| فهرس الفصل الرابع | المؤلفات |
|
الأغذية وحفظ الصحة |
|
الجملة الثانية: في قواعد الجزء العملي من الطب بقول كلي، والجزء العملي، ينقسم إلى: علم حفظ الصحة، وإلى: علم العلاج. ولنبتدئ بحفظ الصحة، والطبيب لا يلزمه إبقاء الشباب والقوة، ولا أن يبلغ كل شخص الأجل الأطول فضلاً عن أن يمنع الموت، وذلك لأن البدن لا يمكن تكونه إلا من رطوبة مقارنة لحرارة تنضجها وتغذوها وتدفع فضلاتها، فهي لا محالة تفعل في الرطوبة وتحللها، وإذا دام المؤثر الواحد في المتأثر الواحد اشتد تأثيره في كل وقت، وإذا كثر التحلل ضعفت الحرارة لقاء مادتها، وضعف الهضم، وقلّ إيراد البدل الذي لولاه لم يبق البدن مدة تكونه، فضلاً عن استكماله، ولا يزال كذلك حتى تفنى الرطوبة، وتنطفئ الحرارة، وذلك هو الموت الطبيعي المقدر أجله، لكل شخص بحسب مزاجه وقوته، فغاية فعل الطبيب أن يبلغ كل شخص منتهى الأجل، إن لم يتولد مفسد خارجي. وأن يحفظ صحة كل سن على ما يليق به، وذلك بحماية الرطوبة الغريزية عن العفونة، وحراستها عن التحلل الزائد عن المجرى الطبيعي. وملاك الأمر في ذلك هو تعديل الأسباب الضرورية، وقد بينا ذلك، وبينا ما هو الأفضل من الأهوية. تدبير المأكول: كل صحة أردنا حفظها على حالها، أوردنا عليها الغذاء الشبيه في الكيفية، وإن أردنا نقلها إلى أفضل منها، أوردنا عليها الضد، وليقتصر من الغذاء على الخبز النقي من الشوائب الرديئة كالشيلم، وعلى اللحم الحولي من الضأن، والعجول، والأجدية، والدجاج، والقبج، والطيهوج، والحلو الملائم. وليقتصر من الفواكه على التين، والعنب، وعلى الرطب، في البلاد المعتاد فيها أكله، وأما الأغذية الدوائية كلها، فلا يلتفت إليها إلا لتعديل مزاج، أو مأكول. ولا يأكل بلا شهوة، ولا يدافع الشهوة الهائجة، وليؤكل في الصيف الغذاء البارد بالفعل، وفي الشتاء الحار بالفعل. وإدخال طعام على طعام آخر لم ينهضم الأول رديء، ودونه إطالة زمان الأكل لما تختلف الهضوم، وتكثير الألوان محير للطبيعة، والغذاء اللذيذ أحمد لولا الإكثار منه. وملازمة التفه تسقط الشهوة وتكسل. والحامض يسرع الهرم، ويجفف الأعضاء، ويضر العصب بلدغه. والحلو يُرخي المعدة، ويحمي البدن. والمالح يجفف البدن ويهزله. فليدفع مضرة الحامض بالحلو، والحلو بالحامض، ومضرة التفه بالمالح والحريف، وهما به. وليترك الغذاء وفي النفس منه بقية شهوة، وملازمة الحمية تنهك البدن، بل هي في الصحة كالتخليط في المرض. ومراعاة العادة في الوجبات وغيرها واجبة، ومن اعتاد أن يستمرئ الأغذية الرديئة، فلا يغتر بها، فيولد على طول الأيام أمراضاً رديئة، فليترك ذلك بالتدريج. والصفراوي، غذاؤه مبرد مرطب، والدموي غذاؤه مبرد قامع، والبلغمي غذاؤه مسخن ملطف، والسوداوي غذاؤه مرطب مسخن. وقد نهى المجربون عن الجمع بين الأغذية، ويعسر علينا إثبات كثير منها بالقياس. قالوا: لا يجمع بين السمك الطري واللبن، فيولدان أمراضاً مزمنة كالجذام والفالج. ولا لبن مع حامض، حتى نهوا عن