الفهرس

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

الاستفراغ والاحتباس

وسادسها: الاستفراغ والاحتباس، والمعتدل منهما حافظ للصحة.

وإفراط الاستفراغ يجفف البدن، ويضعف الحرارة إلا أن يكون المستفرَغ بارداً يابساً فيسخن ويرطب.

وإفراط الاحتباس يلزمه السدد، والعفونة، وسقوط الشهوة، وثقل البدن.

وأما الأسباب غير الضرورية ولا المضادة للطبيعة، فكالاندفان في الرمل، والتمرغ فيه، فينشف الرطوبة الغريبة، وينفع الاستسقاء والترهل، وكل ذلك ـ بالحقيقة ـ داخل في الاستفراغ، وكذلك الإدّهان بالزيت. والأدهان المحلّلة.

ومن ذلك رش الماء البارد على الوجه، فإنه ينعش الحرارة الغريزية ويقويها، وينفع الغشي الحادث عن الكرب الحمامي وغيره، وأما الأسباب المضادة للمجرى الطبيعي، فكالغرق، وقطع السيف، وحرق النار، واستعمال السموم.

ولنعدّ أسباباً جزئية، المسخنات: الحركة غير المفرطة، واستعمال المسخنات أغذيةً وأدويةً، داخلاً أو خارجاً بغير إفراط، والغذاء المطلق المعتدل والعفونة والتكاثف.

المبردات: كل ما يسخن إذا فرط، والفجاجة، واستعمال المبردات أغذية وأدوية داخلاً وخارجاً.

المرطبات: أغذية وأدوية من داخل أو خارج، والحمام المرطب، والدعة، وكثرة الغذاء، واجتناب المحللات، واستفراغ المجفف.

المجففات: كل ما يفرط تحليله داخلاً أو خارجاً، وحبس الغذاء عن العضو، واستعمال المجففات. فهذه أسباب أمراض سوء الأمزجة المفردة، وعن تركيبها تعرف أسباب أمراض الأمزجة المركبة.

(وسادسها) أي سادس الأمور الستة الضرورية: (الاستفراغ والاحتباس) بالنسبة إلى أي شيء من شأنه أن يستفرغ ويحتبس، فالمني والدم وغيرهما مما يمكن أن يستفرغ ويمكن أن يحتبس، يلزم أن يكون معتدلاً فلا يفرط في أحدهما، فإن الزيادة في ذلك يوجب أمراضاً وعللاً (والمعتدل منهما) بأن يكونا على قدر تطلب الطبيعة، فيستفرغ الفضول، ويحتبس ما يحتاج إليه البدن (حافظ للصحة) فإذا زاد الخلط استفرغه بالفصد والحجامة وما أشبه، وإذا نقص أنماه وأبقاه وحبسه، حتى تتأتى الأعمال الطبيعية على وجهها الملائم.

(وإفراط الاستفراغ يجفف البدن) فإن الأخلاط أجسام رطبة، واستفراغ الرطوبات يجفف البدن، وكذلك بالنسبة إلى سائر ما يمكن أن يستفرغ (ويضعف الحرارة) إذ الحرارة الغريزية تضعف عند ضعف الرطوبة الغريزية بسبب الاستفراغ (إلا أن يكون المستفرَغ) بصيغة المفعول (بارداً يابساً) كالسوداء (فـ) استفراغه (يسخن ويرطب) لوضوح أنه إذا أفرغ البارد اليابس عمل ضدهما وهو الحار الرطب لأن انعدام أحد الضدين الذين لا ثالث لهما يوجب وجود الضد الآخر. (وإفراط الاحتباس) للأخلاط وغيرها (يلزمه السدد) لأن الفضلــة المحتبسة توجب غلق المجاري فتحدث السدة (و) يلزمه (العفونة) فإن الفضلة تتعفن بالبقاء بعد عدم اعتناء الطبيعة لها لاستغنائها عنها (و) يلزمه (سقوط الشهوة) إلى الأكل وما أشبه، لامتلاء البدن بالفضول، فلا مجال له للطلب، كالذي تمتلئ معدته من الروث فإنها لا تطلب غذاءً طيباً لعدم المجال (و) يلزمه (ثقل البدن) لوجود الفضلات الزائدة فيه.

