الفصل الخامس
السلم والسلام في العلاقات الإنسانية والروحية
(السلام الاجتماعي)
|
2
الأخوة الإسلامية
إن الإسلام يستهدف إقامة كيان موحد بين المسلمين، ويؤكد على العلاقة
الأخوية بينهم، وقد أمر بالإخاء بين الناس عموما وبين المؤمنين خصوصا،
وأن لا يقتصر الإنسان على الاهتمام بنفسه بل عليه رعاية الاهتمام
بأفراد مجتمعه وباقي شعوب المجتمعات الأخرى. والأخوة بمعناها الصحيح
تعتبر من أبرز مصاديق السلم والسلام في المجتمع الإسلامي.
مفهوم الأخوة الإسلامية ودلالاتها
كان العرب في المجتمع الجاهلي وقبل بزوغ فجر الإسلام يقطعون الأرحام
ويسفكون الدماء، وقد ورد وصف عقائدهم وحياتهم الاجتماعية في خطبة
للإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة فقال: «إن الله سبحانه بعث
محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) نذيراً للعالمين وأمينا على التنزيل،
وأنتم معشر العرب على شر دين وفي شر دار منيخون بين حجارة خشن وحيات
صم، تشربون الكدر وتأكلون الجشب وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم،
الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة»(1).
ولما أنزل الله الشريعة الإسلامية ألفت بين القلوب وأصلحتها ووحدت
ما كان متفرقا وواصلت بين الأرحام فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ
بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ
اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً((2).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) واصفاً عمل النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم) ودعوته بتبليغ الرسالة وتأليفه بين ذوي الأرحام وإزالة
الضغائن والأحقاد من القلوب: «فصدع بما أمر به، وبلغ رسالة ربه، فلمّ
الله به الصدع ورتق به الفتق وألف به بين ذوي الأرحام بعد العداوة
الواغرة في الصدور والضغائن القادحة في القلوب»(3).
وحينما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون إلى المدينة
سعى الإسلام لترسيخ هذا المبدأ الإسلامي وهذا المفهوم القرآني وهو
الأخوة الإسلامية في أذهان المسلمين، فكانت المؤاخاة حيث آخى النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) بين المهاجرين والأنصار، ومن أحداثها
المشهورة أنه ترك علياً (عليه السلام) فقال لـه: إنما تركتك لنفسي أنت
أخي في الدنيا والآخرة، وتعتبر المؤاخاة أول حدث من الأحداث الإسلامية
الخالدة التي رسخت هذا المبدأ في أوساط المسلمين.
ثم أخذت الآيات الكريمة تتنزل على المسلمين التي تؤكّد أشدّ التأكيد
على الأخوّة الإسلامية، حيث قال سبحانه: (وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ((4). وقال تعالى في
الإخاء الخاص:(فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً((5).
ومن أدل هذه الآيات الكريمة قوله تعالى: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ((6).
ومفهوم الأخوة في القرآن يمكن أن يشمل ثلاثة أصناف:
الأول: الأخوة في العقيدة.
الثاني: الأخوة في النسب.
الثالث: الأخوة في الإنسانية.
فأما الأول: وهو مفهوم الأخوة في العقيدة
فلا شك أنه يشمل المؤمنين بمختلف أقسامهم وألوانهم ولغاتهم، فالمؤمن
أخو المؤمن في العقيدة والدين وهذا المعنى هو الذي أراده الإمام علي
(عليه السلام) في قوله لمالك الأشتر: «الناس صنفان إما أخ لك في الدين
أو نظير لك في الخلق»(7). ومن هذا يعرف أن أهمية رباط العقيدة والإيمان
لا تختلف عن أهمية رابطة الأخوة النسبية بل تفوقها خاصة إذا ما أضيف
لها أبوة النبوة والإمامة فقد ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم) أنه قال: «أنا وعلي أبوا هذه الأمة»(8).