الجمع بين المضيرة والاجاصة. ولا السويق على الأرز باللبن، ولا العنب على الرؤوس، ولا الرمان على الهريسة. تدبير المشروب، قالوا: لا يجمع بين ماء النهر وماء البئر، ما لم ينحدر أحدهما. وأفضل المياه مياه الأنهار، وخصوصاً الجارية على تربة نقية فيتلخّص الماء من الشوائب، أو على الحجارة، وخصوصاً الجارية إلى الشمال، أو إلى المشرق، وخصوصاً المنحدرة إلى أسفل، وخصوصاً إذا بعد المنبع، فإن كان مع هذا خفيف الوزن يُخيّل لشاربه أنه حلو، ولا يحتمل الشراب منه إلا قليلاً، فذلك البالغ خصوصاً إذا كان مع هذه غمراً شديد الجري. وماء النيل قد جمع أكثر هذه المحامد. وماء العين لا يخلو من غلظ، وأردأ منه مياه القني، ثم ماء البئر، وماء النز أردأ من الجميع. وإنما ينبغي أن يستعمل الماء، بعد شروع الغذاء في الهضم، وأما عقيبه فيفجج، وفي خلاله أردأ، على أن من الناس من ينتفع بذلك، ومن الناس من تكون شهوته للغذاء ضعيفة، فإذا شرب قويت، وذلك لتعديله حرارة المعدة، وأما على الريق، وعقيب الحركة خصوصاً الجماع، وعقيب المسهل، وعقيب الحمام، وعلى الفاكهة، وخصوصاً البطيخ فرديء جداً، ماءاً كان المشروب أو شراباً. فإن لم يكن بَدٌّ، فقليل من كوز ضيق الرأس، امتصاصاً. وكثيراً ما يكون العطش من بلغم لزج، أو من بلغم مالح، وكلما روعي هذا العطش بالشرب ازداد، فإن صبر عليه، نضجت الطبيعة بالتسخين للمادة المُعطشة وإذابتها، ولهذا كثيراً ما يسكن بالأشياء الحارة كالعسل. |
|
(الجملة الثانية) من الفن الأول: (في قواعد الجزء العملي من الطب) حيث ذكرنا في أول الكتاب: أن الطب جزءان، نظري وقد تقدم، وعملي وهو هذا (بقول كلي) أي بيان القواعد الكلية للطب العملي (والجزء العملي ينقسم إلى: علم حفظ الصحة) وإنه كيف يمكن التحفظ على الصحة حتى لا تنحرف (وإلى: علم العلاج) وإن الصحة إذا انحرفت كيف يمكن إرجاعها. (ولنبتدئ بحفظ الصحة) لأنه أهم، حتى لا يقع الإنسان في الانحراف فيحتاج إلى العلاج (والطبيب لا يلزمه إبقاء الشباب والقوة) لأنهما خارجان عن قدرته، فلكل منهما أمد حسب ما جعل الله سبحانه إذا انتهى وقته انتقلا، نعم يتمكن الطبيب من تمديد شيء يسير منهما (ولا) يلزم الطبيب (أن يبلغ كل شخص الأجل الأطول) بأن يصير عمر الإنسان مائة وعشرين مثلاً، لأنه ليس باختياره أيضاً (فضلاً عن أن يمنع الموت) إلى الأبد (كلُّ نفسٍ ذائقةُ المَوت) (وذلك) الذي ذكرنا، من أنه لا يلزم الطبيب (لأن البدن لا يمكن تكونه إلا من رطوبة) هي المني من الرجل والمرأة، ودم الحيض (مقارنة) تلك الرطوبة (لحرارة تنضجها وتغذوها وتدفع فضلاتها) إذ بدون الحرارة لا يمكن شيء من ذلك (فهي) أي الحرارة (لا محالة تفعل في الرطوبة وتحللها) وتعدمها (وإذا دام المؤثر الواحد في المتأثر الواحد اشتد تأثيره في كل وقت) لأن المتأثر تقل مقاومته تدريجاً، وبمقدار ضعفه يقوى المؤثر أثراً (وإذا كثر التحلل) من الرطوبة (ضعفت الحرارة) الغريزية (لقاء مادتها) من المقدار الأصلي، إذ الحرارة