| فهرس الفصل الرابع | المؤلفات |
|
عوامل إدامة النشاط والصحة |
|
ومن المستفرغات المعتادة في حال الصحة: الحمام، والجماع، فلنقل فيهما: في الحمام، أفضله: ما كان قديم البناء، عذب الماء، واسع الفضاء، معتدل الحرارة. والبيت الأول: مبرد مرطب، والبيت الثاني: مسخن مرطب، والبيت الثالث: مسخن مجفف، ولا يدخل البيت الحار إلا بتدريج، فكيف الخروج وطول المقام فيه يوجب الغشي والكرب والخفقان. واليابس المزاج يستعمل الماء أكثر من الهواء، وقد يضطر إلى رش البيت بالماء، وصبه على أرض الحمام، ليكثر تبخره، فيرطب كما يفعل بالمدقوقين، ومرطوب المزاج يستعمل الهواء أكثر من الماء، وقد يضطر لزيادة التجفيف إلى إفراط العرق قبل استعمال الماء كما يفعل بالمستسقين، ومادام الجلد يربو فلا إفراط، فإذا أخذ البدن في الضمور والكرب في التزايد فقد أفرط. وليزد الدثار، وخصوصاً في الشتاء، لأن البدن ينتقل من هواء الحمام الحار إلى أبرد منه، ولأن ما يتشرّبه البدن من ماء الحمام تزول عنه الحرارة العرضية فيبرد ويبرد البدن. ولا يدخل الحمام من به ورم، وتفرق اتصال، أو حمّى عفنية لم تنضج مادتها، وقد يستعمل الحمام عقيب الغذاء فيسمن، ويخاف منه السدد، فليحترز عنها بالسكنجبين الساذج أو البزوري بحسب الأمزجة، وقد يغتذي عقيب الحمام، فيسمن باعتدال مع أمن من السدد، وكذلك استعمال الحمام بعد الهضم يسمن باعتدال وقد يستعمل الحمام على الخلاء فيهزل ويجفف، وقليل الرياضة ينبغي أن يستكثر من الحمام المعرق. والاغتسال بالماء البارد يقوي البدن، وينشط، ويجمع القوى ويقويها، وإنما يستعمل وقت الظهيرة في الصيف، لمن هو حار المزاج، معتدل اللحم، شاب ولذلك ينبغي أن يُمنع منه الصبي والشيخ، ومن به إسهال، أو تخمة، أو نزلة. والاغتسال بمياه الحَمّات الكبريتية، يحلل الفضول، وينفع من الفالج والرعشة والتشنج، ويزيل الحكة والجرب، وينفع من عرق النساء، وأوجاع الورك. في الجماع: أفضله ما وقع بعد الهضم الأول، وعند اعتدال البدن في حره وبرده، ويبوسته ورطوبته، وخلائه وامتلائه. فإن وقع خطأ، فضرره عند امتلاء البدن وحرارته ورطوبته، أسهل من ضرره عند خلائه وبرودته ويبوسته. وإنما ينبغي أن يجامع إذا قويت الشهوة، وحصل الانتشار التام، الذي ليس عن تكلف، ولا ذكره في مستحسن، ولا نظر إليه، بل إنما أهاجته كثرة المني، وشدة الشبق، وأن يحصل عقيبه الخفة والنوم. فالقصد المعتدل منه ينعش الحرارة الغريزية، ويهيئ البدن للإغتذاء، ويفرح، ويحطم الغضــب، ويزيل الفكر الرديء والوسواس السوداوي، وينفع أكثر الأمراض السوداوية والأمراض البلغمية. وربما وقع تارك الجماع في أمراض مثل: الدوار، وظلمة البصر، وثقل البدن، وورم الخصية والحالب، فإذا عاد إليه برئ بسرعة، والإفراط في الجماع يسقط القوة ويضر العصب، فيوقع في الرعشة والفالج والتشنج، ويضعف البصر جداً. وليجتنب جماع العجوز، والصغيرة جداً، والحائض والتي لم تجامع مدة طويلة، والمريضة، والقبيحة المنظر، والبكر، فكل ذلك يضعف الشهوة. وجماع المحبوب يسر، ويقل إضعافه مع كثرة استفراغه للمني. وأردأ أشكال الجماع: أن تعلو