الفهرس

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

الاستفراغ أحد الطرق العلاجية

الأشياء التي يجب مراعاتها في كل استفراغ عشرة، الأول: الامتلاء فالخلاء لا محالة مانع، وثانيها: القوة والضعف، مانع إلا أنه ربما كان ضعف قوة الحركة أسهل كثيراً من ترك الاستفراغ ثم يقوي القوى، وثالثها: المزاج، فإفراط الحرارة واليبس، أو إفراط البرودة، وقلة الدم مانع، ورابعها: السحنة، فإفراط القصافة والتخلخل، وإفراط السمن مانع، وخامسها: الأعراض، فالاستعداد للذوب وقروع الأمعاء، وسادسها: السن، فالهرم والطفولية مانع، وسابعها: الوقت، فالقايض، وشديد البرد مانع، ثامنها: البلد، فالحار والبارد المفرطان مانع، وتاسعها: الصناعة، فالشديد التحليل كالمقيم في الحمام مانع، وعاشرها: العادة، فمن لم يعتد الاستفراغ لا يهجم على استفراغه بدواء قوي.

وينبغي أن يقــــصد في كل استفراغ خمسة أمور، الأول: إخراج مــا يؤذي بكميته أو بكيفيته، الثاني: أن يكون بقدر محتمل،

ولا تهولنك كثرة ما يخرج، بل مادام الاستفراغ مما ينبغي أن يستفرغ، والمريض متحمل له، فلا تخف من إفراطه، وإذا سقيت مسهلاً للصفراء فانتهى إلى البلغم فقد بالغ، فكيف إلى السوداء، وأما الدم فأمره خطر، والعطش والنعاس عقيب الإسهال، أو القيء، يدلان على النقاء. الثالث: أن يكون من جهة ميل المادة، والغثيان تنقى مادته بالقيء.

والمغص ينقى بالإسهال. الرابع: أن يكون منه مخرجاً طبيعياً، وأن يكون العضو المنقول إليه المادة أخس، وأن يكون مشاركاً للمأوف كالباسليق الأيمن لعلل الكبد، وأن يكون صبوراً على ما يرد عليه. الخامس: أن يكون بعد الإنضاج، وجوباً في الأمراض المزمنة، واستحباباً في الحادثة، إلا أن تكون المادة مهتاجة، فيكون ضرر تركها أكثر من ضرر استفراغها غير نضجة.

وقد تجذب المادة من عضو شريف، فيجب أن ينتحي عنه إلى أخس منه مخالف لجهته، وإن لم تستفرغ كما يفعل بالمحاجم، والجذب قد يكون إلى الخلاف القريب، وقد يكون إلى الخلاف البعيد، فيشترط فيه أن لا يتباعدا في قطرين، فإذا أورمت اليد اليمنى فلا تجذب إلى الرجل اليسرى، بل إما إلى الرجل اليمنى وهو أفضل لأنه أبعد، أو إلى اليد اليسرى.

وينبغي أن لا تجذب المادة مع امتلاء، ولامع توجه مادة أخرى إليه، فيندفع إلى العضو ما يعسر دفعه إلى حيث يجذب عنه، ويسكن أولاً الوجع، فإنه جاذب فيتعارض جذبك وجذبه، وإذا أوجب الفصد والإسهال وكانت الأخلاط على النسبة الطبيعية بدء بالفصد، فإن غلب خلط استفرغ ذلك بما يوافقه، وإن لم يكن كذلك استفرغ الغالب أولاً ثم فصد، وليكن بينهما مهلة.

وكثيراً ما أوقع شرب الدواء الواجب فيه الفصد في حمّى واضطراب، وقد يؤمر بالاستفراغ، لا لزيادة في كمية الأخلاط، بل لرداءة كيفيتها، أو للاستظهار، أو للتقدم بالحفظ لمن اعتاده مرض، وخصوصاً في الربيع، وقد يعاف عن الاستفراغ فيستبدل عنه بالصوم والنوم، فينبغي أن يتدارك سوء مزاج يوجبه، وقد يستفرغ البدن بالمجففات، كالنوم على الرمل للمستسقي، وقد يحتاج إلى أدوية تناسب الخلط في كيفيته، فيعدلها بتركيبها بما يوافقها في الإسهال ويعدل كيفيتها، كالإهليلج الأصفر لتعديل المحمودة، وهي حارة عند استفراغك الصفراء.

وقد ينقلب المسهل مقيئاً إما لضعف المعدة، أو كون المستفـــرغ ذا تخم، أو ليبوسة الثفل، أو لكراهية الدواء، وقد ينقلب المقيئ مسهلاً، إما لشدة الجوع، أو لكون المتقيئ ذرباً، أو لكونه غير معتاد للقيء، والشاب أخلق بالقيء لصفراويته المطيعة للقيء، بخلاف السوداء، وأما البلغم فبين بين.