ذكرنا في أول الجزء الثالث من أجزاء الجزء النظري للطب أن الأسباب على ثلاثة أقسام: ضرورية وهي ستة، وغير ضرورية مضادة للطبيعة، وغير ضرورية غير مضادة لها، وقد ذكرنا القسم الأول فنقول: (وأما الأسباب غير الضرورية ولا المضادة للطبيعة، فكالاندفان في الرمل) إلى الرقبة أو إلى الحقو أو نحو ذلك (والتمرغ فيه) أي في الرمل كما تتمرغ الدابة على الأرض (فـ) إن هذا العمل (ينشف الرطوبة الغريبة) من أطراف الجلد، وإن كان التنشيف في الدفن أكثر لإحاطة الرمل بالجسم في حال واحد بخلاف التمريغ (وينفع الاستسقاء والترهل) لأنهما من الرطوبة، والدفن والتمريغ منشفان لها (وكل ذلك ـ بالحقيقة ـ داخل في الاستفراغ) لأنه استفراغ للرطوبة بهذا الشكل، لكنه حيث كان غير معتاد، جعل من الأسباب غير الضرورية. (وكذلك) من الأسباب غير الضرورية وغير المضادة للطبيعة (الإدّهان) أي تدهين البدن (بالزيت والأدهان المحللة) مثل دهن القسط وهو العود والبان، فإن ذلك ينفع التشنج وأوجاع المفاصل البلغمية.

(ومن ذلك) أي من الأسباب غير الضرورية وغير المضادة للطبيعة (رش الماء البارد على الوجه فإنه ينعش الحرارة الغريزية ويقويها) لأن الماء البارد بتأذيته لأعصاب الوجه ينبه الحرارة الغريزية ويجمعها من أقطار البدن لدفع المؤذي (وينفع) الرش (الغشي الحادث عن الكرب الحمامي) أي الكرب الحاصل من حرارة الحمام (وغيره) كالكرب الحادث عن الحمى الحارة، إذ الحرارة الحاصلة من الحمام أو الحمّى الموجبة للغشي تُطفأ بالماء البارد، وإذا زالت الحرارة ارتفع الغشي، ولتنبيه الدماغ وتبريد الهواء الداخل بالشهيق إلى الرئة، ونحو الرش في إزالة بعض أقسام الغشي، ضرب وجه المريض صفعاً فإنه ينبه الدماغ والأعصاب.

(وأما الأسباب) غير الضرورية (المضادة للمجري الطبيعي فـ) كل شيء يرِدُ على البدن مما يخالف طبعه (كالغرق، وقطع السيف، وحرق النار، واستعمال السموم) ولذع العقارب والحيات، والإلقاء من شاهق، أو إلقاء شيء على الإنسان، أو رميه بشيء، أو تلطيخه بمؤذٍ، وما أشبه ذلك.

