أو راهن أو ضارب أو اشترك أو زارع أو ساقى أو ما أشبه ذلك وهو لا يريد الوفاء، فإن المعاملة صحيحة، ويجبر على الوفاء ـ قانوناً ـ وإذا لم يف بأن أكل حقّ الغير، كان لذلك الغير التقاصّ منه.

وهكذا حال من وهب لشخص، الزائد على السنة السابقة من أرباحه الجديدة، وذلك فراراً عن الخُمس ـ وكانت الهبة بقدر شأنه ـ، أو بدّل بعض الأعيان الزكوية هرباً من الزكاة، لاشتراط بقاء العين طول السنة في ملكه، أو أعطى مالاً لمسجد، أو مشروع خيري، أو وهب لشخص، ما أسقطه من القدرة على الحج، وذلك قبل أشهر الحجّ، أو قبل تحرُّك الرفقة، فراراً من الحج، فإنه لا يجب على أحد من هؤلاء: الخمس، والزكاة، والحج، لكن في الحديث: «ما فاته من الخير أكثر»(27).

ومن أمثلة ذلك: ما لو وقف أمواله أو وهبها أو نحو ذلك كالتصالح بشيء قليل جدّاً، هروباً من توريث أقربائه، حيث بينهما العداوة والنزاع، أو يطلّق زوجته حتّى لا ترثه، أو تخالع الزوجة زوجها حتى تتزوّج بمن تهواه.

والحاصل: انّ قصد المعاملة شيء، والداعي إلى المعاملة شيء آخر، فالأوّل: ميزان الصحّة قانوناً، بينما الثاني: ميزان الأخلاق شرعاً وعقلاً.

الأقسام الأربعة

وإن شئت قلت: مقتضى القاعدة: ان الأمر على أقسام أربعة:

الأول: سببية العامل محضاً، فتبعته على نفسه لا على المالك.

الثاني: سببية المالك محضاً، فتبعته على المالك.

الثالث: سببيّتهما معاً بلا اقوائية في جانب، فعليهما معاً، اما مع اقوائية جانب، فعلى الأقوى لقاعدة: «قوّة السبب أو المباشر».

الرابع: سببيّة السماء كالأمطار والرياح والزلزلة وما أشبه، أو سببية غير مسؤول، كالحيوان غير المضمون على صاحب البيت ونحوه، وهنا إن لم يكن المالك قاصراً أو مقصّراً فلا شيء عليه، لأصالة عدم الضمان، وإن كان قاصراً أو مقصّراً كان عليه، لأنّ الضمانات لا تتبع العلم والعمد كما قرّر في محلّه.

ولم نذكر هنا: سببية شخص ثالث، بأن يكون الشخص الثالث هو السبب، كلصّ أو ما أشبه لوضوح: ان الضمان يكون عليه.

ومن الضمانات: الديات، أمّا القصاص هنا، فلا، وذلك لفرض: عدم العلم والعمد، والقصاص انّما يكون في العالم العامد.

ولو شكّ في الضمان فالأصل عدم الضمان.

ولو علم ان أحد الشخصين: المباشر أو السبب، كان أقوى، لكن لا يعلم انه أيّهما؟ فمقتضى قاعدة العدل: التنصيف.

وإلى غير ذلك ممّا ذكر في «الفقه» في كتاب الديات والضمانات ونحوهما.

القانون وأقسام التشريع

التشريع ثلاثة أقسام:

1 - الدستوري.

2 - البرلماني.

3 - الفرعي.

فالأول: عبارة عن التشريع الأساسي الذي يضع للدولة نظامها السياسي، وشكل حكومتها، والعلاقة بين سلطاتها العامّة، ويكون من قبل مجلس تأسيسي منتخب للناس، إمّا بأنفسهم أو بواسطة أهل الحلّ والعقد، وهذا انما يكون عند انشاء دولة جديدة سواء بواسطة الإنقلاب الجماعي أم الإنقلاب العسكري - وإن لم يكن صحيحاً ـ وكما يكون وضع الدستور بهذه الطريقة يكون تعديله بالزيادة والنقيصة أو الغائه بنفس هذه الطريقة أيضاً.

والثاني: عبارة عن صدور القواعد القانونية بطريقة معيّنة للخصوصيات والجزئيات، وإذا مرّ بالمراحل ـ المصطلح عليها ـ يكون قانوناً ساري المفعول.

والمراحل هي: الإقتراح، ووضع اللائحة، وعرضها على السلطة التشريعية (التأطيرية) وموافقتها له، وموافقة قائد الدولة وهو (شورى الفقهاء عندنا)، ثم الإصدار والإبلاغ.