والدواء يسهل بقوة جاذبيته لما يختص بها، لا لأنه يجذب الأرق أولاً، ولا للمشاكلة وإلا لجذب الذهب ذهباً يغلبه بالكثرة. وجالينوس يقول ذلك ويزعم: أن غير السمي من الأدوية، إذا لم يسهل، ولد الخلط الذي من شأنه أن يجذبه لأجل المشاكلة، وكذلك يكثر ذلك الخلط في البدن، والحق: إنه ليس كذلك وإن تلك الكثرة لتحرك ذلك الخلط وسيلانه واستحالة غيره إليه، بسبب غلبته عليه.

والحمام قبل الدواء معين عليه، وبعده بيوم محلل لما بقي، ومـــعه قاطع لفعله، والأكل يقطع عمل أكثر الأدوية لاشتغال الطبيعة عن الدفع، ولاختلاط الدواء به فيكسر قوته، ومن لم يصبر على الاستفراغ على الريق أخذ قبل شرب الدواء شيئاً قليلاً، مثل ماء الشعير، وماء الرمان، وإن أخذ عقيب استعمال الدواء مثل الرمان، فربما أعان بعصره.

والنوم على الدواء الضعيف يقطعه أو يضعفه، وعلى الدواء القوي يقوي فعله، والنوم بعد عملهما قاطع. ومن عاف الدواء فليمضغ الطرخون، وأبلغ منه ورق العناب، وقد يُخدر الذوق بالثلج. ومن تنفر عن رائحته سد منخريه، ومن خاف القذف شد أطرافه، وتناول بعده قابضاً مقوياً للمعدة، كالرمان، والريباس، والتفاح، والنعناع.

والماء الحار يشرب منه قدراً يذيب وما يشبهه، وأما عند قطع عمل الدواء فقدر ما يخرجه، ومن وجد مغصاً فليتجرع ماءاً حاراً، وليمش خطوات، وأما عند قطع الدواء فليشرب المحرور بزر قطونا بشراب التفاح وسكر، والمعتدل المزاج يستعمل ذلك مع بزر ريحان، والمبرود قد يقتصر عليه، دون بزر قطونا.

وليكن الغذاء بعد الإسهال والقيء شيئاً لذيذاً، جيد الجوهر، صالح الكيموس، كالفروج. وينقص الأكل عن المقدار المعتاد، فإن الأعضاء لخلوها، فإن عاونتها المعدة المثقلة حدثت سدد وصعب الأمر.

ومن شرب الدواء ولم يسهله لضيق المجاري، وطالت المدة، وأمكن التسكين فعل، وإلا حرك بأكل القوابض، أو بالحقن اللينة، أو بالفتل المسهلة. وأما تحريكه بأن جمع مسهلين في يوم واحد فخطر، وربما احتيج إلى الفصد إن حصلت أعمال منكرة ومالت المواد إلى عضو رئيس، ومن أفرط عليه الدواء بالإسهال فليشد أطرافه ويسقى القوابض، ويضمد بها بطنه، ويطيب بالطيب البارد.

