| فهرس الفصل الخامس | المؤلفات |
|
أحوال الأدوية والاصطلاحات الطبية |
|
الفن الثاني: يشتمل على جملتين، الأولى: في أحكام الأدوية والأغذية المفردة، وتشتمل على بابين، الأول: كلام كلي في الأدوية المفردة، كل ما يؤثر في البدن الإنساني بكيفيته، فإنه إذا ورد على البدن وانفعل عن الحرارة الغريزية، فإما أن لا يؤثر فيه كيفية زائدة على ما للإنسان وهو الدواء المعتدل، أو يؤثر فيه كيفية زائدة وهو الدواء الخارج عن الاعتدال، وذلك التأثير إن لم يكن محسوساً فهو في الدرجة الأولى، وإن أحس بذلك ولم يضر فهو في الدرجة الثانية، وإن أضر ولم يبلغ أن يقتل فهو في الدرجة الثالثة، وإن بلغ ذلك فهو في الدرجة الرابعة، ويسمى الدواء السمي. ومن الأدوية ما قوته مركبة، وهو الذي يكون تركبه عن أشياء ممتزجة، فحصل له مزاج ثان، وذلك إما تركيب طبيعي كاللبن، وإما صناعي كالترياق، فيؤثر كل واحد من تلك الممتزجات أثره، فقد يصدر عنه آثار متضادة كالحرارة والبرودة، كما في الورد. ثم قد يكون مستحكماً بحيث لا تحله النار فضلاً عن الطبخ، وقد يكون أضعف تحله النار دون الطبخ كالبابونج، فإن فيه قوة قابضة وقوة محللة لا يفترقان بالطبخ، وقد يكون أضعف بحيث يحله الطبخ دون الغسل كالعدس، فإن فيه قوة محللة تخرج بالطبخ في مائه ويبقى القوة القابضة في جرمه، وقد يكون أضعف بحيث يحلله الغسل كالهندباء، وجزؤه المفتح يزول بالغسل ويبقى الجزء المائي. وتأثير الدواء: إما أن يكون خارجاً فقط، كالبصل ضماداً مع السلامة عنه، وذلك إما لاختلاطه مع غيره المخالط معه من مأكول أو رطوبة بدنية، أو لأن الحرارة الغريزية تهضمه فتفرقه وتشتته، فلا يبقى في مكان واحد، إلا قليلاً، ويتحلل منه ما يؤثر ذلك، أو لأنه عند تأثير الحرارة فيه يتحلل منه ما يؤثر ذلك التقريح، وإما أن يكون داخلاً فقط، كالاسفيداج فإنه لا يقتل ضماداً ويقتل مشروباً، وذلك إما لغلظه فلا ينفذ، أو لأن حرارتنا لا تجذب منه ما ينفذ فيؤثر، وإما أن يكون داخلاً وخارجاً كتبريد الماء، وقد يكون تأثيره الخارجي مضاداً لتأثيره الداخلي، كالكزبرة فإنها تحلل الأورام إذا استعملت عليها من خارج حتى الخنازير، وإذا استعملت من الداخل غلظت وبردت. والأدوية تعرف قواها بطريقين، أحدهما: التجربة، والآخر: القياس. وإنما يعتقد صدق التجربة برعاية شروط، أحدها: إذا كانت التجربة على بدن الإنسان، ثانيها: إذا كان الدواء خالياً عن كل كيفية عرضية، ثالثها: إذا استعمل الدواء في علل متضادة، رابعها: إذا استعمل في علل بسيطة، خامسها: أن يكون استعمال الدواء بما يكون قوته مساوية لقوة العلة في الخروج، سادسها: أن يكون تأثيره أولياً، سابعها: أن يكون تأثيره دائماً أو أكثرياً. وأما القياس: فيدل بوجوه، أضعفها: اللون، ووجه الاستدلال به، أن البرد يبيض الجسم الرطب، ويسود اليابس، والحر بالعكس. ثم الرائحة، فالحادة للحرارة والندية، وعدم الرائحة للبرودة، ثم الطعم: ويختلف الطعم باختلاف المادة وباختلاف الفاعل، فالمادة: إما كثيفة أو لطيفة أو متوسطة بينهما، والفاعل: إما الحرارة أو البرودة أو الاعتدال بينهما، فالكثيف الحار مر، والبارد عفص، والمعتدل حلو، واللطيف الحار حريف، والبارد حامض، والمعتدل دسم، والمتوسط الحار مالح، والبارد قابض، والمعتدل تفه. وقد يقع بسبب الرائحة واللون والطعم غلط في الممتزج مزاجاً ثانياً، وذلك بأن يكون لأحد مفرداته