| المؤلفات |
|
((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ)). آل عمران/ 100 أخرج الحافظ جمال الدين، محمد بن يوسف (الحنفي) الزرندي، في كتابه (نظم درر السمطين) (بسنده المذكور) عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلّم): (ما أنزل الله تعالى آية فيها ((يا أيها الذين آمنوا)) إلاّ وعليّ رأسها وأميرها)[1]. (أقول) لا مانع من كون مثل هذه الآية في المؤمنين، وكون علي بن أبي طالب (عليه السلام) أميرهم وشريفهم، وإنْ كان علي لا يحتمل فيه أنْ يكون من الذين يطيعون فريقاً من الذين أوتوا الكتاب، لمكان عصمته الثابتة بالأدلة القطعية الكثيرة. وذلك: لأنّ علياً (عليه السلام) أمير المؤمنين، وشريف المؤمنين، في كونهم مؤمنين، لا في ما يحتمل بحقهم ممّا ليس من الإيمان، كما لا يخفى على من دقّق النظر في الحديث. ونظير ذلك قوله في حق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ) مع العلم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يطلق إمرأة قط. ((وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)). آل عمران/ 101. روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا أبو جعفر (بإسناده المذكور) عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ الله جعل علياً، وزوجته، وأبناءه حجج الله على خلقه، وهم أبواب العلم في أمتي، من اهتدى بهم هُدي إلى صراط مستقيم)[2]. * * * * * وأخرجه الحافظ القندوزي (الحنفي) في ينابيعه أيضاً، بعبارة أخرى ونفس المعنى[3]. (أقول) الأبيات الثلاثة التالية، منسوبة إلى العلاّمة الزمخشري، صاحب تفسير الكشّاف، وغيره، وأستاذ فن البلاغة، العالم المعتزلي المعروف: (كثر
الشــك والخـــلاف فكـــلٌّ***يدّعي الفوز بالصراط السوي) (ولا يخفى) أنَّ ظاهر هذا الحديث النبوي الشريف هو: أنَّ من شروط الاعتصام بالله هو الاهتداء بعلي وأهل البيت كما أنّ من شروطه ـ قبل هذا الشرط ـ هو الاعتراف بنبوّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم). ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ)). آل عمران/ 102. أخرج العلاّمة الهندي، عبيد الله بسمل امرتسري، في كتابه الكبير (أرجح المطالب في عد مناقب أسد الله الغالب، علي بن أبي طالب) عن ابن عباس قال: (ما أنزل ((يا أيها الذين آمنوا)) إلاّ عليّ أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلّم) وما ذكر علياً إلاّ بخير)[5]. (أقول) أمر المؤمنين بتقوى الله مع كون علي (عليه السلام) أميرهم وشريفهم، لا ينافي عصمة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع أنّ كون علي (عليه السلام) أميراً للمؤمنين وشريفهم لا يعني دخوله تحت جميع أحكام المؤمنين. ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)). آل عمران/ 103. روى العلاّمة البحراني، عن صاحب كتاب (المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة) أبي عبد الرحمن، عبد الله بن أحمد بن حنبل (إمام الحنابلة) عن ابن المبارك بن مسرور (بإسناده المذكور)، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: كنّا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إذ جاء أعرابي فقال: يا رسول الله سمعتك تقول (اعتصموا بحبل الله) فما حبل الله الذي نعتصم به؟ فضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يده في يد علي وقال: (تمسَّكوا بهذا فهذا هو الحبل المتين)[6]. * * * * * وروى العلاّمة القمي في (سفينة البحار) عن الزمخشري صاحب التفسير وغيره، بإسناده عن النبي (صلى الله عليه وسلّم) قال: (فاطمة مهجة قلبي، وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والأئمّة من ولدها أُمناء ربي، حبلٌ ممدود بينه وبين خلقه، من اعتصم بهم نجا، ومن تخلّف عنهم هوى)[7]. * * * * * وأخرج كلُّ واحد من عالم الأحناف الحافظ القندوزي، وعالم الحنفية محمد الصبّان المصري، وعالم الشافعية الشبلنجي، وعالم الشافعية ابن حجر الهيثمي، هذا المعنى في أحاديث مختلفة فراجع (ينابيع الموّدة) و (الصواعق)[8] و (إسعاف الراغبين) و (نور الأبصار). وأخرجه غيرهم أيضاً. ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)). آل عمران/ 104. روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا محمد بن علي بن محمد المقري (بإسناده المذكور) عن علي بن أبي طالب قال: قال لي سلمان الفارسي: ما طلعت (أنت) على رسول الله يا أبا حسن وأنا معه، إلاّ ضرب بين كتفي وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): (يا سلمان هذا وحزبه هم المفلحون)[9]. ((يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمةِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)). آل عمران/ 106-107. روى العلاّمة الزمخشري المعتزلي، في تفسير (الكشاف) عند قوله تعالى: ((فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)) قال: وعن أبي أمامة: هم الخوارج (الذين خرجوا بالسيف، على علي بن أبي طالب). ولمّا رآهم (أبو أمامة) على درج دمشق، دمعت عيناه ثم قال: كلاب النّار، هؤلاء شرُّ قتلى تحت أديم السماء. وخير قتلى تحت أديم السماء، الذين قتلهم هؤلاء (وهم أصحاب علي بن أبي طالب). فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك، أم شيء سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: بل سمعت من رسول الله غير مرة[10]. (أقول) ومعنى ذلك: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي قال غير مرة، بأنّ أصحاب علي (عليه السلام) الذين قتلهم الخوارج كانوا هم الذين ابيضت وجوههم، وأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي قال أكثر من مرة إنّ الخوارج هم الذين اسودت وجوههم. * * * * * وأخرج العلاّمة (الشافعي)، محمد بن يوسف بن محمد البلخي، عن عبد الله بن زيد عن أبيه، أنّ النبي (صلى الله عليه وسلّم) قال: (من أحبّ أهل بيتي بورك له في أجله، وأنْ يمنع بها خوله الله. فليخلفني في أهل بيتي خلافة حسنة، فمن لم يخلفني فيهم بتر عمره، وورد عليّ يوم القيامة مسّوداً وجهه[11]. ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ)). آل عمران/ 110. روى العلاّمة البحراني (قده) عن الشيخ المفيد، أنّه روى من طريق العامّة، بإسناده إلى محمد بن السائب، عن الكلبي قال: لمّا قدم الصادق (جعفر بن محمد) إلى العراق، ونزل الحيرة، فدخل عليه أبو حنيفة، وسأله عن مسائل، وكان ممّا سأله أنْ قال له: جُعلت فداك ما الأمر بالمعروف؟ فقال: (المعروف ـ يا أبا حنيفة ـ هو المعروف في أهل السماء، المعروف في أهل الأرض، ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)[12]. (أقول): المقصود بكون علي (عليه السلام) معروفاً أحد معنيين: (الأول): باعتباره المعروف الأتمّ والأكمل. (الثاني): إنّ علياً (عليه السلام) هو المعروف الذي إنْ كان في معتقد المؤمن، نفعه غيره من أنواع المعروف، وإنْ لم يكن في معتقد المؤمن، لم ينفعه كل معروف سواه ـ كما دلّت عليه متواترات الأحاديث عند مختلف طوائف المسلمين ـ فكأنّه المعروف لا غير، لعدم الفائدة في معروف خال عنه. ((ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاس)). آل عمران/ 112. روى العلاّمة البحراني (قده) عن محمد بن إبراهيم النعماني، في كتاب (الغيبة) من طريق النصاب قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن المعمر الطبراني ـ وهو من النصاب ـ (بإسناده المذكور) عن مولى عبد الرحمن بن عوف، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: وفد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أهل اليمن، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): جاءكم أهل اليمن يلبسون لبسيساً، فلمّا دخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال قوم رقيقة قلوبهم، راسخ إيمانهم، منهم المنصور، يخرج في سبعين ألفاً، ينصر خلفي وخلف وصيي حمايل سيوفهم المسك. فقالوا: يا رسول الله ومن وصيُّك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): هو الذي أمركم الله بالاعتصام به، فقال عزّ وجلّ: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)). فقالوا: يا رسول الله بيّن لنا ما هذا الحبل؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): هو قول الله: ((إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاس)). فالحبل من الله كتابه، والحبل