الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

((ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم))

(سورة الأعراف: 157)

3

السياسة الحكيمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

كان رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سيداً لساسة العالم، وأكبر سياسي محنك، فهو تلميذ الله تعالى، وأستاذ جبرئيل، وسيد الأنبياء (عليهم السلام) ومعلم البشرية أجمعين.
وسياسته هي التي حيرت العقول، وأشخصت أبصار العالمين..
وبهذه السياسة الحكيمة استطاع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجمع حول الإسلام أكبر عدد ممكن من البشر، في مدة قصيرة أدهشت التاريخ وأنست الأولين والآخرين، وأركعت حكماء العالم لها إجلالا وتقديراً.. مما لا يوجد في تاريخ العالم الطويل مثيل ولا نظير لها.
وهنا نسجل بعض النتف منها كنماذج ومقتطفات، لعل الله تعالى يوفق المسلمين في هذا العصر لانتهاجها، فيستعيدوا بلادهم المغتصبة، وحقوقهم المهدورة، وكرامتهم المهتوكة..
وليسيّروا العالم إلى الأمام، كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بدء الإسلام، وليشجعوا الأديان وغيرهم على اعتناق الإسلام بلهف ورغبة وشوق.

سياسة الاستقامة والصمود

أعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الصمود العظيم في بدء دعوته عندما بعث المشركون عمه أبا طالب ? إليه يستميلونه ويطلبون منه التراجع عن ذلك..
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت»(1).
ثم تابع (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الصمود الجبار بعمله في مختلف المجالات:
فأرادوا قتله عدة مرات، فصمد، قال تعالى: ((وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك))(2).
وقالوا: تركه ربه وقلاه، فصمد حتى أنزل الله تعالى فيه: ((والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى))(3).
واستهزؤوا به، فصمد حتى أنزل الله تعالى عليه: ((إنا كفيناك المستهزئين))(4).
ونسبوه إلى الجنون، فصمد حتى أنزل الله تعالى فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم * ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون))(5).
ونسبوه إلى الشعر، فصمد حتى أنزل الله تعالى فيه: ((وما علمناه الشعر وما ينبغي لـه إن هو إلا ذكر وقرآن مبين))(6).
ونسبوه إلى الكذب، فصمد فأنزل الله عليه: ((يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين))(7).
ونسبوه إلى الكهانة، فصمد فأنزل الله سبحانه فيه قرآناً: ((فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن))(8).
ومكروا به، فصمد وأنزل الله عليه: ((ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين))(9).
وقالوا أساطير الأولين، فصمد وأنزل عز من قائل في ذلك: ((قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض))(10).
وكذبه المنافقون، فصمد فأنزل الله تعالى: ((إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار))(11).
وحادوه وشاكسوه، فصمد حتى أنزل الله تعالى: ((إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين))(12).
وشجوا جبهته الكريمة، فصمد حتى أنزل الله سبحانه: ((والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم))(13).
ورموه بالحراب، فصمد حتى أنزل الله عز من قائل: ((إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة))(14).
كله صمود..
وصمود.. وصمود.

سياسة الشجاعة

وضرب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) المثل الأعلى في سياسته الشجاعة التي لاتعرف الجبن والتقاعس.
فهذا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وهو الشجاع الذي لم، ولا، ولن يشق لـه غبار، الذي قال: «والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها»(15).
يقول: «كنا إذا اشتد البأس وحمي الوطيس، اتقينا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولذنا به»(16).
وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام): «كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه»(17).
وعنه (عليه السلام) أيضاً: «لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأساً»(18).
والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في معركة حنين فر عنه معظم أصحابه، وجعل المشركون يقتربون من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يريدون الوصول إليه وقتله، وكان يدافع عنه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في ذلك الموقف الرهيب..
في مثل هذا المأزق الذي انهزم فيه الشجعان خاض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الساحة بشجاعة فائقة وهو يقول:
«أنا النبي لا كذب.. أنا ابن عبد المطلب»(19).
وقد أنزل الله تعالى في ذلك آيات عديدة من القرآن الكريم، منها قوله سبحانه: ((إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون))(20).
والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي قال في شجاعته عمران بن حصين كلمته المعروفة:
«ما لقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتيبة إلا كان أول من يضرب»(21).
وقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المقدم في كل فزع ونائبة ورعب.
فكان ذلك يبعث الشجاعة في المسلمين، فإن إقدام القائد الشجاع يجعل القاعدة شجاعة ذات إقدام وصمود.
روى الشيخ الطبرسي في (مكارم الأخلاق) عن أنس بن مالك أنه قال: «كان في المدينة فزع فركب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرساً لأبي طلحة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما رأينا من شيء وإن وجدناه لبحراً»(22).
وفي رواية أخرى عن أنس قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أشجع الناس، وأحسن الناس، وأجود الناس، قال: قد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق الناس قبل الصوت. قال: فتلقاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سبقهم وهو يقول: لم تراعوا، وهو على فرس لأبي طلحة وفي عنقه السيف..
قال: فجعل يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) للناس: لم تراعوا وجدناه بحراً أو إنه لبحر»(23).
(البحر) لـه معان، والمناسب منها لما نحن فيه هو: الفرس الواسع الجريء الذي فسر به في كتب اللغة(24).
وبذلك فسر هذا الحديث الشريف في صحاح اللغة(25).
والذي يستفاد من ذلك: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان دائم الحذر، ودائم الانتباه لكل ما يحدث أو يجري حوله بحيث يكون هو أول من يصل مكان الحادث، ويأتي المسلمون فيصلون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك المكان، وهذه هي السياسة الشجاعة التي قلما يذكر التاريخ لـه نظراء في القادة والساسة.
وليس على قادة المسلمين من أتباع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أن يتخذوا مثل ذلك شعارهم الذي يعرفون به حتى يكون المسلمون باطمئنان في وصولهم إلى الغاية في مسيرتهم السياسية الطويلة والشائكة.
فالأمم ترمق إلى قادتها، وتتبلور في حياتها السياسية بأسلوب قادتها، فالقادة الشجعان تربي الأمة الشجاعة، والعكس بالعكس.

سياسة العفو العظيم

ما أعظم عفو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الأعداء؟
فقد مثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عفو الإسلام خير تمثيل.
وأفهم الجميع أن الإسلام جاء يريد الخير للجميع، لأوليائه وأعدائه جميعاً، وليس ديناً يحقد على أحد، وليست بعض ممارساته الصارمة نابعة عن القسوة، أو الحنق، وإنما هي نابعة عن روح تعميم العدالة على الجميع، وإليك أمثلة على ذلك.

مع غورث بن الحارث

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نائماً في وقت الضحى ـ نوم القيلولة ـ في بعض غزواته في ظل شجرة، وحده بعيداً عن أصحابه، وكانوا هم أيضاً قائلون..
فجاءه (غورث بن الحارث) ووقف على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مصلتاً سيفه رافعاً يده على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصاح به:
من يمنعك مني يا أبا القاسم؟
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): الله.
فسقط السيف من يده، فبدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السيف وأخذه ورفعه على غورث قائلاً له:
يا غورث من يمنعك مني الآن؟
فقال: عفوك، وكن خير آخذ.
فتركه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعفا عنه.
فجاء إلى قومه وقال لهم: «والله جئتكم من عند خير الناس»(26).
فهل يذكر التاريخ عن العظماء مثل هذه القصة.
عدو في طريق الحرب، مصلتاً سيفه، يريد قتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشراسة ووقاحة، وتسلب قدرته من دون اختياره، فيملك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) السيف.. ثم يعفو عنه؟
إنه عفو الإسلام الذي تجسد في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

اللهم اهد قومي

اشتد أذى المشركين للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد إذ قتل عمه حمزة، ومثّل بجسده الشريف، وقطع كبده وأصابع يديه ورجليه، وجدع أنفه، وصلموا أذنيه.. وفُعل به ما فعل، وقتل العشرات من المسلمين..
فتقدم بعض الصحابة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واقترح عليه أن يدعو على المشركين ليعذبهم الله بعذاب من عنده، كما كان يعذب المشركين الأولين بدعوة أنبيائهم عليهم..
لكنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسياسة العفو العظيمة، فامتنع من ذلك وقال: «إني لم أبعث لعاناً، ولكن بعثت داعياً ورحمة».
«اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»(27).

عفوه عن الأعرابي

جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والبرد على كتفيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فجذب الأعرابي أطراف الرداء جذابة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه وهو يقول بخشونة بالغة:
يا محمد، احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لاتحمل لي من مالك ولا من مال أبيك..
فسكت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هنيئة ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): المال مال الله وأنا عبده..
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي؟
قال: لا؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ولم؟
قال: لأنك تعفو، وتصفح، ولا تكافئ بالسيئة السيئة.
فضحك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحمل لـه على بعير شعير وعلى الآخر تمر(28).
وبمثل هذا العفو جمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس حول الإسلام واستقطب مختلف الفئات وأصحاب العديد من الأديان والمبادئ.