طعم أو لون أو رائحة ويكون ذلك فيه قوياً غالباً، وتكون حرارته وبرودته ضعيفة مغلوبة لم تظهر، فيغلب على ذلك الممتزج طعم ذلك المفرد أو لونه أو رائحته، وتكون الكيفية التي هي الحرارة أو البرودة تابعة لمفرده الآخر. مثال ذلك: لو خلط رطل من اللبن مع مثقالين من الفرفيون، لكان المجموع حاراً جداً مع بياضه، ويكون مع ذلك البياض للبرد الموجود في أحد البسيطين، لا للمجموع. ومما يدل على كيفية الدواء: سرعة الانفعال وبطؤه إذا تساويا في اللطافة والكثافة، والتخلخل والفرج، فأيهما قبل الاشتعال أسرع، دل على أن الجزء الناري فيه أكثر، وأيهما قبل الحرارة أو البرودة أسرع، فتلك الكيفية فيه أقوى، بشرط أن يكون المؤثر والقرب منه متساويين. وقد تستعمل في الباب الثاني ألفاظ غير مشهورة، فنريد أن نشرحها: الدواء اللطيف: ما من شأنه التصغر عند فعل حرارتنا الغريزية فيه كالدارصيني، والكثيف: ما يقابله، واللزج: ما لا ينقطع عند الامتداد، والهش: ما يتفتت بأدنى مس كالصبر، والجامد: ما من شأنه أن يسيل، وهو في الحال مجتمع غير سيال كالشمع، والسائل: ما من شأنه أن تنبسط أجزاؤه إلى أسفل، واللعابي: ما تنفصل عنه إذا نقع في الماء أجزاء ويصير المجموع لزجاً كالخطمي، والدهني: ما في جوهره دهن كاللبوب، والمنشف: ما إذا لاقته مائية غاصت في مسامه الخفية، فلا يظهر فيه أثر منها كالنورة غير المصفاة، والملطف: ما يجعل قوام المادة أرق كالزوقاء، والمحلل: ما يهيئ المادة للتبخير كالجندبيدستر، والجالي: ما يجرد الرطوبة اللزجة عن فوهات مسامات العضو كالحموضات، والمخشن: ما يجعل أجزاء سطح العضو مختلفة الوضع بعد ملاسة طبيعية أو عارضة عن مادة لزجة، والمفتح: ما يخرج المادة السادة عن المجرى إلى خارج كالكرفس، والمرخي: ما يلين جرم العضو بحرارته المعتدلة وبرطوبته الملينة كالماء الحار، والمنضج: ما يعدل قوام الخلط ويهيئ للدفع، والهاضم: ما يفيد الغذاء سرعة إنضاج، والمحلل للرياح: ما يرقق قوام الريح لتندفع كالسذاب، والمقطع: ما يقسم المادة إلى أجزاء صغار ويفرق اتصالها وأن بقيت على غلظها، والجاذب: هو ما يحرك المادة إلى موضعه، واللاذع: ما يفرق بقوة نفاذة له اتصال العضو في مواضع كثيرة لا يحس بانفرادها، بل يحس بجملتها كالخردل، والمحمر: ما يجذب الدم بقوة إلى الجلد فيحمر اللون، والمحكك: خلطاً لذاعاً، والمقرح: ما يفني الرطوبة الأصلية، ويجذب مادة رديئة إلى ذلك الموضع حتى يقرح كالبلادر، والمحرق: ما يفني بحرارته لطيف الأخلاط، والأكّال: ما يبلغ تحليله إلى أن ينقص قدراً من جوهر اللحم كالزنجار، والمفتت: ما يصغر أجزاء الخلط المتحجر كالحجر اليهودي، والمعفن: ما يفسد مزاج الروح والرطوبة الأصلية حتى لا تصلح لما أعدت له كالزرنيخ، والكاوي: ما يحرق الجلد فيجففه ويجعله كالحممة كالقلقطار، والقاشر: ما يبلغ من فرط جلائه إخراج الجلد الفاسد كالقسط، والمقوي: ما يعدل مزاج العضو حتى لا يقبل الفضول كدهن الورد، والرادع: ضد الجاذب، والمغلظ: مضاد للملطف، والمفجج: مضاد للهاضم، والمخدر: ما يجعل بقوة برده الروح الحساس والروح المحرك للعضو غير قابل للتأثير النفساني كالافيون، والمنفخ: ما فيه رطوبة فضلية غليظة لا تقوى الحرارة على تحليلها، بل تستحيل رياحاً كاللوبيا، والغسال: ما ينحي المادة برطوبته وسيلانه عليها لا لجلائه كالماء، والموسخ للقروح: ما يرخيها برطوبته، والمزلق: ما يبل سطح الفضلة المحتبسة في المجرى فتنزلق بثقلها كالاجاص، والملمس: ما ينبسط على سطح عضو خشن فيستر خشونته، والمجفف: ما ينقي الرطوبة من البدن بتلطيفه وتحليله، والقابض: ما يجمع أجزاء العضو فيتكاثف، والعاصر: ما يبلغ قبضه إلى إخراج ما في تجويف العضو، والمسدد: ما يحتبس في المجرى لكثافته ويبوسته أو لتغريته فينسد، والمغري: دواء يابس ذو رطوبة لزجة يلتصق بها على الفوهات فيسدها، والمدمل: يجعل الرطوبة التي بين شفتي الجرح لزجة فتلتصق إحداهما بالأخرى مثل دم الأخوين، والمنبت للّحم: ما يعقد الدم الوارد على الجراحة لحماً، والخاتم: ما يجعل على سطح الجراحة خشكريسة تكنها عن الآفات، والترياق والفادزهر: كل ما يحفظ صحة الروح وقوتها لتتمكن من دفع ضرر السموم، بخاصية فيه. |
|
(الفن الثاني: يشتمل على جملتين) الجملة (الأولى: في أحكام الأدوية والأغذية المفردة، وتشتمل على بابين) الباب (الأول: كلام كلي في الأدوية المفردة) أما الأغذية، فقد مر الكلام فيها في الستة الضرورية (كل ما يؤثر في البدن الإنساني) من الأدوية (بكيفيته) أي حره، وبرده، ورطوبته، ويبوسته (فإنه إذا ورد على البدن وانفعل عن الحرارة الغريزية) التي تعمل فيه (فإما أن لا يؤثر) ذلك الدواء (فيه) أي في البدن (كيفية زائدة على ما للإنسان) بأن كان تأثيره مثل كيفية البدن تماماً (وهو الدواء المعتدل، أو يؤثر فيه) أي في البدن (كيفية زائدة) على ما للإنسان (وهو الدواء الخارج عن الاعتدال) إلى تلك الكيفية، فلو أثر في البدن حرارةً، كان الدواء حاراً، وهكذا (وذلك التأثير إن لم يكن محسوساً) واضحاً مباناً، وإن أثر واقعاً (فهو في الدرجة الأولى) من تلك الكيفية حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة (وإن أحس بذلك) التأثير بأن كان واضحاً ومبيناً (ولم يضر) البدن (فهو في الدرجة الثانية، وإن) أحس بالتأثير و(أضر) المستعمل له (ولم يبلغ أن يقتل فهو في الدرجة الثالثة وإن بلغ ذلك) بأن قتل (فهو في الدرجة الرابعة، ويسمى الدواء السمي) لأنه يقتل كالسموم، والفرق بين هذا وبين السم أن هذا يقتل بسبب كيفيته، والسم يقتل بسبب صورته النوعية، فمثل الدواء السمي مثل الماء الحار شديداً، إذا قتل الإنسان بسبب حرارته فإنه ليس بسم، وإنما يقتل بالكيفية. (ومن الأدوية ما قوته مركبة) من قوى بسيطة متعددة (وهو الذي يكون تركبه عن أشياء ممتزجة) يكون كل واحد منها ممزوجاً من العناصر وله كيفية خاصة (فحصل له) أي للمركب (مزاج ثان) غير مزاج مفرداته، كالسكنجبين الذي له مزاج دافع الصفراء، مع أن كل واحد من الخل والسكر ليس كذلك (وذلك) التركيب الحادث (إما تركيب طبيعي) من صنع الله سبحانه (كاللبن) المركب من الماء والجبن والسمن (وإما) تركيب (صناعي كالترياق) المركب من أدوية متعددة ذوات أمزجة، فإذا تركبت حصل للمجموع مزاج جديد (فيؤثر كل واحد من تلك الممتزجات) طبيعياً أو صناعياً (أثره) الخاص به (فقد يصدر عنه) أي عن المركب (آثار متضادة) لتضاد أمزجة أجزائه (كالحرارة والبرودة كما في الورد) فإنه يوجب الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، لتركبه من أجزاء لها هذه الكيفيات، وإن تعدلت بالكسر والانكسار (ثم) أن المزاج الثاني الذي حصل عليه المركب بسبب التركيب (قد يكون مستحكماً) لشدة التركيب وتداخل الأجزاء (بحيث لا تحله النار) مباشرة (فضلاً عن الطبخ) في