من النّاس وصيي. فقالوا: يا رسول الله ومن وصيّك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): هو الذي أنزل الله فيه: ((أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ)). فقالوا: يا رسول الله وما جنب الله هذا؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): هو الذي يقول الله فيه: ((وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً)). هو وصيي السبيل إليَّ من بعدي. فقالوا: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق أرناه، فقد اشتقنا إليه. فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): هو الذي جعله آية للمتوسّمين، فإنْ نظرتم إليه نظر من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، عرفتم أنّه وصيي، كما عرفتم أنّي نبيّكم. فتخللوا الصفوف، وتصفّحوا الوجوه، فمن أهوت إليه قلوبكم فإنّه هو، لأنّ الله جلّ وعزّ يقول في كتابه: ((فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاس تَهْوِي إِلَيْهِمْ)). (يعني) إليه وإلى ذريته. ثم قال: (يعني: جابر بن عبد الله الأنصاري): فقام أبو عامر الأشعري في الأشعريين، وأبو غرة الخولي في الخولانيين، وظبيان وعثمان بن قيس، وعرثة الدوسي في الدوسيين، ولاحق بن علاقة، فتخلّلوا الصفوف وتصفّحوا الوجوه، وأخذوا بيد الأصلع البطين، وقالوا: إلى هذا أهوت أفئدتنا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم). فقال النبي (صلى الله عليه وسلّم): أنتم نخبة الله حين عرفتم وصي رسول الله، قبل أنْ تعرفوه، فبم عرفتم أنه هو؟ فرفعوا أصواتهم يبكون، وقالوا: يا رسول الله نظرنا إلى القوم فلم نبخس، ولمّا رأيناه رجفت قلوبنا، ثم اطمأنت نفوسنا، فانجاست أكبادنا وهملت أعيننا، وتبلجت صدورنا حتى كأنّه لنا أب، ونحن عنده بنون. فقال النبي (صلى الله عليه وسلّم): (وما يعلم تأويله إلاّ الله، والراسخون في العلم). أنتم منه بالمنزلة التي سبقت لكم بها الحسنى. وأنتم من النّار مبعدون. فقال (يعني: جابر): فبقي هؤلاء القوم المسلمون حتى شهدوا مع أمير المؤمنين الجمل، وصفيّن، فقُتلوا بصفيّن ـ رحمهم الله ـ. وكان النبي (صلى الله عليه وسلّم) يبشّرهم بالجنّة، وأخبرهم أنّهم يستشهدون مع علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه)[13]. (أقول) ذكرنا هذه الرواية بطولها ـ على غير عادتنا ـ لما تضمنت من الفضائل، وإنْ كان مقصودنا منها القطعة المتضمنة للآية الكريمة ((إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاس)). ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ)). آل عمران/ 118. أخرج العلاّمة الحنفي، الشيخ محمد الصبّان، في إسعاف الراغبين عن الطبراني، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: ما أنزل الله ((يا أيها الذين آمنوا)) إلاّ وعلي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) في غير مكان، وما ذكر علياً إلاّ بخير[14]. (أقول) هذا الحديث وشبهه معناه: هو أنّ علياً سيّد المؤمنين ورأسهم، بحيث إذا وجه خطاب إلى المؤمنين كان علي أفضلهم وأكملهم، وليس معنى ذلك أنَّ النهي متوجه إليه أيضاً، لكونه محل احتمال ارتكاب المنهي كسائر المؤمنين، ونظير ذلك النواهي ونحوها المتوجهة ـ في القرآن الحكيم ـ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كقوله تعالى: ((لا تقم فيه أبداً)) ((لا تحرّك به لسانك))، ((يا أيها النبي اتقِّ الله)) ونحوها. * * * * * روى العلاّمة السّيوطي في تفسيره (الدّر المنثور في التفسير بالمأثور) عن ابن جرير، وغيره عن أبي الجوزاء قال: (هذه الآية نزلت في الأباضية)[15]. (أقول): (الأباضية) هم قوم من الخوارج، الذين خرجوا بالسيف على علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومعنى نزول الآية فيهم، كونهم من المصاديق الظاهرة لمعناها، أو نزولها واقعاً فيهم، لسبق علم الله بهم وما يصدر منهم، فالخوارج هم بطانة السوء، التي نهى القرآن المؤمنين عن اتخاذهم من دونهم. ((أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ)). آل عمران/ 144. نقل الشيخ عبد العظيم الربيعي، في كتاب (سياسة الحسين) في باب (الأذان ومضامينه العالية) قال: (حدثني