فأنتم الطلقاء

ومن عظيم عفوه (صلى الله عليه وآله وسلم) معاملته مع أهل مكة.
أهل الشرك والكفر..
أهل الجحود والعصبية..
أهل الفساد والظلم..
أهل القسوة والغلظة..
الذين قتلوا أصحابه، وأنصاره، وأقرباءه في عشرات الحروب.
والذين أخرجوه (صلى الله عليه وآله وسلم) من مسقط رأسه الشريف وبلد الله وبلد آبائه، ومحل عبادته نصف قرن.
والذين عذبوا المهاجرين بأنواع التعذيب، وقتلوا العديد منهم.
والذين تآمروا على قتله (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة مرات وكلها باءت بالفشل.
والذين مارسوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنصاره كل أنواع المظالم والفضاضة..
هؤلاء.. جاءهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاتحاً منتصراً عليهم..
أترى ماذا كان يفعل إنسان آخر لو كان في موقع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
إنه بلا شك كان يقيم مجزرة رهيبة..
فالموجودون هم الظالمون بأنفسهم لا أبناؤهم.
أبو سفيان.. وهند، وأضرابهما من الرجال والنساء.
ولكن في فتح مكة عندما حمل الراية سعد بن عبادة وجعل يرفل في طرقات مكة ويهز الراية وينادي:
«اليوم يوم الملحمة» «اليوم تسبى الحرمة»(29).
يقصد بذلك: إننا سنكثر من القتل في أهل مكة حتى تتراكم جثث ولحوم القتلى بعضها على بعض، وإلى جنب بعض، وسنسبي نساء مكة سبي الكفار المحاربين.
وكان أهل مكة يتوقعون مثل هذا الصنيع من مثل هذا الجيش المطرود أفراده من مكة سنوات طوال، والمعذب من قبل أهل مكة هؤلاء، والمهدور حرماتهم وأموالهم وكراماتهم من قبل هؤلاء أنفسهم.
ولو كان أهل مكة هم بمكان الجيش الإسلامي، وكانوا هم المنتصرين على المسلمين لصنعوا بهم أسوء من هذا الصنيع..
وبالفعل كان قد سبق أهل مكة إلى (الملحمة) (وسبي الحرمة) قصاصاً منهم قبل الجناية، فكيف بأهل مكة لو كان لهم حق القصاص في ذلك.
أكيداً كان أهل مكة يبيدون المسلمين لو كانوا بمكان المسلمين، وكانت القضية معاكسة..
لكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الرحمة، رسول العفو، رسول الإنسانية، رسول الإسلام.. أبى ذلك أشد الإباء.
بل بالعكس سجل نقطة مشرفة في تاريخ الإسلام والإنسانية، فأمر الصحابي المنادي بالقفول..
وأمر أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) بحمل الراية وأن يدخل مكة برفق وهدوء وأن ينادي في أهل مكة بلين ولطف بعكس ذلك النداء.
ونادى علي (عليه السلام) في طرقات مكة: ـ وهو يكرر النداء ـ:
«اليوم يوم المرحمة» «اليوم تصان الحرمة».
ثم جمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل مكة، فنادى فيهم: ما تقولون إني فاعل بكم؟
قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أقول لكم كما قال أخي يوسف (عليه السلام) ((لا تثريب عليكم))(30).
ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيها الناس: من قال لا إله إلا الله فهو آمن»..
«ومن دخل الكعبة فهو آمن»..
«ومن أغلق بابه وكف يده فهو آمن»..
«ومن ألقى سلاحه فهو آمن»..
«ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»..
«ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن»(31).
عفوه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أبي سفيان
لما دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة المكرمة وجاءه أبو سفيان وكل أصابعه العشر تقطر من دماء أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه..
وملئ قلبه الحقد والحنق على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإسلام.
وملئ عينيه الشر والدمار. ولم يكن أي إنسان في موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ويواجه مثل (أبي سفيان) شيخ المؤامرات والفساد بأقسى مواجهة وينكل به أشد تنكيل.. لكن صنيع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بالعكس..
فعفا عنه، وصفح وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في رفق ولطف له: «أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله»؟
فقال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك، وأوصلك، وأحلمك(32).

وعن اليهودية

روى الشيخ الكليني (رضي الله عنه) في الكافي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أتي باليهودية التي سمت الشاة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لها: ما حملك على ما صنعت؟
فقالت: قلت إن كان نبياً لم يضره، وإن كان ملكاً أرحت الناس منه.
قال (عليه السلام): فعفا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها»(33).
أترى أي ملك، أو رئيس يعفو عن شخص أقدم على مثل هذا الجرم؟
هل تجد لهذه القصة في غير الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) مثيلاً؟
كلا..
ثم كلا..
إنها النبوة.
إنها الارتباط الوثيق بالخالق.
إنه العفو الذي بلغ منتهاه.
وبالتالي: إنه الإسلام جامع كل الفضائل والخصال الحميدة في أقصى أقصاها..
وأي رئيس إسلامي يكون على خط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسوف يكون هكذا.
وأمثلة العفو من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة.. وكثيرة جداً، وإحصاؤها يستدعي مجلداً خاصاً.
سياسة إكرام الوفود
وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مضرب المثل في إكرامه للوفود التي تدخل عليه من القبائل والعشائر، وحتى من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين، فيكرمهم ويحترمهم..
ذكر في التاريخ: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرحب بالوفود بشخصه، ويوسع لرؤسائهم في المجالس، ويجلس إليهم، ويؤنسهم في الحديث، ويتلقاهم بالبشر وطلاقة الوجه، ويكلمهم باللين والرفق واللطف، ويسألهم عن أهاليهم وبلادهم، ويدعو لهم، ويغير الأسماء غير الجميلة منهم إلى أسماء حسنة، ويحلم عن جاهلهم، ويعفو عن مسيئهم.
ويطلق الأسرى منهم عندما يدخل وفد ويطلب ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويرجعهم إلى أهاليهم.
وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قدم الوفد أحسن ثيابه وأمر أصحابه بذلك احتراماً لهم.
وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يمنحهم الجوائز، والأرزاق، والملابس، ونحوها.
وبكلمة مختصرة: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحيد في التاريخ الذي يفعل هذه الأفاعيل في مثل تلك الظروف القاسية الصعبة.
وهذه الممارسات الكريمة كانت تحمل الكثيرة منهم على اعتناق الإسلام، وترك مذاهبهم الباطلة وعبادة الأوثان والأديان المنحرفة.
وقد سجل التاريخ الكثير من ذلك، ونحن نقتطف بعضاً منها كنماذج في اختصار وإيجاز(34):

1: وفد مزينة

جاءوا إلى المدينة، ودخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعددهم أربعمائة رجل، فمنحهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الجوائز، وأكرمهم بهذه الجملة، قال لهم: «أنتم مهاجرون حيث كنتم، فارجعوا إلى أموالكم».
فرجعوا إلى بلادهم، وجعلوا يدعون بقية قومهم إلى الإسلام.

2: وفد جهينة

أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلموا عليه، فآواهم، ومنحهم جوائز وسألهم من أنتم؟
قالوا: بنو غيلان.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بل أنتم بنو رشدان.
وكان اسم واديهم (غوى) فسماه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (رشدا).
وخط لهم مسجدهم.
فرجعوا إلى بيوتهم وهم يدعون إلى الإسلام.

3: وفد أشجع

جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأكرمهم ووادعهم، وأضافهم، فأسلموا على إثر ذلك، وكانوا بضع مئات، فرجعوا وهم مئات من الداعية الصامدة.

4: وفد ثعلبة

أنزلهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالضيافة، وأعطاهم الجوائز، فرجعوا منه فرحين راضين داعين إلى الله تعالى.

5: وفد تميم

جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وساطة لفك أسراهم الذين أسرهم جيش المسلمين في الحروب الإسلامية مع الكفار، فدخلوا المدينة وأتوا خلف دار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في بيته: فصاحوا ـ وهم أكثر من ثمانين رجلاً من رؤساء تميم ـ: يا محمد أخرج إلينا، فنزل قولـه تعالى: ((إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لايعقلون))(35).
فأكرمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واحترمهم، ورد عليهم أسراهم، ومنحهم الجوائز بعد ما أضافهم. فرجعوا دعاة إلى الله والإسلام.

6: وفد فزارة

أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم بضعة عشرة رجلاً، فرحب بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأضافهم، وأكرمهم. وكانوا في جدب، فسألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الدعاء لهم، وشكوا إليه قلة المياه، فدعا لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واستجاب الله دعاءه، فأتتهم السماء بماء منهمر، فسقوا أيّ سقي.

7: وفد محارب

كانوا عشرة نفر جاءوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأسلموا، وأكرمهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنحهم الجوائز، فتكفلوا لـه (صلى الله عليه وآله وسلم) إسلام من ورائهم من أقربائهم.

8: وفد كلاب

ثلاثة عشر رجلاً، جاءوا مسلمين، وسلّموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسلام الإسلام: (السلام عليكم)، فأكرمهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورحب بهم، وأعطاهم الجوائز.

