فهرس الكتاب

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 الاجتماع

الصفحة الرئيسية

 

دور المؤسسات الاجتماعية في التغيير

المؤسسات الاجتماعية عبارة عن جماعة من الناس يبنون العمل المنظم، لأجل هدف خاص، سواء كان الهدف الهدم أو البناء، لكن كل هدف هدمي لابد وأن يتطلع إلى هدف بنائي وراء ذلك الهدم، وعلم الاجتماع قد ينظر إلى المؤسسات بصورة عامة، وهذا هو الأهم، وقد ينظر إلى بعض المؤسسات أو إلى عمل عام من نوع واحد لكل المؤسسات، مثل أن ينظر في ارتباط الدولة مع المؤسسات وهذا هدف خاص، وليست له من الأهمية ما للقسم الأول. ونحن نذكر هنا بعض جوانب المؤسسات:

توسع المجتمع يزيد الحاجة إلى المؤسسات

إن الاحتياج إلى المؤسسات يزداد، كلما توسع الاجتماع، أو تقدم الاجتماع، وذلك لأن العلاقات في الاجتماع الموسع، ولو كان بدائياً، تزداد ومع ازديادها تتشابك، فإن علاقة إنسانين [اثنتان] بينما علاقة ثلاثة [ستة] وهكذا، و كلما زادت العلاقة زاد الإعضال، مما يحتاج إلى حلول كثيرة، مثلاً: لو تنازع اثنان، احتاج الحل إلى تليين هذا أمام ذاك، وذاك أمام هذا أما إذا تنازع ثلاثة، احتاج إلى تليين (1) أمام (2 و 3) وتليين (2) أمام (1 و 3) وتليين (3) أمام (1 و 2).

ولذا كان اللازم كثرة المؤسسات للقيام بالحلول الكثيرة… هذا من جهة زيادة الكم ـ في الاجتماع ـ وأما من جهة زيادة الكيف، بأن تقدم الاجتماع فإنه حيث كان معنى التقدم تدخّل أشياء جديدة ـ علمية أو عملية ـ في حياة الإنسان، تكثر العلاقة أيضاً، ومع كثرتها تحتاج إلى كثرة الحلول مثلاً مدينة ذات عشرة آلاف إنسان، إذا تدخلت في حياتها السيارة، احتاجت الــسيارة إلى مؤســـسة، وإذا تدخلت الطائرة والقطار أيضاً احتاجت إلى مؤسستين جديدتين أيضاً، وهكذا.  

العلاقة بين المؤسسات  

وحيث أن الحياة مرتبطة بعضها ببعض، كذلك يكون حال المؤسسات أما ارتباط الحياة، فلما نشاهد من أن رعي الحيوان مرتبط بالنبات، والنبات بالمطر والمطر بالريح، أو أن ازدهار التجارة مرتبط بعدم تسوس الزراعة، وعدم تسوسها مرتبط بكثرة العصافير حيث تأكل الحشرات، وكثرة العصافير مرتبطة بعدم البرد الشديد الموجب لعدم إفراخ الطيور، وهكذا.

وأما ارتباط المؤسسات، فاللازم أن يقال أنه على قسمين:

1 ـ ارتباط المؤسسات بعضها ببعض.

2 ـ وارتباط الاجتماع بالمؤسسات، واللازم على عالم الاجتماع، أن يكشف نوعية هذين الارتباطين وعلل قوة وضعف الارتباط، وفائدة الارتباط قوياً أو ضعيفاً، وضرر الانفصام في الارتباط.

فإذا لوحظت المؤسستان:

1 ـ فإما تكون بينهما صداقة مع تعاون.

2 ـ أو صداقة مع حياد.

3 ـ أو عداوة… ثم إمّا أن تؤثر إحداهما في الأخرى:

1 ـ تأثيراً متقابلاً.

2 ـ أو بالاختلاف.

3 ـ أو لا تؤثر… وقد تكون إحديهما متوقفة على الأخرى، لا العكس… وقد لا ترتبط مؤسسة بأخرى.