بعض المؤلفين بالأسفار، والمنقبين فيها عن الآثار، أنّه رأى كتاباً لا يزال مخطوطاً في (المكتبة الظاهرة العربية) بدمشق، اسمه (السلافة في أمر الخلافة) لصاحبه الشيخ عبد الله المراغي، من أعلام أصحاب السّنة في القرن السابع الهجري، وفيه روايتان، مضمون إحداهما: إنه أذّن الفارسي فرفع الصحابة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنّه زاد في الأذان (أشهد أنّ علياً ولي الله) فجبههم النبيُّ بالتوبيخ والتأنيب اللاذع، وأقرَّ لسلمان هذه الزيادة). ومضمون الأخرى: إنهم سمعوا أبا ذر الغفاري ـ بعد بيعة الغدير ـ يهتف بها في الأذان، فرفعوا ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال لهم: أما وعيتم خطبتي يوم الغدير لعلي بالولاية؟ أما سمعتم قولي في أبي ذر (ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر الغفاري؟). ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): إنكم لمنقلبون بعدي على أعقابكم[16]. (أقول) مقتضى القاعدة هو أن تكون هناك واقعتان، وقصتان، إحداهما لسلمان، والأخرى لأبي ذر، لا أنْ تكون قصة واحدة نقلت باختلاف، وإيمان سلمان وأبي ذر، وشدّة التزامهما بتنفيذ مقاصد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) وحرصهما على صغير أحكام الإسلام وكبيرها تقتضي أنّ كلا منهما باستقلاله نفّذ ذلك. وأمّا قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقراءته للآية الكريمة، فلعلّ المعنى: إنّ شأن نزول هذه الآية ((أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ)) هو الانقلاب على علي بن أبي طالب بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وإنكار خلافته وولايته. * * * * * وروى العلاّمة البحراني (قده) عن إبراهيم بن محمد الحمويني (الشافعي) (بإسناده المذكور) عن عكرمة، عن ابن عباس: إنَّ علياً كان يقول في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ((أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ)) والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه (يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله)) حتى أموت، والله إنّي لأخوه، ووليه، ووارثه، ومن أحقُّ مني؟)[17]. (أقول) هذه الآية أُستثني منها علي بن أبي طالب، وكل من تابع وشايع علياً لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) المتكرّر نقله في مختلف كتب الحديث، البالغ أعلى مراتب التواتر (علي وشيعته هم الفائزون) و (هذا وشيعته هم الفائزون) ونحو هذا المعنى. والمنقلبون على أعقابهم هم غير علي وشيعته، كما روي مستفيضاً وربما متواتراً أيضاً (واللفظ للبخاري) عن أبي هريرة، أنّه كان يحدث أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: (يرد عليّ الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي، فيجلون عن الحوض (أي: يبعدون) فأقول: يا رب أصحابي؟ فيقول (يعني: الله تعالى): إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري)[18]. * * * * * (وأخرج الفقير العيني في مناقبه بسندين عن أبي ذر، وعن علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (علي وليُّ الله)[19]. وأخرج العلاّمة الشوكاني الحافظ، محمد بن علي الصنعاني، بسنده عن بريدة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): (لكل نبي وصي ووارث وإنّ علياً وصيي ووارثي)[20]. ((وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)). آل عمران/ 144. روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: وفي العتيق حدّثنا محمد بن الحسين اللؤلؤي، (بإسناده المذكور) عن حذيفة بن اليمان قال: لما التقوا (يعني: المشركين) مع رسول الله بأُحد، وانهزم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أقبل علي يضرب بسيفه بين يدي رسول الله، مع أبي دجانة الأنصاري حتى كشف المشركين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فأنزل الله ((ولقد كنتم تمنون الموت ـ إلى ـ وسيجزي الله الشاكرين)) علياً وأبا دجانة[21]. ((وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)). آل عمران/ 145. روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي (بإسناده المذكور) عن محمد بن مروان، عن جعفر بن محمد، قال: قال ابن عباس: ولقد شكر الله علياً في موضعين من القرآن: ((وسيجزي الله الشاكرين)). ((وسنجزي الشاكرين)). ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)). آل عمران/ 146. روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) عن محمد بن الحسين (بإسناده المذكور) عن ربيعة بن ناجذ السعدي، عن حذيفة بن اليمان قال: وأنزل تبارك وتعالى (يعني: بشأن علي بن أبي طالب وأبي دجانة الأنصاري): ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)). والكثير عشرة آلاف. ((فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ))[22]. (أقول) بين المعقوفين فراغ في نسخة الأصل، وما وضعناه فيه هو المستفاد من السياق، وعنوان الآية، وما سبق ويأتي قبلها وبعدها. ((ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ)). آل عمران/ 154. روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: قال السبيعي (بإسناده المذكور) عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله (تعالى): ((ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً)) الآية. نزلت في علي بن أبي طالب غشية النعاس يوم أُحد[23]. ((الَّذِينَ اسْتَجابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ)). آل عمران/ 172. روى العلاّمة البحراني (قده) عن ابن شهر آشوب ـ من طريق العامّة ـ قال: ذكر الفلكي المفسّر، عن الكلبي[24]، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن أبي رافع (أنّهما قالا): (أنّها (يعني: هذه الآية) نزلت في علي، وذلك أنّه نادى اليوم الثاني من أُحد في المسلمين فأجابوه، وتقدّم عليٌّ براية المهاجرين في سبعين رجلاً، حتى انتهى إلى (حمراء الأسد) ليرهب العدو، وهي سوق على ثلاثة أميال من المدينة، ثم رجع إلى المدينة)[25]. ((الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاس إِنَّ النّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)). آل عمران/ 173-174. روى العلاّمة البحراني (قده) عن ابن شهر آشوب (قده) من طريق العامّة: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) وجّه علياً ـ في نفر ـ في طلب أبي سفيان، فلقيه أعرابي من خزاعة، فقال: إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم ـ يعني: أبا سفيان وأصحابه ـ فقالوا ـ يعني: علياً وأصحابه ـ: حسبنا الله ونعم الوكيل، فنزلت هذه الآية إلى قوله (تعالى) ذو فضل عظيم)[26]. * * * * * وأخرج قريباً منه علاّمة الأحناف، المير محمد صالح الترمذي في مناقبه[27]. ((فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّار وَأُدْخِلَ الجنّة فَقَدْ فازَ)). آل عمران/ 185. أخرج الحافظ الخطيب (الشافعي) أبو الحسن المعروف، بابن المغازلي في كتابه (مناقب علي بن أبي طالب) بإسناده المذكور، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلّم): (إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنم، لم يجز عليه إلاّ من كان معه كتاب ولاية علي بن أبي طالب)[28]. (أقول) فالذي يزحزح عن النّار، ويجوز الصراط، ويدخل الجنّة، هو الذي يحمل كتاب (ولاية علي بن أبي طالب). * * * * * وروى محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان ـ من طريق العامّة ـ يرفعه إلى أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) (يقول): (إذا كان يوم القيامة أمر الله ملكين يقعدان على الصراط، فلا يجوز أحد إلاّ ببراة أمير المؤمنين، ومن لم تكن له براة أمير المؤمنين، أكبّه الله على منخره في النّار)، قلت: فداك أبي وأمي يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ما معنى براة أمير المؤمنين؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلّم): مكتوب: (لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصي رسول الله)[29]. * * * * * (وقد) روى أصل الحديث جمهرة كبيرة من الحفّاظ والمحدِّثين والمؤرخين. (ومنهم) الخطيب الخوارزمي (الحنفي) في مناقب علي بن أبي طالب[30]. (ومنهم) ابن حجر العسقلاني (الشافعي) في لسان الميزان[31]. (ومنهم) الحافظ (الشافعي) محب