الماء الذي يؤثر فيه النار بواسطة الماء، فالنار وإن فتتت أجزاءه لكنها تفتت أجزاء مركبة لا أنها تفرق البسائط بعضها عن بعض (وقد يكون) المزاج التركيبي (أضعف) من ذلك المستحكم ويسمى رخواً، وهو ثلاثة أقسام، الأول: ما (تحله النار دون الطبخ) فلا يحله الطبخ (كالبابونج، فإن فيه قوة قابضة وقوة محللة لا يفترقان بالطبخ) بل ينتقلان معاً إلى الماء المطبوخ فيه، لكن لو أحرقناه بالنار تفرقت كما تتفرق أجزاء الخشبة عند الاحتراق. (و) الثاني: (قد يكون) المزاج الثاني (أضعف) من هذا (بحيث يحله الطبخ دون الغسل كالعدس، فإنه فيه قوة محللة تخرج) تلك القوة (بالطبخ في مائه) حيث تنتقل إلى الماء الأجزاء التي تحمل القوة المحللة (ويبقى القوة القابضة في جرمه) أي جرم العدس، إلا أن يطبخ طبخاً شديداً جديداً، فأجزاؤه الأرضية تنحل، ولهذا يكتسب الماء كلتا القوتين. (و) الثالث: (قد يكون) المزاج الثاني (أضعف) من هذا (بحيث يحلله الغسل كالهندباء) فإن فيه قوة مفتحة، وقوة باردة (وجزؤه المفتح يزول بالغسل ويبقى الجزء المائي) البارد. (وتأثير الدواء: إما أن يكون خارجاً) أي في خارج البدن (فقط) دون داخله (كالبصل ضماداً) فإنه يقرح البدن (مع السلامة عنه) أي عن أثره وهو التقريح، مأكولاً (وذلك) أوجب التحيّر، فإنه إن كان البصل مقرحاً، فلماذا لا يفعل ذلك في الباطن؟ وإن لم يكن مقرحاً، فلماذا يفعل ذلك في الظاهر؟ ولهذا وجهوا لذلك توجيهات: (إما لاختلاطه مع غيره المخالط معه) فتكسر سائر الأطعمة التي تؤكل مع البصل سورته (من مأكول) ـ بيان: غيره ـ (أو رطوبة بدنية) موجودة في داخل البدن تمنع عن عمله، وهو التحريق (أو لأن الحرارة الغريزية تهضمه) وتغيره عن طبيعته سريعاً، فيستحيل عن الكيفية التقريحية (فتفرقه وتشتته) في البدن (فلا يبقى) بمجموعه (في مكان واحد) ليؤذي (إلا قليلا، ويتحلل منه ما يؤثر ذلك) التقريح فوراً (أو لأنه عند تأثير الحرارة) الغريزية (فيه، يتحلل منه ما يؤثر ذلك التقريح) ولو بقي في مكان واحد مجتمعاً، كما أن الماء يحلل الجزء المفتح من الهندباء بمجرد الغسل (وإما أن يكون) تأثير الدواء (داخلاً) أي في داخل البدن (فقط) دون خارجه (كالاسفيداج) وهو رماد الرصاص أو الإنك والانك: هو السرب (فإنه لا يقتل ضماداً ويقتل مشروباً). وقد وجهوا ذلك بتوجيهات: (وذلك إما لغلظه فلا ينفذ) في مسامات الجلد عند الضماد، حتى لو نفذ إلى الأعضاء الرئيسية لكان قاتلاً، بخلاف ما لو شرب، فإنه ينفذ إلى الأعضاء الرئيسية فيقتل (أو لأن حرارتنا) الغريزية (لا تجذب منه) عند الضماد (ما ينفذ) في البدن (فيؤثر) وإن كانت المسامات واسعة وهو غير غليظ (وإما أن يكون) تأثير الدواء (داخلاً وخارجاً) إما بكيفية واحدة أو بكيفيات مختلفة، فالأول (كتبريد الماء) فإنه سواء صب على الإنسان أو شرب منه برد (و) الثاني ما (قد يكون تأثيره الخارجي مضاداً لتأثيره الداخلي، كالكزبرة فإنها تحلل الأورام إذا استعملت عليها من خارج حتى الخنازير) التي لها مادة صعبة (وإذا استعملت من الداخل) بالأكل (غلظت) المواد وكثفتها (وبردت) وذلك لأنه مركب من جزء بارد وجزء حار، فإذا ضمد نفذ الجزء الحار في المسام لا البارد فتحلل، وإذا شربت أو أكلت حللت الحرارة الغريزية ـ لقوتها في الباطن ـ الجزء الحار قبل أن يؤثر، فعمل الجزء البارد عمله. (والأدوية تعرف قواها) الحارة والباردة وغيرها من