| فهرس الفصل الرابع | المؤلفات |
|
كيفية المعالجة من الأمراض |
|
الجزء الثاني، من جزئي الجزء العملي من الطب: في معالجات المرضى بقول كلي: العلاج يتم بأجزاء ثلاثة: التدبير، والأدوية، وإعمال اليد. والتدبير هو: التصرف في الأسباب الستة الضرورية، وحكمه من جهة الكيفية حكم الأدوية، لكن للغذاء من جملته أحكام تخصه، فإنه قد يمنع كما في البحران، وعند المنتهى، لئلا تشتغل الطبيعة بهضمه عن دفع المرض، وعند النوب كذلك، ولئلا يكثر الكرب بحرارة الطبخ، وقد ينقص إما في كيفيته وإن كانت كميته كثيرة، كما يفعل بمن شهوته وهضمه قويتان وفي بدنه أخلاط كثيرة أو رديئة، فالغذاء الكثير يملأ المعدة، ويسد الشهوة وتشتغل المعدة، وبقلة تغذيته لا يزيد الأخلاط، وهذا مثل البقول والفواكه. وقد يعكس هذا كما يفعل بمن شهوته وهضمه ضعيفان وبدنه محتاج إلى التغذية، فبقلة مقداره يمكن هضمه واستمراؤه، وبكثرة تغذيته يقوي ويغذي، وقد ينقص كماً وكيفاً، كما إذا اجتمع مع ضعف الشهوة والهضم امتلاء بدني، وقد يكثر كماً وكيفاً كما يفعل بمن يُراد تهيئته للرياضة القوية. وقد يؤثر الغذاء اللطيف السريع النفوذ إذا لم تفِ القوة والمدة بهضم البطيء النفوذ، ويتوقاه بعد غذاء غليظ لئلا يهضم السريع النفوذ للطافته فلا يجد مسلكاً فيفسد ويُفسد، وقد يؤثر الغذاء الغليظ كما يفعل بمن يراد تبليد حس عضو منهيوجعه بأدنى سبب، ويتوقاه عند خوف السدد. والغذاء وإن كان صديق القوة، عدوها لصداقته المرض الذي هو عدوها، فلا يستعمل في المرض إلا ما لابد منه في التقوية، وكلما كان منتهى المرض أطول، كان الحاجة إلى قوة تحتمل المصارعات الكثيرة، فلهذا عنايتنا بالقوة في الأمراض المزمنة أكثر، وكلما قرب المنتهى نقصنا الغذاء ثقةً بما سلف وتخفيفاً على القوة وقت جهادها. والأمراض التي منتهاها في الرابع وما دونه، الظاهر بقاء القوة هذه المدة، فلا حاجة فيها إلى التغذية. هذا إذا احتمل القوة، وإلا فلو ضعفت ولو في وقت البحران وجب الغذاء. وأما العلاج بالدواء، فله قوانين ثلاثة، أحدها: اختيار كيفيته، وذلك إنما يُهتدى إليه بعد معرفة نوع المرض ليعالج بالضد. وثانيها: اختيار وزنه ودرجة كيفيته، وذلك يحصل بالحدس من طبيعة العضو، ومقدار المرض، والجنس، والسن، والعادة، والفصل، والصناعة، والبلد، والسحنة، والقوة. أما طبيعة العضو فتتضمن أموراً أربعة: مزاجه، وخلقته، ووضعه، وقوته. فإذا تحققنا مزاج العضو الصحي ومزاجه المرضي، عرفنا كمية الخروج عن المزاج الصحي، فاخترنا من الدواء ما يقابله، وأما الخلقة: فمن الأعضاء ما يقنع بالدواء اللطيف إما لتخلخله، أو لأن له تجويفاً من جانبين، أو من جانب واحد. ومنها ما ليس كذلك، فيفتقر إلى الدواء القوي. وأما الوضع: فالعضو القريب يحتاج إلى ما قوته بقدر ما يقابل علته، والبعيد يحتاج إلى دواء أقوى. وأما القوة: فالعضو الذكي الحس أو الشريف أو الرئيس، لا يجسر عليه بدواء قوي، ولا تحلل مواده بغير قابض يخلط، ولا يورد عليه دواء له مخالفة كالزنجار، ولا يستفرغ مواده دفعة، وأما مقدار المرض: فالضعيف من المرض، يكفيه لا محالة الدواء الضعيف، والقوي يفتقر إلى الأقوى، وباقي العشرة ظاهر بالقياس إلى ما ذكر. وثالثها قانون وقته: وهو أن يعرف أن المرض في أي وقت من الأوقات الأربعة، مثلاً: الورم الحار إن كان في الابتداء، يستعمل عليه الرادع فقط، وإن كان في الانتهاء، المحلل وحده، وفيما بين ذلك، يمزج بينهما، وفي الانحطاط يقتصر على المحللات الصرفة. ومن المعالجات الجيدة المشتركة لأكثر الأمراض: الفرح، ولقاء من يسر به، وملازمة من يستحي المريض منه ويستأنس بحضرته، حتى ربما برئ المدنف من العشاق برؤية معشوقه بعد الخفاء دفعة، وكذلك الروائح اللذيذة، والأسماع الطيبة، وربما نفع الانتقال من هواء إلى هواء آخر، ومن مسكن إلى مسكن آخر، ومن فصل إلى فصل آخر. وقد ينفع تغير الهيئات، كما ينفع الانتصاب من وجع الظهر، والنظر الشزر إلى شيء يلوح من الحول. والمعالجات أمراض التركيب، وتفرق الاتصال الأولى تأخيرها إلى الكلام الجزئي. فلنتكلم في علاج أمراض سوء المزاج: وسوء المزاج إما مستحكم، وتدبيره المعالجة بالضد، والبارد سهل الزوال في ابتدائه، عسر في انتهائه. والحار بالضد والتجفيف أسهل وأقصر مدة من الترطيب، وأما في طريق أن يكون، وتدبيره التقدم بالحفظ بإزالة سببه، وأما في أول الكون، وتدبيره بهما معاً، وسوء المزاج إن كان ساذجاً كفى فيه التبديل، وإن كان مادياً استفرغت مادته، فإن تخلف بعده بدل. |
|
(الجزء الثاني، من جزئي الجزء العملي من الطب: في معالجات المرضى بقول كلي) وإعطاء قواعد كلية للغذاء والدواء والعمل، ليزداد الإنسان بها بصيرة في العلاج، فنقول: (العلاج يتم بأجزاء ثلاثة): إما بمجتمعها، أو ببعضها (التدبير) للغذاء وغيره (والأدوية) أي العقاقير ونحوها (وإعمال اليد) التي هي عبارة عن جبر العظم المكسور، ورد العظم المخلوع والربط للجرح ونحوه، والقطع للشيء الزائد، والكي بالنار، والخياطة. (والتدبير) في اصطلاح الطب (هو: التصرف في الأسباب الستة الضرورية) التي تقدم تفصيلها (وحكمه) أي حكم التدبير (من جهة الكيفية حكم الأدوية) فكما أن الأدوية تسخن وتحلل وهكذا، كذلك الغذاء والهواء ونحوهما (لكن للغذاء من جملته) أي من جملة التدبير (أحكام تخصه) من جهة الكمية، فيمنع تارة، ويعدل أخرى، ويقلل ثالثة، ويكثر رابعة (فإنه قد يمنع، كما في البحران) الذي هو التصادم للصحة مع المرض، كما تقدم (وعند المنتهى) للمرض (لئلا تشتغل الطبيعة بهضمه عن دفع المرض) فإن الطبيعة إذا عملت في الغذاء نقص عملها في دفع المرض، وذلك ضار في البحران (وعند النوب كذلك) أي لئلا تشتغل الطبيعة بالهضم عن الدفع للمرض (ولئلا يكثر الكرب بحرارة الطبخ) وتضاف على حرارة الحمى (وقد ينقص) الغذاء في الكيفية أو في الكمية أو فيهما (إما في كيفيته) بأن يكون قليل الغذائية (وإن كانت كميته كثيرة) بمعنى كبر حجمه (كما يفعل بمن شهوته) إلى الطعام (وهضمه) له (قويتان وفي بدنه أخلاط كثيرة) مما يكون معه ممتلئ الأوعية وإن كانت الأخلاط صالحة، فإه إذا أكل ما له كيفية كثيرة أوجب ذلك تمديد في الأوعية وربما شقا في بعضها (أو) أخلاط (رديئة) وإن كانت قليلة حتى تكون الأوعية ممتلئة بحسب القوة (فالغذاء الكثير) كميةً (يملأ المعدة ويسد الشهوة) إلى الطعام ويخمدها (وتشتغل المعدة) بهضمه (وبـ) سبب (قلة تغذيته لا يزيد الأخلاط) فيكون مأمون الضرر (وهذا) الغذاء القليل الكيفية (مثل البقول والفواكه) وما أشبهها. (وقد