9: وفد عقيل بن كعب

سبعة نفر، وقد أسلموا، وأغدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم العطاء والهبات، فرجعوا راضين مرضيين دعاة إلى الإسلام لقومهم ولغير قومهم.

10: وفد بني البكاء

جاءوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمر لهم بمنزل، وضيافة، ومنحهم الجوائز، ودعا لهم بالخير والبركة.
فرجعوا من عنده (صلى الله عليه وآله وسلم) موفورين، مرضيين، يدعون الناس إلى عالي خلق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفضائله.

11: وفد سليم

جاء أحدهم ـ أولاً ـ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واسمه قيس بن نسيبة، فسمع كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورأى خلقه الكريم، وانجذب إلى فضائله ولطفه، فأسلم ورجع إلى قومه داعية إلى الله، فقام فيهم خطيباً وقال:
«قد سمعت ترجمة الروم، وهيمنة فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام البلغاء، فما يشبه كلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً من كلامهم».
وركز في الدعوة، وبالغ في تشجيع قومه إلى الإسلام، وجعل يحملهم على الإسلام واحداً بعد آخر، زرافات ووحداناً.
حتى جاء عام الفتح ومعه سبعمائة، بين من أسلموا على يدي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين من جددوا إسلامهم عنده (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن جميل ما حفظه التاريخ لبني سليم:
إن (راشدا) من بني سليم كان سادناً وحافظاً لصنم من أصنام بني سليم وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمرهم على عادته بكسر الأصنام، فرأى راشد ثعلباً ذكراً
ـ ويقال لـه الثعلبان ـ يبول على رأس الصنم، فأنشد هذا البيت:
أرب يبول الثعلبان برأسه
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم شد (راشد) إلى الصنم فكسره.
وجاء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)..
فقال لـه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما اسمك؟
قال: غاوي بن عبد العزى.
فقال لـه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): بل أنت راشد بن عبد ربه.
فأسلم الرجل لما لقي من خلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمع من لذيذ كلامه وقرآنه، ورجع يدعو الآخرين إلى الإسلام.

12: وفد عامر بن صعصعة

أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلموا عليه، فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من أنتم؟
قالوا: بنو عامر بن صعصعة.
فرحب بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمرهم بكسر الأصنام، وعبادة الله الواحد الأحد، وعلّمهم بعض فرائض الاسلام، وأكرمهم، وأعزهم.
فرجعوا إلى قومهم مسلمين داعين إلى الإسلام.

13: وفد عبد القيس

كتب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أهل البحرين أن يقدم عليه عشرون رجلاً منهم.
فقدموا، فأعزهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأكرمهم، وأضافهم فترة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «نعم القوم قوم عبد القيس بن ربيعة، اللهم اغفر لعبد القيس».
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لرئيسهم عبد الله: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة».
وعلّمهم من القرآن، وأحكام الإسلام، والآداب وفضائل الأخلاق، ومنحهم الجوائز، وودّعهم.
فرجعوا دعاة إلى الله والإسلام.

14: وفد تغلب

وردوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم مسلمون وفيهم نصارى، فأكرمهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) جميعاً، وتلقاهم بالبشر وطلاقة الوجه، وكانت النصارى قد علقوا عليهم صلبان الذهب.
فصالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) النصارى على الجزية.
وأجاز المسلمين بجوائز ومنح.
فرجعوا جميعاً يذكرون أخلاق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفضائله لأقوامهم.

15: وفد بني حنيفة

وفدوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم غير مسلمين، ورأوا أخلاق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإكرامه لهم، وتواضعه وهديه، ومنحهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المنح والهدايا والجوائز، وعلّمهم بعض أحكام الإسلام، وشرائع الدين، والفضائل والآداب، فرجعوا مسلمين ودعاة إلى الإسلام.

16: وفد طيء

جاءوا إلى المدينة ودخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورأوا حسن لقائه بهم، وأثر كلامه وفعاله فيهم، فأسلموا جميعاً وأكرمهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمر بإضافتهم، ومنحهم الجوائز، فرجعوا موفورين.

17: وفد نجيب

وردوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسلمين لما سمعوا عنه وبلغهم من صدقه وأمانته ومعجزاته، فأكرمهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: «مرحباً بكم».
وأمر بلالاً أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم.

18: وفد سعد هذيم

جاءوا المدينة مشركين، ورأوا أخلاق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الفاضلة، ومداراته الحسنة لهم، وإكرامه لهم، وإعزازه، فأسلموا جميعاً، وبايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الطاعة في كل أمر ونهي، في السلم والحرب، والمال والأهل والأولاد.
ثم جعل (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم أميراً يوجههم إلى طاعة الله ويحكم فيهم بحكم الله تعالى.
وجعلهم رسله إلى قومهم يدعونهم إلى الإسلام.
فعملوا، وما مضى شيء حتى أسلم قومهم على أيدي هذا الوفد.

19: وفد بلى

جاءوا المدينة وهم كفار، ودخلوا على ابن قومهم (رويفع بن ثابت البلوي) الذي سبق أن كان قد أسلم، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإضافتهم، وإكرامهم.
ثم جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأسلموا لما رأوا من عظيم خلقه وجميل عشيرته، وتفقهوا في الدين وتعلّموا بعض أحكام الإسلام ومعالم الحلال والحرام. ثم منحهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الجوائز والهبات، فرجعوا إلى قومهم موفورين داعين إلى الله تعالى، ودخل بسببهم في الإسلام الكثير من قومهم.

20: وفد بهراء من اليمن

دخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجذبتهم أخلاقه الكريمة وطيب مخالطته، فأسلموا كلهم، وتعلموا بعض الفرائض، ولما قفلوا راجعين إلى قومهم، منحهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الجوائز ووهب لهم الهبات، وجعلهم رسله إلى قومهم، ففعلوا، وأسلم كثير منهم على أيديهم.

21: وفد الأزد

أتوا المدينة، ودخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أسلموا كلهم، وكان فيما قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم: «مرحباً بكم أحسن الناس وجوهاً، وأصدقه لقاءً، وأطيبه كلاماً، وأعظمه أمانة».
وجعل شعارهم مبروراً، ومنحهم الهدايا والجوائز، فرجعوا موفورين داعين قومهم إلى الإسلام.

22: وفد همدان

دخلوا عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فشجعهم بهذه الكلمات:
«نعم الحي همدان، ما أسرعها إلى النصر، وأصبرها على الجهد».
وأكرمهم وأمر بضيافتهم، ومنحهم الجوائز. فأسلموا جميعاً، ورجعوا إلى بلادهم دعاة إلى الإسلام وإلى رسول الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم).

23: وفد غامد

دخلوا المدينة وهم كفار، وكانت الوفود بها عديدة، فنزلوا بـ (بقيع الغرقد) مقبرة أهل المدينة، ثم لبسوا جميل ثيابهم وتطهروا وانطلقوا إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما لقوا منه الإكرام والإعزاز، وحسن الاستقبال منهم ولين العريكة، أسلموا وتعلموا شيئاً من القرآن.
فلما أرادوا الرجوع أجازهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الجوائز، ومنح لهم الهدايا، فعادوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإسلام.

24: وفد النخع

الذي منهم مالك الأشتر النخعي، جاءوا من اليمن ودخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الجملة:
«اللهم بارك بالنخع».
فرأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجميل معاملته، فأسلموا، وأسلموا عن قومهم باعتبارهم وكلاء ونواباً عنهم، فأجازهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعطاهم الهدايا، فرجعوا إلى قومهم.
وبعد مدة، وفد من قومهم مائتا رجل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مقرين بالإسلام، خاضعين لأحكامه.
فزاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إكرامهم واحترامهم ودعا لهم بالخير.

25: وفد الرهاويين

وهم حي من مذحج، دخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونظروا إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وجميل محياه، وجميل منطقه، وجميل عمله، وجميل معاملته معهم، فأسلموا كلّهم، وتعلموا بعض سور القرآن، وأهدوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هدايا، وأهدى لهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هدايا، ورجعوا إلى قومهم دعاة إلى الإسلام.

26: وفد حضرموت

دخلوا المدينة ووردوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم ملوك حضرموت، ورئيسهم (وائل بن حجر الحضرمي) قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): جئت راغباً في الإسلام والهجرة.
فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينادي في المسلمين: «الصلاة جامعة».
احتفاءً بالوفد، وإكراماً لهم، ودعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لـه ولهم، واجتمع المسلمون في المسجد، وتلقوا الوفد بالبشر والتحية والاحترام الكثير.
ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بضيافتهم، وإعطائهم الجوائز، والإغداق عليهم، بعد أن أطاب لهم الكلام، وأطاب لهم المجلس، وأطاب لهم الصنيع، فأسلموا كلهم وودعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورجعوا إلى أقوامهم يدعونهم إلى الإسلام.

27: وفد كندة

جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واحتفى بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمر المسلمين بالاحتفاء بهم، وإكرامهم. فأضافهم المسلمون وزادوا في احترامهم.
ثم منحوهم العطايا والهبات.
فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم دعاة إلى الله.