وفي الاجتماع كلما كانت المؤسسات أكثر، كان أنفع للاجتماع لكن بشرط أن لا تسبب الكثرة ضياع الإنتاج، ولا أن تسبب إمكانية الالتواء؟ أما أن الكثرة  انفع، فلما تقدم من أن كل مؤسسة تحل جانباً من المشاكل الاجتماعية أو توجب تقدماً في جانب من الحياة، مثلاً: مؤسسات القضاء تحل المشاكل ومؤسسات التربية البدنية تقدم الحياة.

أ ـ أما كون الكثرة سبباً لضياع الإنتاج، فمثلاً: شركتان لحمل مواد البناء من المعمل إلى المدينة، كل واحدة منهما لابد لها من سيارة للحمل، فإذا كان إنتاج المعمل بقدر لا يملأ السيارة كان خسارة للقدر الفارغ من السيارة ولقدر من السائق، ومن الزيت المستعمل فيها، ولموقف السيارة، حيث أنها تأخذ المكان اللائق بها من الإيجار مثلاً، ولا تعمل العمل اللائق بها.

ولذا فاللازم على المؤسستين أن تشتركا في سيارة واحدة، وكذلك الحال مدرستين تستطيع كل واحدة منهما أن تحتوي على ألف طالب، وخمسين معلماً، بينما لا تحتوي المدرستان مثلاً: إلا على ألف طالب فقط، فإنه يستلزم فراغ مؤسسة منها، إلى غير ذلك من الأمثلة.

بل أصل الاستفادة من القدرة، كأصل جمع القدرات مسألتان مهمتان بالنسبة إلى كل قدرة، بأي شكل كانت القدرة، مثلاً: العامل في المعمل، إذا كان له ذكاء يبعثه على المهارة والتقدم، فلم يستفد من ذلك، وإنما حشر مع الذين لا مهارة لهم كان ذلك تضييعاً للقدرة… كما أنه إذا أمكن جمع قطرات مياه المطر الساقطة على الأرض للاستفادة منها في إدارة معمل بسبب شلال مثلاً فلم تجمع كان ذلك هدراً للقدرة… وإذا لم تكن دقة ومهارة وعمل دائب، كان الغالب هدر القدرة، وعدم الاستفادة من قدرة تستخدم في إنتاج أقل من الإنتاج الممكن.

ب ـ وأما تسبب الكثرة لإمكانية الالتواء، فهو كما إذا فتحت صناديق قرض الحسنة، لأجل إعانة المحتاجين، فإن كثرتها قد توجب الالتواء، في المقترضين، مثلاً: مقترض يريد بناء داره، بألف دينار فيقدم الشهود إلى إحدى تلك الصناديق باحتياجه، فيقترض الألف، ثم يقدم شهوداً آخرين إلى صندوق ثان فيأخذ ألفاً آخر، وهكذا، وإذا به يصرف ألفاً في البناء وثلاثة آلاف في التجارة، بينما كان اللازم أن تصرف تلك الثلاثة آلاف في سدّ ثلاث حاجات أخر.

فإن الالتواء نشأ من كثرة الصناديق، مما جعلت الكثرة سبباً لانحراف المال عن الهدف المقرر له، كذلك بالنسبة إلى المؤسسات تتحد في الهدف.

الترابط البنائي والعملي بين المؤسسات  

ثم إنه يلاحظ أمور في شأن المؤسسات:

1 ـ في بنائها.

2 ـ وقد ترتبط في عملها، ومعنى الارتباط في البناء أنه لولا تلك المؤسسة لم يكن لهذه المؤسسة، البناء الحالي لها، وذلك مثل المؤسسات الدينية حيث ترتبط بالمؤسسات العائلية، من حيث البناء، فالعائلة تتعدد من جهة الزوجة، إذا سمحت بذلك المؤسسة الدينية، بخلاف ما إذا لم تسمحن ولذا في العائلة المسيحية بناء وحدة الزوجات، وفي العائلة المسلمة بناء تعدد الزوجات إلى أربع، وفي بعض الأديان بناء تعدد الزوجات إلى ما لا يحصى.

ونتيجة لذلك إذا تغير دين العائلة تتغير بناؤها، بأخذ زوجة جديدة، أو إطلاق زوجة قديمة… وكذلك المؤسسة الحكومة تتدخل في بناء المؤسسة الدينية، فالحكومة المسلمة تسمح للأبنية الدينية بالعمل، بينما الحكومة الماركسية لا تسمح بذلك.

