الفهرس

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

تدبير الحركة والسكون

تدبير الحركة والسكون البدنيين:

بقاء البدن بدون الغذاء محال، وليس الغذاء يصير بجملته جزء وعضو للبدن، بل لابد أن يبقى منه عند كل هضم أثر ولطخة، فإذا تركت وكثرت على طول الزمان اجتمع شيء له قدر يضر بكيفيته، بأن يسخن البدن بنفسه، أو بالعفن، أو يبرد البدن في نفسه، أو بإطفاء الحرارة الغريزية، أو يضر بكميته بأن يسدد، ويثقل البدن، ويوجب أمراض الاحتباس، وإن استفرغت تأذى البدن بالأدوية، لأن أكثرها سمية، ولأنها لا تخلو من إخراج الخلط الصالح المنتفع به، فهذه الفضلات ضارة لو تركت على حالها في البدن أو استفرغت، والحركة من أقوى الأسباب في منع تولدها لما تسخن الحركة الأعضاء، وتسيل فضلاتها فلا تجتمع على طول الزمان، وهي تُعوّد البدن الخفة والنشاط، وتصلب المفاصل، وتُقوي الأوتار والرباطات، والأعصاب، وتؤمّن من جميع الأمراض المادية، وأكثر الأمراض المزاجية. إذا استعملت المعتدلة منها في وقتها، وكان باقي التدبير المستعمل صواباً.

ووقت الرياضة: بعد انحدار الغذاء، وكمال هضمه، والرياضة المعتدلة هي التي تحمرّ فيها البشرة، ويتبدّى العرق، وأما الرياضة التي يكثر فيها سيلان العرق فمفرطة، وأي عضو كثرت رياضته قوي على نوع الرياضة، بل كل قوة هذا شأنها، فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته، وكذلك المستكثر من الفكر، ومن التخيل تقوى متخيلته.

ولكل عضو رياضة تخصه، فللصدر القراءة، وليبدأ فيها من الخفية إلى الجهرية بتدريج، والسمع يرتاض بسماع الأنغام اللذيذة والبصر بقراءة الخط الدقيق أحياناً، وبالنظر إلى الأشياء الجميلة، وركوب الخيل باعتدال رياضة للبدن كله، وينفع الناقهين بتحليل بقايا أمراضهم، وكذلك التأرجح بالرفق، وأما طرد الخيل فيحلل كثيراً ويسخن. واللعب بالصولجان رياضة للبدن والنفس، لما يلزمه من الفرح بالغلبة، والغضب بالانقهار منه، وكذلك المسابقة بالخيل، وركوب السفن، محرك للأخلاط، مثوّر لها، قالع للأمراض المزمنة، كالجذام والاستسقاء، لما يختلف على النفس من فرح وفزع، ويقوي المعدة والهضم، وإذا هاج منه غشيان وقيء نفع بإخراج الفضول، فلا يبادر إلى حبسه. ومن جملة الرياضة: الدلك، فمنه: خشن، أي بأيد خشنة، أو خرقة خشنة فيحمر اللون ويخصب، ما لم يقع منه إفراط.

ومنه: صلب فيشد ويقوي الأعضاء الضعيفة، ومنه: لين فيُرخي، ومنه: كثير فيهزل، ومنه: معتدل فيخصب.

وينبغي أن يقدم على الرياضة الدلك، للاستعداد لها، ويستعمل بعدها دلك، لاسترداد القوة، وتحليل ما أبقته الرياضة في العضل وقريب من الجلد، فلا يحدث الإعياء، وليكن بأيد كثيرة لتختلف مواقعها على العضل.