يعكس هذا) فيكون الغذاء قليل الكمية كثير الكيفية (كما يفعل بمن شهوته وهضمه ضعيفان) فلا يتطلبان غذاءاً كثيراً (وبدنه محتاج إلى التغذية) لضعف قوة ونحوه (فبقلة مقداره) أي مقدار الغذاء (يمكن هضمه واستمراؤه) لما يقوي الهاضمة على الهضم إذا كان الغذاء قليلاً (وبكثرة تغذيته يقوي ويغذي) وذلك كصفرة البيض النيمبرشت ومرق اللحم. (وقد ينقص) الغذاء (كماً وكيفاً، كما إذا اجتمع مع ضعف الشهوة والهضم امتلاء بدني) فالأول يسبب القلة كماً، والثاني القلة كيفاً (وقد يكثر) الغذاء (كماً وكيفاً، كما يفعل بمن يراد تهيئته للرياضة القوية) حتى لا يتحلل الغذاء، بسبب كثرته من الرياضة الموجبة لتحليل القوى. (وقد يؤثر الغذاء اللطيف) الذي يكون الخلط المتولد عنه رقيقاً (السريع النفوذ) في المجاري والأوعية (إذا لم تفِ القوة والمدة بهضم البطيء النفوذ) كما إذا كانت القوة ضعيفة لا تقدر على هضم الغليظ وإيصاله إلى الأعضاء، أو كانت المدة المحتاج إليها في هضم الغليظ كثيرةً، حتى أن نوبة الحمى تأتي ولما ينهضم بعد، فإنه يجتمع حينئذ حرارة الحمّى مع حرارة الطبخ، وذلك موجب لاشتعال الروح وإنهاكها (ويتوقاه) أي يتوقى الإنسان الغذاء اللطيف (بعد غذاء غليظ) فلا يأكله عقبه (لئلا يهضم السريع النفوذ للطفاته، فلا يجد مسلكاً) إلى المجاري والأوعية، لكون الغليظ واقفاً في طريقه، لأنه لم يهضم بعد (فيفسد) السريع لبقائه في المعدة بعد الهضم (ويُفسد) الغليظ أيضاً لاختلاطه به (وقد يؤثر الغذاء الغليظ، كما يفعل بمن يراد تبليد) من البلاد ضد الذكاء (حس عضو منه) فإنه إذا كان عضو (يوجعه) أي يوجع الإنسان (بأدنى سبب) لذكاء حسه، كان اللازم أن يأكل الإنسان الغذاء الغليظ ليتولد منه دم غليظ وهو موجب لإخماد الذكاء، إذ هو وليد الحركة السريعة ـ كما تقدم ـ فإذا صار الدم غليظاً تبلد ولم يتألم بمجرد سبب بسيط، كما يكون الرأس كذلك (ويتوقاه) أي الطعام الغليظ (عند خوف السدد) إذ الغليظ لا يسرع نفوذه في المجاري، فربما وقف في مضيق، فتحدث السدة. (والغذاء وإن كان صديق القوة) لأنه يولـــد الدم المولد للقوة، لكنه (عدوها) باعتبار آخر (لصداقته) أي صداقة الغذاء (المرض الذي هو عدوها) أي عدو القوة، فإن الغذاء كما يولد القوة كذلك يولد مادة المرض وقوته، والمرض عدو القوة فيكون الغذاء عدواً وصديقاً باعتبارين (فلا يستعمل في المرض إلا ما لابد منه في التقوية) لدفع المرض، ولبقاء الروح التي لابد منها في الحياة، بأن يترك الطفليات وما أشبهها (وكلما كان منتهى المرض أطول، كان الحاجة إلى قوة تحتمل المصارعات الكثيرة) ولو يدوم المرض شهراً، كان اللازم مراعاة الغذاء الذي يتمكن من مقاومة المرض شهراً، أما لو قلل الغذاء حتى ذهبت القوة المقاومة قبل شهر، يكون المرض في آخر الشهر أقوى من القوة المكافحة، فيغلب المرض وينتهي إلى العطب (فلهذا) الذي ذكرنا (عنايتنا) معاشر الأطباء (بالقوة في الأمراض المزمنة) التي تبقى مدة (أكثر) من عنايتنا بها في سائر الأمراض (وكلما قرب المنتهى) للمرض (نقصنا الغذاء ثقةً بما سلف) من القوة (وتخفيفاً على القوة) الصحية (وقت جهادها) مع المرض فلا تشتغل القوة بأمرين طبخ الغذاء وجهاد المرض، فتضعف في المقاومة (والأمراض التي منتهاها في