وأما ارتباط مؤسسة بأخرى في عملها، فكالمؤسسات الصناعية والمؤسسات الثقافية حيث ترتبط كل واحدة منها بالأخرى في عملها، فالمدرسة تقدم مديرين وعمالاً مهرة للمؤسسة الصناعية، والصناعة تهيئ الأثاث واللوازم للمدرسة مثل الثلاجة والمروحة والمدفأة ونحوها.

متى تهدم المؤسسة؟  

ب ـ إنما تتمكن أن تتدخل مؤسسة في هدم المؤسسة الأخرى، إذا تغير الاجتماع تغيراً جذرياً، وإلا لم تتمكن المؤسسة إلا من تغيير عمل المؤسسة الأخرى، مثلاً: المؤسسة الدينية في البلاد الإسلامية لم تتمكن أن تتدخل المؤسسة الحكومية ـ حيث تحولت استعمارية ـ في هدمها، وإنما عملت المؤسسة الحكومية في التقليل من أعمال المؤسسة الدينية، نعم في الاتحاد السوفياتي، حيث تغيرت الحكومة شيوعية، تمكنت من تحطيم المؤسسات الدينية وتغير بنائها تغيراً جذرياً: أي نسفها وتسليم أعضائها إلى المشانق والسجون، ومراكزها إلى حانات واصطبلات ومراقص وسينمات ونحوها.

تأثير التغيير في المؤسسة على سائر المؤسسات  

ج ـ إذا حصل تغيير في مؤسسة اجتماعية، تتأثر سائر المؤسسات بذلك التغيير قليلاً أو كثيراً مثلاً: إذا تغيرت ثقافة المدارس من ثقافة دينية إلى ثقافة غربية أثرت تلك الثقافة في المؤسسات التجارية والزراعية، مثلاً: فتكون المؤسسة التجارية رأسمالية استغلالية بعد أن كانت بقدر السعر ونحوه، وكذلك تحولت الزراعة إلى إقطاعية، بمعنى استغلال الإقطاعي للفلاحين، والعكس بالعكس، إذا تحولت الثقافة إسلامية، أثرت في تعديل الاقتصاد زراعة وتجارة وغيرهما.

الانفصام في المؤسسات يولد الانفصام الاجتماعي  

د ـ إذا تغيرت بعض المؤسسات في عملها، ولم تتغير سائر المؤسسات المرتبطة حسب ذلك التغيير، حصل الانفصام في الاجتماع، مما يؤدي إلى سقوط الاجتماع، و مثال ذلك، ما إذا سقطت الموازات بين عجلات السيارة، في سرعة السير أو بطئه، بأن أسرعت بعضها وأبطأت الأخرى، حيث ينتهي ذلك إلى تكسر السيارة أو عطبها ووقوفها.

والسر في ذلك، أن الانفصام في الاجتماع يوجب التناقض بين جماعات الاجتماع والتناقض ينتهي إلى الحرب الأهلية، أو إلى الضعف الموجب لتفرق الاجتماع [أيادي سبا] أو نفوذ الغزاة فيه، (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة)(1).

وقد شاهدنا بعض الدول المعاصرة، حيث انفصمت مؤسساتها، بتقدم الصناعة، من دون تقدم المؤسسات السياسية فيها، فإنها تحطمت، وتسلط عليها أعداؤها مما أسقطها، وغيرها من نظام إلى نظام آخر، فإن الصناعة لابد وأن تضبطها السياسة وإلا تصرفت تصرفاً سيئاً والتصرف السيء يوجب انشقاق الاجتماع حيث تحدث الطبقية المنحرفة فتبطر قسماً النعمة ويدقع في الفقر قسم آخر.

وكذلك لو فرض العكس بأن تقدمت المؤسسات السياسية، ولم تتقدم المؤسسات الصناعية، حيث أن السياسة لابد لها من إفراغ في التقدم، فإذا لم تجد منفذاً للتقدم، حصل الاختلاف بين الساسة، مما يوجب الانفصام، وهكذا. 