أيضاً تقل بمرور الزمان وبالعمل، فإن العمل لا يكون إلا بصرف الطاقة (وضعف الهضم) الذي لا يكون إلا بالحرارة، فإنه إذا ضعفت الحرارة ضعف مفعولها (وقل) لضعف الهضم (إيراد البدل الذي لولاه) أي لولا ذلك البدل (لم يبق البدن مدة تكونه) أي كونه، فإن البدن إنما يبقى لوصول بدل ما يتحلل إليه (فضلاً عن استكماله) أي لولا بدل ما يتحلل لم يبق البدن أصلاً، فكيف يزيد في أقطاره الثلاثة وينمو (ولا يزال كذلك) تنعدم الرطوبة فالحرارة، فيقل الهضم، فيضعف البدن والقوة (حتى تفنى الرطوبة) بالكلية (وتنطفئ الحرارة) ويقع الموت (وذلك) الانطفاء (هو الموت الطبيعي المقدر أجله) أي وقته (لكل شخص بحسب مزاجه وقوته) اللذين ركبهما الله سبحانه وتعالى فيه، إذاً (فغاية فعل الطبيب) الذي يكون في متناوله وتحت قدرته (أن يبلغ كل شخص منتهى الأجل) الذي يقتضيه مزاجه وقوته، بأن لا يخترمه المرض، فيموت وقد بقي منهما في بدنه شيء (إن لم يتولد) أي للمزاج (مفسد خارجي) كأن يحترق، أو يغرق، أو ما أشبه ذلك. (وأن يحفظ) عطف على (أن يبلغ) (صحة كل سن على ما يليق به) لئلا يمرض ومزاجه قابل للصحة (وذلك) يكون (بحماية الرطوبة الغريزية عن العفونة، وحراستها) أي الرطوبة الغريزية (عن التحلل الزائد عن المجرى الطبيعي) وهما سبب كل مرض. (وملاك الأمر في ذلك) أي قوام الأمر في باب حفظ الرطوبة وحراستها (هو تعديل الأسباب) الستة (الضرورية، وقد بينا) سابقاً (ذلك) الأسباب الستة الضرورية (وبينا ما هو الأفضل من الأهوية) فنصرف الكلام إلى تدبير الخمسة الأُخر من الأسباب الضرورية. في (تدبير المأكول) لحفظ الصحة: (كل صحة أردنا حفظها على حالها) حتى لا تزول (أوردنا عليها الغذاء الشبيه في الكيفية) بالمزاج، فإن الشبيه للشيء يمده ويحفظه، وذلك بخلاف ما لو أوردنا عليه غذاءً مخالفاً له، فإنه يخرجه من الاعتدال والصحة إلى الانحراف والمرض، فإن المعتدل لو أوردنا عليه غذاءً بارداً أو حاراً أخرجه من الاعتدال إليهما، وهما يسببان الأمراض، وهكذا (وإن أردنا نقلها) أي الصحة (إلى أفضل منها) بأن مال المزاج إلى خلاف الاعتدال، فأردنا رد الاعتدال إليه (أوردنا عليها الضد) فإن مال المزاج المعتدل إلى البرودة، أوردنا عليه الغذاء الحار وبالعكس، فهذا الغذاء الضد يطرد الحالة الطارئة، ويرجع الصحة والاعتدال إلى نصابهما (وليقتصر) من أراد حفظ الصحة (من الغذاء على الخبز) المأخوذ من الحنطة، فهو حار باعتدال، كثير الغذاء، سريع الانهضام (النقي من الشوائب الرديئة كالشيلم) وهو حَب أسود في الحنطة، يوجب فساده، وقد اعتاد الطحانون على أخذه (وعلى اللحم الحولي من الضأن) أي الذي له حول منها، فإنه قريب إلى الاعتدال (والعجول) وهو ولد البقر (والأجدية) جمع جدي (والدجاج) مثلث الدال (والقبج، والطيهوج) فإن لحوم هذه الحيوانات ملائمة لبدن الإنسان، كما ثبت في المفردات (والحلو الملائم) فإن جميع أقسامه ملائم للبدن، لأن الأعضاء حلوة، نعم بعض أقسامه كالحلو، لا يلائم بعض