الرابع وما دونه، الظاهر بقاء القوة هذه المدة فلا حاجة فيها) أي في القوة (إلى التغذية) لئلا نحمل الطبيعة هضم الطعام وهي مشغولة بالجهاد مع المرض، فتضعف عن المقاومة كما تقدم، و(هذا) الذي ذكرنا من عدم الغذاء (إذا احتمل القوة) لذلك، بأن لا تضعف من عدم الغذاء، أكثر من ضعفها بالهضم (وإلا فلو ضعفت) ضعفاً أكثر من ضعف الهضم (ولو في وقت البحران، وجب الغذاء) كما لا يخفى ترجيحاً لأخف المحذورين. ذكرنا أن العلاج بقول كلي يتم بأمور ثلاثة: التدبير، والأدوية، وإعمال اليد، وحيث انتهينا عن بيان الأول. فنقول في بيان الثاني: (وأما العلاج بالدواء فله قوانين ثلاثة، أحدها: اختيار كيفيته) أي كيفية الدواء من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة، وكونه مفتحاً أو قابضاً أو ما أشبه ذلك (وذلك) أن اختيار كيفية الدواء (إنما يُهتدى إليه بعد معرفة نوع المرض ليعالج بالضد) فإذا كان المرض حاراً عولج بالبارد، وإذا كان يابساً عولج بالرطب، وإذا كان مقبضاً عولج بالمفتح، والعكس بالعكس، وهكذا في سائر الخصوصيات. (وثانيها: اختيار وزنه) قليلاً أو كثيراً (و) اختيار (درجة كيفيته) أي درجة حرارة الدواء وبرودته. فقد ذكروا للأدوية درجات كما في كتب الطب (وذلك) الاختيار (يحصل بالحدس) حول المرض، فإن المرض إذا عرف، وأنه في أية رتبة من الحرارة والبرودة، شديدة أو ضعيفة، وهكذا سائر الصفات، تمكن الطبيب من اختيار الدواء الصالح، فمثلاً لو كانت طبيعة حارة جداً، احتاجت إلى مبرد قوي ذو درجة عالية في التبريد، وهذا الحدس إنما يحصل (من طبيعة العضو) فالقلب حار والشحم بارد (ومقدار المرض) لكون الحمى ذات حرارة شديدة أو خفيفة (والجنس) فالمريض ذكر أو أنثى (والسن) صغير أو كبير (والعادة) عادته الأكل كثيراً أو قليلاً، وشرب الماء بكثرة أم لا (والفصل) بكون المرض في الشتاء، أو الصيف، أو الربيع، أو الخريف (والصناعة) فمن يعمل في الجص يكون مزاجه جافاً، ومن يعمل في عصر الدهن يكون ليناً (والبلد) في الصحراء، أو على البحر (والسحنة) وهي بشرة الوجه وهيئته، فقد تدل على غلبة الصفراء إذا كانت صفراء وهكذا (والقوة) هل هو قوي المزاج ليحتمل الدواء القوي أم لا، وهكذا بعض الأمور الأُخر المرتبطة بالمرض. (أما طبيعة العضو فتتضمن أموراً أربعة: مزاجه) الحار أو البارد، أو نحوهما (وخلقته) أي شكله وخشونته ولينه ونحوها (ووضعه) قريب أو بعيد (وقوته) قوي أو ضعيف (فإذا تحققنا مزاج العضو الصحي ومزاجه المرضي، عرفنا كمية الخروج) أي مقدار خروج العضو (عن المزاج الصحي) إلى المزاج المرضي، وأنه كثير أو قليل (فاخترنا من الدواء ما يقابله) بحسب الكيفية والوزن، فإن كان المزاج الصحي بارداً والمرض حاراً، كان البعد كثيراً، واحتاج إلى دواء كثير كميةً، قوي كيفيةً، لترد الصحة، وإن كان المزاج والمرض كلاهما، حاراًً كان الانحراف إلى الحرارة الزائدة قليلاً، واكتفينا بالتبريد اليسير، فليقلل الدواء البارد كميةً وكيفيةً، وهكذا. (وأما الخلقة: فمن الأعضاء ما يقنع بالدواء اللطيف) أي الضعيف درجته، والقليل وزنه (إما لتخلخله) أي تخلخل العضو، فيصل الدواء القليل إليه سريعاً، كالرئة التي هي كالإسفنج (أو لأن له تجويفاً من جانبين) فهو واقع في فراغ، وفي