سائر القوى (بطريقين، أحدهما: التجربة، والآخر: القياس) والتجربة، كأن يشرب فيعرف أنه حار، والقياس، كأن يرى لونه الأبيض مثلاً، فيعرف أنه بارد (وإنما يعتقد صدق التجربة برعاية شروط) إذ من المحتمل أن الكيفية إنما حصلت بأسباب خارجة، كما تقدم في إيجاد الماء البارد الحرارة (أحدها: إذا كانت التجربة على بدن الإنسان) فإن مزاج الإنسان مخالف لمزاج سائر الحيوانات، فالتجربة عليها لا تفيد للإنسان شيئاً (ثانيها: إذا كان الدواء خالياً عن كل كيفية عرضية) بأن لا يكون الدواء عفناً لطول بقائه، ولا اكتسب برودة أو حرارة من ثلج أو نار، لأنه حينئذ لا يعلم مدى تأثيره الواقعي (ثالثها: إذا استعمل الدواء في علل متضادة) كأن استعمل في المرض الحار فبرد، وفي المرض البارد فأزاده برودة، إذ لو استعمل في علة واحدة لم يعرف أن التأثير لذاته، أو لأنه في هذا المرض يؤثر هذا الأثر عرضاً (رابعها: إذا استعمل في علل بسيطة) لأنه إذا كان المرض مركباً ونفع الدواء أو ضر، لم يعلم أنه يؤثر لأمر في ذاته، أو أثر لتضاد الأمراض (خامسها: أن يكون استعمال الدواء بما) أي بقدر في الدرجة والكمية (يكون قوته مساوية لقوة العلة في الخروج) عن الاعتدال، فلو كان المرض حاراً في الدرجة الأولى شرب من الدواء الذي في الدرجة الأولى ـ لكنه لم يعلم حره وبره ـ بقدر مثقال مثلاً، إذ لو شرب ما في الدرجة الرابعة فمات فإنه لم يعلم أنه لحره أو لبرده، أو شرب عشر مثاقيل فازداد حرارة، فإنه لا يعلم أنه لحر الدواء أو لأن الدواء لكثرته أوجب انسداد المسام، فقويت الحرارة الغريزية مثلاً (سادسها: أن يكون تأثيره أولياً) بأن يؤثر بعد استعماله مباشرة تقريباً، لا بعد أن خرج من البدن بالهضم مثلاً، إذ لعل التأثير الثاني عرض، وربما كان الأمر بالعكس، كما أنه إذا شرب الإنسان الماء الحار يوجب الحرارة، لكنه بعد مدة تزول الحرارة من الماء ويوجب البرودة (سابعها: أن يكون تأثيره دائماً أو أكثرياً) لأن الطبيعة تؤثر كذلك، فلا عبرة بالتأثير النادر، لأنه يكون لأمر عرضي. (وأما القياس: فيدل) على قوى الأدوية وخواصها (بوجوه، أضعفها) أي أضعف تلك الوجوه: (اللون) أما أنه أضعف الوجوه، فلأن في كل جنس من الألوان أدوية متضادة، فالكافور البارد والفلفل الحار كلاهما أبيض وهكذا (ووجه الاستدلال به) أي باللون (أن البرد يبيض الجسم الرطب) لأنه يوجب تكثيف أجزائه وجمعها وقبضها، فيحدث فرج بينها تملأ بالأهواء فيُرى أبيض لانعكاس الضوء من داخل تلك السطوح الكثيرة، كما في الثلج (ويسود اليابس) لأن البرد يكثفه ويقبضه ويخرج ما بين أجزائه من الهواء (والحر بالعكس) يبيض اليابس، لأنه يخلخله بالإذابة، ويسود الرطب لأنه يجففه ويقل من سطوحه (ثم الرائحة) أقوى من اللون في الدلالة على مزاج الدواء، ووجه كونها أقوى أن أجزاءً منها تصل إلى الحاسة فتدرك خصوصياتها (فالحادة) من الرائحة (للحرارة) لأنها تلذع وتهيج (والندية) وزن: كنفه، التي فيها تسكــين للنفس والروح (وعدم الرائحة للبرودة) فإن البارد لا يلذع، بل تسكن إليه النفس (ثم الطعم) أقوى من الرائحة في الدلالة على مزاج الدواء، ووجه كونه أقوى، أن الرائحة إنما تنفصل من بعض أجزاء الجسم، بخلاف الطعم، فإنه يصل من جميع أجزائه أثر إلى القوى الذائقة، فتدركه بجميع أجزائه (ويختلف الطعم باختلاف المادة) الحاملة للطعم (وباختلاف الفاعل) للطعم والفاعل هو