فهرس الكتاب

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 الاجتماع

الصفحة الرئيسية

 

الطبقية المنحرفة في المجتمع والتأثير السلبي

الأمور الحيوية التي يحتاج إليها كل إنسان، يلزم على الدول والأفراد ـ على حد سواء ـ توفيرها حتى لا تبقى حاجة ومحتاج، وقد ذم الإسلام الفقر، وأوصى بترفيع مستوى الفقراء حتى يصبحوا أغنياء ونظم برامجه، حيث لا يبقى فقر ولا فقير ـ كما فصلناه في كتاب [الفقه الاقتصاد] ـ.

قال علي عليه السلام: (الفقر يخرس الفطن عن حجته، والمقل غريب في بلدته)(1).

وقال عليه السلام: (الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة)(2).

وقال عليه السلام: (الفقر الموت الأكبر)(3).

وقال عليه السلام: (ينام الرجل على الثكل، ولا ينام على الحرب [سلب المال])(4).

وقال عليه السلام: (إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما متع به غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك)(5) إلى غيرها من الروايات.

أما في بلاد الطبقات المنحرفة [كروسيا وأمريكا] فالدولة ورأس المال يتعاونان لجعل الامتيازات لطبقة إلى حد الإتخام وحرمان طبقة إلى حد الاحتياج إلى أوليات الحياة.

الفقر… والحياة  

وبصورة عامة فالطبقية المنحرفة، تعطي إمكانيات كثيرة لطبقة، مما تحرم طبقة أخرى عن مثلها، وهي:

أ ـ إمكان أن يحيى، فإن الفقير لا يتمكن كثيراً ما من الزواج، إما لأجل تكاليفه، أو لأجل إدامة المعيشة العائلية، مما يوجب حرمان الأولاد الممكن حياتهم لو تزوج، عن رؤية نور الحياة… وإذا تزوج منع عن الولد إما بالإجهاض، أو بالحيلولة دون تولده خوفاً من الفقر، مثل ما كان في الجاهلية.

قال سبحانه: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)(6). وفي آية أخرى: (خشية إملاق)(7).

وقال تعالى: (وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت)(8).

بينما ليس كذلك غير مثل هذه الطبقة، حيث أن المتمكن والمرفه ـ أي الطبقة الوسطى والعليا ـ لا يشكون من مثل ذلك…

أما قوله سبحانه: (نحن نرزقكم وإياهم)(9). وقوله: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله)(10) فذلك بصدد الرزق في المنهاج المستقيم، فإنه لو كان المنهج مستقيماً لا يبقى فقير.

أما إذا نهبت الدولة والرأسماليون الثروة، فالفقير لا يعاني من عدم أرزاق الله تعالى، بل من نهب الظالمين حقه، ولذا تقدم في كلام علي عليه السلام: (فما جاع فقير إلا بما متع به غني)(11).

ب ـ إمكان إدامة الحياة، فإن الطبقة الفقيرة:

1 ـ يموت أولادهم أكثر من غيرهم، لعدم تمكنهم من الغذاء والدواء للأولاد، وقد دلت التجارب أن في بعض البلاد يبقى من أولاد الفقراء ما يقارب النصف فقط، بينما بقاء أولاد غيرهم أكثر من تسعين في المائة.

2 ـ يموت الفقير لعدم توفر وسائل الغذاء والدواء والراحة، بنسبة كبيرة بينما ليس كذلك موت غيره، والإحصاءات في آسيا وأفريقيا، بالنسبة إليها في البلاد الأوروبية واليابان وأمريكا، دلت على ذلك.

3 ـ الفقراء تلتهمهم الحروب أكثر من الأغنياء بنسبة كبيرة، لأن الفقراء غالباً لا يثقفون، ولا نفوذ لهم حتى يمنع نفوذهم عن الذهاب إلى الحرب، ولا مال لهم لإعطاء البدل ـ مستقيماً فيما كان للجندية بدل أو ملتوياً بالتخلص بالرشوة ونحوها ـ.

4 ـ الموت الناشئ من جهة الإجرام، فإن المجرم الفقير ينطبق عليه القانون فيقتل، أو يسجن مما يوجب مرضه وموته، أو يعذب مما يوجب موته، أما غير الفقير فيخلص نفسه من الموت المذكور، بسبب ماله ونفوذه.

الفقر… والأخلاق الفاضلة  

ج ـ إمكان الأخلاق الفاضلة، فإن سوء الأخلاق ناشئ من المرض والفقر ـ في كثير من الأحيان ـ والمرض ناشئ من الفقر أيضاً، والغنى وإن كان يبتلى بالكبر ونحوه، إلا أن توتر الأعصاب وضيق الصدر ونحوهما يعطي الأخلاق السيئة غالباً، ولذا نرى النزاعات وسوء الأخلاق في العوائل الفقيرة وانتهاء الأمر إلى الطلاق أكثر من غيرهم، والأمر بحاجة إلى إحصاءات دقيقة حتى تظهر النسبة الواقعية بين الفقراء وغيرهم من الطبقتين المرفهة والمتوسطة.