باطنه تجويف، كالرئة أيضاً، فهي واقعة في تجويف الصدر، وفي باطنها تجاويف قصبة الرثة (أو من جانب واحد) بأن يكون العضو في تجويف، كأعصاب الصدر، التي هي في تجويف الصدر، أو يكون للعضو تجويف كالأوردة والشرايين التي لها تجاويف، وإنما يقنع ذو التجويف بالدواء القليل، لسرعة وصول الدواء إليه (ومنها) أي من الأعضاء (ما ليس كذلك) فلا يقنع بالدواء اللطيف، لكونه مصمتاً لا تجويف له (فيفتقر إلى الدواء القوي) كميةً وكيفيةً (وأما الوضع: فالعضو القريب) من مدخل الدواء كالحنجرة (يحتاج إلى ما قوته بقدر ما يقابل علته) أي الدواء الذي له قوة بقدر العلة، إذ الدواء يصل رأساً إليه، فلا يلزم أن يكون الدواء أقوى (والبعيد) من مدخل الدواء كالقلب (يحتاج إلى دواء أقوى) من العلة، بقدر ما ينكسر من قوة الدواء، بسبب تصرف الأعضاء، حتى يصل إلى العضو المريض، فمثلاً: لو كانت العلة تحتاج إلى ربع مثقال من الدواء، ولكن تصرف الأعضاء في الدواء إلى أن يصل إلى المرض يوجب ذهاب ثلاثة أرباعه، لزم شرب مثقال من الدواء لكي يصل ربعه إلى المرض. (وأما القوة: فالعضو الذكي الحس) كالعين (أو الشريف) كالرئة (أو الرئيس) كالقلب (لا يجسر عليه بدواء قوي) إذ ذكاوة العضو لا تكون إلا بسبب لطافته، والدواء القوي يوجب كبت اللطافة والإضرار بها، وشرافته ورئاسته توجبان الاهتمام بها، إذ الدواء القوي معرض للإخلال (ولا تحلل مواده) أي مواد الثلاثة (بغير قابض يخلط) بالمحلل حتى لا تتحلل قواه أجمع، فإن القابض يحفظ القوة، والمحلل يحلل المادة (ولا يورد عليه دواء له مخالفة) للطبيعة الإنسانية (كالزنجار) لخطر مثل هذا الدواء على الأعضاء الشريفة (ولا يستفرغ مواده دفعة) لأن الأرواح تفنى لدى الاستفراغ، وزهوق أرواح هذه الأعضاء ضار ومضر. (وأما مقدار المرض: فالضعيف من المرض) الذي يكون خروجه عن الاعتدال قليلاً كحرارة يسيرة (يكفيه لا محالة الدواء الضعيف) إذ الدواء يجب أن يكون بمقدار الداء (والقوي) من المرض الذي يكون خروجه عن الاعتدال كثيراً، كالحرارة الكثيرة (يفتقر إلى) الدواء (الأقوى) حتى يتمكن من مكافحة المرض القوي (وباقي العشرة) من الجنس، والسن، الخ (ظاهر بالقياس إلى ما ذكر) وقد ألمحنا إلى ذلك في شرح ألفاظها. ذكرنا أن الدواء من العلاج ـ الذي يتم بالتدبير، والدواء، وعمل اليد ـ له قوانين ثلاثة: اختيار الكيفية، واختيار الوزن، والوقت. وقد تقدم أمران منه، فنقول: (وثالثها) أي ثالث قوانين العلاج بالدواء (قانون وقته) أي وقت استعمال الدواء (وهو أن يعرف أن المرض في أي وقت من الأوقات الأربعة) الابتداء، والانتهاء، وما بينهما، والانحطاط (مثلاً: الورم الحار إن كان في الابتداء، يستعمل عليه الرادع فقط) فيستعمل الدواء المبرد للعضو ليثخن، فلا تنصب إليه العلل والمواد بسبب لطافته (وإن كان) الورم (في الانتهاء) بأن تم دور الورم، يستعمل (المحلل وحده) مع المرخي، بأن يرقق المادة، لتخرج أو تتبخر (وفيما بين ذلك) بأن كان في وقت التزايد، قبل الانتهاء وبعد الانتهاء (يمزج بينهما) أي بين الرادع ليمنع من الزيادة، والمحلل ليحلل المادة الموجودة (وفي الانحطاط) وبعد شروع الورم في الانتهاء مقابل التزايد (يقتصر على المحللات الصرفة) بدون المرخي لعدم الاحتياج