28: وفد أسلم

جاءوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أسلموا، قائلين: «آمنا بالله ورسوله».
فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أسلم سالمها الله».
وكتب لهم كتاباً في بيان الصدقة وبعض الفرائض، ومنحهم الجوائز وأغدق عليهم العطاء، فرجعوا إلى قومهم دعاة إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأسلم بسببهم كثير من قومهم.

29: وفد جيشان

جاءوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأكرمهم وعظمهم، وأمر المسلمين باستقبالهم وإضافتهم، ففعلوا، وأسلموا على يدي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وصلّوا معه، ثم رجعوا إلى حيهم دعاة إلى الله.
***
هذه كانت نماذج من الوفود التي وفدت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعض صنيع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بهم، وسياسته الجامعة معهم، وجلبهم إلى الإسلام وإلى الله، وتأليف قلوبهم. وهناك المئات.. والمئات من الوفود التي كانت تفد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيعاملهم بمثل هذه المعاملات الحسنة.
وبهذه السياسة الحكيمة، والسياسة الاستيعابية، وسياسة جمع المتفرقات، وسياسة الإغضاء عن السيئات، وسياسة إظهار الحسنات.. استطاع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يربي من أولئك الناس الذي سماهم الله تعالى وسماهم التاريخ بـ(الجاهلية) إيغالاً منهم في الجهل المركب..
جهل في كل الوجوه، ومن جميع الجهات والجوانب.
جهل في التربية، وجهل في المعرفة، وجهل في المعلومات، وجهل في القراءة والكتابة، وجهل في المعاشرة، وجهل في السقي والرعي، وجهل في السلم والحرب.. وبالتالي جهل في كل شيء.. وفي كل شيء..
استطاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبهذه السياسة الرشيدة أن يخلق منهم أمة عظيمة بهرت التاريخ، وحيرت العقلاء.
حتى إن الله تعالى الذي وصفهم قبل الإسلام بـ(الجاهلية)(36) عاد فوصفهم بعد الإسلام بـ (خير أمة) حيث يقول في القرآن الحكيم: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس))(37).
وهكذا يجب على المسلمين أن تكون معاملتهم ومعاشرتهم في هذا العصر الذي فتح الكفر أفواهه من كل جانب لابتلاع الإسلام والمسلمين، وهضمهم، وإبادتهم..
فتكون سياسة المسلمين سياسة الاحتواء والجمع والإغضاء والتشجيع، حتى يعود المسلمون قوة قاهرة لا يمكن قهرها، بإذن الله تعالى.

سياسة الوفاء

سياسة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) التي هي بمعناها الصحيح: إدارة البلاد والعباد كما يحب الله تعالى ويرضاه كانت مبتنية أيضاً على الوفاء بالوعد، والالتزام بالقول، والوفاء الخلقي.
وقد ذكر المؤرخون الكثير من القصص الرائعة في ذلك، نذكر عدداً منها كنماذج:

انتظار ثلاث ليال

في مكة المكرمة، وقبل البعثة تواعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع شخص أن ينتظره حتى يجيء ذلك الشخص، فراح الرجل، ونسي وعده، وترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يترقبه ثلاث ليال في المكان نفسه.
وبعد ثلاث جاء الفتى ليجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يزال في انتظاره بمكانه(38).

صديقة خديجة (عليها السلام)

ذكروا: أنه كانت لخديجة أم المؤمنين (عليها السلام) امرأة صديقة لها حين تركها أقرباؤها ونساؤها وقريش كلهم، فكانت تتعاهد خديجة وتأتيها، وتؤنسها من الوحدة.
فلما توفيت خديجة (عليها السلام) كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يرسل بالهدايا إلى تلك المرأة وفاءً لها، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
«إنها كانت تحب خديجة، إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان»(39).

وفد النجاشي

وذكروا: أنه جاء وفد من قبل النجاشي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأضافهم، وأكرمهم، واحترمهم..
وقام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يحضر لهم بعض الحاجات بنفسه الكريمة.
فقال لـه بعض الأصحاب: نحن نكفيك ذلك.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافئهم(40).

مع أبويه من الرضاعة

وذكروا: أنه وفد إليه أبواه من الرضاعة، وأخوه من الرضاعة، فضم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أخاه من الرضاعة إليه وأكرمه واحترمه، وفرش ثوبه لأبويه، ووصلهم بالهدايا، ومنح لهم المنح، وكذلك فعل(صلى الله عليه وآله وسلم) بأخته من الرضاعة (الشيماء)(41).

عود مع الأنصار

ولما فتح الله تعالى لرسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة المكرمة لم يبق فيها ويترك الأنصار يعودون إلى المدينة لوحدهم، فيكون قد شاركهم مادام في العسرة فإذا تم الفتح تركهم..
بل أمّر على مكة بعض أصحابه، وقفل راجعاً إلى المدينة بصحبة الأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، وآووه ونصروه.
بالرغم من أن مكة كانت مسقط رأسه الشريف، وبلده الذي قضى فيه أكثر من خمسين عاماً، وبلد آبائه، وفيها الكعبة، وأضرحة آبائه وأجداده وآثارهم، وآثار الأنبياء السابقين من آدم، ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل (عليهم الصلاة والسلام) وغيرهم. كل ذلك وفاءً للأنصار.
وقال: «اليوم بر ووفاء».
ثم توجه إلى الأنصار قائلا: «المحيا محياكم، والممات مماتكم»(42).
وهذا هو الفريد من نوعه في تاريخ العظماء والقادة والثوار، فإنهم إذا أخرجوا من ديارهم نتيجة الثورة فإذا قضوا على الزمرة الظالمة عادوا إلى ديارهم، إلا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يعد إلى مكة المكرمة ليبقى فيها.
بل رجع إلى المدينة المنورة مع الأنصار، وبقي فيها حتى توفاه الله تعالى والتحق بالرفيق الأعلى، ولم يسكن في مكة المكرمة، ولم يبت فيها ليلة واحدة.

سياسة الرحمة الشاملة

وقد ضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الرقم الأول في التاريخ كله في الرحمة بما
لا مثيل لها في تاريخ أي عظيم وقائد.
وفيما يلي نذكر أمثلة كنماذج من ألوف أمثالها المذكورة في كتب التاريخ:

مع الأعرابي

وفد أعرابي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلب منه شيئاً، فأعطاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: أحسنت إليك؟
قال الأعرابي: لا، ولا أجملت.
وذلك في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبمحضر من أصحابه المهاجرين والأنصار، فغضب المسلمون، وشق عليهم تحمل هذه القسوة من الأعرابي، فقام إليه بعض الصحابة ليوبخه ويؤنبه.
فأشار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم: أن كفوا.
ثم قام (صلى الله عليه وآله وسلم) ودخل منزله وأرسل إليه وزاده، ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لـه: أأحسنت إليك؟
قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، فودع الأعرابي وخرج.
ثم توجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أصحابه قائلاً: «مثلي ومثل هذا، مثل رجل لـه ناقة شردت عليه، فأتبعها الناس، فلم يزدها إلا نفوراً، فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها منكم وأعلم. فتوجه إليها ووقف بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها حتى جاءت واستناخت، وشد رجلها واستوى عليها. وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار»(43).
يا لها من رحمة عظيمة، لا تجد نظيرها في غير تاريخ الرسالة أو الولاية.

رحمة بقومه

لما كذَّب المشركون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآذوه، وبصقوا في وجهه الكريم، وداسوا عنقه، وقاطعوه، وقتلوا أصحابه، وعذبوهم، وشردوهم، وتتبعوهم تحت كل حجر ومدر..
وفعلوا ما فعلوا به (صلى الله عليه وآله وسلم) طوال السنين الصعاب..
حينذاك نزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) جبرئيل (عليه السلام) من عند الله تعالى قائلاً:
«إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم».
فناداه (صلى الله عليه وآله وسلم) ملك الجبال وسلّم عليه وقال: «مرني بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين».
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولايشرك به شيئاً»(44).

تخفيف الصلاة

كان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا صلى لوحده أطال في صلاته وأكثر في أذكار الركوع والسجود، وقراءة القرآن، والتسبيح والتحميد، والتهليل والتكبير..
وإذا صلى جماعة خفف فيها. حتى ورد في الحديث الشريف: «أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أخف صلاة إذا صلى جماعة، وأطول صلاة إذا صلى لوحده»(45).
وذكروا: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخفف من صلاته رحمة بالأطفال الذين يأتون المسجد مع أمهاتهم(46).

قصر الموعظة

وذكروا: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقصر من مواعظه خشية السآمة على أصحابه، فلا يكثر عليهم المواعظ، وإذا وعظ لم يطل فيها، بل يقلل، وفي القليل يقصر(47).
نعم كان قد يطول أحياناً حسب المقام الداعي إلى التطويل.

لولا أن أشق

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يلاحظ أن لا يشق على المسلمين بفعل أو بقول، وقد ورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في موارد عديدة:
«لولا أن أشق على أمتي…»(48).
«لولا قومك حديثو عهد بالإسلام…»(49).
ونحو ذلك.