تدبير النوم واليقظة: أفضل النوم هو الغرق، المتصل، المعتدل المقدار، الحادث بعد هضم الغذاء، وشروعه في الانحدار، وسكون ما يتبعه من نفخة وقراقر. ومن استعان بالنوم على الهضم، فينبغي أن يبتدئ أولاً على اليمين قليلاً، لينحدر الغذاء إلى قعر المعدة لميله إلى اليمين، لسهولة جذب الكبد له، فهناك الهضم أقوى. ثم ينام على اليسار طويلاً، ليشتمل الكبد على المعدة فيسخنها، فإذا تم الهضم عاد إلى اليمين، ليُعين على الانحدار إلى جهة الكبد.

والنوم أكثر تعريقاً من اليقظة على سبيل الاستيلاء من الطبيعة على المادة، واليقظة أكثر تعريقاً على سبيل الإسالة، ومن عرق في نومه كثيراً ولا سبب له ظاهر، فبدنه ممتلئ من غذاء أو خلط.

في (تدبير الحركة والسكون البدنيين) مقابل ما يأتي من الحركة والسكون النفسيين، يريد أن يبين أنه تبقى فضلات في الجسم لا تُدفع بالبول والبراز، فلابد من الحركة لدفعها وتحليلها (بقاء البدن بدون الغذاء محال) عادي، كما سبق وجهه (وليس الغذاء يصير بجملته جزء وعضو للبدن) لأن الغذاء ليس متشابهاً كاملاً للعضو، حتى يصير بجملته جزءَه (بل لابد أن يبقى منه) أي من الغذاء (عند كل هضم) شيء لا يُدفع بالبول والبراز من (أثر ولطخة) والمراد بهما: قطعة من الغذاء، مقابل الأثر الذي هو عبارة عن كيفية أو ذرات. ووجه البقاء، أن الغذاء إذا صار سيالاً ليكون جزء البدن، ينفذ في العروق إلى الأعضاء، وكثيراً ما يجذب العضو غذاءً فلا يعمل في جميعه بالهضم، فيبقى بعضه هناك كلاًّ على الطبيعة (فإذا تُركت) اللطخة الزائدة في البدن، ولم تخرج (وكثرت على طول الزمان) لالتحاق لطخات أُخر بها (اجتمع شيء له قدر يضر بكيفيته) أي بما يحدث من الكيفية المخالفة للبدن (بأن يسخن البدن بنفسه) إن كان حاراً بالذات (أو بالعفن) الموجب لحدوثه إن لم يكن حاراً، إذ تجمع الفضول يوجب عدم عمل الحار الغريزي فيها، فيستولي عليها حار غريب يعفنها، فيتولد من عفونتها حرارة غريبة مؤذية للبدن (أو يبرد البدن في نفسه) إن كان بارداً بالذات (أو) يبرد (بإطفاء الحرارة الغريزية) لما يسبب من خنقها وتجميدها، فيستولي البرد المضر بالبدن (أو يضر) الفضول المجتمعة (بكميته) أي بمقداره (بأن يسدد) المجاري، فيوجب الأمراض (ويثقل البدن) ويوجب الكسل (ويوجب أمراض الاحتباس) أي احتباس المجاري والفُرَج، كالاسترخاء، والتشنج، وأمثالهما (و) إذا تحقق بقاء الفضول في البدن نقول: (إن استفرغت) تلك اللطخات بالإسهال (تأذى البدن بالأدوية) التي استعملت في الإسهال (لأن أكثرها سمية) فتؤذي، لأجل إنهاكها القوي، وعملها في الأعضاء السليمة عملاً رديئاً (ولأنها) أي الأدوية (لا تخلو من إخراج الخلط الصالح المنتفع به) لأن المسهل يريد إخراج اللطخة لكنها حيث اختلطت بسائر الأخلاط، لابد من إخراج الجميع لإخراجها (فهذه الفضلات ضارة لو تركت على حالها في البدن) ولم تستفرغ (أو استفرغت) بالأدوية (و) لذا لابد من علاج لها و(الحركة من أقوى الأسباب في منع تولدها) وتحليلها، إذا اجتمعت (لما تسخن الحركة الأعضاء، وتسيل فضلاتها) بعد إذابتها وترقيقها، فتخرج بالعرق، والبخار، والبول، والبراز، أو بصورة أوساخ الرأس، والعين، والأذن، ونحوها (فلا يجتمع) شيء منها (على طول الزمان، وهي) أي الحركة، علاوة على ذلك (تُعوّد البدن الخفة والنشاط) لأنها تطرد الكلل، وتنبه الأعصاب، وتسبب التغذية الكاملة للأعضاء، فتقوي وتنشط (وتصلب المفاصل) لتكرر حركتها فلا تكون واهية ضعيفة (وتقوي الأوتار، والرباطات، والأعصاب) لما تقدم (وتؤمّن من جميع الأمراض المادية) التي تسببها تجمع المادة والفضلات في البدن، إذ بإذابتها لا تبقى حتى تفسد وتولد الأمراض (وأكثر الأمراض المزاجية). ولكن الحركة إنما تسبب الصحة والسلامة (إذا استعملت المعتدلة منها في وقتها) كما سيأتي تفصيله (وكان باقي التدبير المستعمل) في سائر الستة الضرورية (صواباً) لوضوح أن الصحة تقوم على جميعها، فصحة أمر واحد منها لا توجب الصحة إلا إذا اجتمعت جميعاً على وجهها.