الأمزجة، ولذا قيده المصنف (ره) (بالملائم). واستدلوا لكون البدن يحب الحلو، بأن الإنسان إذا أكل أطعمة مختلفة، ثم أكل شيئاً حلواً بعدها، ثم تقيأ، خرج الحلو آخر الأطعمة، مما يدل على شدة تعلق البدن به، حتى إنه لا يقذفه إلا في آخر زمان الاضطرار (وليقتصر من الفواكه على التين) فهو كثير الغذاء مخصب للبدن (والعنب) فهو كالتين، إلا أنه أقل غذاءً منه، وأسرع إلى التخصيب (وعلى الرطب) الطري، فهو مغذي مخصب للبدن (في البلاد المعتاد فيها أكله) وذلك لاعتياد الهاضمة له، أما سائر البلاد، فقالوا إنه يولد الدم الرديء المستعد للعفونة، وكأن سبب ذلك أن الهواء في هذه البلاد لا يُلائم الرطب، ولذا لا يخلق فيها. ومن المعلوم أن حكم داخل البدن وخارجه متساوٍ، إلا فيما سبب أمر خارجي الاختلاف. (وأما الأغذية الدوائية كلها) وقد تقدم تفسير الغذاء الدوائي (فلا يلتفت إليها) فإن حفظ الصحة، إنما يكون بإيجاد بدل ما يتحلل في الجسد، والغذاء الدوائي فيه الأجزاء الدوائية التي لا تصلح لكونها بدلاً، بالإضافة إلى أنها تولد كيفية زائدة، فتكون موجبة لانحراف الصحة (إلا لتعديل مزاج) بأن تكون الصحة قد انحرفت، فيستعمل الغذاء الدوائي لتعديل المزاج، وإرجاع الصحة إلى نصابها (أو) يستعمل لتعديل (مأكول) بأن يكون المأكول غير ملائم للبدن المعتدل، فيخلط به الغذاء الدوائي، ليلائم المأكول البدن، كما يخلط لحم الأوز بالخل، ليزول بذلك غلظه. (ولا يأكل) الإنسان الغذاء (بلا شهوة) حقيقية، إذ الشهوة دليل خلو المعدة، فعدمها دليل على امتلائها، فيكون الأكل من إدخال الطعام على الطعام، وذلك موجب للفساد، لتحير الطبيعة بين القديم والجديد، فلا يصلح الهضم، فإن الهضم المناسب للثاني يفسد الأول، والمناسب للأول يجعل الثاني نيّاً غير مهضوم. ومقابل الشهوة الحقيقية، الشهوة الكاذبة الحاصلة من المرض، فإنها لا اعتبار بها (ولا يدافع) الإنسان (الشهوة الهائجة) بأن يترك الأكل إذا تحركت الشهوة، فإن ذلك يضر بالبدن، إذ أن المعدة إذا لم تجد مأكلاً امتصت الرطوبات الأصلية وبالأخص الصفراء، وذلك يوجب يبساً وأمراضاً صفراوية. (وليؤكل في الصيف الغذاء البارد بالفعل) إذ حرارة الصيف توجب تحليل الحرارة الغريزية فإذا أكل الغذاء الحار تعاونا في إفناء الغريزية، وأما الغذاء البارد فهو يقاوم الحرارة الخارجية، ويحصر الغريزية في المعدة، فتجود الهضم. (و) ليوكل (في الشتاء) الغذاء (الحار بالفعل) إذ لو أكل الغذاء البارد اجتمع الباردان في توليد الفضول البلغمية وإخماد الحرارة الغريزية، بخلاف ما إذا كان الغذاء حاراً، فإنه يزيل جمود الدم ويرققه، فيتحرك نحو الخارج ليقاوم البرد. وقوله: (بالفعل) في المقامين، مقابل: بالخاصية. (وإدخال طعام على طعام آخر لم ينهضم الأول رديء) لما تقدم من أن الطبيعة تتحيّر بينهما، فإن هضمت الأول على قدره بقي الثاني نياً، وإن هضمت الثاني على قدره فسد الأول، وأيهما فسد أفسد الثاني (ودونه) أي دون الإدخال في الرداءة