حيث ذكرنا الاستفراغ، نقول: (الأشياء التي يجب مراعاتها في كل استفراغ عشرة) فإذا فات بعضها لم يجز الاستفراغ (الأول: الامتلاء) بأن تمتلئ الأوعية من الخلط أو المادة لكي يستفرغان (فالخلاء لا محالة مانع) لأنه موجب لخروج الخلط الصالح (وثانيها: القوة) للإنسان المريد للاستفراغ (والضعف مانع) لأنه يوجب وهناً على وهن، ويكون ضره أقرب من نفعه (إلا أنه ربما كان ضعف قوة الحركة أسهل كثيراً من ترك الاستفراغ) إذ ضرر الامتلاء عام لجميع البدن، بخلاف ضعف القوة، فيتقدم الاستفراغ (ثم يقوي القوى) بعده. ولا يخفى أن الضعف من الاستفراغ إنما يحصل في قوة الحركة لا في الحس، فإن الحس لا يضعف بالاستفراغ (وثالثها: المزاج، فإفراط الحرارة واليبس، أو إفراط البرودة، وقلة الدم مانع) عن الاستفراغ، لأن الرطوبات الغاذية فيهما تكون قليلة، فالاستفراغ يزيدها قلةً، وقلة الرطوبة مورثة للأمراض (ورابعها: السحنة) وهي حالة الإنسان (فإفراط القصافة) أي الهزال (والتخلخل) للبدن كما في الهواء الحار (وإفراط السمن مانع) عن الاستفراغ، أما القصيف، فلأن رطوباته الغاية قليلة، فالاستفراغ يوجب نفادها، أو قلة ضارة كما تقدم، وأما السمين، فلأن العروق إذا نقص ما فيها ضغط عليها اللحم والسمن لعدم المقاوم، وذلك يسبب انسدادها وضعف الروح فيها، وربما سبب انصباب بعض الفضول إلى الأعضاء (وخامسها: الأعراض) اللازمة (فالاستعداد للذوب) بزلق المعدة (وقروع الأمعاء) مانع عن الاستفراغ، فإن في الأول خوف أن لا ينقطع الاستفراغ لاستعداد الذرب له، وفي الثاني يخشى على الأمعاء من السجح والتجرح والخدش (وسادسها: السن، فالهرم والطفولية مانع) أما الهرم فلضعفه، فربما سبب الاستفراغ انطفاء قوته بالكلية، وأما الطفولية فلتضعيف الاستفراغ قواه ورطوباته، وهما مطلوبان فيه لأنه بصدد النشوء والارتقاء (وسابعها: الوقت، فالقايض) الشديد الحر (وشديد البرد مانع) أما الحر فلأن القوى فيه ضعيفة واهنة، فلا يُزاد على ضعفها ضعف المسهل، وأما البرد فلأن الأخلاط فيه جامدة للبرد، فهي لا تطاوع المسهل في الإخراج، ويكون موجباً للأذية (وثامنها: البلد، فالحار والبارد المفرطان مانع) لما ذكر في الوقت (وتاسعها: الصناعة، فالشديد التحليل كالمقيم في الحمام مانع) لأن المواد فيه ضعيفة فلا مورد للمسهل، وكذلك الذي يعمل في الثلج لأنه بعكسه مجمدة المادة، فلا تجاوب الأخلاط للمسهل (وعاشرها: العادة، فمن لم يعتد الاستفراغ لا يهجم على استفراغه بدواء قوي) لأن الطبيعة قد اعتادت التحليل بطرق أخرى، فالمسهل القوي يورث ضعفاً في القوى، لأنه على خلاف العادة.

(وينبغي أن يقصد في كل استفراغ خمسة أمور، الأول: إخراج ما يؤذي) البدن (بكميته) بأن كانت الأخلاط زائدة على المتعارف (أو بكيفيته) بأن كانت رديئة، فإنه ينبغي إخراج الزائد في الأول، والرديء في الثاني (الثاني: أن يكون) الإخراج (بقدر محتمل) للبدن، فلو كان الكم زائداً، لكن كان إخراج جميع الزائد موجباً للضعف المفرط، لا يخرج جميع الزائد، بل القدر الذي يحتمل البدن إخراجه (ولا تهولنك كثرة ما يخرج) من الأخلاط، إذ ربما كثر قدر المخرج بما يوجب هول المريض، واحتماله أن بدنه يخلو من الدم مثلاً (بل ما دام الاستفراغ مما ينبغي أن يستفرغ) حسب تعيين الطبيب (والمريض متحمل له) لا يسبب له الاستفراغ ضعفاً مفرطاً، أو غشوة أو نحوهما (فلا تخف من إفراطه) لأنه ليس بمفرط واقعاً، وإن ظن كونه كذلك (وإذا سقيت مسهلاً للصفراء، فانتهى) الإسهال (إلى البلغم فقد بالغ) في تنقية البدن، لأنه نقى ما في البدن من الصفراء، الزائدة حتى انتهى إلى إخراج البلغم (فكيف) إذا انتهى الإسهال (إلى السوداء) فأخرجها فإنه يدل على إفراط المسهل، حتى إنه أخرج هذا الخلط العسر جداً (وأما الدم) إذا خرج بعد مسهل الصفراء (فأمره خطر) لأنه يدل على ضعف القوة، حتى أنها لم تتمكن من التحفظ على الدم والطيبعة ضنينة به لا تخرجه إلا بقدر وبقاهر. (والعطش والنعاس عقيب الإسهال، أو القيء، يدلان على النقاء) لأن الطبيعة إذا خلت من الرطوبة التابعة للخلط تطلبت الماء لتتحفظ على المعتاد من رطوبتها، هذا بالنسبة إلى العطش، وأما النوم فلأن الطبيعة لا تميل إليه وهي مشغولة بالتنقية للخلط الذي هو كَلّ عليها، فإذا فرغت منه طلبت الراحة، لتوفر على القوة والروح ما فقدتاه من الأجزاء حال الإسهال والقيء (الثالث) من مقاصد الاستفراغ الخمسة: (أن يكون) الاستفراغ (من جهة ميل المادة، فالغثيان تنقى مادته بالقيء) لأنه دليل على أن الطبيعة تميل إلى الاستفراغ من الجانب الأعلى. (والمغص) وهو وجع البطن والتواء الأمعاء (ينقى بالإسهال) لما تقدم، وإنما يخصص الإسهال بجهة ميل المادة، لأنه أسهل لتعاون الطبيعة والدواء على الإفراغ حينئذ، بخلاف العكس لتضادهما حينئذ، مما يوجب صعوبةً وعسراً (الرابع: أن يكون ما يخرج منه مخرجاً طبيعياً) قال في الشرح: كأعضاء البول لحدبة الكبد، والأمعاء لتقعيرها، فلو استفرغت مادة الحدبة من الأمعاء كان منافياً للأمر الطبيعي وتعارضه الطبيعة بالدفع (وأن يكون العضو المنقول إليه المادة أخس) من العضو المنقول منه، كتوجيه مادة النزلة إلى الأنف لتستفرغ منه، لا إلى الصدر فيستفرغ بالنفث، لأن الرئة أشرف (وأن يكون) العضو المنقول إليه المادة (مشاركاً للمأوف) فلا يستفرغ مادة الأمعاء من المثانة، لصعوبة ذلك جداً و(كالباسليق الأيمن لعلل الكبد) للتشارك القريب بينهما، بخلاف القيفال، فلا يستفرغ مادتها منه (وأن يكون) العضو المنقول إليه المادة (صبوراً على ما يرد عليه) فلا تستفرغ مادة النزلة من الصدر بسبب النفث، لعدم صبر الرئة على ذلك، لكونها ضعيفة المزاج شريفة (الخامس) من مقاصد الاستفراغ: (أن يكون) الاستفراغ (بعد الإنضاج) للمادة، بأن يشرب قبل الاستفراغ ما يجعل المادة ناضجة قابلة للاستفراغ (وجوباً في الأمراض المزمنة) لأن موادها عاصية لزجة، فلا تطاوع الإفراغ لو لم تنضج (واستحباباً في الحادثة) للجزم بالإفراغ بعد الإنضاج وعدم الجزم قبله، ولا ضرر في تأخير الاستفراغ فيها (إلا أن تكون المادة مهتاجة) في هيجان واضطراب وحركة من عضو إلى عضو (فيكون ضرر تركها) في البدن المحتمل لانصبابها على الأعضاء الشريفة (أكثر من ضرر استفراغها غير نضجة) إذ غاية ضرر الاستفراغ كذلك، أن يخرج مع المادة بعض الأخلاط الصالحة، وأن يبقى في البدن بعض المادة الغليظة، وذلك أهون من انصبابها على الأعضاء الشريفة.