المرأة الرجل وهو مستلق على ظهره، ورداءته لتعسر خروج المني، وربما بقي بقية من المني فتعفن، بل ربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج. وأفضل أشكاله: أن يعلو الرجل المرأة رافعاً فخذيها، بعد الملاعبة التامة، ودغدغة الثدي، ودغدغة الحالب، ثم حك الفرج بالذكر، فإذا تغيرت هيئة عينيها، وعظم نفَسها، وطلبت التزام الرجل، أولج الذكر وصب المني، ليتعاضد المنيان. وذلك هو المحبل. ومما يُعين على الجماع: رؤية المجامعة، والنظر إلى تسافد الحيوانات، وقراءة الكتب المصنفة في الباه، وحكاية الأقوياء من المجامعين، واستماع الرقيق من أصوات النساء. وحلق العانة يهيج الشهوة، وإطالة العهد بترك الباه منسية للنفس، والاستمناء باليد يوجب الغم، وتضعف الشهوة. تدبير الفصول: وليتلقَّ الربيع بالفصد، والاستفراغ بالقيء واستعمال المصفيات ومسكنات المواد، ويجتنب المسخنات كالحركة المفرطة، والحمام، والشراب القوي، ويقلل الغذاء ويكثر الشراب الممزوج، ويلبس السنجاب، والمضربات الخفيفة. ويلزم في الصيف الهدوء والدعة، والظل، والأغذية الباردة القامعة للصفراء اللطيفة كالرمانية، وهجر كل ما يسخن، ويجفف، وينقص الأغذية، ويكثر من الفاكهة الرطبة كالاجاص، والبطيخ الرقي، والخيار، ويلبس فيه الكتان العتيق. ويجتنب في الخريف كل ما يجفف، وكثرة الجماع، والاغتسال بالماء البارد وشربه، وكشف الرأس، والاستكثار من الفواكه الرطبة. وأما القيء فيه فيجلب الحمّى ويحترز من برد الندوات وحر الظهائر. ويستقبل الشتاء بالدثار ولبس السنجب والنيفق. وأما الحواصل والدلق فمفرطان في التسخين، لا يحتملهما إلا المبرود والمرطوب، ويلزم الأغذية الغليظة كالهريسة، والاستكثار من اللحوم، واستعمال الملطفات كالرشاد والابزار الحارة، والشراب القوي. والقيء فيه يضعف والحركات القوية العنيفة فيه نافعة. |
|
في الحمام (ومن المستفرِغات) بصيغة الفاعل (المعتادة في حال الصحة) بل والمرض: (الحمام، و الجماع، فلنقل) أي نتكلم (فيهما) ولنقدم الكلام (في الحمام) فنقول: (أفضله: ما كان قديم البناء) لا تنفصل منه أبخرة الجص والنورة، وسائر أدوات البناء، كالسمنت في هذه الأيام، فإنها مضرة بالقلب، بخلاف الحمام الذي تقادم عهده، فإن هذه المواد قد كسرت سورتها، فلا تنفصل عنها أبخرة رديئة (عذب الماء) لأن الماء غير العذب قد خالطته أجسام غريبة كبريتية أو غيرها تضر بالصحة، بخلاف الماء العذب الذي يرطب البدن ويعدل يبسه (واسع الفضاء) لأن الفضاء الضيق تتجمع في هوائه الأنفاس والأبخرة والأوساخ، فيكون التنفس فيه بل الكون فيه مضراً، لما يتشرب البدن من الهواء بواسطة المسام والنبض (معتدل الحرارة) لا كثيرها، ليوجب الكرب ويجفف رطوبات البدن، ولا قليلها لئلا يحصل المقصود من الحمام الذي هو الترطيب والتسخين. ثم أن الحمامات السابقة كانت أربعة بيوت: المسلخ، وبيت النار، وبيتان بينهما، وكان كثيراً ما يكون في البيت الأول المرحاض، وفي الثاني بيوت النورة (والبيت الأول) من البيوت الداخلة في الحمام باستثــناء بيت المسلخ (مبرد مرطب) للبدن، لأنه بعيد عن بيت النار، قريب