الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

أسباب الأمراض

كل مرض متغير من الصحة إليه إما أن يظهر اشتداده، أو انتقاصه، أو لا يظهر واحد منهما، فالأول هو: وقت التزايد، والثاني هو: الانحطاط، والثالث إن كان قبل التزايد، فهو: وقت الابتداء، وإن كان بعده فهو: وقت الانتهاء.

الجزء الثالث من أجزاء الجزء النظري: في الأسباب، السبب ما يكون أولاً، فيجب عنه وجود حالة من أحوال بدن الإنسان، أو ثباتها، ولكل واحد من الأحوال الثلاثة أسباب ثلاثة، لأن السبب إما أن لا يكون بدنياً كحرارة الشمس، وبرودة الهواء، والغضب، والفزع، ويسمى بادياً، أو يكون بدنياً، فإن أوجب الحالة بغير واسطة كإيجاب العفونة للحمى، يسمى: وأصلاً، وإن أوجبها بواسطة كإيجاب الامتلاء للحمّى العفنية يسمى: سابقاً.

وفعل السبب إما بالذات كتبريد الماء البارد، أو بالعرض كتسخينه بحقن الحرارة، وكل سبب إما أن يكون ضرورياً، أو لا يكون، وغير الضروري قد يكون مضاداً للطبيعة، وقد لا يكون.

والأسباب الضرورية ستة أجناس، أحدها: الهواء المحيط، ويضطر إليه لتعديل الروح بالاستنشاق، وإخراج فضلاته بردّ النفَس.

وما دام معتدلاً صافياً لا يخالطه جوهر غريب مثل: بخار آجام، أو بخار بطائح، أو آسن الماء، أو نتن الجيف، أو أبخرة مباقل رديئة، أو أشجار خبيثة الجوهر، كالشوحط، والتين، أو غبار مترادف، أو دخان، كان حافظاً للصحة محدثاً لها.

كل مرض متغير من الصحة إليه) احترز بذلك عن الأمراض الخلقية كالرأس المسفط (إما أن يظهر اشتداده، أو انتقاصه، أو لا يظهر واحد منهما فالأول) وهو ما يظهر وقت اشتداده (هو: وقت التزايد، والثاني) وهو ما يظهر وقت انتقاصه (هو) وقت (الانحطاط، والثالث) وهو ما لا يظهر واحد منهما فيه (إن كان قبل وقت التزايد، فهو: وقت الابتداء) كابتداء المرض (وإن كان بعده) أي بعد وقت التزايد (فهو: وقت الانتهاء) كانتهاء المرض. وبهذا انتهى الجزء الثاني من أجزاء الجزء النظري للطب فلنشرع في الجزء الثالث.

(الجزء الثالث من أجزاء الجزء النظري) للطب: (في الأسباب) و(السبب) في اصطلاح الأطباء (ما يكون أولاً) أي مقدماً على الحالة الطارئة، فالنوم الذي هو سبب للراحة يسمى: سبباً لأنه أول، والراحة تتبعه، والسم الذي هو سبب للموت، يسمى: سبباً لأنه مقدم على الموت، وهكذا (فيجب عنه) أي يجب أن يكون متفرعاً عنه، أي عن السبب (وجود حالة من أحوال بدن الإنسان) الثلاثة، وهي: الصحة، والمرض، والمتوسط بينهما الذي ليس بصحة ولا مرض، كما تقدم (أو ثباتها) عطف على ـ وجود ـ أي السبب قد يقتضي إيجاد إحدى الأحوال الثلاثة، وقد يقتضي إبقاء تلك الحالة، فإن الأشياء كما توجد بالأسباب تبقى بها (ولكل واحد من الأحوال الثلاثة) للبدن من صحة ومرض وتوسط (أسباب ثلاثة) الأول: السبب الخارج عن البدن، الثاني: السبب البدني المؤثر بغير واسطة، الثالث: السبب البدني المؤثر مع الواسطة (لأن السبب إما أن لا يكون بدنياً كحرارة الشمس) التي توجب الصداع (وبرودة الهواء) التي توجب استرخاء الأعصاب (والغضب، والفزع) الموجبين للحمّى، فإنهما يردان على البدن من جهة النفس لا من جهة البدن (ويسمى) هذا القسم من السبب (بادياً) لأنه يبدو ويظهر للطبيب، أو من قبيل البــدو الذي يطلق على الخارجين عن المدن (أو يكون) السبب (بدنياً) ومنشأه نفس البدن (فإن أوجب) ذلك السبب البدني (الحالة) الطارئة (بغير واسطة) شيء (كإيجاب العفونة للحمّى، يسمى) السبب (واصلاً) لاتصال السبب بالحالة مباشرة (وإن) كان السبب (أوجبها) أي الحالة (بواسطة كإيجاب الامتلاء للحمّى العفنية) حيث أوجب الامتلاء العفونة، وهي أوجبت الحمى، فالامتلاء سبب بواسطة (يسمى) السبب (سابقاً) لأنه سابق على السبب المباشر.