ويكون له حكم القانون من أول زمن يقرّر فيه ابتداء القانون من ذلك الزمان، فقد يقرّر ابتدائه من الإبلاغ ـ مثلاً ـ وقد يقرّر من العام الجديد، أو ما أشبه ذلك.

والثالث: عبارة عن الاُمور الأخص من قوانين المجلس، وهي الاُمور المرتبطة بكل وزارة وزارة، حيث انهم في اطار قوانين المجلس يضعون ما يرتبط بشؤونهم الوزارية، كلائحة شروط استخدام موظفي السكك الحديدية ـ مثلاً ـ حيث يشترط فيه أن يكون نشطاً، مؤمناً، حسن الأخلاق، وأن لا يكون له سوابق سيّئة، وأن يكون له كذا من الوظيفة في كل شهر، وكذا يوم عطلة من كل اُسبوع، إلى غير ذلك.

وهذا القانون يكون واجب الإطاعة، إذا اجتمع فيه شروط ثلاثة:-

الأول: صدوره عن شورى المرجعية على نحو الكلّية.

الثاني: أن تكون السلطة التشريعية (التأطيرية) عن انتخاب صحيح، ويكون وضعها للقانون عن خبروية ودراية وموازين شرعية.

الثالث: أن يكون عقد الوزارة مع الفرد عقداً متوفراً فيه الشرائط الشرعية، من غير إكراه فردي ولا اجوائي، إلى آخر الشرائط المقرّرة في الإسلام في أيّ عقد من سائر العقود.

القانون والأحكام الخمسة

قد يكون في شيء مصلحة ملزمة فيجب.

وقد يكون في شيء مفسدة متزايدة فيحرم.

وقد يكون المصلحة والمفسدة لا بحد الإلزام، فيستحب ويكره.

وقد تتساوى المصلحة والمفسدة فيباح.

هذا حسب ما نجده في الأمور وحسب الموازين العقلية، وهكذا قرره الشارع أيضاً ويسمّى كل وجه من الوجوه الخمسة: حكماً-

لا يقال: ان المباح ليس بحكم، لانه قبل الشرع وبعد الشرع سواء.

لأنه يقال: قبل الشرع الإباحة لا إقتضائية وبعد التشريع الإباحة إقتضائية، بمعنى: ان الشارع قرره، فإطاعته بما هو حكم شرعي له الثواب ـ حيث «الأعمال بالنيّات»(28).

ولا يصح ان يقال: ان الأمر ـ مع قطع النظر عن اللااقتضائيات الثلاثة ـ واجب فقط، إذ اعطاء الزكاة واجب، وترك شرب الخمر واجب ـ مثلاً ـ، أو حرام فقط إذ شرب الخمر حرام، وترك الزكاة حرام.

كما لا يصح ان يقال: ان الزكاة واجبة وتركها حرام، أو شرب الخمر حرام وتركه واجب، إذ لا يعقل حكمان في طرفي شيء، فان ذلك إذا لم يكن تأكيداً كان لغواً، وإذا كان تأكيداً لم يكن حكماً.

وشبه هذا البحث ذكره أهل القانون الوضعي فبعضهم قال: ان هناك حقاً فقط، وليس للواجب من اثر.

وقال آخر: عكسه، اي: ان هناك واجباً فقط وليس للحق من اثر.

والمشهور بين اهل القانون هو الذي ذكره فقهاؤنا: من ان هناك حقاً وواجباً، فواجبك ان تعمل، وحقك ان يكون لك ثمر عملك.

قد يقال: بماذا يستدل اصحاب القولين على القول بالحق فقط والقول بالواجب فقط؟

وما هي النتيجة المترتبة عليها؟

فانه يقال: اما النتيجة فصفر، لان كل الأقوال الثلاثة تنتهي إلى أمر واحد هو لزوم القانون المنظم لحياة الفرد والمجتمع.

واما انه بماذا يستدلون؟

فالظاهر: انه مجرد استحسان منهم وليس اكثر، اذ في مسألة العمل والربح المترتب عليه يقول أهل (الحق): حقك العمل، ومن حقك ان تستفيد من الربح، ويقول أهل (الواجب): واحب عليك العمل وواجب لك ان تستفيد من ربحك.

وهو كما ترى حيث ان كلا منهما تحويرٌ غير مستقيم، وانما المستقيم ان يقال: (واجبك) العمل و(حقك) الربح.

ثمّ ان كل الأقوال الثلاثة، الوسط والطرفان تأتي في الإيجابيات بلا كلام، واما في السلبيات فربما يقال بايتان الأقوال الثلاثة فيها أيضاً.