والسوء (إطالة زمان الأكل) وهذا غير ما يستلزم من تجويد المضغ، وإنما كان الإدخال والإطالة رديئين (لما تختلف الهضوم) كما تقدم، ومن المعلوم أن الإطالة أيضاً فرع عن الإدخال (وتكثير الألوان) من الأطعمة المختلفة في المزاج في أكلة واحدة (محيّر للطبيعة) إذ كل لون يحتاج إلى هضم خاص، لاختلاف الألوان في قبول الهضم، فإن أقبلت الطبيعة على بعضها دون بعض فسد الثاني وأفسد الأول، وإن أقبلت على الجميع فسد ما يحتاج إلى كثرة الهضم ونحوها وأفسد أيضاً (والغذاء اللذيذ أحمد) إذ الطبيعة تتلقاه بالقبول فتعمل فيه بكل نشاط وقوة (لولا الإكثار منه) فإن اللذيذ الموجب لإقبال الطبع، مغرٍ للإكثار وهو مضر. (وملازمة) الإنسان للطعام (التفه) الذي لا طعم له (تسقط الشهوة) إلى الأكل (وتكسل) لأن التافه يولد الرطوبة، فيسترخي فم المعدة، ولا تبقى على خشونتها الموجبة للشهوة، وتبتلّ الأعصاب برطوبته فيحدث الكسل، لأنه وليد الرطوبة كما تقدم (و) ملازمة الطعام (الحامض يسرع) إلى الإنسان (الهرم) لأن الحامض كثير البرودة واليبس، وهما يضادان الدم الحار الرطب، فيضعف الحار الغريزي، فيستولي الهرم (ويجفف الأعضاء) لما عرفت من يبوسة الحامض (ويضر العصب بلدغه) فإن الحامض يلدغ كما هو المحسوس (و) ملازمة الطعام (الحلو يرخي المعدة) لأن للحلو حرارة معتدلة، فيسبب سيلان الرطوبة الموجبة للارتخاء (ويحمي البدن) لأن الحلو مولد للدم والصفراء الحارين، فيسببان حرارة البدن (و) ملازمة الطعام (المالح يجفف البدن) لأن المالح يجفف الرطوبة، (ويهزله) إذ السمن إنما يتولد من الرطوبة، فإذا جفت هزل البدن (فليدفع) الإنسان المحافظ على صحته (مضرة الحامض بالحلو) فيأكلهما مخلوطاً أو معاً (و) مضرة (الحلو بالحامض) كذلك (و) ليدفع (مضرة التفه بالمالح والحريف) كالفلفل فإنهما ضدان للتفه، فيدفعان مضرته (و) ليدفع مضرتـ(هما) أي المالح والحريف (به) أي بالتفه، وذلك بخلط أحدهما بالآخر، أو الجمع بينهما في الأكل. (وليترك) الإنسان المحافظ على صحته (الغذاء) فلا يأكل، (وفي النفس منه بقية شهوة) إذ لو بقي بعض المعدة خالياً، لم يوجب هضم الغذاء، الموجب لانتفاخه وجعاً في المعدة، ولا إيذاءً لها، ولا عسر الهضم، وذلك بخلاف ما لو امتلأ، فإن الهضم يوجب ذلك كله، وذلك مفسد للغذاء موجب للأمراض الوليدة من سوء الهضم ونحوه (وملازمة الحمية) باجتناب بعض المآكل الطيبة والمواظبة على لطافة الغذاء وخلوه عمّا يضر بالمرض، (تنهك البدن) وتهزله، إذ القوى التي تأتي من مختلف الأطعمة ولطائفها قليلة القوة ضعيفة العمل، فيهزل البدن وتضعف قواه. (بل هي) أي الحمية (في الصحة) رديئة (كالتخليط في المرض) فإن عدم الحمية في المرض يوجب تكثير المواد في البدن، والطبيعة لضعفها بسبب المرض لا تتمكن من هضمها، فتحدث فضول توجب أمراضاً جديدة، أو زيادةً في المرض السابق. قال ابن الأعسم: لا تحتمي في صحة بلا غرض فهو كتــرك الاحتما حال المرض (ومراعاة العادة) السابقة (في