(وقد تجذب المادة من عضو شريف) لئلا تجتمع فيه وتفسد (فيجب أن ينتحي عنه إلى أخس منه) لا مثله ولا أشرف منه، لأن الأول بلا فائدة مع صعوبة الجذب، والثاني كالفرار من المطر إلى الميزاب (مخالف) ذاك الأخس (لجهته) أي جهة العضو الشريف، فوقاً وتحتاً، ويساراً وخلفاً وقداماً، وذلك لأن الموافق له في الجهة مرت لحركة المادة إليه، إذ المادة تستمر في التجمع فإذا كان الأخس موافقاً مرت المادة لدى التجمع من ذاك العضو الشريف (وإن لم تستفرغ) من المجذوب إليه، و(إن) وصلية، أي تجذب المادة وإن لم تستفرغ، إذ المطلوب خلاص العضو الشريف من المادة وذلك يحصل بالنقل (كما يفعل بالمحاجم) حيث تجمع المادة بها بدون الاستفراغ (والجذب قد يكون إلى الخلاف القريب) أي الجانب المخالف القريب إلى العضو الذي توجهت المادة إليه أولاً، كأن تنقل مادة اليد اليمنى إلى اليد اليسرى (وقد يكون إلى الخلاف البعيد) كأن تنقل مادة اليد اليمنى إلى الرجل اليمنى (فيشترط فيه) أي في النقل إلى المخالف البعيد (أن لا يتباعدا) أي العضوان المنقول إليه (في قطرين) أي جهتين من البدن (فإذا أورمت اليد اليمنى فلا تجذب) ورمه (إلى الرجل اليسرى) لأن البعد بينهما في قطرين (بل إما إلى الرجل اليمنى وهو أفضل لأنه أبعد) ولكونه مأموناً من مرور المادة على القلب (أو إلى اليد اليسرى) وهو مفضول كما عرفت.