إلى الهواء الخارجي، فتأثيره إنما هو بالهواء البارد الخارجي والماء الرطب (والبيت الثاني مسخن مرطب) أما التسخين فلاقترابه من المستوقد، وأما الترطيب فلأجل الماء (والبيت الثالث) الذي هو بيت النار (مسخن مجفف) أما التسخين لأن فيه الموقد، وأما التجفيف فلفرط تحليل هوائه، بحيث لا يتداركه ترطيب الماء (ولا يدخل) الإنسان (البيت الحار إلا بتدريج) لئلا يكون الانتقال من البارد إلى الحار دفعةً، فيؤذي البدن بتوارد الأضداد عليه (فكيف الخروج) الذي هو أضر، إذا انتقل دفعةً من الحار إلى البارد، لتفتح المسام وتوسعها بسبب الحر، فينفذ فيها الهواء البارد الخارجي دفعةً، ويسبب الأمراض (وطول المقام فيه) أي في البيت الحار (يوجب الغشي والكرب والخفقان) للقلب لتسخن الروح بالهواء الحار المستنشق، فتضطرب ويختلج القلب لأجله، وكثيراً ما يورث الغشيان، لتحرك الأخلاط بسبب الحر وانصبابها إلى المعدة. (واليابس المزاج يستعمل الماء أكثر من الهواء) فيشرب الماء، ويبل جسده به، ويرش على الأرض ليستنشق الهواء المرطوب وذلك ليترطب مزاجه، ولا يزداد يبسه بحرارة المزاج والهواء، إذا استعمل الهواء كثيراً بتعريض نفسه للهواء كثيراً. هذا لو أراد الإطلاق، وإن أراد من الهواء البيت الهوائي، ومن الماء البيت المائي، فهو مصداق للكلي، وأنسب بالوضع، ولا يخفى انسياق هذا الكلام إلى آخر الفصل (وقد يضطر) اليابس المزاج لزيادة الترطيب (إلى رش البيت) أي داره ومحله (بالماء، وصبه على أرض الحمام) أيضاً إذا ذهب إليه (ليكثر تبخره، فيرطب) البدن (كما يفعل بالمدقوقين) أي المبتلون بمرض الدق (ومرطوب المزاج يستعمل الهواء أكثر من الماء) بعكس ذاك، ليجفف الرطوبات، ولا تزداد باستعمال الماء الكثير (وقد يضطر لزيادة التجفيف إلى إفراط العرق قبل استعمال الماء) في الحمام، فيجلس مدة في البيت الحار حتى يعرق عرقاً مفرطاً، ثم يستعمل الماء (كما يفعل بالمستسقين) لتجف الرطوبات الموجودة في بدنهم (و) إذا ذهب الإنسان إلى الحمام واستعمل الماء أحس أن جسمه يربو مدةً، وذلك للحرارة والرطوبة الواردتين على البدن، ثم إذا أطال المكث أحس أن جسمه يضمر بسبب الحرارة الزائدة الموجبة للضمور ـ كما نرى في اللحم إذا قرب من النار ـ فـ (ما دام الجلد يربو فلا إفراط) في المكث في الحمام ولا مانع منه، لأنه لا يضر (فإذا أخذ البدن في الضمور) الذي يدل على كثرة التحلل (و) أخذ (الكرب في التزايد) الذي يدل على سخونة الروح والقلب (فقد أفرط) في المكث، ويلزم الخروج فوراً. (وليزد) المستحم (الدثار) بعد الحمام (وخصوصاً في الشتاء، لأن البدن ينتقل من هواء الحمام الحار إلى أبرد منه) والمسام قد تفتحت وتوسعت، فإذا لم يزد من الدثار أثر الهواء البارد فيها، وأوجب الأمراض (ولأن ما يتشرّبه البدن من ماء الحمام تزول عنه) أي عن ذلك الماء المثبوت في جلد البدن (الحرارة العرضية) التــي اكتسبها بواسطة المسخن الخارجي (فيبرد) هو بنفسه (ويبرد البدن) فيجتمع على البدن برد الهواء وبرد الماء، ولذلك يجب التدثر كثيراً، لئلا يتأثر البدن بالبردين (ولا يدخل الحمام من به ورم) في أي