الدين الطبري في ذخائره[32] ورياضه[33]. (ومنهم) الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان[34] وحلية الأولياء[35]. (ومنهم) العلاّمة الذهبي في ميزانه[36]. وآخرون... وآخرون... ((وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً)). آل عمران/ 186. روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا أبو محمد، الحسن بن علي الجوهري (بإسناده المذكور) عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله (تعالى): ((وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ)) ـ: نزلت في رسول الله خاصة، وأهل بيته[37]. (أقول) ثبت بمتواتر الروايات، والمئات من الأحاديث الشريفة، أنَّ المقصود من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) علي وفاطمة والحسن والحسين، كما سيأتي عند قوله تعالى: ((إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) الأحزاب/ 33. وقد روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) في كتاب واحد، أكثر من مائة وثلاثين حديثاً هناك، وسنشير إلى بعض منها إنْ شاء الله تعالى. ((ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ)). آل عمران/ 195. روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: قال أبو النضر العياشي (بإسناده المذكور) عن الأصبغ بن نباتة، عن علي في قول الله تعالى: ((ثواباً من عند الله)) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) (أنت الثواب)[38]. ((لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرارِ)). آل عمران/ 198. روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا محمد بن عبد الله، (بإسناده المذكور) عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت علياً يقول: أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بيدي ثم قال: (يا أخي قول الله تعالى: ((ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ)) ((وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرارِ)). (أنت الثواب وشيعتك الأبرار)[39]. ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا)). آل عمران/ 200. روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا أبو محمد، الحسن بن علي الجوهري (بإسناده المذكور) عن ابن عباس في قوله (تعالى): ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا)) أي: أنفسكم، ((وصابروا)) أي في جهاد عدوكم ((ورابطوا)) أي في سبيل الله. نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وعلي، وحمزة بن عبد المطلب)[40]. |
|
[1] نظم درر السمطين/ ص89. [2] شواهد التنزيل/ ج1/ ص58. [3] ينابيع الموّدة/ ص63. [4] سفينة البحار/ ج1/ ص192. [5] أرجح المطالب/ ص51. [6] غاية المرام/ ص242. [7] سفينة البحار/ ج1/ ص193. [8] ينابيع الموّدة/ ص118-119/ الصواعق المحرقة/ ص93. [9] شواهد التنزيل/ ج1/ ص68. [10] تفسير الكشاف/ سورة آل عمران. [11] مناقب البلخي/ ص8. [12] غاية المرام/ ص257-258. [13] غاية المرام/ ص242. [14] إسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار)/ ص161. [15] الدّر المنثور/ ج2/ ص66. [16] سياسة الحسين/ ج2/ ص109. [17] غاية المرام/ ص405-406. [18] صحيح البخاري/ الجزء التاسع. [19] المناقب للعيني/ ص37. [20] العقد الثمين للشوكاني/ ص8. [21] شواهد التنزيل/ ج1/ ص136. [22] شواهد التنزيل/ ج1/ ص136-137. [23] شواهد التنزيل/ ج1/ ص133. [24] هو العالم المعروف محمّد بن السابت، صاحب التفسير المسمّى (بالتسهيل في علوم التنزيل) الذي ننقل عنه أحياناً. [25] غياية المرام/ ص407. [26] غاية المرام/ ص408. [27] المناقب للكشفي/ الباب الأول. [28] المناقب لابن المغازلي/ 242. [29] المناقب المائة/ المنقبة السادسة عشرة/ ص11. [30] المناقب للخوارزمي/ ص253. [31] لسان الميزان/ ج1/ ص51-57. [32] ذخائر العقبى/ ص71. [33] الرياض النضرة/ ج2/ ص177. [34] أخبار أصبهان/ ج1/ ص342. [35] حلية الأولياء/ ج1/ ص341. [36] ميزان الاعتدال/ ج1/ ص28. [37] شواهد التنزيل/ ج1/ ص134. [38] شواهد التنزيل/ ج1/ ص138. [39] شواهد التنزيل/ ج1/ ص138. [40] شواهد التنزيل/ ج1/ ص135. |