مثلاً: (قانون) ترك الزنا و( قانون) العقوبة عليه، قد يقرران على الاقوال الثلاثة حسب ما يلي:ـ

1 ـ من واجبك ترك الزنا، وإذا زنيت وجب عليك الحد.

2 ـ من حق المجتمع عليك ان لا تزني، وإذا زنيت فمن حق المجتمع عليك ان تحد.

3 ـ من واجبك ترك الزنا، والحق عليك ـ إذا زنيت ـ ان تحد.

هذا ولكن مقتضى القاعدة المستقيمة ـ بلا التواءٍ ـ ان لا تكون السلبيات داخلة تحت الحق والواجب، بل تحت الممتنع والأثر المترتب على خرق ذلك الإمتناع.

وبذلك يظهر جلياً: ان تقسيم الأحكام إلى الواجب والحرام ـ في بحث الإقتضائيات وترتيب الثواب والعقاب عليهما هو: التخلص من الإلتواء، أولاً، ومن التنسيق بين الفعل والترك، وآثارهما، ثانياً.

وقد سبق مثل هذا البحث: المستقيم والملتوي، في الفلسفة في باب الألم واللذة، حيث كان المشهور على وجودهما في قبال من يقول بأحدهما فقط ويدرج الآخر فيه.

مثلاً: قال بعض الألم ترك اللذة، فمن لا يصل إلى الأكل والشرب والوقاع متألم. وقال بعض في عكسه: اللذة ترك الالم، فمن تألم للجوع والعطش والشبق إذا اكل وشرب وباشر وجد اللذة، ومن الواضح: ان كلا الأمرين التواء في أحد الجانبين.

لا يقال: على ما ذكرتم، فلماذا يقال: ترك الصلاة حرام؟ ويقال: ترك شرب الخمر واجب، مع انكم ذكرتم ان الحكم لجانب واحد لا لجانبين؟

لانه يقال: هذا تعبير عرفي عن العقاب في الترك، والعقاب في الفعل، في قبال ما يكون له الثواب ولم يكن في تركه العقاب ـ كما في المستحب ـ أو يكون في فعله المضرّة الخفيفة، بدون الوصول إلى المنع عن النقيض، بأن لم يكن في فعله عقاب، كما في المكروه.

ثمّ ان بعض علماء القانون في الغرب ممن قال: بأن الأمر منحصر في (الواجب) فقط، انكر تبعاً لذلك وتبعاً لبعض مبادئة الاخر ـ مثل مبدء التضامن الإجتماعي ـ الحق: (لأنه واجب) وانكر (السيادة): لانه تضامن، وأنكر (الشخصية المعنوية): لأن كل شيء مادي، وانكر (القانون الخاص) لان كل شيء قانون عام يشمل الحاكم والمحكوم وكلمّا تعارض القانون العام مع الملكية الفردية ـ مثلاً ـ قدّم الأول على الثاني.

وعليه: فليس لمالك الأرض ـ مثلاً ـ ان يمنع من نصب أعمدة البرق والتليفون وانابيب الغاز والنفط وما اشبه في ارضه إذا أرادت الدولة ذلك ولا حق له في البدل أيضاً، كما لا حق له في منع مرور الطائرات على أرضه، ويحق للدولة استملاك الأراضي والبيوت إذا اقتضت المصلحة ذلك، وهكذا.

لكن حيث ثبت كل ذلك نقده بضرورة الشرع والعقل والعقلاء فلا حاجة إلى تطويل الكلام فيه.

 كيفية الفصل بين المسلمين وغيرهم في بلاد الإسلام 

و فيه أمران:

الأمر الأوّل: حال غير المسلمين في بلاد الإسلام.

الأمر الثاني: حال المسلم وغير المسلم في المعاملات ونحوها.

أمّا الأوّل: فالقوانين العامة لبلاد الإسلام يجب على الكل مراعاتها كقوانين التجارة، والمرور، والصحّة، والنجدة، وما أشبه، نعم عليهم الجزية لا الزكاة والخمس ـ كما ذكرناه في الفقه ـ.

وأما القوانين الخاصّة بالمسلمين فهم لا يُلزمون بها ويعفون عنها، وانما يُلزمون بما التزموا به من الاُمور التي تحلّ لهم وإن كانت محرّمة عندنا، وكذا في مثل النكاح والطلاق والإرث والرضاع وما أشبه.

وأما في منازعاتهم فيتخيّرون بين أن يرجعوا إلى قُضاتهم أو قضاتنا، فإذا رجعوا إلى قضاتنا فهم مخيّرون بين القضاء حسب أحكامهم، أو القضاء حسب أحكامنا.