(وينبغي أن لا تجذب المادة) إلى عضو في صورتين، الأولى: (مع امتلاء) في البدن، إذ ذلك يوجب كثرة المادة في المنقول إليه، فيعسر تحليلها عنه. الثانية: (ولا مع توجه مادة أخرى إليه) أي إلى المنقول إليه، لأنه تجتمع فيه مادتان حينئذ، ويعسر تحليلهما عنه (فـ) إنه في الصورتين (يندفع إلى العضو ما يعسر دفعه) منه (إلى حيث يجذب عنه) كما ذكر (و) إذا أردت جذب المادة من عضو فاللازم أن (يسكن أولاً الوجع) الموجود فيه (فإنه) أي الوجع (جاذب) للمواد (فـ) إذا كان الوجع باقياً وأردت الجذب منه (يتعارض جذبك وجذبه) فأنت تريد الجذب عنه، والوجع يجذب إليه، وذلك يوجب تهيجاً للمادة (وإذا وجب الفصد والإسهال) للامتلاء بالأخلاط (وكانت الأخلاط على النسبة الطبيعية) لها، بأن كان كل خلط بمقدار كمه الطبيعي فكانت كمية الدم ـ مثلاً ـ أكثر من سائر الأخلاط وهكذا (بدء بالفصد) إذ الفصد يخرج الأخلاط كلها بنسبة واحدة. أما لو ابتدأ بالإسهال خرجت سائر الأخلاط إلا الدم، فاللازم الفصد لإخراجه ـ لأنا فرضنا الاحتياج إلى تقليل جميع الأخلاط ـ وإذا فصدنا خرج أيضاً سائر الأخلاط، فيكون نسبة الخارج من سائرها أكثر من نسبة الخارج من الدم، لأن الدم خرج مرة وسائر الأخلاط خرجت مرتين، وذلك يوجب الاضطراب في النسبة، وإذا فصدنا أولاً (فإن غلب خلط) بعد ذلك، كما لو كان في البدن بلغم كثير لزج تشبث بالأعضاء فلم يخرج بالفصد (استفرغ ذلك) الخــلط الغالب الباقي (بما يوافقه) والفرق دقيق فلا تغفل (وإن لم يكن كذلك) أي لم تكن الأخلاط على النسبة الطبيعية ـ كما لو كانت السوداء أكثر نسبة ـ (استفرغ الغالب أولاً) بقدر يصير الامتلاء في الأخلاط على النسبة الطبيعية (ثم فصد) لأنه يخرج بالفصد من الأخلاط بقدر النسبة (وليكن بينهما) أي بين الفصد والإسهال (مهلة) لتنعش القوة، ولا يحدث الضعف بالاستفراغين.

(وكثيراً ما أوقع شرب الدواء) الشخص (الواجب فيه الفصد) أي الذي يجب فيه الفصد (في حمّى واضطراب) إذ الفصد يجب لكثرة الدم أو رداءته، والدواء يهيج الخلط ويسخنه، فيورث الحمّى والاضطراب بسبب هيجان الخلط (وقد يؤمر) المريض (بالاستفراغ) بالإسهال أو الفصد (لا لزيادة في كمية الأخلاط، بل لرداءة كيفيتها) حتى يخرج الخلط الرديء، الموجب للعفونة والأمراض، ويحل محله خلط صالح جديد (أو للاستظهار) بأن يكون البدن مستعد لمرض، فإذا استفرغ من الخلط أمن المرض المترقب (أو للتقدم بالحفظ) بأن تكون هناك مادة من شأنها أن تنصب في عضو، فإذا استفرغ الخلط أمن الانصباب لانعدام المادة. والاستظهار والحفظ إنما يكونان (لمن اعتاده مرض، وخصوصاً في الربيع) حيث تتحرك المواد وتنصب في الأعضاء بسبب حر الهواء المسيل لها (وقد يعاف عن الاستفراغ فيستبدل عنه بالصوم) فإن الصوم، لما يوجب خلو المعدة، ينقي البدن من الخلط، إذ تشتغل الحرارة بهضمه لتجعله بدل ما يتحلل من البدن (والنوم) لتجمع الروح في الباطن، فتنضج الأخلاط وتسهلها للخروج والتبخر (فينبغي أن يتدارك سوء مزاج يوجبه) بقاء الأخلاط في البدن مدة الصوم والنوم، لأن الاستفراغ يخرج الأخلاط دفعة، بخلافهما فإنهما يخرجانها تدريجاً، فهذه بقاؤها في البدن يوجب سوءاً يجب تداركه (وقد يستفرغ البدن بالمجففات) الخارجية (كالنوم على الرمل للمستسقي) فإن الرمل يجذب الرطوبات الكائنة في الجلد، وإذا خلى الجلد جذب الرطوبات من الأعماق، لعدم إمكان الخلاء (وقد يحتاج) في الاستفراغ (إلى أدوية تناسب الخلط في كيفيته) بأن كان المسهل حاراً ـ مثلا ـ والخلط حار، لكن حيث أن هذه المناسبة غير جائزة، إذ الدواء يجب أن يضاد المرض في الكيفية حتى يقلعه (فيعدلها) أي الأدوية المناسبة للخلط (بتركيبها بما يوافقها في الإسهال ويعدل كيفيتها) بما ينضم إليها مما هو مخالف للمرض في الكيفية. والأصل إذا كان الدواء موافقاً للخلط في الكيفية، نأتي بدواء آخر مسهل أيضاً، لكنه مخالف للخلط في الكيفية (كالأهليلج الأصفر) فإنــه بارد مسهل للصفراء (لتعديل المحمودة) وهي السقمونيا (وهي حارة) ومسهل (عند استفراغك الصفراء) فإن المحمودة وإن كانت مسهلاً إلا أنها حارة، والصفراء حارة، وإذا خلطنا بها الإهليلج صار الدواء مسهلاً بارداً، والمرض حاراً فيتمكن الدواء من قلعه.