(ووقت الرياضة: بعد انحدار الغذاء) من المعدة (وكمال هضمه) لا قبل ذلك، إذ الرياضة توجب تسخين البدن، فيشتد جذب الأعضاء للغذاء، فإذا لم يهضم الغذاء بعد، جذبته الأعضاء نياً، وذلك مما يسبب سدداً وأمراضاً (والرياضة المعتدلة هي التي تحمرّ فيها البشرة) لأن الدم يترقق ويميل إلى الخارج، فتظهر حمرته من وراء الجلد (ويتبدّى العرق) لتفتح المسام بالحرارة الحاصلة من الحركة، وترقق الأبخرة والرطوبات، فيسيل العرق (وأما الرياضة التي يكثر فيها سيلان العرق فمفرطة) لأنها توجب إذابة الرطوبات الضرورية للبدن وإخراجها، فيجف البدن، وتحدث يبوسة غير محمودة (وأي عضو كثرت رياضته قوي) واشتد، لدفع الفضول منه أولاً، واغتذائه بالقدر الصالح من الغذاء ثانياً، وتوجه الروح الملائمة إليه لاستكماله ثالثاً، لكن لا يخفى أن قوته إنما تكون (على نوع) تلك (الرياضة) التي مارسها لا مطلقاً، فمثلاً: لو اعتاد الإنسان على الحركة قويت أعصابه عليها، لا على الكتابة، ولو مارس الكتابة قويت يده عليها، لا على الخياطة وهكذا، لأن الرياضة إنما توجد النشاط الذي من جنسها لا من غير جنسها (بل كل قوة هذا شأنها) تقوى بكثرة الرياضة قوة مناسبة للرياضة (فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته) إذ القوة تتكيف بهذا الكيف، وتستعد لورود أمثاله عليها، فإذا ورد قبلته بسرعة (وكذلك المستكثر من الفكر) تقوى قوة تفكيره (و) المستكثر (من التخيل تقوى متخيلته) وهذا سبب ما يقولون من أن الإيحاء إلى النفس بالشجاعة والكرم وسائر الصفات حسنها وقبيحها ـ بكثرة التفكر فيها، والرغبة نحوها، وترديد: أنا شجاع، أو صبور، أو نحو ذلك ـ يوجب اتصافها بذلك الوصف.