(وفعل السبب) للحالة (إما) أن يكون (بالذات) بأن تكون طبيعة السبب مقتضية لإيجاد حالة خاصة في البدن (كتبريد الماء البارد) فإن الماء بطبيعته مبرد (أو) يكون (بالعرض) بأن تكون طبيعته غير مقتضية للحالة، وإنما سبب الحالة لأمر عارض (كتسخينه) أي تسخين الماء للبدن (بحقن الحرارة) وحفظها، فإن الماء البارد حيث يبرّد يكثف الجلد ويقبضه، فتبقى الحرارة الغريزية في موضعها، فيكون الماء سبباً للحرارة بالعرض.

(وكل سبب إما أن يكون ضرورياً) وهو الذي لا يمكن للإنسان أن يتفصّى عنه مدة حياته (أو لا يكون) ضرورياً بأن كان التفصّي عنه ممكناً (وغير الضروري قد يكون مضاداً للطبيعة) ومفسداً لها كالسم (وقد لا يكون) مضاداً لها، ويأتي تمثيله بالإندفان في الرمل الموجب للنشف.

(والأسباب الضرورية ستة أجناس): الهواء، والأكل والشرب، والحركة والسكون البدنيان، والنفسيان، والنوم واليقظة، والاستفراغ والاحتباس (أحدها: الهواء المحيط، ويضطر) الإنسان (إليه لتعديل الروح) فإن حرارة الروح تحتاج إلى مبرّد، والهواء يقوم بهذا التبريد (بـ) سبب (الاستنشاق) بجذب الهواء إلى الرئة، ثم إخراجه وقد اصطحب حرارة ومواداً دخانية مما احترقت في الجسم بسب الحرارة، وبذلك يحفظ الجسم عن الاشتغال المؤدي إلى فساد المزاج (و) لـ (إخراج فضلاته) أي فضلات الروح التي هي الذرات الدخانية (بردّ النفَس) وإخراجه ويعود الدور بإدخال هواء نقي وإخراج هواء حار دخاني وهكذا، وهذه العملية تسمى الشهيق والزفير.

(وما دام) الهواء (معتدلاً) غير مفرط في الحرارة والبرودة (صافياً) بأن (لا يخالطه جوهر غريب) خارج عن حقيقته مناف لمزاج الروح (مثل: بخار آجام) جمع أجمة ـ على وزن بقرة ـ وهي منبت القصب، فإن هواء الآجام متعفنة لاحتباس الأبخرة في خلال القصب لعدم نفوذ الهواء الكثير فيه (أو بخار بطائح) جمع بطحة، وهي الموضع الواسع الذي يجتمع فيه الماء ويحتبس ويكون فيه وفي حواليه أشجار، فإن هواءها يتوسخ بالأبخرة الحارة الغليظة التي تتصاعد منها لدوام تأثير المسخن فيها، والأشجار تمنع الهواء الطلق من اكتساحها (أو) بخار (آسن الماء) ـ آسن كفاعل، بمعنى المتعفن، فالمياه المتعفنة تولد أبخرة رديئة (أو) هواء (نتن الجيف) إذ الهواء يكتسب رائحة نتنة من مجاورة الجيفة (أو أبخرة مباقل رديئة) مباقل جمع ـ مبقل ـ وهو موضع البقل، فإن الهواء يتكيف برداءة البقل كمبقل الجرجير والكرنب (أو) أبخرة (أشجار خبيثة الجوهر كالشوحط) بالحاء والطاء المهملتين، قسم من أشجار الجبال (و) كـ (التين) فإن شجرهُ يفسد الهواء (أو) مثل (غبار مترادف) ترادف بعضه لبعض لكثرته (أو دخان) وهو يحصل من امتزاج الهواء بذرات الرماد وما أشبهه، (كان حافظاً للصحة) خبر قوله في أول الفصل: (وما دام) (محدثاً لها) أي للصحة، أي أن الهواء النقي يحفظ الصحة الموجودة في الإنسان، ويوجد الصحة إذا كانت مفقودة، وذلك لأنه يعدل الروح ويصلحها.