| فهرس الفصل الرابع | المؤلفات |
|
في التقيؤ والفصد والحجامة |
|
واعلم: أن القيء ينقي المعدة ويقويها، ويحد البصر، ويزيل الثقل من الرأس، وينفع قروح الكلى والمثانة، وينفع الأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء والفالج والرعشة، وينفع اليرقان. وينبغي أن يستعمله في الشهر مرتين متواليتين، من غير حفظ دور، ليتدارك القيء الثاني ما قصر الأول، وأن ينقي فضلاً ينصب بسببه. والإكثار من القيء يضر المعدة، ولأنه يجعلها قابلة للفضول، ويضر الأسنان، وكذلك يضر البصر، ويضر السمع، وربما صدع عرقاً. ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق، أو ضعف في الصدر، أو هو دقيق الرقبة، أو مستعد لنفث الدم، أو عسر الإجابة له. ومن الناس من يحب أن يمتلئ طعاماً لنهمه ثم لا يحتمله ويتقيأ، وذلك يعجّل هرمه، ويوقعه في أمراض رديئة، ويجعل القيء له عادة. والإسهال والقيء مع النقاء، أو يبوسة الثفل، أو ضعف الأحشاء، أو هزال المراق صعب خطر. ووقت القيء هو الصيف والربيع، دون الشتاء والخريف. والإسهال في الصيف يجلب الحمى. ويعسر لتعارض جذب الدواء وجذب الحر، وفي الشتاء أعسر لجمود الخلط، والربيع يتلوه الصيف المحلل فلا يستعمل فيه إلا ما لطف، وأما الخريف فهو الوقت. ويجب عند القيء أن يعصب العينان، ويقمط البطن، فإذا فرغ منه فليغسل الوجه بماء بارد، وقليل خل، ليمنع ثقلاً يحدث في الرأس، وليشرب مثل شراب التفاح، مع قليل مصطكي، وماء ورد. والقيء يجذب من تحت، والإسهال من فوق. وفصد الباسليق ينقي تنور البدن، وفصد القيفال وحبل الذراع نافع للرقبة وما فوقها، وفصد الأكحل شترك النفع، وفصد الاسيلم الأيمن لأوجاع الكبد، والأيسر لأوجاع الطحال، وفصد عرق النساء لأوجاع عرق النساء عظيم، وللدوالي والنقرس، وفصد الصافن لإدرار الحيض، ولمانع عرق النساء. والحجامة على الساقين تقارب الفصد، وتدر الطمث، وتنقي البدن، والحجامة على القفا للرمد والبخر والقلاع والصداع، خاصة في مقدم الرأس، ولكنها تورث النسيان، وأكثر الناس يكرهون في مقدم الرأس لأنها تضعف الحس وللحجامة فوائد، أحدها: تنقية العضو نفسه، وثانيها: قلة استفراغها لجوهر الروح، وثالثها: قلة تعرضها للأعضاء الرئيسية. والحقنة معالجة فاضلة في نفض الفضول، وفي الجذب من أعلى البدن، وفي القولنج. ووقتها الأبردان. |
|
(واعلم: أن القيء ينقي المعدة) من الفضول الموجود فيها (ويقويها) لأن الفضول التي كانت كَلاًّ على المزاج، لو أزيلت عادت القوة والنشاط (ويحد البصر) لأن ضعفه مستند للفضول الموجودة في المعدة أو الرأس لتصاعد الأبخرة منها إليه، فإذا نقيت المعدة ينقى الرأس تبعاً، فيحد البصر، سواء كانت الكدرة بسبب المعدة أو بسبب الرأس (ويزيل الثقل من الرأس) لما تقدم (وينفع قروح الكلى والمثانة) لأن القيء يجذب المواد، فتنصرف عنهما (وينفع الأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء والفالج والرعشة) فإن مواد هذه الأمراض باردة غليظة، والقيء لعنف حركته يسخن ويذيب المواد ويخرجها. هذا مضافاً إلى أن المقيئات غالباً حارة فتعين في إزالة مواد هذه الأمراض (وينفع اليرقان) لأنه يقلع السدة التي صارت في مجرى المرارة، لما تقدم (وينبغي أن يستعمله) أي القيء، الإنسان الصحيح (في الشهر مرتين متواليتين، من غير حفظ دور) أما أصله، فلأنه يدفع الفضول المجتمعة في المعدة بدون سمية الدواء المسهل، وأما في كل شهر، فلما دلت التجربة على أن التجمع يكون في كل شهر، وأما عدم حفظ الدور، فلئلا تتعود الطبيعة بصب الفضول في المعدة اتكالاً على إخراجها بالقيء، فيكون ضره أقرب من نفعه، وأما كونه مرتين (ليتدارك القيء الثاني ما قصر) القيء (الأول) عن إخراجه، فإنه قد لا ينقلع الغليظ من المواد بسبب الأول، لكنه ينقلع بالثاني لخفته بالقيء الأول (و) لـ (أن ينقي) الثاني (فضلاً ينصب بسببه) أي بسبب الأول في المعدة، إذ القيء لشدة تحريكه يجذب إلى المعدة بعض المواد من سائر الأعضاء، فيبقى فيها بعد تمامية الأول، فالثاني هو لتنقية هذا الفضل أيضاً (والإكثار من القيء يضر المعدة) فإن الحركة القوية تجذب المعدة إلى فوق فتتمدد، ويهلهل بسبب ذلك نسجها فتضعف (ولأنه) أي الإكثار (يجعلها) أي المعدة (قابلة للفضول) لأن الطبيعة تعتاد ما تكاثر عليها، فالمعدة تجمع الفضول وتجذبها مستمراً، وذلك ضار بالبدن (ويضر الأسنان) لأن القيء موجب لانصباب المواد إليها، وبينها والسن لطيف فتتأثر بذلك، خصوصاً بالحامض منه، لأنه يحدث فيها خشونة ويذهب بطلائها (وكذلك يضر البصر) لأنه يزعرع الحدقة بسبب تحريكه القوى، ويوسع الثقبة العنبية لحصر النفس، وذلك موجب لانتشار النور، ويوجه الأبخرة إليها وهي تكدر الإبصار (ويضر السمع) لتوجه الأبخرة الفضول إليه وتحريك أعصابه (وربما صدع) القيء (عرقاً) لأن الهواء إذا انحصر في الرئة توجه إلى العروق مستصحباً الأبخرة، فإذا اشتد وكان العرق ضعيفاً صدعه. (ويجب أن يجتنبه) أي القيء (من به ورم في الحلق) لأنه يجلب المواد من أعالي البدن، فإذا كان في الطريق عضو متورم قبلها وازداد الورم (أو ضعف في الصدر) لأنه يقبل حينئذ المواد المتوجهة إليه (أو هو دقيق الرقبة) لأن المجاري حينئذ ضيقة، فإخراج القيء منها يوجب تمديدها وربما انصدع عرق فيها (أو مستعد لنفث الدم) بسبب ضيق عرق صدره، فإنه حينئذ يكون معرضاً قريباً للانصداع (أو عسر الإجابة له) أي للقيء، بأن تكون المواد مائلة إلى السافل، لأنه يوجب عسراً وتحريكاً عنيفاً يخشى منهما الانصداع والهيجان في المادة (ومن الناس من يحب أن يمتلئ طعاماً لنهمه) أي في حرصه في الأكل (ثم لا يحتمله) لأن المعدة إذا تملت بالطعام تمددت، فأورثت إيلاماً وعسراً (ويتقيأ) لإزالة الثقل (وذلك يعجّل هرمه) لقلة الغذاء الواصل إلى الأعضاء بسبب التقيؤ (ويوقعه في أمراض رديئة) كسقوط القوة وضعف المعدة (ويجعل القيء له عادة) حتى أنه كلما أكل غذاءاً قذفته المعدة لاعتيادها ذلك (والإسهال والقيء مع النقاء) مع نقاء البدن من الفضول (أو يبوسة الثفل) الكائن في المعدة (أو ضعف الأحشاء) الداخلة (أو هزال المراق) وهو الغشاء المستبطن للأحشاء. وقال الشيخ: هو جلد البطن مع الغشاء والعضل الذي تحته (صعب خطر) إذ مع النقاء يوجبان إفراغ الخلط الصالح، وذلك موجب لهيجان الأبخرة والكرب، وتحرك الأخلاط، ومع اليبوسة تكون الأمعاء منسدة بالثفل اليابس، فإذا سالت المواد إليها بسببها حدث القولنج، ومع ضعف الأحشاء فإن الإسهال يوجب ورمها، لأن المواد إذا انصبت إليها مع ضعفها ثفلت قسماً منها، وأورث ذلك الورم، والقيء ببسب عنف التحرك يوجب خرق الأحشاء الضعيفة، ومع ضعف المراق يخشى من القيء أن يفرق اتصال المراق، ومع الإسهال يخشى من الورم كما سبق. (ووقت القيء هو الصيف والربيع) لأن المواد فيهما سائلة مطاوعة للخروج، والأحشاء وأعضاء الصدر قابلة للتمدد والتحرك للينها (دون الشتاء والخريف) لصلابة المادة فيهما، وعدم قابلية الأعضاء للتمدد لتجمدها بالبرد (والإسهال في الصيف يجلب الحمى) لتضاعف الحرارة بسبب الهواء والإسهال على البدن. (ويعسر) الإسهال في الصيف (لتعارض جذب الدواء) المواد إلى الداخل (وجذب الحر) المواد إلى الخارج (و) الإسهال (في الشتاء أعسر) من الإسهال في سائر الفصول (لجمود الخلط) وعدم استعداد الأعضاء كما تقدم (والربيع يتلوه الصيف المحلل) للأخلاط (فلا يستعمل فيه إلا ما لطف) من المسهلات، لأن المسهل إذا كان قوياً حلل القوة كثيراً، فإذا جاء الصيف والبدن ضعيف ازداد ضعفاً (وأما الخريف فهو الوقت) المناسب للإسهال، لعدم كونه كالشتاء في الجمود، ولا كالربيع والصيف في حر الفصل ليجتمع على الطبيعة حران ويكون التجاذب من الجانبين (ويجب عند القيء أن تعصب العينان) حتى لا يؤثر فيهما التحرك العنيف، فيسبب جحوظهما، فإن العين للطافتها بالرطوبات يسرع إليها التحرك والانحراف (ويقمط البطن) لئلا يحدث الفتق، بسبب التحرك العنيف، ولئلا تتحرك الأمعاء عن مواضعها (فإذا فرغ منه) أي من القيء (فليغسل الوجه بماء بارد) فإنه يمنع المواد المتوجهة إلى الوجه عن الوصول، لأنه يبرد سيلانها، ويكشف المسام، ويرد الأبخرة (وقليل خل) لأنه بحدته يوصل الماء البارد إلى أعماق الوجه والرأس (ليمنع ثقلاً يحدث في الرأس) حاصلاً من الأبخرة والمواد (وليشرب) بعد القيء (مثل شراب التفاح مع قليل مصطكي وماء ورد) فإنها تقوي المعدة والقلب وغيرهما مما حصل لها الضعف (والقيء يجذب) المواد (من تحت) من معا القولون المتصلة بالأعور (والإسهال) يجذب (من فوق) لأن التحريك ـ في القيء ـ يبتدئ من الأسفل، والإسهال يغسل من أول المجرى لمروره عليه. في أقسام من الفصد: (وفصد الباسليق) وهو وريد عند مجمع الذراع. والفصد