(ولكل عضو رياضة تخصه، فللصدر القراءة) لأنها توجب تحرك العضلات، الموجب للحرارة المذيبة للفضلات، والجاذبة للغذاء، الموجب للنشاط (وليبدأ فيها) أي في القراءة (من الخفية إلى الجهرية) لئلا تتأذى آلات النفس بالفعل القوي دفعةً (بتدريج) من الجهر الضعيف إلى القوي، وهكذا في كل رياضة يلزم أن يبتدأ من الأسهل فالأسهل (والسمع يرتاض بسماع الأنغام اللذيذة) غير الغنائية، أما أنها ترتاض بذلك، فلأن كل قوة إنما تقوى بما هو ملائم لها، والصوت الحسن ملائم للسمع، وأما كونها غير غنائية، إذ الغناء قد ثبت إضعافه للقوة، لما يؤثر في الأعصاب تأثيراً رديئاً.

(والبصر) يرتاض (بقراءة الخط الدقيق) لاشتداد الحركة في الجليدية عند تبصر الأشياء الدقيقة، وقد عرفت أن الحركة توجب تحليل الفضول وتنشط، لكن لابد أن يكون ذلك (أحياناً) لا على سبيل الاستمرار، إذ الحركة الكثيرة توجب تحليل القوى، فيضعف البصر (و بالنظر إلى الأشياء الجميلة) كالأزهار والأشجار والأطيار والأنهار ونحوها، لما تقدم من أن الملائم للقوة يوجب نشاطها وقوتها (وركوب الخيل باعتدال) لا كثيراً مفرطاً، ولا قليلاً جداً (رياضة للبدن كله) إذ هو يحرك البدن كله، فيوجب التسخين الملائم، المحلل للفضول، الجاذب للغذاء الكافي (وينفع الناقهين) الذين قرب قيامهم من المرض (بتحليل بقايا أمراضهم) وإذابة الفضول الباقية في البدن.

والركوب أفضل لهم من الرياضة، لأنها بعنفها قد تسبب أمراضاً جديدة (وكذلك) ينفعهم (التأرجح) أي ركوب الأرجوحة التي هي حبل يُثنى ويعلق، ويتحرك الإنسان فيه صعوداً ونزولاً، ولكن بشرط كونه (بالرفق) إذا الحركة العنيفة لا تلائم نقاهتهم. (وأما طرد الخيل) أي عَدْوه بدون مطاردة (فيحلل كثيراً ويسخن) أزيد من الملائم (واللعب بالصولجان رياضة للبدن) لأنه عمل بدني (والنفس) أيضاً (لما يلزمه من الفرح بالغلبة) على الطرف الثاني، تارةً (والغضب بالانقهار منه) بسبب غلبة الطرف تارةً أخرى، فإن حركة النفس بالفرح والغضب تسبب قوتها ونشاطها، لما تقدم.

(وكذلك المسابقة بالخيل) رياضة للبدن بالحركة، وللنفس بالانتصار والانقهار، مثل اللعب. (وركوب السفن محرك للأخلاط، مثوّر لها) أي يثيرها (قالع للأمراض المزمنة، كالجذام والاستسقاء) فإن هذين مزمنان، لأن موادها غليظة متشبثة بالأعضاء لا تتحرك إلا بمثل الركوب، وإنما يقلعها ركوب السفن (لما يختلف على النفس من فرح وفزع) لخوف الغرق وبشرى النجاة، وهكذا مكرراً، حتى تتهيأ الأخلاط للانقلاع (ويقوي) ركوب السفينة (المعدة والهضم) إذ هي توجد الحرارة، فتتحلل الفضول، وتنشط الروح، فتقوى المعدة، وإذا قويت حسن هضمها (وإذا هاج منه) أي من الركوب (غشيان وقيء) لانقلاع الخلط، وانصبابه إلى المعدة، وميله إلى الأعلى، لأنه يدرك الهول بالبصر، والخلط يريد أن يقاوم الهول (نفع بإخراج الفضول) المعلقة (فلا يبادر) الشخص (إلى حبسه) لأنه تحفظ على الخلط الفاسد المنقلع، وذلك ضار بالبدن، لأنه إذا بقي في المعدة فسد وأفسد.