الوجبات) للأكل، بأن يأكل كل يوم مرة، ومرات، في الأوقات المعينة (وغيرها) كالمآكل الغليظــة، أو اللطيفة الكثيرة، أو القليلة، أو ما أشبه ذلك (واجبة) إذ الطبيعة إذا اعتادت على شيء عملت بقدره، فإذا تُرك ذلك الشيء تصرفت الطبيعة في الأمر الجديد تصرفاً سيئاً، وذلك موجب للمرض، مثلاً: لو كان من عادة الإنسان الأكل صباحاً، كانت الطبيعة مستعدة للهضم القوي في هذا الوقت، فإذا لم يأكل، هضمت الرطوبات الأصلية، وهكذا بالنسبة إلى سائر الخصوصيات (ومن اعتاد أن يستمرئ الأغذية الرديئة) كأكل المالح، أو الغليظ، أو الفاسد من الفاكهة والطعام (فلا يغتر بها) ولا يظن أن طبيعته قد اعتادت على ذلك فلا يضر، إذ كثيراً ما يظهر الأثر بالتكرار (فيولد على طول الأيام أمراضاً رديئة) بسبب تراكم الفضول، أو ضعف الطبيعة تدريجاً، أو نحو ذلك (فليترك ذلك) الغذاء الرديء المعتاد (بالتدريج) لأن الترك الدفعي ربما أضر، بسبب عدم اعتياد الطبيعة لهذا الترك. الإنسان يجب أن يلاحظ غذاءه حسب مزاجه، حتى لا يضر الغذاء بمزاجه (و) على هذا فـ (الصفراوي) المزاج (غذاؤه) الصالح لمزاجه (مبرد مرطب) لأن الصفراء حارة يابسة، فيجب أن يكون الغذاء ضد حالــها لتعتدل (والدموي) المزاج (غذاؤه) الصالح لمزاجه (مبرد قامع) للرطوبة، لأن الدم حار رطب (والبلغمي) المزاج (غذاؤه) الصالح لمزاجه (مسخن ملطف) لأن البلغم بارد رطب (والسوداوي) المزاج (غذاؤه) الصالح لمزاجه (مرطب مسخن) لأن السوداء يابسة باردة، والأغذية المذكورة مخالفة لأمزجة هؤلاء، فتقربها نحو الصحة والاعتدال. (وقد نهى المجربون عن الجمع بين الأغذية) الآتية في وقت واحد (ويعسر علينا إثبات كثير منها بالقياس) إذ لم يدل ذلك على وجه النهي، وإن أي فساد يترتب على هذا الجمع، لكن ذكر بعضهم السبب. وكيف كان، فالتجربة كافية في الامتناع، لأن دفع الضرر المظنون بحكم العقل لازم (قالوا: لا يجمع بين) أكل (السمك الطري واللبن، فيولدان أمراضاً مزمنة كالجذام والفالج) لأنهما غليظان يسرع إليهما الفساد، فإن استحالا إلى الدخانية أولدا الجذام الوليد من السوداء، وإن استحالا إلى البلغم أولدا الفالج، فإنه في الأغلب وليد منه (ولا لبن مع حــامض، حتى نهوا عن الجمع بين المضيرة) المطبوخة باللبن (والاجاصة) التي فيها قليل حموضة، قالوا: لا الحموضة تجبن اللبن في المعدة، فيحدث القولنج ونحوه (ولا السويق على الأرز باللبن) فإنهما منفخين، فيولدان القولنج (ولا العنب على الرؤوس) لأن في العنب رطوبة، وفي الرؤوس بلغمية لزجة، فيتولد منهما مختلف الأرياح إن عملت الحرارة فيهما، ويوجبان بطلان الحرارة الغريزية وخمودها (ولا الرمان على الهريسة) لأن الرمان قابض نافخ، والهريسة غليظة لزجة، فإذا عملت القبوضة في الغليظة، أورث تجمداً وثقلاً على الهضم، ونحوه. في (تدبير المشروب) للتحفظ على الصحة (قالوا: لا يجمع) في الشرب (بين ماء النهر وماء البئر) لأن الأول لطيف، والثاني غليظ، فيحدثان أرياحاً كما هو المشاهد في الخارج