وإسعاف المرأة

أخرج الشيخ الصدوق (رضي الله عنه) عن الإمام أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى في بعض طريقه جارية قاعدة تبكي.
فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):ما شأنك؟
فقالت: يا رسول الله إن أهلي أعطوني أربعة دراهم لأشتري لهم بها حاجة، فضاعت، فلا أجرأ أن أرجع إليهم.
فأعطاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة دراهم، وقال: ارجعي إلى أهلك.
ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم رجع وإذا بالجارية قاعدة على الطريق تبكي.
فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما لك لا تأتين أهلك؟
قالت: يا رسول الله إني أبطأت عليهم وأخاف أن يضربوني.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مري بين يدي ودليني على أهلك.
فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى وقف على باب دارهم ثم قال: السلام عليكم يا أهل الدار.
… قالوا: عليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤذوها.
فقالوا: هي حرة لممشاك(50).
أترى أي زعيم يتصدى بنفسه لمثل هذه الحاجات الصغيرة لرعاياه، إلا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أو من كان على وتيرته.

الرحمة بالحيوانات

وعمت رحمته (صلى الله عليه وآله وسلم) كل شيء حتى الحيوانات، فكان يوصي بها.
وقد أثر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) الكثير في ذلك، ومنه ما يلي:
«إن الله كتب الإحسان على كل شيء».
«فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة».
«وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة»(51).
«وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته»(52).

سياسة العطاء للصديق والعدو

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضرب المثل في العطاء والكرم والجود، حتى قيل عنه:
إنه يعطي عطاء من لا يخاف الفقر.
فكان يعطي للمهاجرين.
ويعطي للأنصار.
ويعطي لأهل المدينة.
ويعطي لأهل القرى والأرياف.
ويعطي للمسلمين.
ويعطي للمنافقين.
ويعطي للكفار أيضاً، تأليفاً لقلوبهم وردعاً لهم عن المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين.
وقد حفظ التاريخ للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عطايا فريدة في بابها لأعدائه وأعداء الإسلام أمثال أبي سفيان وأولاده، ومن لف لفهم.
فقد ورد في الخبر: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أجزل العطاء من غنائم حنين حتى لأعداء الإسلام، أبي سفيان، وابنه معاوية، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وهمام أخي سهيل، ومالك بن عوف، وعلقمة بن علاءة، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يعطي الواحد منهم مائة من الإبل ورعاتها، وأكثر من ذلك وأقل(53).
وجاء في (إعلام الورى)(54) وفي (السيرة النبوية)(55) لابن هشام:
«ثم رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الجعرانة بمن معه من الناس، وقسم بها ما أصاب من الغنائم يوم حنين في المؤلفة قلوبهم من قريش ومن سائر العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيئاً قليلاً ولا كثيراً.
قيل: إنه جعل للأنصار شيئاً يسيراً وأعطى الجمهور للمنافقين.
قال محمد بن إسحاق: وأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير.
ومعاوية ابنه مائة بعير.
وحكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزى مائة بعير.
وأعطى نصير بن حارث بن كلدة مائة بعير.
وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة مائة بعير.
وأعطى الحارث بن هشام من بني مخزوم مائة.
وجبير بن مطعم من بني نوفل بن عبد مناف مائة.
ومالك بن عوف النصرى مائة.
وأعطى علقمة بن علاءة مائة.
والأقرع بن حابس مائة.
وعيينة بن حصن مائة.
وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير.
وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مائة بعير.
وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير.
وأعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دون المائة رجالاً من قريش، منهم:
مخرمة بن نوفل الزهري.
وعمير بن وهب الجمحي.
وهشام بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي.
وأعطى (صلى الله عليه وآله وسلم) سعيد بن يربوع بن عنكشة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل، وأعطى السهمي خمسين من الإبل(56).
ثم ذكروا:
إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى آخرين من المؤلفة قلوبهم ورؤوس الشرك عند إسلامهم تأليفاً لهم ولأقوامهم، ولسائر قريش من أهل مكة، وهكذا أعطى آخرين من القبائل العربية، ذكر ابن هشام في سيرته منهم من يلي:
طليق بن سفيان بن أمية.
وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد الدار.
وأبو السنابل بن بعكك بن الحارث بن عميلة.
وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف.
وزهير بن أبي أمية بن المغيرة.
وخالد بن هشام بن المغيرة.
وهشام بن الوليد بن المغيرة.
وسفيان بن عبد الأسد.
والسائب بن أبي السائب بن عائذ.
ومطيع بن الأسود بن حارثة.
وأبو جهم بن حذيفة بن غانم.
وأحيحة بن أمية بن خلف.
وعمير بن وهب بن خلف.
وعدي بن قيس بن حذافة.
وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث.
ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر.
وعلقمة بن علاءة بن عوف.
ولبيد بن ربيعة بن كلاب.
وخالد بن هوذة بن ربيعة.
وعباس بن مرداس بن أبي عامر(57).
وهذا نموذج واحد من سياسة العطاء التي كان يمارسها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أيام تأسيس الحكومة الإسلامية الأولى على وجه الأرض.
ولعل هذا فريد من نوعه في تاريخ البشر عامة من أوله إلى آخره.
فإن البعير الواحد ذلك اليوم كان يعد ثروة للإنسان، تماماً مثل من يملك اليوم سيارة فخمة أو نحوها، بل وأكثر من ذلك.. فالبعير الواحد كان بمثابة سيارة، كما كان يؤكل لحمه، ويشرب لبنه، ويلبس وبره.
مثل ما لو أعطى شخص هذا اليوم لكل واحد من رؤساء المعارضة بعد خضوعهم وبعد قدرته عليهم مائة سيارة أو خمسين، ونحو ذلك.
فهل يجد التاريخ لهذا نظيراً؟
هذه السياسة الإسلامية في تأليف الأعداء، وأقوام الأعداء، وأتباع الأعداء .. يجب أن يتبعها كل من يسير على خط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويريد تركيز الإسلام على وجه الأرض، بالحب والكلمة الطيبة، كما كان يفعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لابالعنف والسيف كما يفعله الاستعمار اليوم.
درعه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرهونة
ومن جزيل عطائه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما حفظ التاريخ عنه، أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) عند ما مات كانت درعه مرهونة على نفقة أهله.
فقد روي في (قرب الأسناد) عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه أبي جعفر الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال:
«إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يورث درهماً ولا ديناراً، ولا عبداً ولا وليدة، ولا شاة ولا بعيراً، ولقد قبض (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن درعه مرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً شعيراً استلفها نفقه لأهله»(58).
وروى الشيخ الطبرسي (صلى الله عليه وآله وسلم) في (مكارم الأخلاق) عن ابن عباس أنه قال: «إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) توفي ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود على ثلاثين صاعاً من شعير أخذها رزقاً لعياله»(59).
كل صاع ثلاث كيلوات تقريباً.
وسواء كانت السلفة عشرين صاعاً، أو ثلاثين صاعاً، أي ما يعادل تقريباً لستين أو تسعين كيلواً من الشعير يستلفها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر حياته ويرهن عليها درعه، هذا من أعاجيب التاريخ:
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يعطي المائة من الإبل، والمائة والمائة لأعدائه..
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي خضعت لـه الدنيا!
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي جرت المليارات من الأموال على يديه.

يموت ودرعه مرهونة على شعير لطعام عائلته.

إنه كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يعطي كل ما يحصل لـه من أنعام، وذهب، وفضة، وطعام.. وغير ذلك، حتى لا يجد ما ينفقه على عياله..
ثم لا يجد ما يشتري به النفقة البسيطة لعياله.
كيلوات من الشعير لا يجدها ولا يجد ما يشتريها به.
ثم لا يجد ما يرهنه على سلفة كيلوات شعير، من لباس، وأثاث، وبضاعة حتى يضطر إلى رهن درعه.
أليس هذا من أعجب الأعاجيب في التاريخ.
فليقتد برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القادة من المسلمين.
فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أسوة حسنة لهم بنص القرآن الحكيم: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً))(60).