ضرورة التوازي في حركة المؤسسات  

هـ ـ الاجتماع إن كان ساكناً، لم يكن فيه خطر التشقق والانفصام، أما إذا تحرك الاجتماع فاللازم الملاحظة الدقيقة، لأن تكون مؤسساته متوازية الحركة، فإن أبطأت مؤسسة وأسرعت أخرى، أو أسرعت مؤسسة، وتحركت أخرى بسرعة اشد، كان الاجتماع معرضاً للهزات، وربما تحطم، حاله حال السيارة مادامت واقفة لا خطر عليها، أما إذا تحركت فاختلفت حركة العجلات، أو تحركت إحديهما وجمدت الأخرى، احتفت بها المخاطر.

وربما دام الانشقاق والانفصام والسقوط لمدة مديدة، وهذا سر ما نجده في عالم اليوم من الاضطرابات، فإن الصناعة سببت حركة الاجتماع، وحيث لم يكن التحرك في مؤسسات الاجتماع متوازياً، انقسم العالم المسيحي إلى رأسمالي، وشيوعي، وديمقراطي، وديكتاتوري، وخلال نصف قرن حدثت حربان عالميتان ، وحروب متفرقة ، واضطرابات وانقلابات، وربما امتدت هذه الحالة، إلى أن تأخذ المؤسسات العصرية توازنها في السير معاً بصورة متساوية.

تبدل المؤسسات  

و ـ قد تتحول المؤسسة الاجتماعية إلى مؤسسة أخرى أقرب إلى هدفها مما يسبب التحول في عمل المؤسسة كمؤسسة تربوية تتحول إلى مؤسسة ثقافية حيث يرى القائمون بها أن التربية بدون أرضية ثقافية، لا تنفع النفع المطلوب منها، أو تتحول مؤسسة زراعية إلى مؤسسة صناعية، حيث يرى القائمون بها، أن الصناعة توجب تقدم الزراعة، وليس العكس.

المؤسسات الموقتة

ز ـ المؤسسة قد تكون دائمة لإعطاء حوائج مستمرة في الاجتماع، وقد توجد لوقت خاص كالمؤسسات التي توجد لإدارة شؤون الحرب، فإنها موقتة بأوقات الحرب، وكالمؤسسات التي توجد لترميم خسائر زلزال، أو سيل، أو وباء، أو ما أشبه، والقسم الثاني من المؤسسات لابد وأن تكون سريعة العمل، حيث أن أمد عملها يتطلب ذلك، وحيث أن كل سرعة شاذة عن سير الاجتماع، توجب هزة اجتماعية، وهي محظورة كما تقدم، لابد وأن يجمع القائمون بها بين السرعة والحزم.

اختلاف تأثير المؤسسات في المجتمع

ح ـ والمؤسسات الاجتماعية، تختلف تأثيراتها، فبعضها تؤثر أكثر من بعض، لاحتياج الاجتماع إلى تلك أكثر من احتياجه إلى مؤسسة أخرى، مثلاً: في العصر الحاضر، المؤسسات الاقتصادية، أكثر تأثيراً من قسم من المؤسسات الاجتماعية الأخر، وكذلك المؤسسات السياسية، في الدول الاستشارية، وحيث أن السياسة في عالم رأس المال ـ سواء الغربي منه أو الشرقي ـ متأثرة بالرأسمالية، كانت المؤسسات الاقتصادية أكثر تأثيراً في المؤسسات السياسية من العكس.

مؤسسات مختلفة تؤدي نتائج متقاربة  

ط ـ ثم قد تؤدي مؤسسات متعددة العنوان نتيجة متقاربة، وإنما تعددت في الهيكل والاسم، لأجل التفاوت في الجملة في نوعية أعمالها، مثلاً: العائلة والمدرسة، والمؤسسة الدينية، كلها تعطي تربية الإنسان الروحية، لكن العائلة مزيجاً مع ترفيه الجسم، والمدرسة مع الثقافة، والدينية مع الاعتقاد بالمبدأ المعاد.