المزاج، فمثلاً للسكر مادة رملية ومزاج، والأول هي الحامل للحلاء، والثاني هو الذي يفعل الحلاء، ويعرف الفرق بالقياس: فالرمل له المادة المماثلة وليس له المزاج، والعسل ليس له المادة المماثلة وله المزاج (فالمادة: إما كثيفة، أو لطيفة، أو متوسطة بينهما) لا كثيفة ولا لطيفة (والفاعل: إما الحرارة، أو البرودة أو الاعتدال بينهما) فالأقسام تسعة (فالكثيف الحار مر) كالحنظل (و) الكثيف (البارد عفص) كالشب (و) الكثيف (المعتدل) بين الحرارة والبرودة (حلو) كالسكر (واللطيف الحار حريف) كالفلفل (و) اللطيف (البارد حامض) كالليمون (و) اللطيف (المعتدل) بين الحرارة والبرودة (دسم) كالدهن (والمتوسط) بين الكثيف واللطيف (الحار مالح) كالملح (و) المتوسط (البارد قابض) كالسفرجل (و) المتوسط (المعتدل) بين الحار والبارد (تفه) والكلام حول ذلك طويل نكتفي منه بهذا القدر. (وقد يقع بسبب الرائحة واللون والطعم غلط في الممتزج مزاجاً ثانياً) إذ الممتزج قد يغلب عليه لون البياض لجزئه الأبيض، فيظن أنه بارد، والحال أنه حار لجزئه الحار الذي لا لون له مثلا، وهكذا وذلك بخلاف البسيط الذي يعبر عنه بالممتزج امتزاجاً أولياً، لامتزاجه من العناصر الأربعة (وذلك) الغلط (بـ) سبب (أن يكون لأحد مفرداته طعم أو لون أو رائحة ويكون ذلك فيه قوياً غالباً) لم يتمكن المخالف له في المزاج إبطاله (وتكون حرارته وبرودته) المخالفة لذلك الظاهر من أحد الثلاثة (ضعيفة مغلوبة لم تظهر) فيكون الحار مزاجه أبيض، والبارد مزاجه أسود، وهكذا (فيغلب على ذلك الممتزج طعم ذلك المفرد) الغالب القوي (أو لونه أو رائحته، وتكون الكيفية) المزاجية (التي هي الحرارة أو البرودة) أو الرطوبة أو اليبوسة (تابعة لمفرده الآخر) فلا يدل الطعم واللون والرائحة على المزاج (مثال ذلك: لو خلط رطل من اللبن مع مثقالين من الفرفيون) وهو صمغ حار حاد يابس في الدرجة الرابعة (لكان المجموع حاراً جداً) لحرارة جزئه (مع بياضه) التابع لغلبة لون اللبن (ويكون مع ذلك) المزاج الحار (البياض للبرد الموجود في أحد البسيطين) وهو اللبن (لا للمجموع) وذلك دليل على أن اللون والطعم والرائحة غالبي لا دائمي. (ومما يدل على كيفية الدواء) وأنه حار أو بارد أو غيرهما (سرعة الانفعال) عن الحرارة الخارجية لدى إحراق الدواء أو طبخه (وبطؤه) لكن ذلك بشرط، وهو أنه (إذا تساويا) أي الدواءان اللذان نريد أن نعرف أيهما حار وأيهما أكثر حرارة (في اللطافة) أي رقة القوام (والكثافة) أي ضيق المسام (والتخلخل) أي سعة المسام (والفرج) عطف بيان للتخلخل (فأيهما قبل الاشتعال) بالنار عند إحراقه (أسرع) من الآخر (دل على أن الجزء الناري فيه أكثر) فيتعاضد الجزء الناري مع النار، فيشتعل أسرع (وأيهما قبل الحرارة) في صورة طبخ الدواء، أو اقترابه من النار بدون إحراقه (أو البرودة) المجمدة في صورة تقريبه من الثلج ونحوه (أسرع، فتلك الكيفية فيه أقوى) لأنه يتعاضد جزؤه الداخل مع الفاعل الخارجي، فيقبل الأثر أسرع (بشرط أن يكون المؤثر) فيهما (والقرب منه) أي من المؤثر (متساويين) بأن يلقيان في نار واحدة، أو يقربان من نار بحيث يكون الفصل بين كل وبين النار ذراعاً، وذلك واضح. (وقد تستعمل في الباب الثاني) الذي هو في أحوال الأدوية والأغذية المفردة (ألفاظ) اصطلاحية (غير مشهورة، فنريد) الآن (أن نشرحها) ليسهل على المبتدئ: (الدواء اللطيف: ما من شأنه