(ومن جملة الرياضة: الدلك) لأنه يذيب الفضول ويخرجها، ويصلّب الأوتار والأعصاب والرباطات (فمنه: خشن، أي بأيد خشنة) بالذات (أو) بسبب لف (خرقة خشنة) عليها، والدلك بها (فيحمرّ اللون) لأنه يجذب الدم إلى الظاهر (ويخصب) البدن، لتحلل الفضول، وجذب الغذاء إلى الجسم (ما لم يقع منه إفراط) إذ ذلك يوجب تحليل البدن، لكون الزائل بالدلك أكثر من الغذاء المنجذب بسببه (ومنه: صلب) بأن يكون بغمز شديد (فيشد ويقوي الأعضاء الضعيفة) لأنه يوجب تحليل الرطوبات، فيبقى الباقي صلباً (ومنه: لين) بأن يكون بغمز لين (فيرخي) ويضر، لأنه يوجب انجذاب الرطوبات إلى العضو المدلوك لإيجاد الحرارة القليلة فيه، ثم لا تتحلل لضعف الدلك (ومنه: كثير) أي يطول زمان الدلك (فيهزل) البدن لكثرة التحليل الحاصل من طول الدلك (ومنه: معتدل) زماناً ومقداراً، وقوةً وضعفاً (فيخصب) البدن، لأنه يجذب الدم، ولا يحلل الجسد.

(وينبغي أن يقدم على الرياضة الدلك للاستعداد لها) لأن الدلك يلين الفضول فتسيلها الرياضة، ولأنه يُعدّ الجسد من الحركة الضعيفة إلى الرياضة التي هي حركة قوية، فلا يتأذى بورود القوي عليه دفعةً (و) من الأفضل أن (يستعمل بعدها) أي بعد الرياضة (دلك لاسترداد القوة) لأن ذلك يفيد راحة الجسد، للتدرج من القوي إلى الضعيف، ومنعاً للرطوبات عن التحلل (و) لـ (تحليل ما أبقته الرياضة في العضل وقريب من الجلد) من الفضول التي انجذبت ولم تحلل بالرياضة (فلا يحدث الإعياء) فإنه لو لم يدلك أعيت العضلات بسبب التحلل، والقوة لم تسترد بعد (وليكن) هذا الدلك الثاني بعد الرياضة (بأيد كثيرة) أي يمر اليد على الجلد كثيراً (لتختلف مواقعها) أي مواقع اليد (على العضل) كي يصل أثر الدلك إلى جميع أجزاء البدن، وتنتفع الأجزاء به على حد سواء.

في (تدبير النوم واليقظة) وبيان المحمود والمذموم منهما: (أفضل النوم هو: الغرق) بأن يستغرق في النوم، ولا ينتبه بسرعة، لأنه حينئذ تجتمع الروح كلها في الباطن، فتعمل أعمالها على الوجه الأفضل، بخلاف غيره، فإن بقايا الروح مثبوتة على الخارج، فعمل ما توجه إلى الباطن منها قليل (المتصل) إذ النوم المقتطع محير للطبيعة، فتنصرف الروح تارةً إلى الداخل، وتارةً إلى الخارج، ولا تتأتى فيها الأعمال الداخلية كاملة (المعتدل المقدار) لا كثيراً، فتجتمع في البدن رطوبات كثيرة، إذ اليقظة تحلل قسماً من الرطوبات وتفرغها، ولا قليلاً لأنه يكثر حينئذ اليقظة، الموجبة لتحلل الروح، وضعف الهضم (الحادث بعد هضم الغذاء، وشروعه في الانحدار) من المعدة (وسكون ما يتبعه) أي يتبع الهضم (من نفخة وقراقر) إذ لو كانت المعدة ممتلئة قبل الهضم، أوجب تمددها عند الطبخ، بسبب تخلخل الغذاء وزيادة حجمه، وذلك موجب للأذية المقتضية للتململ وعدم الاستغراق في النوم، ولو كانت المعدة خاوية، فلأن الروح إذا توجهت إلى الباطن، ولم تجد شيئاً تحلله، حللت الأعضاء الأصلية، ولو لم تسكن القراقر، أوجب صعود الأبخرة إلى الدماغ، وتؤذيه وتوجب خيالات رديئة (ومن استعان بالنوم على الهضم) بأن نام قبل هضم الغذاء، حتى يكون نومه سبباً في سرعة الهضم، إذ النوم يوجب ذلك لتوجه الروح كلها إلى الباطن، فتهضم أكثر من اليقظة (فينبغي أن يبتدئ) بالنوم (أولاً على اليمين قليلاً، لينحدر الغذاء إلى قعر المعدة) فإن المعدة ذات طبقتين، وقعرها أقوى هضماً، فإن الغذاء بالطبع ميال إلى الأسفل، فلو كان الهضم في أعلاها أقوى لكان نقضاً للغرض، وإنما يبتدئ بالنوم على اليمين (لميله) أي القعر (إلى اليمين) وإنما جُعل كذلك (لسهولة جذب الكبد له) أي للغذاء، فإن الكبد في طرف اليمين، فجُعل القعر الذي يجتمع فيه الطعام في طرفه (فهناك) أي عند قعر المعدة يكون (الهضم أقوى) لما عرفت.