شروط نجاح المؤسسة

ي ـ والمؤسسة حيث تؤدي أعمالاً خاصة، لجهة معينة من جهات الحياة كالمؤسسة الاقتصادية أو الزراعية أو السياسية، التي تؤدي عملاً ورشداً في جهة السياسة، أو الزراعة، أو الاقتصاد، لابد وأن تكون مستوعبة لأمرين:

1 ـ العلم المرتبط بتلك الجهة، فالمؤسسة السياسية لابد وأن يكون القائمون بها مستوعبين لعلم السياسة، وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه، حتى المؤسسة العملية كالعائلة حيث تربى الأولاد، لابد وأن تعرف كيفية التربية، وإلا كان مصير الأولاد الموت أو المرض، إن قصرت في إنماء الجسد، أو الانحراف إن قصرت في إنماء الروح.

2 ـ العلم العام المرتبط بتلك الجهة، حيث أن المؤسسة لا تعيش في فراغ بل وسط ارتباطات، فإذا لم تراع تلك الارتباطات امتنع التقدم على المؤسسة، فكما يلزم علم الاقتصاد على المؤسسة الاقتصادية كذلك يلزم عليها علم الاجتماع وإلا فكيف تعاشر الاجتماع، وعلم السياسة، وإلا تحطمت المؤسسة بالتقلبات السياسية، وهكذا.

كما أن اللازم أن يكون العلمان، للقائمين بالمؤسسة، على السطح الاجتماعي ـ لا أقل ـ إذ لو تقدم الاجتماع على علم القائمين ذبلت المؤسسة وأحياناً تفككت واندثرت، حال ذلك حال المدرس إن كان متأخراً في العلم عن مستوى الطلاب اللائق بهم، انفض الطلاب من حوله، فالمؤسسة السياسية ـ مثلاً ـ إذا لم تساير العصر [كالاستشارية مثلاً في العصر الحاضر] سقطت عن الاعتبار، وانفض من حولها مرتادوا السياسة، إلى مؤسسة عصرية أخرى، تعطيهم متطلبات العصر.

الجو العام للمؤسسة  

ك ـ ثم المؤسسة إذا كانت تعيش في وسط جو خاص من المؤسسات المرتبطة، لابد وأن تعيش في ذلك الجو، وإلا فإن لم يراع الجو في المؤسسة المرتبطة، ذبلت واندثرت، مثلاً: الطبيب، والصيدلي، والجراح، ومركب الأسنان، والقابلة، كل واحد منهم يؤدي خدمة في جو خاص من التنسيق، فاللازم على المؤسسة التي تقوم بإحدى هذه الأمور، أن تكون في جو المؤسسات الأخر، مثلاً: لا يمكن للصيدلية أن تعيش في جو فارغ عن الدكتور والقابلة و… أو لا تتمكن دار الولادة أن تعيش في جو فارغ عن القابلة وعن الصيدلة، وهكذا.

ولذا جرت عادة بعض البلاد المتقدمة صناعياً، على تجميع الطاقات المؤسسية المرتبطة بعضها ببعض، وتكميل الجو، إذا كان الجو ناقصاً، مثلاً: المطبعة، ومعمل التجليد، ومكتبة البيع، والمجلة والجريدة، وما أشبه كلها تدخل في جو عام ثقافي، فإذا لم تكن المطبعة لم ينفع معمل التجليد وهكذا.

المؤسسة والسلوك المرضي للجماهير  

ل ـ ثم المؤسسة يلزم عليها أن تحفظ ارتباطها بالذين هم في مسير عملها، وحفظ الارتباط غير المهارة في العلم المرتبطة بالمؤسسة، مثلاً: إذا كان الطبيب المتخصص الماهر أجرى عملية جراحية في أتم النظافة والدقة، لكن اتفق أن مات المريض بقدر إلهي، تحطمت سمعة الطبيب، لا لأنه لم يقدر على العلم والمهارة وحسن الخدمة، بل لأنه لم يتمكن أن يحفظ علاقته بالمجتمع، حيث كان اللازم عليه أن يتخلى عن العملية إذ رآها خطراً، أو لا أقل من أن ينبه أصحاب المريض أنه مخطور تسعين في المأة مثلاً.

وكذلك حال المؤسسة يلزم عليها السلوك المرضي للجماهير، وإلا انفض الناس من حولها، وإن أتقنت غاية الإتقان، وكان في قمة العلم اللازم للمؤسسة.