التصغر) أي الانقسام إلى أجزاء صغيرة (عند فعل حرارتنا الغريزية فيه كالدارصيني) فإنه يتفتت إلى أجزاء صغار جداً عند الهضم (والكثيف: ما يقابله) أي يقابل اللطيف، فلا ينقسم إلى أجزاء صغار عند عمل الحرارة الغريزية فيه (واللزج: ما لا ينقطع عند الامتداد) كالمطاط الذي إذا امتد لا ينقطع كالعسل (والهش) عكسه فهو: (ما يتفتت بأدنى مس) ولو بدون التمديد (كالصبر) ولذا فهو لا يقابل اللزج تماماً (والجامد: ما من شأنه أن يسيل، وهو في الحال مجتمع غير سيال) أي ما له قابلية السيلان مع عدم فعليته (كالشمع) حال جموده (والسائل: ما من شأنه أن تنبسط أجزاؤه إلى أسفل) كالماء والحليب وسائر المايعات (واللعابي: ما تنفصل عنه إذا نقع في الماء أجزاء) تخلط بالماء (ويصير المجموع لزجاً كالخطمي) والصمغ (والدهني: ما في جوهره دهن كاللبوب) كلب الجوز والفستق وغيرها (والمنشف: ما إذا لاقته مائية غاصت) تلك المائية (في مسامه الخفية، فلا يظهر فيه أثر منها) أي من المائية (كالنورة غــير المصفاة) بخلاف المصفاة فليست كذلك (والملطف: ما يجعل قوام المادة) الموجودة في البدن (أرق) مما كانت عليه (كالزوقاء) وذلك ورق كالخطمي (والمحلل: ما يهيئ المادة للتبخير كالجندبيدستر) وهو خصية كلب الماء (والجالي: ما يجرد الرطوبة اللزجة عن فوهات مسامات العضو) ويزحزحها (كالحموضات) فإنها كذلك (والمخشن: ما يجعل أجزاء سطح العضو مختلفة الوضع) في الارتفاع والانحطاط، أي يجعله خشناً (بعد ملاسة طبيعية أو) ملاسة (عارضة) كما تمتس الرحم أو المعدة أحياناً (عن مادة لزجة) انبسطت على السطح فجعلته أملس كشحم الرمان (والمفتح: ما يخرج المادة السادة) أي المحتبسة (عن المجرى إلى خارج كالكرفس) فإنه مفتح لسدد (والمرخي: ما يلين جرم العضو بحرارته المعتدلة وبرطوبته الملينة) فإنهما يرخيان العضو (كالماء الحار) فإنه بحره ورطوبته يلين ويرخي (والمنضج: ما يعدل قوام الخلط) بتغليظ ما رق، وترقيق ما غلظ (ويهيئ للدفع) كالأدوية المركبة المستعملة قبل المسهل (والهاضم: ما يفيد الغذاء سرعة إنضاج) ليصلح للذهاب إلى الكبد، وينقلب دماً كالأبازير (والمحلل للرياح: ما يرقق قوام الريح) حتى تصير بعد التكاثف كالهواء الرقيق (ليندفع) عن البدن (كالسذاب) وزن سحاب، هو من الحشائش (والمقطع: ما يقسم المادة إلى أجزاء صغار ويفرق اتصالها وأن بقيت على غلظها) كالأدوية الحريفة (والجاذب: هو ما يحرك المادة إلى موضعه) المطلوب جذبها إليه، كالأدوية الحارة الجاذبة (واللاذع: ما يفرق بقوة نفاذة له) أي نفاذة في الجسم (اتصال العضو في مواضع كثيرة لا يحس) الإنسان (بانفرادها) أي كل موضع موضع منها، وإنما يحس بالألم في مجموع العضو، ولذا قال: (بل يحس) بالألم (بجملتها) وذلك (كالخردل) والخل (والمحمر: ما يجذب الدم بقوة إلى الجلد، فيحمر اللون) لانتشار الدم تحته كالدلك الشديد (والمحكك: خلطاً لذاعاً) كالصفراء، فيحس الإنسان باللذع في جلده، كالسقمونيا إذا شرب (والمقرح: ما يفني الرطوبة الأصلية) التي هي بين أجزاء الجلد (ويجذب مادة رديئة إلى ذلك الموضع حتى يقرح) وتحدث القرحة (كالبلادر) والبصل إذا ضمد (والمحرق: ما يفني بحرارته لطيف الأخلاط) بأن تذهب رطوبتها وتبقى أجساماً رمادية جامدة كالحر الشديد (والأكّال ما يبلغ تحليله إلى أن ينقص قدراً من جوهر اللحم) لا بسبب الإسقاط، بل بسبب التبخير (كالزنجار) الذي يأكل