مات (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مديون

«الدين همّ بالليل وذل بالنهار»(61).
هذا واحد من تصريحات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
لكن هذا هو الدَين الذي يستدينه الإنسان لشهواته.
وهناك دَين آخر هو عز بالليل، وفخر بالنهار.
وهو الدَين للإسلام والمسلمين.
ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرغم مما كان يجبى إليه من الغنائم والهدايا بالملايين والملايين، مع ذلك كان مديوناً غالباً، وكثيراً ما كان يستدين لهذا وذاك.
وقد مات (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث مات وكان مديوناً.
قال الصادق (عليه السلام): «مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه دين»(62).
حتى إن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) جعل أناساً ينادون في أيام الحج في الشوارع والطرقات ويعلنون للناس بحثاً عن ديون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليؤديها…
إذ كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أوصى إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)
ـ فيما أوصاه وعهد إليه ـ أن يقضي ديونه، فإنه قال(صلى الله عليه وآله وسلم):
«علي مني وأنا منه ولا يقضي عني ديني إلا أنا أو علي»(63).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «علي بن أبي طالب ينجز عداتي ويقضي دَيني»(64).
قال قتادة: «بلغنا أن علياً? نادى ثلاثة أعوام بالموسم: من كان لـه على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دَين فليأتنا نقضي عنه»(65).
وقال بعضهم: ودين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما كان عداته وهي ثمانون ألف درهم
فأداها(66).
أقول: هذا الاجتهاد تأباه التصريحات الكثيرة التي عطفت العدات بالواو على الديون، أو بالعكس «ديوني وعداتي» أو «عداتي وديوني».
أضف إلى ذلك: تغيير التعبير في حديث واحد، بـ(ينجز) و(يقضي) الذي استفيض نقله.
مع إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مديوناً لصوع من الشعير التي رهن درعه عليها.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على جزيل عطائه (صلى الله عليه وآله وسلم) وجوده الغريب والفريد. فليتأس بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قادة المسلمين، وينتهجوا منهاجه ويسيروا على سيرته.

وعلي (عليه السلام) قتل وهو مديون

وتأسى برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصيه وخليفته الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
فقد حفظ التاريخ عنه أنه (عليه السلام) لما استشهد..
كانت ممتلكاته: سبعمائة درهم.
وكانت ديونه: ثمانمائة ألف درهم.
انظر إلى بعض نصوص التاريخ في ذلك:
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) عن ابن شهر آشوب في (المناقب) قال:
إن أبا بكر مات وله من المال نيف وأربعون ألف درهم.
وعمر مات وخلف نيفاً وثمانين ألف درهم.
وعثمان مات وخلف من المال ما لا يحصى كثرة.
وعلي(عليه السلام) مات وما ترك إلا سبعمائة درهم فضلت عن عطائه أعدها لخادم(67).
وأخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) عن السيد ابن طاووس في كتاب (كشف المحجة) بسنده عن أبي جعفر الإمام محمد الباقر (عليه السلام) قال: «قبض علي(عليه السلام)، وعليه دين ثمانمائة ألف درهم».
فباع الحسن(عليه السلام) ضيعة لـه بخمسمائة ألف درهم فقضاها عنه. وباع لـه ضيعة أخرى بثلاثمائة ألف درهم فقضاها عنه. وذلك أنه لم يكن يذر من الخمس شيئاً.
وكانت تنوبه نوائب(68).
هذا هو المثال الصحيح لإمام المسلمين.
ولم كانت هذه الديون؟
وفيم كانت تصرف؟
إنها لحاجات المسلمين، ومساكينهم، وأيتامهم، وأراملهم، وضعفائهم..
وإلا فعلي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي لم يكن يملك للبسه سوى قطعتين فقط في الشتاء والصيف، قطعة يتزر بها، وقطعة أخرى يرتدي بها.
والذي لم يكن أكله سوى خبز الشعير والملح، أو اللبن.
ماذا يحوجه أن يقترض لشخصه ونفسه.
هذا الذي تفتخر به أمة الإسلام من إمام، وقائد، وزعيم.
والحسن (عليه السلام) والحسين (عليه السلام) مديونان
واقتدى الإمام الحسن والإمام الحسين ( بجدهما وأبيهما: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث صرفا كل ما بأيديهما من الأموال في أمور الإسلام وحاجات المسلمين، ولم يفارقا الدنيا إلا عن ديون.
اقرأ النصوص التالية:
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) عن الكافي أنه روى بسنده عن الصادق(عليه السلام) قال: «مات الحسن (عليه السلام) وعليه دَين، وقتل الحسين (عليه السلام) وعليه دين»(69).
وروى السيد ابن طاووس (رضي الله عنه) عن أبي جعفر الإمام الباقر (عليه السلام) قال:
«إن الحسين (عليه السلام) قتل وعليه دين، وإن علي بن الحسين باع ضيعة لـه بثلاثمائة ألف ليقضي دين الحسين (عليه السلام) وعدات كانت عليه»(70).
وفي حديث آخر: «همّ علي بن الحسين (عليه السلام) بدين أبيه حتى قضاه الله»(71).
وفي حديث آخر أيضاً عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام):
«قد مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه دين، وقد مات علي (عليه السلام) وعليه دين، ومات الحسن (عليه السلام) وعليه دين، وقتل الحسين (عليه السلام) وعليه دين»(72).

التلاحم مع الأمة للتربية

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتولى تربية أفراد الأمة بنفسه غالباً، ومهما سنحت الفرص، فيندمج معهم في الحديث، ويخوض حيثما خاضوا، ويصحح ما أخطأوا إمعاناً في جلب قلوبهم إلى الله ورسوله، وتعميقاً في هدايتهم إلى سبيل الله والرشاد.
وقد ورد ذلك في القرآن الحكيم في العديد من الآيات، مثل قوله سبحانه:
((لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين))(73).
وقال تعالى: ((هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال
مبين))(74).
وقال عز من قائل ـ نقلاً عن دعاء إبراهيم الخليل (عليه السلام) ـ : ((ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم))(75).
وقال تعالى: ((كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون))(76).
وكان في حديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) مع المسلمين يندمج معهم كاملاً اندماج المعلّم العطوف المربي الذي يحب أن يصعد بنفسيتهم وثقافتهم وتربيتهم.
اقرأ المقاطع التالية من التاريخ والواردة في الحديث الشريف.

يكرر (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثاً

أ ـ روي عن ابن عباس أنه قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا حدث الحديث أو سأل عن الأمر، كرره ثلاثاً ليفهم ويفهم عنه)(77).
ولعل معنى الخبر: لكي يفهم المخاطبين، ولكي عند ما ينقل عنه الحديث لاينقل خطأ أو سهواً أمر آخر.
ويظهر من هذا الخبر أن التكرار كانت عادته (صلى الله عليه وآله وسلم) الغالبة على كلماته الشريفة.
أي معلم أو مرب أو مرشد يفعل مثل ذلك؟
إنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل من تعلّم في مدرسته.

يخوض (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يحدثون

ب ـ وروي عن زيد بن ثابت أنه قال:
(إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كنا إذا جلسنا إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) إن أخذنا بحديث في ذكر الآخرة أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الدنيا أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم))(78).
الدنيا، والطعام، والشراب، هي التي لا يفكر فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إطلاقاً وأبداً، ولكنه لكي يستبقي على عواطف المسلمين، ولكي لا ينفروا منه كان يدخل في الحديث معهم في الدنيا، والطعام، والشراب.

يكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بوسادته

ج ـ وروي عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) أنه قال:
(دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو متكئ على وسادة، فألقاها إليّ، ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم): يا سلمان ما من مسلم دخل على أخيه المسلم فيلقي لـه الوسادة إكراماً لـه إلا غفر الله له)(79).
ووسادته التي اتكأ هو (صلى الله عليه وآله وسلم) عليها يلقيها إلى سلمان (رضوان الله عليه) تعميقاً في التلاحم بين القائد والقاعدة وتعليماً للمسلمين لكي يمارسوا هذا التلاحم في كل الأبعاد وكافة المجالات.

رمى (صلى الله عليه وآله وسلم) ثوبه إليه

د ـ وروي عن جرير بن عبد الله قال:
(إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل بعض بيوته فامتلأ البيت(80)، ودخل جرير فقعد خارج البيت فأبصره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذ ثوبه فلفه فرمى به إليه وقال: اجلس على هذا، فأخذه جرير فوضعه على وجهه فقبّله)(81).
فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يرمي بثوبه إلى واحد من المسلمين لكي يجلس عليه ولايجلس على التراب تعميماً لوحدة أسلوب المعيشة بين القاعدة وبين قائدها.
يجلس (صلى الله عليه وآله وسلم) على التراب
هـ ـ وعن ابن عباس قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير)(82).
وهذا تنفيذ عملي لوحدة الحياة والمعيشة في المستوى الواحد بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين المرسل إليهم، إذ كان عدد من المسلمين لا يجدون ـ آنذاك ـ غير التراب يجلسون عليه، أو يأكلون عليه.

لا يعرف (صلى الله عليه وآله وسلم) في مجلسه

و ـ وعن أبي ذر أنه قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل)(83).

لست بملك

ز ـ وعن ابن مسعود أنه قال: (أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل يكلمه فأرعد، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هوّن عليك، فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القد)(84).
القد: هو القديد، وهو اللحم المجفف في الشمس.
يعني: أنا واحد مثلكم في معاشرتي الشخصية، فأمي امرأة غير مترفعة عن الناس في مأكلها، فهي كانت تأكل القد كما يأكل الجميع القد.

ويركب (صلى الله عليه وآله وسلم) الحمار

ح ـ وروي عن أنس بن مالك قال:
(كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، وكان يوم خيبر ويوم قريظة والنضير على حمار مخطوم بحبل من ليف، تحته إكاف من ليف)(85).