إليه. (ومن المعالجات الجيدة المشتركة لأكثر الأمراض: الفرح ولقاء من يسر) المريض (به وملازمة من يستحي المريض منه، ويستأنس بحضرته) لأن ذلك كله موجب لانبساط النفس، فتؤثر على البدن بالصحة، كما ثبت في علم النفس (حتى ربما برئ المدنف من العشاق برؤية معشوقه بعد الخفاء دفعة) لما انشرحت نفسه وفرحت، فزال المدنف بالكلية، ولذلك قصص وشواهد (وكذلك) من المعالجات الجيدة المشتركة لأكثر الأمراض: (الروائح اللذيذة، والأسماع الطيبة) فإنهما بانشراحهما النفس يوجبان دفع الأمراض ولو في الجملة، لما تقدم من تأثير النفس في البدن (وربما نفع) المريض (الانتقال من هواء إلى هواء آخر) فإن الأهوية تختلف، فالمرطوب المزاج، إذا انتقل من هواء رطب إلى هواء حار نفعه، وهكذا (ومن مسكن إلى مسكن آخر) لتغير المساكن بسبب القدم والجدة، وبسبب اختلاف هوائها، وبسبب انشراح النفس في بعضها دون بعض، فتؤثر النفس في البدن (ومن فصل إلى فصل آخر) لما عرفت في اختلاف الهواء (قد ينفع) المريض (تغير الهيئات، كما ينفع الانتصاب من وجع الظهر) الحادث بسبب الانحناء وبالعكس (و) كما ينفع (النظر الشزر إلى شيء يلوح من الحول) بالنسبة إلى الصبيان الذين لم تتصلب بعد أعضاؤهم (ومعالجات أمراض التركيب، و) أمراض (تفرق الاتصال الأولى تأخيرها إلى الكلام الجزئي) لعسر ضبطها تحت قواعد كلية. (فلنتكلم في علاج أمراض سوء المزاج) لما لها من القواعد الكلية (و) القوانين المطردة، فنقول: (سوء المزاج) إما قبل الكون، وإما بعد الكون قبل الاستحكام، وإما بعد الاستحكام. فـ (أما مستحكم) بأن كمل حصوله (وتدبيره المعالجة بالضد) فالحار يعالج بالبارد، والبارد يعالج بالحار، وهكذا (و) سوء المزاج (البارد سهل الزوال في ابتدائه، عسر في انتهائه) لا المرض البارد، في أوله ضعيف، لوجود الحرارة الغريزية وقوتها، فإذا انضم إليها دواء حار تعاوناً في رفع البرودة، بخلاف آخر المرض فإن الغريزية تضعف بطول بقائه، فلا تتمكن من مناصرة الأداء الحار ليدفع البرودة (و) سوء المزاج (الحار بالضد) عسر الزوال في ابتدائه، سهل في انتهائه، إذ الحرارة الغريزية تعينه في أول الوقت فيعسر إزالته بالمبرد، وذلك بخلاف انتهائه، فإن الحرارة في أواخرها ضعيفة، لعدم معاون لها من الغريزية لضعفها بسبب طول المرض، فيكون سهل الزوال بمبرد ضعيف (والتجفيف أسهل وأقصر مدة من الترطيب) لأن التجفيف يعينه الحر الداخلي والخارجي، بخلاف الترطيب فإن الحرارتين تقاومانه (وأما في طريق أن يكون) عطف على (إما مستحكم) بأن تهيأ البدن له، لكنه لم يطرأ المرض بعد (وتدبيره التقدم بالحفظ) للصحة (بإزالة سببه) أي سبب المرض، يريد أن يطرأ في المستقبل (وأما في أول الكون) بأن طرأ لكنه لم يستحكم بعد (وتدبيره لهما) أي بالعلاج بالضد لما ورد منه، والتقدم بالحفظ لما يرد منه (معاً) لأنه ذو جزئين جزء آت، وجزء لم يأت (وسوء المزاج إن كان ساذجاً) أي لم يكن له مادة (كفى فيه التبديل) بأن يستعمل ما يضاده في الكيفية (وإن كان مادياً) بأن كان له مادة (استفرغت مادته) الموجبة لسوء المزاج أولاً (فإن تخلف بعده) شيء من السوء (بدل) لأنه حينئذ يكون ساذجاً، فإن ساء مزاج اليد بالحرارة لخراج، استفرغ الخراج، ثم بدل مزاج اليد بالمبردات، وهكذا. |