مكان من بدنه كان، لأن الحمام يلطف المواد ويسيلها، فيزداد الورم مادةً بانسياب المواد إليه (و) من به (تفرق اتصال) بسبب قطع أو نحوه، لنفس السبب المتقدم، فيوجب التقيّح والألم (أو) من به (حمى عفنية لم تنضج مادتها) بعد، لأن بذلك تشتد الحرارة الغريبة، فتكون العفونة أكثر، ويزداد المرض (وقد يستعمل الحمام عقيب الغذاء، فيسمن) البدن، لأن تحليل رطوبات الجسد، يوجب جذب الغذاء على فجاجته إلى البدن، وذلك مخصب مرطب (و) لكن (يخاف منه السدد) لأن الغذاء غير المهضوم غليظ القوام، وذلك مما يُحدث السدد (فليحترز عنها) أي عن السدد (بالسكنجبين الساذج) وهو الخل والعسل فقط بدون البزور (أو البزوري) أي ما أُدخل فيه بزور حارة (بحسب الأمزجة) فالثاني، لمن ليس مزاجه حاراً، وإنما ينفع السكنجبين لأنه يحلل ويفتح السدد، والحار منه أقوى (وقد يغتذي) الإنسان (عقيب الحمام) فيأكل قبل أن يبرد جسمه (فيسمن باعتدال) لجذب البدن الحار الغذاء باعتدال، إذ ليس حرارة البدن حينئذ كحرارته داخل الحمام، حتى يكون الجذب قوياً (مع أمن من السدد) إذ الانجذاب لضعفه، إنما يكون بعد الهضم، ورقة القوام (وكذلك استعمال الحمام بعد الهضم) الأول للطعام (يسمن باعتدال) لانجذاب الغذاء المهضوم إلى الأعضاء كثيراً، وهو مأمون من السدة، لخروج الطعام بسبب الهضم الأول عن الفجاجة (وقد يستعمل الحمام على الخلاء) للمعدة والجوع (فيهزل ويجفف) بسبب تحليله الرطوبات الأصلية، ولا بدل يقوم مقامه لفرض خلاء المعدة (وقليل الرياضة ينبغي أن يستكثر من الحمام المعرق) بأن يستعمل الهواء كثيراً، ويطيل المكث في البيت الحار، وذلك لأن الفضلات المجتمعة في جسده تخرج بالعرق، وذلك بخلاف كثير الرياضة، فإن الفضلات تخرج بها، كما تقدم. (والاغتسال بالماء البارد يقوي البدن، وينشطه) لأنه يوجب انسداد بعض المسام وتكثيفها وتضيقها، فتحتقن الحرارة الغريزية في البدن، ولا تحلل كثيراً، وهي أصل التقوية والتنشيط (ويجمع القوى، ويقويها) لما ذكر (وإنما يستعمل وقت الظهيرة) أي حوالي نصف النهار (في الصيف) دون الشتاء وسائر الفصول (لمن هو حار المزاج) لا بارده (معتدل اللحم) لا القصيف ولا السمين (شاب) وذلك لأن وقت الظهر يكون الهواء حاراً، وخصوصاً إذا كان الزمان صيفاً، فلا تؤثر في البدن برودة الماء لتضر به. وبارد المزاج إذا استعمل غاص البرد إلى أعماق بدنه، لعدم معاون له، فيضر بالحار الغريزي، بخلاف حار المزاج والقصيف، تنفذ برودة الماء إلى أعماقه لهزاله، فتخمد الحرارة الغريزية. والسمين بارد المزاج، فلا يقوى على احتمال البرد، وحرارة الشاب تقاوم برد الماء (ولذلك ينبغي أن يُمنع منه الصبي والشيخ) لضعف حرارتهما عن المقاومة. وقد تقدم أن الشاب أقوى حرارة من الصبي (و) يُمنع (من به إسهال) فإن الماء يكثف الأعضاء الظاهرة، لإيجابه انسداد المسام، فيعصر المواد إلى الباطن، وذلك يزيد في الإسهال (أو تخمة) لأن البرد يوجب زيادة القبض، فتقوى التخمة (أو نزلة) إذ البرد يسد المسام ويقبض المواد، فيزيد في النزلة، لأنه يمنع المواد عن التحليل والانسياب. (والاغتسال بمياه الحَمّات) جمع