التلاحم والتنسيق بين أعضاء المؤسسة

م ـ وأخيراً اللازم في المؤسسة أكبر قدر من التنسيق والمودة بين أعضاء المؤسسة، وإلا أضر عدم التنسيق بالعمل وتقدمه من ناحية، وانفض الناس من حولها بسبب إظهار الأعضاء نقائص الآخرين أمام الاجتماع مما يسبب سحب الاجتماع ثقتهم عن المؤسسة، مثلاً: مدرسة أهلية، يشتكي المعلمون عند المجتمع من فساد أخلاق المدير، أو يشتكي المدير شدة المعلمين مع الطلاب، إن الناس يسحبون أولادهم من مثل هذه المدرسة، مما ينتهي بها إلى الفشل.

تحول المؤسسات  

ثم إن بعض المؤسسات أخذت في الظهور مما لم تكن سابقاً، وبعض المؤسسات أخذت في الاختفاء مما كانت سابقاً، وبعض المؤسسات ضمرت أو توسعت، وبعض المؤسسات تمركزت، وبــعض المؤسسات تعقدت أكــــثر من السابق، وبعض المؤسسات تطورت من حالة إلى حالة، وبعض المؤسسات انتقلت من مكان إلى مكان.

1 ـ فمؤسسة البنوك، والبورصة، والتأمين، وما أشبه، أخذت في الظهور.

2 ـ ومؤسسة تربية العبيد والإماء، ومراسيم قتل الأولاد وحرقهم، اختفت.

3 ـ ومراسيم وضع التيجان للملوك، وأماكن النار للمجوس، ومعابد الأصنام، ضمرت.

4 ـ والمؤسسة الحكومية توسعت، مثلاً: دخل في شؤون الدولة تأسيس المدارس، والمستشفيات، وصنع الحدائق العامة والمرافق العامة، ومؤسسة الأمن للدولة وعشرات المؤسسات الأخر.

5 ـ وقد تمركزت الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في الدولة ـ في الحكومات الشيوعية ـ.

6 ـ والمؤسسة الثقافية والطبية، وما أشبه تعقدت، حيث صارت الاختصاصات والأجهزة الكاشفة عن الأمراض وغير ذلك.

7 ـ وقد تطورت المؤسسات السفريّة، من الدواب إلى مؤسسات السيارات والطائرات والقطارات وما أشبه.

8 ـ وانتقلت مؤسسة الأيتام والأوقاف ونحوهما، من إدارة الكنيسة ـ في العالم المسيحي ـ إلى إدارة الدولة… وهذه التطورات بعضها مما يمليه الواقع كالسادس، أو يوجبها انحراف كالخامس مما يجب رفع هذا الانحراف عن الاجتماع.

مضاعفات تضخم المؤسسة الاقتصادية والمؤسسة الحكومية  

ثم لا يخفى أن المؤسستين الاقتصادية والحكومية، توسعت توسعاً كبيراً على ضرر الشعوب، أما المؤسسة الاقتصادية، فأخذت تأكل أموال الناس بالباطل، وجعلت المال دولة بين الأغنياء، فاللازم الاهتمام من المفكرين والمصلحين لتجريد حملة عالمية، لقطع جذور الرأسمالية المنحرفة، حتى يرجع الاقتصاد إلى السلامة، بأن يكون المال أمام خمسة أشياء، كما ألمعنا إليه مكرراً، هنا وفي كتاب [الفقه: الاقتصاد] وغيره.

وأما المؤسسة الحكومية، فقد جمعت في يدها بالإضافة إلى أشغالها الطبيعية [ذكرنا تفصيله في الفقه: السياسة] السياسة والاجتماع والاقتصاد، أمّا في الشرق الشيوعي، فقد ضربت الدولة الرقم القياسي في هذا الأمر، وأمّا في الغرب الرأسمالي، فالدولة أخذت في توسع هائل من جهة ضمّ المؤسسات الثلاث إلى نفسها، وعلى أي فاللازم انفصال الدولة عن المؤسسات الثلاث انفصالاً كاملاً، لما نجم من الانضمام، من الأضرار البالغة، والتي منها:

أ ـ سقوط التنافس الحرّ، مما يعطي للحياة معنى، بخلاف تسليم تلك المؤسسات إلى الموظفين، حيث فرغت حياة الموظف عن المعنى، بل صار هو آلة تعمل تلقائياً لأداء الوظيفة، في حياة رتيبة مملّة [أنظر: الاجتماع السليم، تأليف أريك].