مائل إلى أسفل الساعد من وسط إنسيه (ينقي تنور البدن) وهو ما اشتمل على الأحشاء. (وفصد القيفال) وهو وريد عند مجمع الساعد. والفصد على الجانب الوحشي، ما بين أعلا الساعد وإنسه (و) فصد (حبل الذراع) وهو الوريد الممتد من إنستي الساعد إلى أعلاه، ثم إلى وحشيه (نافع) هذان (للرقبة وما فوقها) لأنهما يستفرغان من الرقبة وما فوقها (وفصد الأكحل) وهو وريد دون القيفال أميل إلى أعلى الساعد من وسط إنسيه (مشترك النفع) بين تنور البدن والرأس، إذ هو مركب من القيفال والباسليق (وفصد الاسيلم) وهو وريد بين الخنصر والبنصر (الأيمن) ينفع (لأوجاع الكبد و) فصد الاسيلم (الأيسر) ينفع (لأوجاع الطحال، وفصد عرق النساء) وهو وريد ممتد على الفخذ من الجانب الوحشي إلى الكعب، ومحل فصده قريب الكعب فوقه أو تحته (لأوجاع عرق النساء) نافع (عظيم) لأنه يفرغ مادة المرض رأساً (و) نافع (للدوالي) وهو اتساع عروق الساق والقدم، لما ينزل إليها من الدم والبلغم الزائدان (والنقرس) وهو مرض معروف (وفصد الصافن) وهو وريد ممتد على الساق من الجانب الأيسر إلى الكعب (لإدرار الحيض) فيمن احتسب حيضها من النساء (ولمانع عرق النساء) وهو عرق تقدم معناه.(والحجامة على الساقين تقارب الفصد) في فضله وفائدته (وتدر الطمث) أي الحيض (وتنقي البدن) من الفضول الغليظة، فإنها تتوجه إلى الأسفل لثقلها، وموضع هذا الاحتجام فوق الكعب بشبر ودون الركبة بأربع أصابع (والحجامة على القفا) مؤخر العنق، عند النقرة نافع (للرمد والبخر) في الفم (والقلاع) وهو بثرات تكون في جلدة الفم واللسان (والصداع) وجع الرأس (خاصة) ما كان من الصداع (في مقدم الرأس، ولكنها) أي الحجامة على القفا (تورث النسيان) لأنها تجذب الدم من مركز القوة الحافظة التي في مؤخر الدماغ كما قالوا (وأكثر الناس يكرهون) الحجامة (في مقدم الرأس لأنها تضعف الحس) فإن أكثر الحواس في مقدم الرأس، فجذب الدم موجب لتضعيف الروح الحاسة هناك (وللحجامة فوائد) كثيرة ذكر بعضها المصنف (أحدها: تنقية العضو نفسه) من الفضلات والأخلاط (وثانيها: قلة استفراغها لجوهر الروح) فإن الخارج بها أقل من الخارج بسبب الفصد، إذ الثاني يخرج من جميع البدن، بخلاف الحجامة فإنها تأخذ من العضو (وثالثها: قلة تعرضها للأعضاء الرئيسية) فإنها تجذب من العروق الصغار في الموضع ولا يصل أثرها إلى تلك الأعضاء، بخلاف الفصد. (والحقنة معالجة فاضلة في نفض الفضول) وإخراجها، لأن أثرها يصل إلى الأمعاء مباشرة بدون انكسار قوتها (وفي الجذب) للفضول (من أعلى البدن) لأنها حيث تنقي السافل ينجذب إليه الخلط من العالي (وفي القولنج) فإنه يحدث من ثقل في الأمعاء، فإذا تنقاه الاحتقان كسر سورته (ووقتها) أي الحقنة (الأبردان) الصباح والمساء، لأنها توجب حرارة الباطن بالتحريك وصعود الأبخرة، فلو كان الهواء حاراً أورث اجتماع الحرارتين كرباً وغشياً واضطراباً. |