حَمّة ـ بالفتح والتشديد، وزن مَدّة ـ وهي: العيون التي خالط ماءها شيء من الكبريت أو الملح أو البورق أو غيرها من سائر المعادن، وكل حَمّة تفيد شيئاً، فإن كل معدن نافع لمرض، تكون حَمّته أنفع و(الكبريتية) منها (يحلل الفضول) لفرط حرارة الكبريت الموجبة للتحليل (وينفع من الفالج والرعشة والتشنج) إذ تزيل حرارتها الأخلاط البلغمية اللزجة، المولدة لهذه الأمراض غالباً (ويزيل الحكة والجرب) وسائر الأمراض الجلدية، لأنها تحلل المواد اللازقة بالجلد، المسببة لهذه الأمراض (وينفع من عرق النساء، وأوجاع الورك) لأن الماء بحرارته ولطفاته المكتسبة، يغوص في العمق، فينفع من هذه الأمراض. ولكن لا يخفى أن الاستشفاء بهذه العيون مكروه في الشريعة الإسلامية، ولعل السر أن هذه الخليطات تضر بالصحة، أكثر مما تنفع بالمرض الخاص بعضو. القول (في الجماع) وقد عرفت أنه من الاستفراغات: (أفضله ما وقع بعد الهضم الأول) بأن لا تكون المعدة خالية ولا ممتلئة، لما سيأتي من ضررهما (وعند اعتدال البدن في حره وبرده) إذ لو كان البدن حاراً ازداد حرارةً بواسطة الحركات حال الجماع، وذلك موجب لتحليل القوى، ولو كان بارداً سبب زوال الحرارة الغريبة بعد الإتمام برداً مضاعفاً ببرودة البدن والبرودة الحاصلة، لانطفاء الحر العرضي، وسبب ذلك انطفاء الحرارة بالكلية (و) في (يبوسته ورطوبته) إذ الجماع يجفف الأعضاء بكثرة الحر الحاصلة من الحركات العنيفة، فإذا كان البدن يابساً ازداد يبوسة، وذلك مولد للأمراض المتولدة من اليبوسة، وإذا كان البدن رطباً رققها وأسالها، فتنصب على الأعصاب، وتصعد منها أبخرة إلى الدماغ ربما سببت حميات وأمراضاً (و) في (خلائه وامتلائه) إذ الجماع يسبب تجفيفاً شديداً، مما تجذب معه الأعضاءُ الطعامَ لبدل ما يتحلل منها، فإذا كانت المعدة خالية ذابت من الأعضاء الأصلية، وإذا كانت مليئة جذبت الطعام الفج، فيحدث السدد. (فإن وقع خطأ) أو أراد الإنسان أن يفعل في إحدى الحالات الرديئة (فضرره عند امتلاء البدن وحرارته ورطوبته، أسهل من ضرره عند خلائه وبرودته ويبوسته) فإن الجماع عند الخلاء واليبس يوجب سقوط القوة، وعند البرد يوجب انطفاء الحرارة الغريزية، وهما من أعظم المضار. (وإنما ينبغي أن يجامع إذا قويت الشهوة، وحصل الانتشار التام) للعضو (الذي ليس عن تكلف، ولا ذكره في مستحسن، ولا نظر إليه) إذ في هذه الحالات، لم تنضج المادة المنوية، فيكون إفراغها مضراً بالأعضاء (بل إنما أهاجته كثرة المني وشدة الشبق) أي الشهوة، فإن المني لدى كثرته في الأعضاء يتطلب الانفصال كالبول والبراز، فإذا تُرك ولم يُدفع بالجماع، خنق الحار الغريزي، وأذى الأوعية المنوية (وأن يحصل عقيبه الخفة) لأن المادة المنوية تثقل على البدن، بالإضافة إلى أن خنقها للحار الغريزي يضعف القوى عن عمل البدن، فإذا أُفرغ حصلت الخفة (و) أن يحصل (النوم) عقيبه لاستراحة الطبيعة، وذهاب الثقل والأذى الموجبين للقلق، وتطلب البدن للاستراحة بعد تعب الإفراغ. (فالقصد المعتدل منه) وهو يختلف، باختلاف الأفراد والازمان والأسنان (ينعش الحرارة الغريزية) لذهاب الثقل