الفقر… والصحة  

د ـ إمكان حفظ الصحة، فإن الفقير [حيث لا يقدر على الدواء من ناحية ولا من حفظ صحته من جهة عدم الوسائل من ناحية أخرى، وبالجملة لا على الوقاية ولا على العلاج] أكثر مرضاً وأدوم مرضاً من الغني، وقد دلّت الإحصاءات على ذلك… ثم من ناحية ثانية، الفقير يبتلى بالأمراض العصبية والنفسية أكثر من غيره، حيث أن الفقير والبطالة والمنازعات وما أشبه تنتهي إلى أمثال هذه الأمراض، مما الغني يأمن منها، وقد دلت إحصاءات مستشفيات الأعصاب ودور المجانين على هذه الحقيقة.

والأغنياء وإن كانت لهم أمراض خاصة بهم، أمثال ضغط الدم، وتصلب الشرائين، والتخمة، والسكر ونحوها، إلا أن أمراض الفقراء أكثر وأدوم وأخطر.

الفقر… والسلام  

هـ ـ إمكان السلام، حيث أن الأغنياء يحفظون أنفسهم عن الحرب، ببذل المال، أما الفقراء فحيث لا مال لهم، لابد لهم أن يلتجئوا إلى الحرب لحل مشكلاتهم، فإن الحل للمشكلة، إما يكون من الطرق الدبلوماسية، وإما من طرق الحرب، وحيث يفقد الأول، لابد من الالتجاء إلى الثاني… هذا بالإضافة إلى أن المستكبرين دائماً يحاربون المستضعفين لأجل السيطرة عليهم لاتخاذهم خولاً، وما بقي من ثرواتهم ـ بالقوة ـ دولاً، وحرب المستكبرين للمستضعفين إنما هو بواسطة مستضعفين آخرين، مما ينتج أن إمكانات السلام في الفقراء أقل من إمكانات السلام في غيرهم.

الفقر… والعلم  

و ـ إمكان تحصيل العلم، وذلك لأن تحصيل العلم بحاجة إلى المال من جهة:

1 ـ وسائل العلم من الكتب وأجرة المدرسة ونحوها.

2 ـ إمكان النفقة على النفس ليتفرغ الإنسان، إذ لو لم تكن له نفقة، اضطر إلى الكسب، وكلا الأمرين موفران للغني دون الفقير.

ومنه يعلم، أن الدول مهما وفرت المجانية للمدارس لم ينفع ذلك في تساوي مجال الفقير والغني لطلب العلم، فإنه بعد التوفير يبقى:

1 ـ أمر النفقة.

2 ـ بالإضافة إلى إمكان الغني من التحقيق الأكثر بسبب ما يملك، بينما يحرم منه الفقير، ولذا نجد في كل المجتمعات أن الطبقة المثقفة أغلبهم من الأغنياء، بينما أقلهم من الفقراء، وكلما كانت الثقافة أرفع، كانت نسبة الأغنياء فيها أكثر.

الفقر… والعمران  

ز ـ إمكان العمران، فإن العمران يستند إلى الأغنياء دون الفقراء، فإن الفقير مهما تعب لا يتمكن إلا بناء دار لنفسه، أما الأغنياء فهم وحدهم القادرون على تكثير العمران، سواء بالبناء للدور، وإيجاد البساتين، أو غير ذلك.

الفقر… والحياة النظيفة  

ح ـ إمكان العيش النظيف، فإن الفقر والحرمان، والضغط الاجتماعي الوارد على الفقير، يوجب انحرافه وسقوطه في الرذيلة ولذا يكون أكثرية السجناء ونزلاء دور البغاء والمتعاطين للشذوذ الجنسي،و ما أشبه من الفقراء.

ولذا نجد التلازم في الأذهان العرفية بين اللص والغبي والولد الساقط ومن أشبههم، وبين أنهم فقراء لا يملكون المال لانتشال أنفسهم من حضيض الرذيلة… وقد تقدم أن الفاسد من الأغنياء ينفلت عن العقاب، فلا يبتلى بالسجن ونحوه.

الفقر… والقدرة  

ط ـ وإمكان تحصيل القدرة والوصول إلى المناصب الرفيعة في المجتمع يتوفر للأغنياء ومن إليهم من الطبقة المتوسطة اكثر مما يتوفر للفقراء، وذلك لأن المال يعطي للإنسان إمكانات لا يجدها غير ذي المال، وتبعاً لهذا الإمكان يصل الأغنياء إلى مناصب شامخة، أكثر من وصول غيرهم.