اللحم الزائد ونحوه (والمفتت: ما يصغر أجزاء الخلط المتحجر) كحصاة الكلية ونحوها (كالحجر اليهودي) الذي يفتت الخلط المتحجر، فيسهل إخراجه بسبب تصغيره إلى أجزاء (والمعفن: ما يفسد مزاج الروح والرطوبة الأصلية) الموجودة في الأعضاء (حتى لا تصلح) الروح (لما أعدت له) من الأعمال (كالزرنيخ) ويلزم من ذلك فساد العضو (والكاوي: ما يحرق الجلد فيجففه ويجعله كالحممة) حمم، على وزن صرد: الفحم (كالقلقطار) وهو الزاج الأصفر (والقاشر: ما يبلغ من فرط جلائه إخراج الجلد الفاسد كالقسط) هو بالضم دواء خشبي معروف (والمقوي: ما يعدل مزاج العضو) بأن يسخن البارد، ويبرد الساخن، حتى يكون كيفاً معتدلاً غير منحرف و(حتى لا يقبل الفضول) فإن العضو إذا صار منحرفاً ضعيفاً قبل الفضول (كدهن الورد) ونحوه (والرادع: ضد الجاذب) وهو ما يبرد العضو ويكثفه، ويجمد الفضول، فلا تنفذ في العضو، كالرمان المستعمل بعد الإسهال، لعدم انصباب الخلط إلى المعدة (والمغلظ: مضاد للملطف) فهو ما يجعل قوام الرطوبة أغلظ مما كان عليه كالتين (والمفجج: مضاد للهاضم) فهو ما يجعل الغذاء فجاً لا يطبخ، كشرب الماء أثناء الطعام (والمخدر: ما يجعل بقوة برده الروح الحساس والروح المحرك للعضو غير قابل للتأثير النفساني) فلا تؤثر النفس في الروحين حتى يعملان عملهما (كالافيون) وهو الترياك (والمنفخ: ما فيه رطوبة فضلية غليظة لا تقوى الحرارة على تحليلها) لغلظتها (بل تستحيل رياحاً كاللوبيا) الموجب للنفخ، ويوجد الرياح (والغسال: ما ينحي المادة) المشتبهة بالعضو (برطوبته وسيلانه عليها، لا لجلائه كالماء) فإن الجالي هو الذي يزحزح المادة بدون الرطوبة والسيلان (والموسخ للقروح: ما يرخيها برطوبته) الغليظة فتبقى في القرح، ويتسخ بسببه (والمزلق: ما يبل سطح الفضلة المحتبسة في المجرى) بسبب رطوبته الرقيقة التي تكون مغسلة للفضلة (فتنزلق) الرطوبة (بثقلها) الطبيعي لأنه إذا زال تشبثها بالعضو، تميل بسبب الدافعة (كالاجاص) وهو قسم من الفواكه (والملمس: ما ينبسط على سطح عضو خشن فيستر خشونته) لما فيه من الرطوبة اللزجة (والمجفف: ما ينقي الرطوبة من البدن بتلطيفه وتحليله) ولا يجذب الرطوبة إلى نفسه بخلاف المنشف ـ الذي سبق ـ (والقابض: ما يجمع أجزاء العضو فيتكاثف) وتنسد مجاريه فلا يمر فيه الغذاء ونحوه كالإهليلج (والعاصر: ما يبلغ قبضه إلى إخراج ما في تجويف العضو) من الرطوبات الرقيقة فهو أقوى من القابض (والمسدد: ما يحتبس في المجرى لكثافته ويبوسته) فلا يجري ويورث السدة (أو لتغريته) فإذا ورد على البدن صار لزجاً (فينسد) المجرى بسببه (والمغري: دواء يابس ذو رطوبة لزجة يلتصق بها) أي بسبب تلك الرطوبة اللزجة (على الفوهات) للمجاري (فيسدها) فيحتبس ما يسيل منها (والمدمل: يجعل الرطوبة التي بين شفتي الجرح لزجة) بسبب يبسه (فتلتصق إحداهما بالأخرى مثل دم الأخوين) وهو دواء وبذلك يحصل الاندمال (والمنبت للّحم: ما يعقد الدم الوارد على الجراحة لحماً) فقد عرفت أن اللحم إنما هو الدم المنعقد بسبب تحلل مائيته (والخاتم: ما يجعل على سطح الجراحة خشكريسة) وهي الجلية بسب تجفيفه للسطح الأعلى من الجرح (تكنّها) أي تكن الجلبة الجراحة (عن الآفات) إلى أن ينبت عليها اللحم والجلد (والترياق والفادزهر) اسمان لـ: (كل ما يحفظ صحة الروح وقوتها لتتمكن من دفع ضرر السموم، بخاصية فيه) وقد عرفت سابقاً معنى الخاصية. |