الذي كان كلاًّ عليها خانقاً لها (ويهيئ البدن للإغتذاء) إذ وجود المني في الأعضاء مانع عن الإغتذاء، فإذا أُفرغ خلت الأعضاء عن المادة، فتغذت بالقدر الصالح لها (ويفرح) لأنه مذهب لفضول الروح، الموجب للكسل (ويحطم الغضب) لأن الفضول إذا كانت في البدن، تبخرت وتسخنت بها الروح وتكدرت، والغضب دليل ذلك، فإذا استفرغ المني ذهب الغضب (ويزيل الفكر الرديء والوسواس السوداوي) لأنهما وليدا انقباض الروح وسخونتها، وبالإفراغ يحصل للروح فرح وحركة نحو الخارج، فتزول عنها الحرارة والانقباض (وينفع) الإفراغ للمني (أكثر الأمراض السوداوية) المتولدة من الأبخرة الدخانية المتحرقة، فإذا أفرغ المني أزيلت تلك الأبخرة المنوية عن القلب والدماغ، فزالت الأمراض (و) ينفع الإفراغ (الأمراض البلغمية) لأنه ينعش الحرارة الغريزية، فتطارد الأمراض البلغمية، بإذابة البلغم بسبب نضجه بالحرارة ودفعه. (وربما وقع تارك الجماع في أمراض مثل: الدوار) كغُراب، مرض الرأس (وظلمة البصر) فإن المني يفسد بالبقاء وتصعد منه أبخرة إلى الدماغ والعين لقربها منه وضعفها، تقبل الأبخرة الدخانية فتظلم (وثقل البدن) لما تقدم (وورم الخصية والحالب) وهو مجرى في أصل الفخذ، يجري منه البول من الكلية إلى المثانة، وإنما يورمان لامتلاء الأوعية بالمني، وتمددها بسبب الامتلاء، وذلك محدث للورم (فإذا عاد) المريض (إليه) أي إلى الجماع (برئ بسرعة) لزوال الموجب، إلا إذا أفسد طول البقاء للمني المحل، فإنه يحتاج إلى العلاج (والإفراط في الجماع يسقط القوة) لأنه يوجب إذابة الأعضاء الأصلية، وإفراغ الروح عند اللذة وكلاهما موجبان لإسقاط القوة (ويضر العصب) لإتعابه بالحركات العنيفة الجماعية (فيوقع) الشخص (في الرعشة، والفالج، والتشنج) لأنها أمراض عصبية (ويضعف البصر جداً) لأن بعض مادة المني تخرج من الدماغ والعينان، لرطوبتهما تشتركان مع الدماغ في الإفراغ فتضعفان. (وليجتنب جماع العجوز) لقلة رغبة النفس، وكثرة الرطوبات الفضلية في المكان، وسعة الموضع، مما يسبب انقلاع المني بمشقة، وذلك يسبب اضطراباً في الأعصاب (والصغيرة جداً) لعدم رغبة النفس، واضطرابها عند الجماع، مما يسببان اضطراباً في الأعصاب، كما تقدم (والحائض) لتنفّر النفس، وقذارة الموضع، وإن كان ضرر هذه أكثر جداً (والتي لم تجامع مدة طويلة) لكثرة الفضول في الموضع المنفرة للطبع (والمريضة) للتنفّر أيضاً (والقبيحة المنظر) لذلك، وهكذا القذرة وما شابههن (والبكر) لاضطرابها، وسيلان الدم، وهما موجبان لاضطراب الأعصاب (فكل ذلك يضعف الشهوة) إذ عدم اللذة في العمل، يوجب تنفر الطبيعة، فتكف عن توليد المني ولا تُنضج المتولد منه. (وجماع المحبوب يسر) أي يوجب السرور (ويقل إضعافه) لأنــه ينعش الروح، ويقوي الحرارة الغريزية للرغبة والسرور (مع كثرة استفراغه للمني) لأن الطبيعة تجود بما لديها لتلتذ أكثر، ويسبب توليد المني ونضجه، عكس ما سبق. (وأردأ أشكال الجماع: أن تعلو المرأة الرجل وهو مستلقٍ على ظهره) سواء تحركت هي أو هو، وإن كان الثاني أردأ (ورداءته لتعسر خروج المني) لأنه يخرج إلى فوق، (وربما بقي) في