لا يقال: إنا نجد أن جملة كبيرة كم فقهاء الشيعة وصلوا إلى المراتب السامية، بينما كانوا فقراء؟ لأنه يقال: إن مبدء [إعطاء الحقوق] جعلهم أغنياء وإن عاشوا مدة من الزمن فقراء في أوائل تحصيلهم للعلم فبقائهم أيضاً تابع للمال الذي يتوفر لهم فيتسنى لهم الاستمرار في تحصيل المراتب العالية والسير إلى الدرجات الرفيعة.

أما إمكانية إنقاذ ذي المال الفقراء والمرضى والملوثين ومن أشبه بماله دون غير المال، فلم نجعله في عداد ما تقدم لأجل أنه يرتبط بشأن غيرهم، والكلام في المقام في شأن الطبقة الغنية بالنسبة إلى الطبقة الفقيرة.

الاختلاف الفكري بين الفقراء والأغنياء  

وأخيراً فإن نظرة كل من الفقير والغني تختلف إلى أمور الحياة، وكذا سبك تعاملهما مع الحياة، مثلاً:

1 ـ نظر الفقراء إلى المصلحين نظرة إنقاذ وهداية، ولذا يلتفون حولهم بينما نظرة الأثرياء والمترفين الطاغين نظرة هدم وتخريب، حيث أنهم يرون المصلحين يسببون لعم المشاكل وإنزالهم عن مقامهم وامتيازاتهم.

2 ـ وحيث أن المال قليل عند الفقير كان من الطبيعي أن يكون دقيقاً في الصرف بخلا ف الغني.

3 ـ ويربي الغني أولاده وما يتعلق به بالنظافة والأدب، بينما الفقير ليس له وقت ولا مال يفيان بمثل ذلك.

4 ـ والفقير يرى لزوم تقوية طبقة العامل والفلاح ومن إليهما، بينما يرى الغني المنحرف عكس ذلك، وذلك لتضارب مصلحة الطرفين في طرفي الأمر.

5 ـ والحرية التجارية ينظر إليها الغني كأنها حقه الطبيعي، بينما لا شأن للفقير بذلك ـ من باب السالبة بانتفاء الموضوع ـ.

6 ـ والغني المنحرف ينظر إلى كل شيء نظرة اكتساب وتجارة، فالمعنويات تضعف لديه، لأن عقليته طبعت على المال والتجارة، بينما ليس الفقير كذلك، إلى غير ذلك من أنظارهم المختلفة إلى جملة من شؤون الحياة حيث أن كل واحد منهما ينظر إليها من زاويته الخاصة.

موقف الإسلام تجاه الفقراء  

ولا يخفى أن الإسلام قرر منهجين لأجل الفقراء ومن إليهم:

أ ـ منهج إغنائهم، لأن الإسلام كما يحرم الشيوعية يحرم الرأسمالية، فكلا النظامين يستغل أموال الناس، في النظام الرأسمالي يستغله الرأسماليون، وفي النظام الشيوعي تستغله الدولة ـ التي تجمع بين المال والقوة ـ بل اللازم في المال أن يكون لكل أحد حقه النابع من الأمور الخمسة السابقة الذكر.

ب ـ منهج أن من لا يتمكن من الغنى ليتم أو مرض أو ما أشبه، يلزم على الدولة القيام بكل حوائجه، حقاً له عليها لا استعطاءاً وصدقة وتبرعاً.

قال علي عليه السلام: في كتابه إلى مالك الأشتر (ره): (ثم الله الله  في الطبقة السفلى، من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً

 [من يسأل ومن يرى نفسه من غير سؤال].

واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت المال، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعيت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير المهم.

وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون، وتحقره الرجال ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه إليه.

وتعهد أهل اليتيم، وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له، ولا ينصب للمسألة نفسه وذلك على الولاة ثقيل، وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم)(12).

ثم حيث أن المال يتراكم من التجارة [الأعم من الزراعة والصناعة والاكتساب] وإن هذه هي التي إن عدلت اعتدلت الأمور، وإلا حدثت الطبقية المنحرفة، فاللازم أن يجمع فيها بين [الحرية] الصحيحة و [التقيد] المعقول، وقد جمعها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى الأشتر، فقال عليه السلام: (ثم استوصي بالتجار وذوي الصناعات وأوصي بهم خيراً، المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه، فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق، وجلابها من المباعد والمطارح، في برك وبحرك وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتم الناس لمواضعها، ولا يجترأون عليها، فإنهم سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشى غائلته، وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك.

واعلم مع ذلك: أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين، من البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه، فنكل به وعاقبه في غير إسراف(13).  

 

1 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص469.

2 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص478.

3 ـ تحف العقول ص153.

4 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص529.

5 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص532.

6 ـ سورة الأنعام آية 151.

7 ـ سورة الإسراء آية 31.

8 ـ سورة التكوير آية 9.

9 ـ سورة الأنعام آية 151.

10 ـ سورة النور آية 32.

11 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص532.

12 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص438.

13 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص438.