يبدأ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسلام

ط ـ وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا مر على جماعة بدأهم بالسلام، حتى قال بعض أصحابه: إنه كلما أراد أن يبدأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسلام إذا التقى به فإذا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يسبقه ويسلّم عليه(86).

ويعفو (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الأعرابي

ي ـ وروي عن أنس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أدركه أعرابي فأخذ بردائه، فجبذه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال له: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك.
فالتفت إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فضحك وأمر لـه بعطاء(87).

مجلسه (صلى الله عليه وآله وسلم) حلقة

يا ـ روي عن أنس بن مالك خادم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
(كنا إذا أتينا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جلسنا حلقة)(88).
هذا الخلق الرفيع الذي لا يدع المجلس صدراً وذيلاً، ولا تهان كرامة أحد في المجلس لا عند الناس، ولا عند نفسه، فكل جالس في مثل هذا المجلس الدائري هو المبتدأ به، وهو الأخير، وهو الوسط.. هو الذي اتخذه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لسياسة جلساته مع المسلمين..
وقد تعلم العالم هذا الخلق عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما سار التمدن فيه أكثر من عشرة قرون.
ولذلك تجد مجالس البرلمان، ومجالس الوزراء، ومجالس الساسة ـ في كثير من بلدان العالم اليوم ـ دائرية.
والحديث عن خلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في معاشرته مع الأفراد طويل.. وطويل.. لاتأتي عليه هذه الصفحات.
ولكنا نكتفي بهذه النماذج لكي يتبعه القادة الإسلاميون في عصورنا فيعكسوا هذه الصورة الجميلة عن الإسلام وعن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيجلبوا الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة في ظل الإسلام الجميل.. الجميل..

وإنك لعلى خلق عظيم

وفي آخر هذا الفصل نذكر خبراً مروياً عن ربيب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن فتح عينيه عند الولادة في وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يفتحهما في وجه أحد قبله.
ومن غمض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عينيه في آخر لحظات حياته الكريمة في حجره ولم يغمضهما في حجر غيره، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فهو الأعرف برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال:
«ما صافح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحداً قط فنزع (صلى الله عليه وآله وسلم) يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده.
وما فاوضه أحد قط في حاجة أو حديث فانصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف.
وما نازعه أحد الحديث فيسكت حتى يكون هو الذي يسكت.
وما رئي مقدماً رجله بين يدي جليس لـه قط.
ولا خيّر لـه بين أمرين إلا أخذ بأشدهما.
وما انتصر لنفسه من مظلمة حتى ينتهك محارم الله فيكون حينئذ غضبه لله تبارك وتعالى.
وما أكل متكئاً قط حتى فارق الدنيا.
وما سئل شيئاً قط فقال: لا.
وما رد سائل حاجة قط إلا بها أو بميسور من القول.
وكان أخف الناس صلاة في تمام.
وكان أقصر الناس خطبة وأقلهم هذراً.
وكان يعرف بالريح الطيب إذا أقبل.
وكان إذا أكل مع القوم كان أول من يبدأ وآخر من يرفع يده.
وكان إذا أكل أكل مما يليه فإذا كان الرطب والتمر جالت يده.
وإذا شرب شرب ثلاثة أنفاس.
وكان يمص الماء مصاً ولا يعبه عباً.
وكان يمينه لطعامه وشرابه وأخذه وإعطائه.
فكان لا يأخذ إلا بيمينه ولا يعطي إلا بيمينه.
وكان شماله لما سوى ذلك من بدنه.
وكان يحب التيمن في كل أموره، في لبسه وتنعله وترجله.
وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا تكلم تكلم وتراً، وإذا استأذن استأذن ثلاثاً.
وكان كلامه فصلاً يتبينه كل من سمعه.
وإذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه.
وإذا رأيته قلت: أفلج الثنيتين وليس بأفلج.
وكان نظره اللحظ بعينه.
وكان لا يكلم أحداً بشيء يكرهه.
وكان إذا مشى كأنما ينحط من صبب.
وكان يقول: إن خياركم أحسنكم أخلاقاً.
وكان لا يذم ذواقاً ولا يمدحه، ولا يتنازع أصحابه الحديث عنده.
وكان المحدث عنه يقول: لم أر بعيني مثله قبله ولا بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) »(89).
أقول: هذا الحديث الشريف بحاجة ماسة إلى شرح طويل، أما ضيق مجالنا في هذا الكتاب يحملنا على ترك شرحه إلى فرصة أخرى..
ولكن هذا لا يمنعنا عن الإشارة ـ في هذا المجال ـ إلى أن من الضروري الأكيد لأي قائد سياسي إسلامي أن يتحلى بأكبر وأكثر ما يمكن من الخلق الرفيع والمعاملة العطوفة المحببة مع الناس لكي يجلبهم إلى حظيرة الإسلام، أو يبقيهم في الإسلام، فإن أفضل وأسهل وأسرع وأعمق العوامل لزرع المحبة في القلوب هي الأخلاق الفاضلة والمعاملة الإنسانية العطوفة مع الناس.
فإن ذلك من أعظم السياسة في إدارة الناس.

