((ولكم في القصاص حياة))
سورة البقرة: 179
9
سياسة الإسلام في مكافحة الجرائم
|
وقد قام الإسلام بمكافحة الجرائم والجنايات، بأسلوب
لم تحلم به الدول كلها حتى وبعد الإسلام! فهو يجعل ـ بقوانينه الراشدة
ـ من الناس أمة طاهرة لا تأتي بجناية!!
ولو نظرت إلى الدولة الإسلامية الكبيرة، منذ البعثة
النبوية العظمى حتى مضي قرنين من مفتحتها، والتي كانت شاسعة جداً،
لرأيت التاريخ يسجل سرقات قليلة في هذه الدولة الواسعة، بينما ترى
أميركا ـ اليوم ـ (وهي تدعي لنفسها أنها من الدول الحضارية الفائقة في
حضارتها) تستنجد بالعالم في كيفية مكافحة هذا الخطر المحدق لخلاصها من
ستة ملايين لص، في ظرف خمسة وعشرين عاماً، فما النسبة؟.
مائتان من السنوات، دولة كبيرة جداً، وسرقات قليلة
جداً.
مع ربع قرن، ودولة كأميركا، وستة ملايين لص(1).
ونشر في الآونة الأخيرة في بعض الجرائد تقرير مرعب عن
نسبة الجرائم في أميركا المعاصرة المتحضرة كما يلي:
في أميركا يقع كل عام:
1: سبعة عشر ألف ومائتان وثمانون جريمة قتل.
2: سبعة وسبعون ألفاً وسبعمائة وستون جريمة اغتصاب
فتاة،أو ولد أو امرأة.
3: واحد وخمسون ألفاً وثمانمائة وأربعون جريمة سرقة
بمختلف أشكالها، من سرقة بنوك، ومحلات تجارية، وبيوت، وأفراد، وغيرها.
وذلك يعني: أن في كل ساعة تمضي على أميركا، يقع فيها
أكثر من سبعة عشر جريمة.
بنسبة أكثر من جريمتي قتل. وتسع جرائم اغتصاب. وست
جرائم سرقة.
هذا بالنسبة إلى هذه الجرائم الثلاث، أما غيرها من
سائر الجرائم فيمكن تعدادها في كل عام بالملايين.. كما يشهد به دور
المحاكم، ومخافر (الشرطة) وأجهزة الأمن، وغيرها(2).
العلماء لا يعرفون عقوبة السارق
والقصة التالية تدل بوضوح على مدى قدرة الإسلام على
نفي الجرائم:
«في عهد المعتصم العباسي حيث كان (المعتصم) جالساً
على أريكة الحكم، في مجلس ضخم كبير، يضم كبار العلماء والفقهاء ومن
بينهم الإمام محمد بن علي الجواد(عليه السلام)(3)، وهو على أبواب
العقد الثاني من عمره الشريف، يتراءى لهم طفلاً بعد، في مثل هذا
المجلس، جاؤوا بسارق ثبت عليه الإدانة بالسرقة، وبعد ما تم الإثبات
الشرعي لدى (المعتصم) بشأن إدانته بجريمة السرقة توجه المعتصم إلى
الفقهاء المحدقين به يستفسرهم عن حكم (السارق)، فأجمع الكل على أن حكمه
أن تقطع يده لقوله تعالى: ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً
بما كسبا))(4)، لكنهم اختلفوا في أن اليد من أين تقطع؟
فقال بعض الفقهاء، ومنهم أبو داود: تقطع يده من
الكرسوع أي الزند، لقوله تعالى في آية التيمم: ((فامسحوا بوجوهكم
وأيديكم))(5)، فأطلق القرآن كلمة (الأيدي) وأراد بها من الزند.
وقال آخرون من الفقهاء: بل تقطع يده من المرفق، لقوله
تعالى في آية الوضوء: ((فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق))(6).
فأطلق القرآن كلمة (الأيدي) وأراد بها من المرفق.
هذا كله.. والإمام محمد بن الجواد (عليه السلام) لزم
جانب الصمت ولم يتكلم بشيء، ولم يؤيد واحداً من هذه الآراء، فتطلع
(المعتصم) إلى رأي ثالث عند الإمام، حيث لم يؤيد هذه الأقوال، فتوجه
إلى الإمام قائلاً:
ماذا تقول أنت يا ابن العم؟!.
الإمام: قالوا وسمعت.
المعتصم: لا بد أن تقول رأيك، أي شيء عندك؟.
الإمام: إن كان لابد من ذلك، فإنهم أخطؤوا فيه السنة،
فإن القطع يكون من مفصل أصول الأصابع، ويترك لـه الكف.
المعتصم: ولم؟.
الإمام: لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«السجود على سبعة أعضاء، الوجه، واليدين، والركبتين، وإبهامي الرجلين،
فإذا قطعت يده من الكرسوع، أو المرفق، لم تبق لـه يد يسجد عليها، وقال
الله تبارك وتعالى:((وأن المساجد
لله)) يعني به هذه الأعضاء السبعة ((فلا تدعوا مع
الله أحداً))(7) وما كان لله لم يقطع.
فأعجب المعتصم ذلك، فأمر بقطع يد السارق من مفصل
الأصابع دون الكف(8).
|
(1) للتوسع في الموضوع راجع كتاب (العقوبات في
الإسلام) للمؤلف.
(2) صحيفة إيرانية عدد (27/ جمادى الثانية/ 1401هـ).
(3) هو تاسع الأئمة الإثني عشر ( الذين نص رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) على إمامتهم وعلى وجوب طاعتهم، وهو السادس
من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام) .
(4) سورة المائدة: 38.
(5) سورة النساء: 43.
(6) سورة المائدة: 6.
(7) سورة الجن: 18.
(8) راجع وسائل الشيعة: ج28 ص252-253 ب4 ح34690.
|