الذكر (بقية من المني فتعفن) وتوجب الورم والقرحة (بل ربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج) لتوسع ثقبة الإحليل فيوجب التعفن إذا بقي منها شيء في الذكر. (وأفضل أشكاله: أن يعلو الرجل المرأة) وهي مستلقية (رافعاً فخذيها) حتى يكون قعر الرحم نازلاً، والالتصاق أكثر (بعد الملاعبة التامة) ليتحرك المنيان عن محلهما (ودغــدغة الثدي) لتهييج الشهوة فيهما، وخصوصاً المرأة (ودغدغة الحالب) أي أصل الفخذ (ثم حك الفرج بالذكر) فإن ذلك كله موجب لتهييج الشهوة، خصوصاً فيها (فإذا تغيرت هيئة عينيها) إلى الاحمرار، بسبب اللذة المحركة للروح والدم نحو الخارج، فتظهر الحمرة على العين للطافتها (وعظم نفَسُها) لسخونة القلب وآلات التنفس، بسبب اشتعال الحرارة، فطلبت الهواء البارد لذلك (وطلبت التزام الرجل) للتدني من اللذيذ حين هيجان الشهوة (أولج الذكر، وصب المني، ليتعاضد المنيان) وتكون اللذة أكثر، لأن جذب كلٍّ صاحبه أكثر، والاقتراب كلما كان أكثر كان ألذ، وليحافظ المرء على أن لا يقضي حاجته قبل أن تقضي حاجتها، وإلا سبب ذلك الكراهية منها له، وربما أدى استمرار ذلك إلى التفرق (وذلك) الجماع الجامع لهذه الشرائط (هو المحبل) غالباً. (ومما يعين على الجماع: رؤية المجامعة، والنظر إلى تسافد الحيوانات) أي جماعها (وقراءة الكتب المصنفة في الباه) وأحواله وأشكاله وخصوصياته (وحكاية الأقوياء من المجامعين، واستماع الرقيق من أصوات النساء) بشرط أن يكون حلالاً، وإلا أوجب ناراً وعاراً. وسبب كون هذه الأمور معينة أن النفس بسبب الترغيب تميل نحو المرغب إليه، وتعينها الطبيعة في المقام على ذلك فتتحرك الشهوة. (وحلق العانة يهيج الشهوة) لأنه ينشط الأعصاب، ويزيل الوسخ المنفر، ويذكر النفس (وإطالة العهد بترك الباه منسية للنفس) فلا يبقى للطبيعة اهتمام بهذه القوة ولا بإيجاد المني (والاستمناء باليد يوجب الغم) لقلة الالتذاذ، فتنقبض النفس (وتضعف الشهوة) لعدم اعتناء الطبيعة بتوليد المني لقلة لذته، وكذلك يوجب أمراضاً أُخر كضعف البصر، واضطراب الأعصاب، وما إليهما. في (تدبير الفصول) وما ينبغي فيها: (وليتلقَّ) الإنسان (الربيع) أي يبادر في أوله (بالفصد والاستفراغ بالقيء) والحجامة، إذ الربيع يحرك المواد التي جمدها الشتاء، فيسبب الأمراض المناسبة لها، كما تقدم، فإذا استفرغ البدن منها لم يصب بأذى، والقيء يفرغ البلغم المتعلق بالمعدة وحواليها بسبب تجميد الشتاء له (واستعمال المصفيات) للدم، لتخرج الأخلاط الرديئة كشرب ماء العناب، وأكل الهندباء ونحوهما (ومسكنات المواد) لتقادم حركتها وغليانها وانصبابها إلى الأعضاء (ويجتنب المسخنات) لئلا تعاون الطبيعة الفصلية بتحريك المواد (كالحركة المفرطة، والحمام، والشراب القوي) والأشياء الحارة (ويقلل الغذاء) لأن الأخلاط بسبب تخلخلها بالحر تكون كبيرة الحجم، فاللازم أن يقلل من الغذاء الخارجي، حتى لا يسبب تمديد العروق والأوعية ولا يصدعها (ويكثر الشراب) المناسب كماء الزرشك، والليمون، ونحوهما خصوصاً (الممزوج) منه بالماء، ليكون أكثر رقة ونفوذاً (ويلبس السنجاب) لأن