(وقد ينقلب المسهل مقيئاً، إما لضعف المعدة) فتنصب الفضول المجذوبة من البدن بواسطة الدواء إلى المعدة فتخرج بالقيء، لأن الأمعاء قوية لا تقبلها، والمعدة ضعيفة فتقبلها (أو كون المستفرغ ذا تخم) لضعف معدته بالثقل الحاصل فيه، فتقبل الفضول والأمعاء لا تقبلها (أو ليبوسة الثفل) فيكون دفع الفضول إلــى الأسفل أصعب من دفعها إلى الأعلى (أو لكراهة) الطبع (الدواء) فتقذفه المعدة بالقيء للخلاص منه (وقد ينقلب المقيئ مسهلاً إما لشدة الجوع) فإذا ورد الدواء على المعدة اشتمل عليه اشتمالاً شديداً وعملت فيه، فتندفع المواد إلى الأمعاء لعدم مجال لها إلى المعدة (أو لكون المتقيئ ذرباً) لين الطبيعة، فإن الأخلاط حينئذ تندفع إلى الأسفل بالطبع (أو لكونه) الشخص (غير معتاد للقيء) فإن الطبيعة إذا لم تعتد على دفع الفضول إلى المعدة، بل اعتادت على دفعها إلى الأمعاء، دفعت هذه المرة أيضاً إليها وخرجت بالإسهال، فإن في القيء تدفع الفضول إلى المعدة، وفي الإسهال تدفع الفضول إلى الأمعاء (والشاب أخلق) أي أجدر (بالقيء، لصفراويته المطيعة للقيء) فإن الصفراء خفيفة حارة، والخفيف والحار يميلان إلى فوق، ولذا تكون أسهل إطاعةً للقيء (بخلاف السوداء) فإنها غليظة أرضية، ولذا كانت أطوع للإجابة نحو الأسفل (وأما البلغم فبين بين) فهو ليس في لطافة الصفراء وخفتها، ولا في أرضية السوداء وغلظتها، ولذا يصح استفراغه بالقيء وبالإسهال على حد سواء.

(والدواء يسهل بقوة جاذبيته لما يختص بها) أي أن كل مسهل يجذب إلى نفسه ما هو مجذوب له، فحال المسهل حال المغناطيس الذي يجذب الحديد، فإذا ورد المسهل في البدن جذب إلى نفسه الخلط المناسب له (لا لأنه) أي الدواء (يجذب الأرق) من المواد (أولاً) كما قيل بأن الدواء يجذب الأرق من الخلط ويدفعه، ولاستحالة الخلاء يتبع الأغلظ للأرق فيدفعه أيضاً، وإنما قلنا أنه ليس كذلك، لأن لازم هذا الكلام أن يخرج الخلط الرقيق أولاً، وليس كذلك، بل الأخلاط كلها تخرج دفعة واحدة (ولا للمشاكلة) بين الدواء والخلط كما قال جالينوس: بأن السقمونيا مثلاً مجانس للصفراء ولذا يجذبها، وهكذا لأن كل جنس يجذب جنسه (وإلا) فلو كانت المشاكلة سبباً للجذب مطلقاً (لجذب الذهب ذهباً يغلبه بالكثرة) وليس كذلك، فإن مطلق المشاكلة لا يسبب الجذب (وجالينوس يقول ذلك ويزعم: أن غير السمي من الأدوية إذا لم يسهل) واستمرأ (ولد الخلط الذي من شأنه أن يجذبه لأجل المشاكلة) فالسقمونيا إذا لم يسهل الصفراء ولد الصفراء وزادها (وكذلك يكثر ذلك الخلط في البدن) عند عدم إسهال المسهل. وهذا التوليد دليل الجذب للمسهل بسبب المشاكلة، لأنه حيث لم يتمكن من جذب الخلط إلى نفسه ليسهله، جذب من الأغذية الخلط المماثل وأزاده، وإنما قال (غير السمي) لأن السمي لا يولد خلطاً مطلقاً (والحق: إنه ليس كذلك) فليس الإسهال لأجل جذب الخلط، والدليل غير تام (وإن تلك الكثرة) من الخلط في البدن إذا لم يسهل المسهل ليس لأجل توليد المسهل له، بل (لتحرك ذلك الخلط) الذي أريد استفراغه بالدواء فلم يقدر عليه (وسيلانه واستحالة غيره) من الأخلاط التي في ممره (إليه، بسبب غلبته عليه) أي غلبة الخلط المراد استفراغه على الخلط الذي في ممره.

