| فهرس الفصل الثاني | المؤلفات |
|
المأكول والمشروب |
|
وأما التغيرات المضادة للمجرى الطبيعي، فكالوباء. وثانيها: ما يؤكل ويشرب، وهو يؤثر في البدن إما بكيفيته فقط، وهذا هو: الدواء، أو بمادته فقط وهو: الغذاء، أو بصورته النوعية الحاصلة له من المزاج فقط، وهو ذو الخاصية الموافقة كالفادزهر، أو المخالفة كالسم، أو بمادته وكيفيته، وهو الغذاء الدوائي، أو بكيفيته وصورته، وهو الدواء الذي له خاصية، أو بمادته وصورته وهو الغذاء الذي له خاصية، أو بمادته وكيفيته وصورته، وهو الغذاء الدوائي الذي له خاصية. والغذاء قد يكون لطيفاً وقد يكون غليظاً، وقد يكون متوسطاً بينهما، وكل واحد منهما قد يكون صالح الكيموس، وقد يكون فاسده وكل واحد منها قد يكون كثير التغذية، وقد يكون قليلها، وقد يكون متوسطاً بينهما، والماء لا يغذو لبساطته، وإنما يستعمل لترقيق الغذاء. |
|
ذكرنا أن التغيرات إما لا تضاد المجرى الطبيعي على قسميه، وإما تضاده، وقد سبق البحث عن التغيرات التي لا تضاد المجرى الطبيعي (وأما التغيرات المضادة للمجرى الطبيعي، فكالوباء) فإنه يفسد الهواء بالعفونة، فإذا تنفس الإنسان وصل إلى القلب وسبب ذلك الوباء، ومثله: الطاعون، والحميات العمومية، وما أشبه ذلك. ذكرنا أن الأسباب الضرورية ستة أجناس، وقد سبق البحث عن أولها، وهو: الهواء (وثانيها: ما يؤكل ويشرب) فإن البدن بسبب الحرارة الخارجية والداخلية دائم التحلل، فاحتاج إلى بدل ما يتحلل وهو المأكولات، كما احتاج إلى المشروب لأجل طبخ المأكول وترقيقه وتنفيذه، وبدل ما يتحلل من الرطوبات (وهو) أي ما يؤكل ويشرب (يؤثر في البدن) والتأثير على سبعة أقسام، وبيان ذلك يحتاج إلى مقدمة، وهي أن كل ما يرد على البدن له ثلاثة أشياء: مادة وصورة وكيفية، فالمادة هي الجسمية فحسب، والصورة: هي العنوان الخاص الذي به صار الشيء شيئاً خاصاً، والكيفية: هي كونه حاراً أو بارداً، رطباً أو يابساً، فمثلاً التفاح جسم كسائر الأجسام، وبهذا الاعتبار يسمى: مادة وله عنوان التفاحية التي تميزه عن عنوان الرمانية والعنبية وما أشبههما، وإن اشترك الجميع في الجسمية، وبهذا الاعتبار يسمى صورة وله: حرارة أو برودة، رطوبة أو يبوسة مثلاً، وبهذا الاعتبار يسمى كيفية. والحاصل أن لكل شيء أصلاً، المادة، وصورة خاصة، وكيفية خاصة من حرارة وأخواتها. إذا عرفت ذلك قلنا أن تأثير الشيء في البدن على سبعة أقسام، لأنه إما أن يؤثر التأثير الظاهر بالمادة، أو بالكيفية، أو بالصورة، أو بالمادة والكيفية، أو بالمادة والصورة، أو بالصورة والكيفية، أو بالثلاثة. فإذا أكل الإنسان التفاح ـ مثلاً ـ صارت مادة التفاح جزء جسم الأجسام، وكانت الصورة التفاحية أي التفاح بما هو تفاح مفرحة للقلب، وأوجبت حرارة التفاح حرارة بدن الإنسان، فغذاء، ومفرح، ومسخن. ويعرف ذلك بالمقايسة، إذ هناك غذاء مسخن غير مفرح، أو غذاء مفرح غير مسخن، أو مفرح غير غذاء، وهكذا كما سيأتي في الأمثلة. التأثير للمأكول والمشروب (إما بكيفيته فقط) أي بحرارته وبرودته ورطوبته ويبوسته (وهذا هو: الدواء) فإن الدواء لا يغذي البدن، وإنما يصلحه بكيفيته الموجودة فيه (أو) يؤثر (بمادته فقط) أي بجسميته، بلا لحاظ كيفية وصورة (وهو: الغذاء) فإن كل واحد من التفاح والعنب والخبز وغيرها يكون جزءاً للبدن، ولا مدخلية لذلك في كونه تفاحاً أو خبزاً، وإنما المهم كونه جسماً يستحيل إلى جزء البدن (أو) يؤثر (بصورته النوعية الحاصلة