حره قليل (والمضربات الخفيفة) وهي الثياب المحشوة بالقطن القليل المندوف. (ويلزم في الصيف الهدوء والدعة) لئلا تزداد السخونة بحر الهواء وحر الحركة (و) يلزم (الظل) حتى لا تتعاون أشعة الشمس مع حرارة الهواء (والأغذية الباردة) لئلا تتعاون حرارة الداخل مع الخارج، وليسكن غليان الأخلاط (القامعة للصفراء) كالزرشك، لأنها في الصيف كثيرة (اللطيفة) لأن الهضم في الحر ضعيف، والغذاء الغليظ يحتاج إلى قوة في الهضم (كالرمانية) والليمونية ونحوهما (وهجر كل ما يسخن ويجفف) لما عرفت (وينقص الأغذية) لما تقدم من ضعف الهضم، ولأن حجم الأخلاط كبير بسبب تمديد الحر لها، فلا حاجة إلى طعام كثير (ويكثر من الفاكهة الرطبة كالاجاص، والبطيخ الرقي) منسوب إلى رقة الشام ـ كما قيل ـ وهو المسمى بالدابوعة، ويقال له بالفارسية: (هندوانه)، (والخيار) ليسكن الحرارة (ويلبس فيه الكتان العتيق) لأن الكتان أبرد الملابس، والعتيق منه أرق. (ويجتنب في الخريف كل ما يجفف) لئلا يتعاون المجفف مع طبيعة الفصل، فيوجبان يبوسة مضرة (و) يجتنب (كثرة الجماع) لأنه مستلزم لليبس بإفراغ المني (و) يجتنب (الاغتسال بالماء البارد) فإنه يوجب النزلة لتجميده المواد (وشربه) أي شرب الماء البارد، إذ اختلاف الهواء يوجب ضعف الصدر، واستعداده لقبول الأمراض، والماء البارد يمد ذلك (وكشف الرأس) في الأوقات الباردة، لئلا يوجب النزلة (والاستكثار من الفواكه الرطبة) فإنها كثيرة المائية، والهضم غير تام في هذا الفصل، فتوجب التعفن في المعدة والحميات. (وأما القيء فيه) أي في الخريف (فيجلب الحمّى) لأنه يهيج المواد التي في العروق، ولا يخرج شيء منها لغلظها، وإذا تحركت ازدادت حدة وحرارة، وفسدت وأفسدت الأخلاط الصالحة التي تختلط بها وأورثت الحمى (ويحترز من برد الندوات) بالتدثّر (وحر الظهائر) بالكشف، لئلا يتوارد الضدان على البدن. (ويستقبل الشتاء بالدثار ولبس السنجب) لما تقدم من كونه حاراً، وان لم يكن بالغ الــحرارة (والنيفق) وهو فرو الثعلب. (وأما الحواصل) وهي طيور في مصر، يصنع من ريشها الدثار (والدلق) حيوان يسمى بهذا الاسم، حار الطبيعة (فمفرطان في التسخين، لا يحتملهما إلا المبرود والمرطوب) غالباً (ويلزم) لفصل الشتاء (الأغذية الغليظة كالهريسة) فإن الهضم في الشتاء أقوى، لتوجه الروح إلى الباطن، ولأن الأخلاط ينقص حجمها بسبب تجميد الهواء لها، فالطبيعة تحتاج إلى غذاء كثير ودم غليظ، لتخلف عن ذلك النقص (والاستكثار من اللحوم) ليكثر الدم، ويحل محل النقص المذكور (واستعمال الملطفات كالرشاد والابزار الحارة) لأن الدم الحادث من الأغذية الغليظة غليظ، والبرد يزيده غلظاً، فيحتاج إلى الملطف لينفذ في المجاري، ولئلا يحدث السدد (والشراب) المناسب لهذا الفصل (القوي) كماء الزبيب ونحوه، مما يقاوم برد الهواء، ويسخن البدن. (والقيء فيه يضعف) لأن الأخلاط في الشتاء منجمدة، فإخراجها بالقيء يحتاج إلى حركات عنيفة، وذلك يوجب إرهاقاً وضعفاً، ولان ذلك موجب لعسر مرور الخلط من المجاري فيتعبها، وذلك موجب للضعف (والحركات القوية العنيفة فيه) أي في الشتاء (نافعة). |