ثم أن سبب كون النوم إلى اليمين قليلاً، أنه لو نام طويلاً لجذبت الكبد الطعام غير المهضوم إلى نفسها، فأحدث ذلك السدة، بالإضافة إلى أن الهضم وقت كون الإنسان نائماً على اليسار أسرع، لتدثّر المعدة بالكبد، إذ الكبد يقع عليها، فتكون حرارة المعدة أكثر، مما يسبب سرعة الهضم، فإذا نام على اليمين طويلاً، أورث ذلك طول الهضم، وذلك ضار (ثم) بعد النوم القليل على اليمين (ينام على اليسار طويلاً، ليشتمل الكبد على المعدة) وتكون بمنزلة دثار المعدة (فيسخنها) كما عرفت (فإذا تم الهضم عاد إلى اليمين ليُعين على الانحدار إلى جهة الكبد).

ولا يخفى أن هذا هو سبب ما ورد: أن النوم على اليسار من دأب الحكماء، وأما ما ورد من كون النوم على اليمين أفضل، فإن ذلك بسبب عدم الضغط على القلب، وكونه في صامتة الأبخرة الصاعدة من المعدة حالة الهضم، بالإضافة إلى الأمور الواقعية.

ولعل سر استحباب الاستلقاء على القفا بعد الطعام، جعل الكبد دثاراً، بسبب وضع الرِّجل اليمنى على اليسرى، بالإضافة إلى توزيع الغذاء إلى جوانب المعدة كلها، فلا تتقلص إلى جانب فقط بسبب الرياح ونحوها.

(والنوم أكثر تعريقاً من اليقظة على سبيل الاستيلاء من الطبيعة على المادة) لأن الحرارة تجتمع في النوم في الداخل، فتكون الطبيعة أكثر استيلاءً على المادة وهضمها من حالة اليقظة (واليقظة أكثر تعريقاً على سبيل الإسالة) للفضول وتبخيرها، لأن الروح في حالة اليقظة مثبوتة على الأعضاء، فإذا تبخرت الرطوبات ووصلت إلى الجلد، أخرجتها الأرواح المثبوتة عرقاً وبخاراً بسبب حر الجلد، وذلك لا يكون في النوم لبرودة الجلد (ومن عرق في نومه كثيراً ولا سبب له ظاهر) من حر الهواء، وكثرة الدثار (فبدنه ممتلئ من غذاء) غير مهضوم (أو خلط) لأن الرطوبة المتكونة من الطعام والخلط يخرج ـ أحياناً ـ بسبب عمل الروح فيهما في حال النوم.