له من المزاج فقط) فإن الماء والتراب والهواء والنار التي تجمعت بكميات مختلفة حتى صار التفاح من تركيبها تفاحاً حصل له صورة التفاحية الحاصلة من مزاج هذه الأربعة بعضها ببعض، والتأثير بالتفريح للقلب يكون لهذه الصورة الخاصة الموجودة في فرع التفاح، لكن ليعلم أن التمثيل بالتفاح هنا لمجرد المثال في تأثير الصورة، وإلا فالتفاح يؤثر بمادته وصورته كما يأتي. (وهو) أي المؤثر بصورته فقط (ذو الخاصية) وهو على قسمين: الخاصية (الموافقة) لبدن الإنسان (كالفادزهر) وهو شيء إذا أكله الإنسان قاوم السموم فلا تؤثر فيه، فإنه لا يكون جزءاً لبدن الإنسان حتى يكون تأثيره بالمادة، ولا أن حرارته أو برودته مثلاً تؤثران حتى يكون تأثيره بالكيفية، وإنما يقوي الطبيعة حتى تقاوم السموم فيكون تأثيره بالصورة النوعية، أي كونه فادزهراً لا بكونه جسماً أو حاراً (أو) الخاصية (المخالفة) لبدن الإنسان (كالسم) فإنه يفيد البدن، لا لكونه جسماً يصير جزءاً من البدن، ولا لكونه حاراً، وإنما لكونه سماً. ذكرنا في الفصل السابق كيفية تأثير المأكول والمشروب في البدن فما كان التأثير بواحد من الكيفية أو المادة أو الصورة. ونذكر في هذا الفصل بقية أقسام التأثير، وهي أربعة، ثلاثة منها مزدوجة، وواحدة منها تؤثر بالأمور الثلاثة (أو) يؤثر (بمادته وكيفيته) دون صورته (وهو: الغذاء الدوائي) كالخس الذي يكون جزءاً مغذياً لبدن الإنسان ويبرد بدن الإنسان، فباعتبار الأول غذاء وباعتبار الثاني دواء (أو) يؤثر (بكيفيته وصورته) دون مادته (وهو الدواء الذي له خاصية) كالسقمونيا الذي هو مسهل للصفراء ومسخن، فباعتبار كونه سقمونياً يكون مسهلاً، ولأجل حرارته يكون مسخناً. والحاصل أنه يسهل بصورته، ويسخن بكيفيته (أو) يؤثر (بمادته وصورته) دون كيفيته (وهو الغذاء الذي له خاصية) كالتفاح الذي يصيب جزءاً من بدن الإنسان بمادته، ويفرح بصورته (أو) يؤثر (بمادته وكيفيته وصورته، وهو الغذاء الدوائي الذي له خاصية) كماء العنب قبيل الإسكار، فإنه يغذو البدن بمادته، ويسخنه بكيفيته، ويفرح بصورته. ثم أن المراد بكون التأثير بأمر واحد أو باثنين، أنه هو الظاهر الغالب، لا أن التأثير منحصر في واحد فقط أو في اثنين، كما لا يخفى. (والغذاء قد يكون لطيفاً) وهو ما يستحيل إلى جوهر الأعضاء بسهولة، لتوليده دماً رقيقاً (وقد يكون غليظاً) وهو بالعكس، أي ما يستحيل إلى جوهر الأعضاء بصعوبة، لتوليده دماً غليظاً (وقد يكون متوسطاً بينهما) لتوليده دماً متوسطاً (وكل واحد منها) أي من الأقسام الثلاثة (قد يكون صالح الكيموس) وهو ما يتولد منه الدم والخلط الطبيعي (وقد يكون فاسدهُ) وهو الذي يتولد منه الدم مع خلط غير طبيعي، كأن يكثر فيه السوداء أو الصفراء أو البلغم (وكل واحد منها) أي من الأقسام الستة (قد يكون كثير التغذية) وهو الذي يستحيل أكثره إلى الدم (وقد يكون قليلها) أي قليل التغذية، لاستحالة أقله إلى الدم (وقد يكون متوسطاً بينهما) لاستحالة نصفه إلى الدم. (والماء لا يغذو لبساطته) والنادر، يلزم أن يكون مركباً (وإنما يستعمل) الماء (لترقيق الغذاء) حتى يمكن أكله، ولطبخه في المعدة، ولئلا يحترق الغذاء في المعدة، وليوصل الطعام إلى أجزاء البدن حتى ينفذ فيها، فيخرج قسم منه بالعرق، ويرجع قسم إلى الكبد، ولأن يختلط بالفضول فيرققها ليمكن إخراجها بالبول والعرق وما أشبههما، ولترطيب الأعضاء، ولتسكين حدة الحرارة، ولا يبدل ما يتحلل من الرطوبات. |