| فهرس الفصل الخامس | المؤلفات |
|
ما ينبغي على المعالج عمله |
|
ولنختم هذا الفن بوصف في أمر المعالجات: ينبغي للمعالج أن لا يعود الطبيعة الكسل، بأن يعالج كل انحراف في الصحة، ولا أن يجعل شرب المسهل والمقيئ ديدناً، وحيث أمكن التدبير بأسهل الوجوه فلا يعدل، ويتدرج من الأضعف إلى الأقوى إذا لم يغن الأضعف، إلا أن يخاف فوت القوة وحينئذ يجب أن يبدأ بالأقوى، وأن لا يقيم في المعالجات على دواء واحد فتألفه الطبيعة، وأن لا يدوم على الغلط أو يهرب عن الصواب لتأخر أثرهما، ولا يجسر على الأدوية القوية في الفصول القوية، وحيث أمكن التدبير بالأغذية الدوائية فلا تعدل عنها إلى الأدوية لما ذكر، وإذا أشكل عليك المرض أحار هو أو بارد فلا تجربن بمفرط في الكيفية، واحذر من تغليط التأثير العرضي، وإذا اجتمعت أمراض فابدأ بما يخصه إحدى ثلاث خواص، أحدها: أن يكون برء الآخر موقوفاً على برئه، كالورم والقرحة، فابدأ بالورم، وثانيها: أن يكون أحدهما سبباً للآخر، كالسدة والحمى العفنية، فابدأ بإزالة السبب، وثالثها: أن يكون أحدهما أهم من الآخر، كالحاد والمزمن، فابدأ بالحاد، ومع هذا فلا تغفل عن الآخر، وإذا اجتمع مرض وعرض، فابدأ بالمرض إلا أن يكون العرض أقوى، كالقولنج الشديد الوجع، فسكن أولاً الوجع، ثم عالج السدة. |
|
(ولنختم هذا الفن بوصف في أمر المعالجات) يعم أثره فنقول: (ينبغي للمعالج أن لا يعود الطبيعة الكسل، بأن يعالج كل انحراف في الصحة) بمجرد الانحراف حتى تعتاد الطبيعة أن تكسل، ولا تطرد هي بنفسها المرض، انتظاراً للعلاج (ولا أن يجعل شرب المسهل والمقيئ ديدناً) وعادةً حتى تكسل الطبيعة ولا تدفع الفضول بنفسها، بل انتظرت العلاج والطارد الخارجي (وحيث أمكن التدبير بأسهل الوجوه فلا يعدل) إلى الأصعب من ذلك، فلو كان علاج الحمى الحارة الاستحمام بالماء البارد، فلا يعدل منه إلى شرب الدواء، فإن الأدوية مطلقاً وخصوصاً الأقوى منها ـ فيما دار الأمر بين الأقوى والأضعف ـ تنافي الطبيعة، إذ ما من دواء إلا ويهيج داءاً كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام (ويتدرج) في المعالجة (من الأضعف إلى الأقوى إذا لم يغن الأضعف) لما ذكر (إلا أن يخاف فوت القوة) بسبب إطالة المرض، أو صعوبة العلاج بسبب بقاء العلّة (وحينئذ يجب أن يبدأ بالأقوى) للتحفظ على القوة وسهولة العلاج (وأن لا يقيم في المعالجات على دواء واحد فتألفه الطبيعة) فلا يؤثر في الابلال. إذ الطبيعة إذا اعتادت شيئاً لم يؤثر فيها، فاللازم الانتقال من دواء إلى دواء آخر (وأن لا يدوم على الغلط أو يهرب عن الصواب لتأخر أثرهما) فإذا أعطى دواءاً غلطاً فلم ير أثراً شيئاً، فلا يدوم عليه، فلعله يظهر أثره بعد ذلك لوجود مانع فعلاً عن ظهور أثره، وكذلك إذا أعطى دواءاً صواباً فلم يظهر أثره، فلا يهرب منه بحجة أنه لم ينفع، فلعل أثره يظهر فيما بعد (ولا يجسر على الأدوية القوية في الفصول القوية) كالصيف والشتاء، إذ القويان الدواء والفصل إذا وردا على البدن أنهكاه، وربما سبب ذلك العطب (وحيث أمكن التدبير بالأغذية الدوائية) مما تقدم تعريفه (فلا تعدل عنها إلى الأدوية) في طرد المرض (لما ذكر) من أن الأدوية منافية للطبيعة ضارة بها، بخلاف الغذاء فإنه ملائم لا ضرر له (وإذا أشكل عليك المرض أحار هو أو بارد) وأردت أن تجرب المرض بإعطاء الدواء إلى المريض ليظهر أثره (فلا تجربن بـ) دواء (مفرط في الكيفية) فيسبب ذلك ضرراً كبيراً، بل جرب بدواء خفيف، فمثلاً إذا صارت السكتة ولم تعلم أنها باردة ـ كما هي البالغة ـ أم حارة فأعط دواء بارداً خفيفاً، فإن اشتد المرض دل على أنها باردة، وإن تحسن دل على أنها حارة (واحذر من تغليط التأثير العرضي) فإن الدواء قد يكون حاراً بالذات، لكنه يؤثر برودة بالعرض، وبالعكس فالماء البارد مسخن بالعرض لأنه يسد المسام الجلديــة فتحتقن الحرارة في الداخلة وتوجب حرارة عرضية (وإذا اجتمعت أمراض فابدأ) في العلاج (بما يخصه إحدى ثلاث خواص، أحدها: أن يكون برء الآخر موقوفاً على برئه، كالورم والقرحة، فابدأ بـ) علاج (الورم) لأن القرحة تندمل بعد اعتدال المزاج، وذلك لا يكون إلا بعد علاج الورم، فإن المزاج سيء ما دام الورم باقياً (وثانيها: أن يكون أحدهما سبباً للآخر، كالسدة والحمى العفنية) فإن السدة هي السبب في الحمى، لأنها تمنع التنفس والترويح، فتعفن المادة، وتورث الحمى (فابدأ بإزالة السبب) الذي هو السدة في المثال، إذ لا يذهب المعلول إلا بإزالة علته (وثالثها: أن يكون أحدهما أهم من الآخر) وأشد خطراً (كالحاد والمزمن) فإن الحاد أشد خطراً لإنهاكه القوى (فابدأ بالحاد، ومع هذا فلا تغفل عن الآخر) لكن صب جل اهتمامك على الأقوى (وإذا اجتمع مرض وعرض) كالحمى العفنية والصداع الحاصل من حر الشمس (فابدأ بالمرض) لأنه المرض الحقيقي، وأما العرض فهو شيء طارئ يزول بسرعة (إلا أن يكون العرض أقوى، كالقولنج الشديد الوجع فسكن أولاً الوجع) بالمخدرات ونحوها، لأنه يُخاف من الوجع أن ينهك القوى ويحلل البدن، فاللازم الإسراع في علاجه وإن كان عرضاً (ثم عالج السدة) الحاصلة في الأمعاء، مما سبب القولنج. |