(والحمام قبل الدواء) المسهل (معين عليه) لتفتيحه المسام، وانضاجة للخلط بسبب الحرارة، وإسالته له بالتلطيف (وبعده بيوم) أي في اليوم الثاني من شرب المسهل (محلل لما بقي) في البدن من الأخلاط (و) الحمام (معه) قبل إتمام عمله (قاطع لفعله) لأنه يجذب المواد إلى ظاهر البدن بسبب الحرارة، فيصرفها عن الخروج عن المجرى (والأكل يقطع عمل أكثر الأدوية) فيما إذا لم يكن قوياً جداً، وذلك لأن الأكل يصرف الطبيعة إلى الطعام لتهضمه، ولأنه يختلط بالدواء فيكسر سورته، وذلك ما بينه بقوله: (لاشتغال الطبيعة) بعد الأكل بهضم الغذاء (عن الدفع) للمواد (ولاختلاط الدواء به) أي بالغذاء في المعدة (فيكسر قوته) فيبطل عمله (ومن لم يصبر على الاستفراغ على الريق) لضعف مزاجه، أو كونه حار المزاج، مما يوجب المسهل عند الخلاء لديه كرباً وغثياناً (أخذ) وتناول (قبل شرب الدواء شيئاً قليلاً) من الأغذية اللطيفة (مثل ماء الشعير وماء الرمان) ليقوى البدن ولا يزداد الضعف والتحليل، وكونه لطيفاً لأجل أن لا يشغل الطبيعة بنفسه فيبطل عملها في المسهل (وإن أخذ) الإنسان الشارب للمسهل (عقيب استعمال الدواء، مثل الرمان) مما فيه تقوية وقبض (فربما أعان) الدواء (بعصره) فم المعدة، بسبب قبوضيته، فينزل ما في الفم وما يليه من المواد إلى المعدة، ليخرج بالإسهال.

(والنوم على الدواء الضعيف يقطعه أو يضعفه) لأن النوم يسبب توجه الروح إلى الباطن، فتعمل في الدواء بحرارتها، ويبطل أو يضعف عمله لأن الحار يهضمه (و) النوم (على الدواء القوي يقوي فعله) لأن الطبيعة إذا عملت فيه خرجت قوة الدواء إلى الفعلية، وقوته مانعة عن كسر الطبيعة له ليضعف أو يبطل عمله (والنوم بعد عملهما) أي الدواء القوي والضعيف (قاطع) لعملهما، أما القوي فلأنه ضعف بالعمل فلا تبقى له قوة، وأما الضعيف فلعمل الطبيعة فيه وإبطالها له كما تقدم، فلا يعمل (ومن عاف الدواء) وكرهه (فليمضغ الطرخون) فإنه يخدر حس الفم فلا يشعر بالبشاعة التي في الدواء (وأبلغ منه) في التخدير (ورق العناب) فإن ماضغه لا يفرق بين الرمل والسكر، بعد مضغه مباشرة (وقد يخدر الذوق بالثلج) لأنه يسد المسام، فلا ينفذ الطعم إلى الذائقة (ومن تنفر عن رائحته) أي رائحة الدواء (سد منخريه) حتى لا يشم الرائحة (ومن خاف القذف) أي القيء بعد الدواء، لكراهته له (شد أطرافه) شداً مؤلماً فإن الألم في اليد والرجل المشدودة يجذب الخلط، فلا يتوجه إلى المعدة ليتقيأ (و) الخائف من القذف (تناول بعده) أي بعد الدواء المسهل (قابضاً مقوياً للمعدة، كالرمان، والريباس، والتفاح، والنعناع) لتنقبض المعدة، فلا تقذف، وتمنع عن توجه المواد إليها.