سياسته (صلى الله عليه وآله وسلم) في المجالات الأخرى

كل تاريخ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سياسة وحكمة، في مختلف أبعادها ووجوهها..
فسياسته (صلى الله عليه وآله وسلم) في جمع العساكر وسوق الجيش إلى الحرب..
وسياسته (صلى الله عليه وآله وسلم) في كيفية الجمع بين القوة في الحرب وسرعة الانتصار وبين عدم الخروج عن إطار الإسلام والإنسانية.
وسياسته في معاملة الجرحى، والمعاقين، وأسرهم، وذويهم، ويتامى المقتولين، وأراملهم.
وسياسته في القضاء وفصل الخصومات بين أصحابه وكيفية التوفيق بين الفصل العادل، والقضاء الصحيح، وبين إبقاء الناس على حبهم لله والرسول وفي إطار الإسلام.
وسياسته في جمع المال من الأغنياء، وأصحاب التجارات والمزارع، والمواشي وغيرها، في الأخذ منهم، وإبقائهم على حبهم للإسلام ولله تعالى والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وسياسته في توزيع الأموال بنسب مختلفة على المسلمين والمنافقين، بل والمشركين من المؤلفة قلوبهم، في شتى المناسبات.
وسياسته في مجالسته مع المسلمين، ومع المنافقين، والحديث معهم، وحفظه على الوقار والتواضع، والجمع بين ذلك كله.
وسياسته في دعوته لأقربائه، وللعشائر والقبائل، ولليهود والنصارى، للدخول في الإسلام، وكيفية الجمع بين الفقراء والأغنياء، والمستكبرين والمستضعفين، والآباء والأولاد، والرجال والنساء، استدراجاً لهم إلى الإيمان.
وسياسته في إظهار المعجزات، وكيف؟ ومتى؟ ولمن؟ بحيث يبقي على المسلمين، ويدخل الكفار في الإسلام، وفي نفس الوقت لايكون كل فعل منه معجزة يعجز عنها الناس حتى يمكن اتخاذه أسوة ولا تبطل حكمة الله تعالى في بعث الرسل.
وسياسته في الجمع بين اللين والقوة، حتى لا يكون ليناً في ضعف،
ولا متواضعاً في ذل، ولا قوة في خشونة، ولا شدة في عنف وغلظة.
وسياسته في الجمع بين صراحة الحق، وحياء الإسلام، فلا صراحة تطرد الناس، ولا حياء يحمل الطامعين على استغلاله للعب بالإسلام.
وسياسته في الهجرة، وكيفيتها، وزمانها وطريقها، وأسلوبها، التي جمعت كل خير في ذاك اليوم ولمستقبل الإسلام حتى اليوم.
وسياسته في دعوته رؤساء الدنيا، والملوك إلى الإسلام، وأسلوبه، واختيار المبعوثين فيها، ووصاياه لهم.
وسياسته مع زوجاته، وتقسيم أوقاته، بينهن والجمع بين مهامه العظيمة، ومسؤولية الرسالة، وبين إرضاء زوجاته على اختلافهن في العمر، والقومية، واللسان، والشكل، والعادات.
وسياسته في تأسيس المساجد فوراً في أرجاء شبه الجزيرة العربية كلما سنحت له (صلى الله عليه وآله وسلم) فرصة ليكون مجمعاً للمسلمين ومركزاً لانطلاق الدعوة، والحرب والقضاء، وجمع المال، وتوزيعه، وغير ذلك من مزاولة سياسة البلاد والعباد.
وسياسته في إبقاء جناحين متقابلين حولـه باسم (المهاجرين) و(الأنصار) وتأييد كل منهما في مناسبة وأخرى، وتشجيع كل منهما بالآخر، قولاً وعملاً.
وهكذا دواليك كل ما في سيرته الوضاءة، وتاريخه العظيم، فهي سياسة عظيمة وحكيمة حيرت عقلاء العالم في كل مكان وزمان.
كيف لا وهذه السياسات كلها بأمر الله تعالى خالق كل شيء والعالم بالأسرار، وهو القائل عز من قائل عن نبيه الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): ((وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى))(90).
فسياسة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي حكم الله تعالى، وحكم الله عزوجل هو أفضل وأجمع وأحكم سياسة لأنه الخالق العالم بكل شيء والقادر على كل شيء.
هذا غيض من فيض، ورشف من بحر، وقليل من كثير، في سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسياسته فيها وتعميقه إياها طيلة تاريخه الحافل بالمكرمات.
نسجل هذا لكي لا يتصدى لتعريف الإسلام من يجهل الإسلام.
وينقطع الطريق على الذين يشوهون بأقلامهم الإسلام.
وتبرأ ساحة الإسلام الناصعة من كل ما يمارس باسم الإسلام في أكثر البلاد الإسلامية ـ في هذا العصر ـ مما الإسلام منه براء.
فالإسلام يؤخذ من سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام). ويعرف من خلال تاريخ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام). ويفسر بممارسات محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) وكفى!
من هذا العرض الوجيز يستطيع القارئ أن يعرف: كيف أن الإسلام والسياسة الصحيحة رضيعاً لبن. وكيف أن أحدهما يفسر بالآخر.
فالسياسة الصحيحة هي الإسلام.
والإسلام هو السياسة الصحيحة.
فلا سياسة صحيحة إلا في الإسلام.
ولا إسلام إلا مع السياسة الصحيحة.
وغير هذا الكلام باطل، ينقضه القرآن الحكيم، والسنة المطهرة، وسيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتاريخ أهل بيته الأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام).
(1) راجع تفسير القمي: ج2 ص228 تفسير سورة ص، وراجع شرح نهج البلاغة: ج14 ص54 ف1.
(2) سورة الأنفال: 30.
(3) سورة الضحى: 1 ـ 3.
(4) سورة الحجر: 95.
(5) سورة القلم: 1-2.
(6) سورة يس: 69.
(7) سورة يس: 1ـ 3.
(8) سورة الطور: 29.
(9) سورة الأنفال: 30.
(10) سورة الفرقان: 6.
(11) سورة النساء: 145.
(12) سورة المجادلة: 20.
(13) سورة التوبة: 61.
(14) سورة الأحزاب: 57.
(15) نهج البلاغة، الرسائل: 45 ومن كتاب لـه (عليه السلام) إلى عامله عثمان بن حنيف الأنصاري، وكان عامله على البصرة.
(16) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج13 ص279 القول في إسلام أبي بكر وعلي وخصائص كل منهما.
(17) نهج البلاغة، غريب كلامه: 9.
(18) بحار الأنوار: ج16 ص232 ب9 في شجاعته.
(19) المناقب: ج1 ص211 فصل في غزواته (صلى الله عليه وآله وسلم).
(20) سورة آل عمران: 153.
(21) عيون الأثر: ج2 ص422 ذكر جمل من أخلاقه.
(22) مكارم الأخلاق: ص18-19 ب1 ف2 في شجاعته (صلى الله عليه وآله وسلم).
(23) مكارم الأخلاق: ص19 ب1 ف2 في شجاعته (صلى الله عليه وآله وسلم).
(24) المصباح المنير: ص50.
(25) مادة (بحر).
(26) راجع بحار الأنوار: ج20 ص175 ب15.
(27) سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للطباطبائي: ص413.
وراجع أيضاً: المناقب: ج1 ص192 وفيه دعائه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الدعاء الإنساني في معركة أحد، والمناقب: ج1 ص215 وفيه دعائه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعاء المذكور عند تعرضه لأشد الأذى من قبل جبابرة قريش أبي جهل وأضرابه، وكذا دعائه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الفتح.
(28) راجع مكارم الأخلاق: ص17 ب1 ف2 في تواضعه وحيائه (صلى الله عليه وآله وسلم).
(29) بحار الأنوار: ج21 ص105 ب26.
(30) سورة يوسف: 92.
(31) راجع بحار الأنوار: ج21 ص104 ب26، ودار أبي سفيان كانت بأعلى مكة ودار حكيم بن حزام كانت بأسفل مكة، وهما من رؤوس الشرك أسلما يوم فتح مكة.
(32) إعلام الورى: ص108 الركن الأول ب4 في ذكر مغازي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه.
(33) الكافي: ج2 ص108 باب العفو ح9.
(34) للتفصيل راجع كتاب (محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والمرسلين والأنبياء) وكتاب (بحار الأنوار: ج12).
(35) سورة الحجرات: 4.
(36) قال تعالى: ((أفحكم الجاهلية يبغون)) سورة المائدة: 50، وقال سبحانه: ((تبرج الجاهلية الأولى)) سورة الأحزاب:33، وقال تعالى: ((حمية الجاهلية)) سورة الفتح:26.
(37) سورة آل عمران: 110.
(38) راجع مكارم الأخلاق: ص21 ب1 ف2 في الرفق بأمته(صلى الله عليه وآله وسلم).
(39) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج18 ص108.
(40) راجع السيرة النبوية لابن كثير: ج2 ص21.
(41) راجع البداية والنهاية: ص4 ص418.
(42) راجع السنن الكبرى للبيهقي: ج9 ص117 باب فتح مكة.
(43) راجع الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض: ج1 ص124.
(44) راجع العمدة: ص335-336 ف36 في فنون شتى ح561.
(45) راجع دعائم الإسلام: ج1 ص152.
(46) راجع مكارم الأخلاق: ص24 ب1 ف2 في جمل من أحواله وأخلاقه (صلى الله عليه وآله وسلم).
(47) راجع مكارم الأخلاق: ص24 ب1 ف2 في جمل من أحواله وأخلاقه (صلى الله عليه وآله وسلم).
(48) غوالي اللآلي: ج1 ص45 ف4 ح61، وج2 ص21 المسلك الرابع ح43.
(49) العمدة: ص317 ح532.
(50) راجع الخصال: ص490-491 أبواب الاثني عشر ح69.
(51) بحار الأنوار: ج62 ص315 باب8 ح7.
(52) بحار الأنوار: ج62 ص315-316 ب8 ضمن ح7.
(53) راجع سفينة البحار: ج1 ص28 باب الألف بعد اللام، والإرشاد: ج1 ص145.
(54) إعلام الورى: ص118 الركن الأول ب4.
(55) السيرة النبوية لابن هشام: ج4 ص101.
(56) السيرة النبوية: ج4 ص102.
(57) السيرة النبوية: ج4 ص104، والإرشاد: ج1 ص146.
(58) قرب الأسناد: ص44.
(59) مكارم الأخلاق: ص25 ب1 ف2 في جمل من أحواله وأخلاقه (صلى الله عليه وآله وسلم).
(60) سورة الأحزاب: 21.
(61) غوالي اللآلي: ج2 ص256 ب2 باب الدين ح1.
(62) المحاسن: ج2 ص319 كتاب العلل ح46.
(63) المناقب: ج2 ص132 فصل في الاستنابة والولاية.
(64) بحار الأنوار: ج40 ص76 ب91 ضمن ح113.
(65) المناقب: ج2 ص132 فصل في الاستنابة والولاية.
(66) بحار الأنوار: ج38 ص74 ب60.
(67) بحار الأنوار: ج40 ص319 ب98 ح3.
(68) بحار الأنوار: ج40 ص338-239 ب98 ح23.
(69) بحار الأنوار: ج43 ص321 ب13 ح5.
(70) وسائل الشيعة: ج18 ص322-323 ب2 ح23768.
(71) راجع مستدرك الوسائل: ج13 ص392 ب4 ح15696.
(72) راجع من لا يحضره الفقيه: ج3 ص182 باب الدين والقرض ح3683.
(73) سورة آل عمران: 164.
(74) سورة الجمعة: 2.
(75) سورة البقرة: 129.
(76) سورة البقرة: 151.
(77) مكارم الأخلاق: ص20، وبحار الأنوار: ج16 ص233 باب9 ح35.
(78) مكارم الأخلاق: ص21.
(79) مكارم الأخلاق: ص21.
(80) يعني: لم يبق مجال لشخص آخر لازدحام البيت بالمسلمين أو ببعض عوائله.
(81) بحار الأنوار: ج16 ص235 ب9 في الرفق بأمته.
(82) وسائل الشيعة: ج12 ص108-109 ب75 ح15780.
(83) بحار الأنوار: ج16 ص229 ب9 ضمن ح35.
(84) مكارم الأخلاق: ص16 ب1 ف2 في تواضعه وحيائه (صلى الله عليه وآله وسلم).
(85) مستدرك الوسائل: ج8 ص268 ب13 ح9417.
(86) راجع بحار الأنوار: ج22 ص34 ب37.
(87) مكارم الأخلاق: ص17 ب1 ف2 في تواضعه وحيائه (صلى الله عليه وآله وسلم).
(88) بحار الأنوار: ج16 ص236 ب9 في مشيه (صلى الله عليه وآله وسلم).
(89) مكارم الأخلاق: ص23 ب1 ف2 في جمل من أحواله وأخلاقه (صلى الله عليه وآله وسلم).
(90) سورة النجم: 3 ـ 5.