ب ـ كبت الكفاءات، إذ الكفاءة زهرة لا تنمو إلا في حدائق الحرية.

ج ـ تحول النشاط إلى الخمود، نشاط الموظفين القائمين بالأعمال الحكومية، ونشاط الأفراد الذين سلبتهم الحكومة حرياتهم.

د ـ توسع الفقر والمرض والجهل والجريمة، حيث أن الناس يمكنهم رفع نقائص أنفسهم لكثرتهم، وحنانهم على أنفسهم، أما الحكومة فهم جماعة قليلة، وهي بحكم أنها موظفة روتينية لا تخسر على الناس.

مثلاً: إذا كانت المدينة تحتاج إلى مليون دار لإسكان الناس، وقيل للتجار ابنوها وبيعوها للناس بربح معقول ـ أقساطاً ـ تمكنوا من البناء، في خلال ستة أشهر، وهم يجلبون والمواد والعمال والمهندسين من شرق الأرض وغربها، أما إذا أرادت الحكومة بناءها، لم تتمكن من ذلك ولو في عرض مدة طويلة، وهكذا حال سائر الاحتياجات.

هـ ـ اشتغال الحكومات بالمزيد من التسليح، حيث تمركزت في أيديهم السياسة والمال، مما كان اللازم أن يصرفا في إنقاذ العباد وتعمير البلاد، إذا كانت بأيدي الناس.

و ـ كثرة الموظفين مما معناه تحويلهم من منتجين إلى مستهلكين، وبذلك اشتد الضغط على الاقتصاد، إذ بنسبة زيادة الموظفين، يضعف الاقتصاد لدى المنتجين.

ز ـ كبت الحريات، فليس كل إنسان حراً في مزاولة السياسة، ومزاولة الأمور الاقتصادية من تجارة وزراعة وصناعة وغيرها، ومزاولة الأمور الاجتماعية، من فتح المدارس والمستشفيات ودور الرضاعة وغيرها، وقد وصل الكبت في النظام الشيوعي قمته، أما في بلاد الرأسمالية فقد حدث الكبت بقدر أخذ رأس المال، والحكومة، الأمور من أيدي الناس.

ح ـ إرهاق كواهل الناس بالضرائب الكثيرة باسم أن الدولة ترعى المؤسسات أمثال المدارس وغيرها، وحيث نعلم أن أكثر الضرائب تخرج من كيس الفقراء أنظر [الفقه ـ الاقتصاد] نعلم أنه كان من الأفضل إيكال الحكومة إلى الناس حقهم الطبيعي في تأسيس ما يشاءون من المؤسسات، مع ربح معقول، وإشراف الدولة عليها حتى لا تنحرف… ومن لا يقدر على الأجور ونحوها كان له أن يأخذ من بيت المال.

ط ـ تخلي الدولة ـ اضطراراً ـ عن وظائفها الأولية، التي هي:

1 ـ النظم.

2 ـ والعدالة القضائية.

3 ـ وتقديم الأمة إلى الإمام، حيث اشتغلت الدولة بما ليس من أعمالها من السياسة والاقتصاد والاجتماع، ومن الواضح أن الإنسان ينوء تحت حملين إذا كان الحمل الثاني ثقيلاً لا يتحمله إلا الأمة كلهم.

ي ـ وأخيراً: التوقف العام عن التقدم بما لا تتمكن الحكومة منه، بأفرادها القليلة بالنسبة إلى الأمة… وعليه فاللازم على المؤسسة الحكومية، التي انتفخت انتفاخاً هائلاً، أن تحول الأمور إلى الناس تدريجاً، وترجع هي إلى حالتها الطبيعية من مزاولة الأعمال الثلاثة الآنفة الذكر.

1 ـ سورة النمل آية 34.