(والماء الحار يشرب منه) بعد الدواء (قدراً يذيب، وما يشبهه) مما يحتاج إلى الإذابة، كالاموقات لينماع بسبب الماء فتتفرق قوتها في البدن (وأما عند قطع الدواء فـ) يشرب من الماء الحار (قدر ما يخرجه) من المعدة، ولذا الأفضل أن يكون كثيراً، ويشربه دفعة (ومن وجد مغصاً) في بطنه بسبب حدة الدواء اللاذعة للأمعاء ونحوه (فليتجرع ماءاً حاراً) فإنه يغسل المعدة والأمعاء ويرخيهما، ويكسر عادية الدواء ويزيله من مكانه اللاصق به (وليمش خطوات) لأن الحركة تعين على إخراج المواد المسمجة وإزالتها وإسهالها (وأما عند قطع الدواء فليشرب المحرور) المزاج (بزر قطونا) فإنه يسكن الحرارة ويحد من حدة الدواء ممزوجاً (بشراب التفاح) فإنه مقوي للقلب، ومتدارك ضعف الدواء (وسكر) فإنه موجب للتقوية وتحليل الأرياح (والمعتدل المزاج، يستعمل ذلك مع بزر ريحان) فإنه يقوي القلب ويحدر ما بقي في الأمعاء من بقايا الدواء، وحره موجب لتعديل برد بزر قطونا (والمبرود) المزاج (قد يقتصر عليه) أي على بزر ريحان (دون بزر قطونا) لأنه كما عرفت بارد، فلا يناسب المزاج البارد.

(وليكن الغذاء بعد الإسهال والقيء شيئاً لذيذاً) لتقبل عليه الأعضاء بشغف، فيكون بدل ما تحلل من قواها (جيد الجوهر، صالح الكيموس) لئلا يضر بردائته، أو يكثر فضوله (كالفروج) وزن تنور، وسبوح: فرخ الدجاجة.

(وينقص الأكل) بعد الإسهال (عن المقدار المعتاد، فإن الأعضاء لخلوها) من الأخلاط الذاهبة بالمسهل، تجذب الغذاء بقوة (فإن عاونتها المعدة المثقلة) فإن المعدة إذا صارت ممتلئة بالغذاء الكثير، دفعت الزائد إلى الأعضاء لتستريح، فإذا وقع الجذب من الأعضاء والدفع من المعدة بسبب الكثرة (حدثت سدد) إذ الأعضاء تجذب قبل الهضم، والمعدة تدفع كذلك (وصعب الأمر) بسبب حدوث أمراض السدد.

(ومن شرب الدواء) المسهل (ولم يسهله، لضيق المجاري) أو لحر الهواء المفرط، أو برده كذلك (وطالت المدة) التي لم يعمل المسهل فيها (وأمكن التسكين) للأخلاط المهتاجة بسبب المسهل (فعل) التسكين حتى ينبطل عمل المسهل (وإلا) يمكن التسكين (حرك) الخلط بمحرك ثان (بأكل القوابض) كالسفرجل، لما تقدم من أن القابض يعصر فم المعدة وحواليها فيسرع الإسهال (أو بالحقن اللينة) كالدهن (أو بالفتل) جمع فتيلة (المسهلة) ليكون الثاني عوناً على المسهل في إخراج الفضول (وأما تحريكه) أي الخلط (بأن جمع مسهلين في يوم واحد فخطر) لأنه يوجب الضعف الشديد، وربما إبطال القوة لو عملا معاً، ولو لم يعملا تحركت مواد كثيرة لا يسع المجرى على دفعها، وذلك موجب لمختف الأمراض (وربما احتيج) عند عدم إسهال الدواء (إلى الفصد، إن حصلت أعمال منكرة) بسبب التحريك. والأعراض المنكرة، مثل جحوظ العين (و) ذلك لأن الخلط إذا تحرك ولم يجد منفذاً (مالت المواد إلى عضو رئيس) أو شريف، وإنما يفصد لأن مثل هذه الأعراض لا تكون إلا من مادة كثيرة، وليس في البدن مادة بكثرة الدم، فإذا فصد وخرجت المواد زالت الأعراض (ومن أفرط عليه الدواء بالإسهال فليشد أطرافه) يده ورجله، شداً مؤلماً كما تقدم، لتتوجه المواد من الأمعاء إلى الأطراف بسبب الألم، فإن الروح تهاجم موضع الألم لدفعه، وتتبعه المواد فتنصرف عن الأمعاء (ويسقى القوابض) لتضيق أفواه العروق، وتحفظ المعدة من الانصباب إليها (ويضمد بها) أي بالقوابض (بطنه) ليأتي بالتأثير من الداخل والخارج (ويطيب بالطيب البارد) ليعدل مزاجه الذي عرضت له الحرارة من المسهل، فيقوى على إمساك المواد في مواضعها، فإن المزاج المعتدل أقوى من المنحرف.