نعم لا يجوز لهم اظهار المناكير، كما قرّر في كتاب الجهاد.

وقد تقدّم : الإلماع إلى انا نرى انه لا فرق بين أقسام غير المسلمين، وذلك خلافاً للمشهور الذين يفرقون بين أهل الكتاب وغيرهم، واستدللنا لنظرنا في بعض الكتب الفقهية بالأدلة الأربعة، وقلنا: بأنه لا فرق بين أن يكون غير أهل الكتاب مثل عبّاد النار أو البقر أو غير ذلك.

وأما الثاني : ففي منازعات المسلمين وغير المسلمين، يراجعون قضاة المسلمين، فإن كان الحق لغير المسلم أعطى القاضي الحق له (ولا يجرمنَّكم شنآن قوم على ألاّ تعدِلوا، إعدلوا هو أقرب للتقوى)(29) وإن كان الحق مع المسلم أعطى الحق للمسلم.

هذا إن لم تكن المسألة خلافية بين المترافعين، وأما إن كانت المسألة خلافية بينهم، كما في الزواج حيث يرى المسلم التزوّج بأربع زوجات، والكتابي لا يرى الزواج بأكثر من واحدة مثلاً، فإذا تزوّج المسلم الكتابية من دون علمها بأنه متزوّج غيرها، ثم عرفت انه متزوّج بغيرها أيضاً، فالحكم يكون للمسلم، لأن «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه»(30) .

هذا فيما إذا كان قانون الإلزام يعطي الحق لغير المسلم في المسألة الإختلافية، وأما إذا كان قانون الإلزام يعطي الحق فيها للمسلم، فالحكم فيها للمسلم واضح، لأنّ غير المسلم راض بالحكم على طبق الإلزام ـ الذي معناه: الحكم على ما يقتضيه دينه ـ.

ومنه يعلم: الكلام في باب القضاء، والشهادات، والحدود، والديات، والقصاص، وما أشبه ذلك.

 

تتمة

(1) بحار الأنوار : ج 75 ، ص 38 ، ب 35 ، ح 36 .

(2) وسائل الشيعة : ج 11 ، ص 407 ، ب 3 ، ح 12 .

(3) سورة آل عمران ، الآية : 50 .

(4) سورة الشورى ، الآية : 13 .

(5) سورة الأحقاف ، الآية : 15 .

(6) سورة البقرة ، الآية : 233 .

(7) سورة يوسف ، الآية : 82 .

(8) سورة الإسراء ، الآية : 23 .

(9) سورة هود ، الآية : 7 .

(10) سورة فصّلت ، الآية : 11 .

(11) سورة الحج ، الآية : 78 .

(12) سورة البقرة ، الآية : 136 .

(13) سورة الشورى ، الآية : 13 .

(14) سورة البقرة ، الآية : 183 .

(15) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ، ص 250 ، ب 178 ، ح 4 .

(16) سورة الشورى ، الآية : 38 .

(17) سورة الصافات ، الآية : 141 .

(18) وهو : سليمان مرقس.

(19) توضيحه : إذا كان المدار على «نية الواضع» وكانت لها الموضوعية فهي الحجة إذن، ولا يكفي الإحتمال عندئذ، إذ احتمال وجود الحجّة لا يصحح الإلتزام «الحجة هي المنجزة والمعذرة لا محتملة الوجود»، وكذا لو كان المدار على «لفظ مواضع» أما لو كان المدار على «المصلحة والمفسدة» فهي المتبعة، ولا قيمة لنيّة الواضع جُزِم بها أو احتملت، فليدقّق.

(20) مستدرك الوسائل : ج 13 ، ص 447 ، ب 10 ، ح 1 .

(21) بحار الأنوار : ج 2 ، ص 272 ، ب 23 ، ح 7 .

(22) مستدرك الوسائل : ج 13 ، ص 308 ، ب 13 ، ح 3 .

(23) غوالي اللئالي : ج 1 ، ص 222 ، ح 99 .

(24) بحار الأنوار : ج 96 ، ص 356 ، ب 46 ، ح 25 .

(25) مستدرك الوسائل : ج 1 ، ص 90 ، ب 5 ، ح 6 .

(26) مستدرك الوسائل : ج 1 ، ص 90 ، ب 5 ، ح 5 .

(27) راجع بحار الأنوار : ج 78 ، ص 50 ، ب 16 ، ح 79 .

(28) بحار الأنوار : ج 70 ، ص 210 ، ب 53 ، ح 32 .

(29) سورة المائدة ، الآية : 8 .

(30) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ، ص 231 ، ب 171 ، ح 3 .