إذا جمعا، إذ اللطيف يريد أن يخترق الغليظ ليصعد، ولذا إذا شربا معاً أحدثا قراقر ونفخاً، ولكن هذا (ما لم ينحدر أحدهما) عن المعدة، وإلا فلا بأس لرفع المحذور. (وأفضل المياه مياه الأنهار) لأن حركتها تلطفها وتطيبها، لكثرة مرور الهواء، وعبورها على الأرض التي تأخذ أدرانها (وخصوصاً الجارية على تربة نقية) لا وسخ فيها (فيتلخّص الماء) بسب الجريان عليها (من الشوائب) إذ يرسب قسم منها، وتلطّف الأرض القسم الآخر (أو) الجارية (على الحجارة) كما في الجبال ونحوها (وخصوصاً الجارية إلى الشمال) باللف والدوران غالباً، وإلا فالأنهار تجري إلى الجنوب لاصطدام الماء بنسيم الشمال اليابس فيلطفه، أكثر مما لو كان جارياً إلى الجنوب (أو) الجارية (إلى المشرق) لما عرفت سابقاً من أن الرياح المشرقية أفضل من المغربية، فإذا اصطدم الماء بها اكتسب طيباً (وخصوصاً) الأنهار (المنحدرة إلى أسفل) لأن حركتها تزداد بالانحدار فيكثر لطفها (وخصوصاً إذا بعد المنبع) لكثرة حركة الماء حينئذ الموجبة لكثرة لطافته (فإن كان) الماء (مع هذا) الوصف المذكور (خفيف الوزن) قليل الأملاح والمخالطات (يُخيّل لشاربه أنه حلو) وعن المصنف: سبب ذلك، أن مثل هذا الماء، بلطافته يرقق رطوبة الفم وينفذها في جرم اللسان، فيشبه في ذلك فعل الحلو في اللسان، فإن الحلو لحرارته المعتدلة يسيل رطوبات اللسان ويلينها، فتنفذ تلك الرطوبات إلى باطنه، فإذا فعل الماء ذلك خيل للحاسة أنه حلو أيضاً، فتأمل. (ولا يحتمل الشراب منه) أي من هذا الماء (إلا قليلاً) فإن مثل هذا الماء للطافته ينفذ في جميع أجزاء الشراب فيكسر قوته، بخلاف الماء الثقيل، فلأنه لا يكسر قوة الشراب إلا المقدار الكثير منه (فذلك) الماء الذي اتصف بالصفات المتقدمة، هو (البالغ) في الفضيلة (خصوصاً إذا كان معه هذه) الصفات (غمراً) أي كثيراً، لأن كثرته تمنع عن إفساد المفسد له، و(شديد الجري) لأن قوة الحركة تسبب دخول أجزاء الهواء فيه، فيزيد من لطافته (وماء النيل قد جمع أكثر هذه المحامد) والرافدان أفضل منه، والفرات منهما أفضل. (وماء العين لا يخلو من غلظ) لأن تجمع الماء تحت الأرض يورث تلوثه بالأبخرة الأرضية، إلا إذا كانت العين بعيدة، فيلطف بالجري، والشمس، والهواء (وأردأ منه مياه القني) لكثرة أبخرتها بطول مكثها تحت الأرض (ثم ماء البئر) لأنه بالإضافة إلى الأبخرة، راكد غير متحرك، فلا يلطف بالهواء والجري (وماء النز) الذي ينز من الأرض ويترشح (أردأ من الجميع) لتردده في مسام الأرض، واختلاطه بالأملاح والعفونات، وتعفنه بالأبخرة. (وإنما ينبغي أن يستعمل) الإنسان (الماء) لشربه (بعد شروع الغذاء في الهضم) لأن الماء يرققه حينئذ، لتعمل في الغذاء الهاضمة، ولو لم يستعمل حينئذ لاحترق لكثرة الحرارة (وأما) شرب الماء (عقيبه) أي عقيب الغذاء بلا فصل (فيفجج) لأنه يكتسب رطوبة وبرودة، فيصعب على الهاضمة العمل فيه (و) شربه (في خلله) أي وسط الغذاء (أردأ) لأنه يبرد المعدة، فيضعف الهضم، أو يبطله (على أن من الناس من ينتفع بذلك) أي باستعماله عقيب الغذاء أو في وسطه، وهو الحار المزاج، الذي إذا لم يرطب غذاءَه بالماء احترق الغذاء فــي معدته لكثرة الحرارة (ومن الناس من تكون شهوته للغذاء ضعيفة) لحرارة معدته، الموجبة لتطلبها بارداً لا غذاءً، والطبيعي يعرض عن خلاف مطلبها (فإذا شرب) الماء (قويت) شهوته (وذلك لتعديله) أي الماء (حرارة المعدة) فتتوجه المعدة إلى الطعام، لأنه قد قضى طلبها (وأما) شرب الماء (على الريق) قبل الأكل (وعقيب الحركة، خصوصاً الجماع) الموجب لتفتح المسام (وعقيب المسهل) الموجب لتطلب الجسد من التبريد (وعقيب الحمام) الحار (وعلى الفاكهة، وخصوصاً البطيخ، فرديء جداً) أما على الريق، فلأن الأعضاء الرئيسية بعد باقية على بردها، فالماء ينفذ فيها لعدم الغذاء المعاوق له عن النفوذ، إذ الغذاء لو كان موجوداً اختلط به الماء فلم يقدر على النفوذ، وإذا نفذ الماء في الأعضاء يُخشى من إطفائه الحرارة الغريزية، فيوجب الهلاك بغتةً أو الاستسقاء بوصوله إلى الكبد، وكلما كان أبرد كان أردأ. وأما بعد الحركة، والجماع، والحمام، فلجذب الأعضاء للماء حينئذ كثيراً، فيكون حاله حال الشرب على الريق. وأما بعد المسهل، فلأن إفراغ المسهل للرطوبة أوجب تطلب الأعضاء للماء كثيراً، فيحتمل حدوث الأمر السابق. وأما على الفاكهة، فلأنه تجتمع رطوبة الماء مع رطوبة الفاكهة، وخصوصاً البطيخ الذي هو أكثر الفواكه رطوبة وأسرعها فساداً، وذلك سبب لفساد الفاكهة في المعدة وعدم هضمها، ثم إنه لا فرق في المحذور المتقدم (ماءاً كان المشروب أو شراباً) والشراب أضر، كما لا يخفى. (فإن لم يكن بَدٌّ) من شرب الماء في الأحوال المتقدمة لعطش كثير (فقليل من كوز ضيق الرأس، امتصاصاً) إذ القليل خير من الكثير، وتضييق رأس الكوز يعين في عدم وصول الماء مرة إلى المعدة، لينجذب إلى الأعضاء، وإنما ينحدر تدريجاً مما يوجب كسر سورته، والامتصاص يوجب حرارة الماء بالفم والمجاري، فلا يرد على المعدة بارداً ليؤذي، وتقوى الحرارة الغريزية حينئذ على مقاومته لئلا يضر. (وكثيراً ما يكون العطش من بلغم لزج) في المعدة، فتطلب الطبيعة الماء ليحل البلغم ويزول، لكن الماء لا يقدر على حله لسرعة زوال الماء ونفوذه لرقته، فتطلب الماء ثانياً وثالثاً (أو من بلغم مالح) يلدغ المعدة، فتطلب الماء لإزالته (وكلما روعي هذا العطش بالشرب) للماء (ازداد) العطش، لأن الماء يزيد في غلظ ذلك البلغم فيزداد العطش، لأنه كلما كانت المادة أكثر كان المفعول أكثر (فإن صبر عليه) أي على العطش (نضجت الطبيعة بالتسخين للمادة المعطشة وإذابتها) إذ تعمل الطبيعة فيها وتهضمها وتذيبها، فيسكن العطش من نفسه. (ولهذا) الذي ذكرنا، من أن هذا العطش من البلغم (كثيراً ما يسكن بالأشياء الحارة كالعسل) لأن الحرارة تُزيل البلغم لمضادتها له، ثم لا يخفى أن المصنف قد تعرض هنا للشرابـ أي الخمر ـ بصورة مسهبة وحيث إنه محرم، خارج عن محل ابتلاء المسلم، أضربنا عنه صفحاً. |