(و) حيث فصلنا الأقسام الثلاثة للأسباب، ضروريها وغير ضروريها، مضادها للطبيعة وغير مضادها فـ (لنعدّ أسباباً جزئية) بالنسبة إلى تلك الكليات، وإن كانت هذه الأسباب أيضاً كلية في نفسها وذلك يكون كالتمرين والتنبيه (المسخنات) جمع مسخن، وهو ما يوجب تسخين البدن وإيجاد الحرارة فيه هي: (الحركة غير المفرطة) قلةً وكثرةً، وقوةً وضعفاً، لأن الحركة المفرطة في طرف الضعف والقلة لا تحصل تسخيناً معتداً به، والمفرطة في طرف الكثرة والقوة توجب التبريد كما تقدم (واستعمال المسخنات أغذية وأدوية) أي ما كانت تزيد في حرارة البدن، سواء كان غذاءً كالتمر أو دواءً كالاسقنقور (داخلاً) في البدن بأن يشرب المسخن ويؤكل (أو خارجاً) بأن يطلى بالعضو الذي يسبب التسخين بما يجذب إليه من الدم (بغير إفراط) إذ الإفراط في جانب القلة لا يؤثر، والإفراط في جانب الكثرة يسبب التبريد كما تقدم (والغذاء المطلق) أي أيّ غذاء كان (المعتدل) لأنه يسبب الدم الذي يسخن، (والعفونة) لأن العفونة إنما تحدث بسبب غلبة الحرارة النارية على الرطوبة التي في الممتزج، فتنفصل عنها أبخرة حارة تسخن ما يجاورها (والتكاثف) في ظاهر البدن بسبب البرد الخارجي الموجب لانسداد المسام، فإن الأبخرة حينئذ تحتقن داخل البدن وتوجب الحرارة والتسخين.

(المبردات) هي: (كل ما يسخن إذ فرط) فيها في طرف الزيادة كالحركة، وكالغذاء المسخن ونحوهما، لما تقدم من أن الحرارة الزائدة توجب التبخير الكثير للمواد المسخنة، فتقل الحرارة ويأخذ مكانها الضد الذي هو البرودة، وكذلك إذا فرط في البرد من الخارج، فإن شدة انسداد المسام توجب خنق الأبخرة المحتقنة وفنائها (والفجاجة) بأن يبقى الغذاء بحالة متوسطة، فلا يهضم ولا يخرج عن صلاحيته للهضم، فإن مثل هذا الغذاء يبرد لبرودة جوهره (واستعمال المبردات أغذية وأدوية داخلاً) بأن تدخل الجوف (وخارجاً) كأن يُطلى بها العضو. وإنما يبرد الغذاء الداخلي مع أنه إذا استحال إلى الدم كان سبباً للحرارة، لأن الدم المتولد منه يحمل أجزاء المبرد فيبرد، وإن كان يسبب حرارة في الجملة لصورته الدموية.

(المرطبات) أي التي ترطب البدن هي: (أغذية) تولد الرطوبة لتوليدها الدم الرطب بما يحمل معه من أجزاء مرطبة (وأدوية من داخل) بأن يشرب (أو خارج) بأن يطلى بها (والحمام المرطب) لأنه يفيد الأعضاء رطوبة وبلّة ويتشرب الجلد منها مقداراً (والدعة) أي السكون والهدوء، لأنه تجتمع في البدن الرطوبات التي كانت تتحلل بالحركة (وكثرة الغذاء) لأنها بكثرتها توهن قوة الحرارة وتغمرها فتولد رطوبات وأبخرة رطبة (واجتناب المحللات) لزوال السبب المانع عن الرطوبة فتبقى (واستفراغ) الخلط (المجفف) لزوال المانع عن الترطيب، فتتولد الرطوبة وتبقى.

(المجففات) هي: (كل ما يفرط تحليله) بأن يحلل البدن كثيراً (داخلاً) كان، كالأدوية الحارة القوية (أو خارجاً) كالهواء الحار، والجلوس على الأرض الحارة (وحبس الغذاء عن العضو) فإنه يتجفف بالتحليل الدائم، ولا يصل إليه بدل ما يتحلل ليسد مكان الرطوبة المتحللة (واستعمال المجففات) كالأغذية المجففة اليابسة، والأدوية كذلك داخلاً وخارجاً.

(فهذه) المذكورات في ضمن الفصول السابقة (أسباب أمراض سوء الأمزجة المفردة، وعن تركيبها) أي تركيب هذه الأسباب المفردة (تعرف أسباب أمراض الأمزجة المركبة) كما لا يخفى.