وفي محاورة بين الإمام الرضا (عليه السلام) وأحد أصحابه تفسير لذلك،
جاء عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه قال: سألت الرضا (عليه السلام)
فقلت له: لم كني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبي القاسم؟ فقال
(عليه السلام): »لأنه كان له ابن يقال له قاسم فكني به« قال: فقلت: يا
بن رسول الله فهل تراني أهلاً للزيادة؟ فقال (عليه السلام): »نعم أما
علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أنا وعلي أبوا هذه
الأمة«(9) قلت: بلى، قال (عليه السلام): »أما علمت أن رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم) أب لجميع أمته وعلي (عليه السلام) بمنزلته فيهم«
قلت: بلى، قال (عليه السلام): »أما علمت أن علياً قاسم الجنة والنار؟
قلت: بلى، قال (عليه السلام): »فقيل لـه أبو القاسم لأنه أبو قاسم
الجنة والنار« فقلت له: وما معنى ذلك؟ فقال (عليه السلام): »إن شفقة
الرسول على أمته شفقة الآباء على أولاد وأفضل أمته علي (عليه السلام)
ومن بعده شفقة علي (عليه السلام) عليهم كشفقته لأنه وصيه وخليفته
والإمام بعده فلذلك قال (عليه السلام): أنا وعلي أبوا هذه الأمة وصعد
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المنبر فقال: من ترك ديناً أو ضياعاً
فعلي وإلي، ومن ترك مالاً فلورثته، فصار بذلك أولى بهم من آبائهم
وأمهاتهم، وصار أولى بهم منهم بأنفسهم وكذلك أمير المؤمنين (عليه
السلام) بعده جرى لـه مثل ما جرى لرسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم)(10)، وكذلك من الجانب الثاني وهو من ناحية الأم فنساء النبي
أمهات المؤمنين كما نصت الآية:
(النّبِيّ أَوْلَىَ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىَ
بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ ((11).
ولا شك أن المؤمنين هم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له
الأعضاء بالسهر والحمى، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) تحث على توثيق الأخوة في
العقيدة والنصح والإخلاص لها، ومنها ما جاء عن الرسول الأعظم (صلى الله
عليه وآله وسلم) حيث قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(12). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «انصر أخاك ظالماً أو
مظلوماً»، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا
كان ظالماً كيف أنصره؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «تمنعه من الظلم
فذلك نصره»(13).
وأما الثاني: الأخوة في النسب
فيعني أن المؤمنين إخوة كالأخوة الحقيقية، أي أن أخوتهم متأصلة
بمنزلة الحقيقة، وذلك لأحاديث كثيرة أكدت أن المؤمنين من طينة واحدة
فعن جابر الجعفي قال: تنفست بين يدي أبي جعفر (عليه السلام) ثم قلت: يا
بن رسول الله أهتم من غير مصيبة تصيبني أو أمر نزل بي حتى تعرف ذلك
أهلي في وجهي ويعرفه صديقي؟ قال (عليه السلام): »نعم يا جابر« قلت: ومم
ذاك يا بن رسول الله؟ قال (عليه السلام): »وما تصنع بذلك؟« قلت: أحب أن
أعلمه، فقال (عليه السلام): »يا جابر إن الله خلق المؤمنين من طينة
الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه،
فإذا أصاب تلك الأرواح في بلد من البلدان شيء حزنت عليه أرواح لأنها
منه»(14).
وعن الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: »المؤمن أخو المؤمن
لأبيه وأمه لأن الله خلق طينتهما من سبع سماوات وهي طينة الجنان ثم
تلا: (رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ((15) فهل يكون الرحيم إلا براً وصولاً»
(16). وعن الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: »المؤمن أخو المؤمن
لأبيه وأمه وذلك أن الله تبارك وتعالى خلق المؤمن من طينة جنان
السماوات وأجرى فيه من روح رحمته فلذلك هو أخوه لأبيه وأمه»(17).
وعن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّما
المؤمنون إخوة بنو أب وأم وإذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له
الآخرون»(18).
وأما الثالث: الأخوة الإنسانية
أي الأخوّة العامة، وهذا يسمى بالأخوة الإنسانية، وهو الذي عبر عنه
الإمام علي (عليه السلام) في قولـه لمالك الأشتر: »أو نظير لك في
الخلق«(19)، أي أن الذي تجتمع معه في الإنسانية والخلق يعتبر أخا لك،
وربما يكون من هذا أيضا ما جاء في بعض الآيات القرآنية التي سمت الكفار
إخوة الأنبياء (عليهم السلام) والأنبياء إخوة الكفار كما سمى الله
سبحانه النبي هوداً (عليه السلام) أخا قومه عاد: (وَاذْكُرْ أَخَا
عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ((20)، و(وَإِلَىَ عَادٍ
أَخَاهُمْ هُوداً((21).
وهكذا سمى الله تعالى النبي صالحاً (عليه السلام) أخا قومه ثمود: (
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً((22)، و( إِذْ
قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتّقُونَ((23).
كما وسمى سبحانه النبي شعيباً (عليه السلام) أخا قومه: (وَإِلَىَ
مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً((24). وسمى الله عزوجل النبي نوحاً (عليه السلام) أخا
قومه: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتّقُونَ((25). وسمى
سبحانه وتعالى النبي لوطاً (عليه السلام) أخا قومه: (إِذْ قَالَ لَهُمْ
أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتّقُونَ((26).
وهذا الإخاء الوارد في هذا الصنف الثالث (الأخوة الإنسانية) معناه
لزوم العمل بمصاديق الأخوة العامة، فالإنسان أخ لبني نوعه مهما كان
الفرق بينهما في الدين واللغة والعرق واللون والوطن، وقد يكون من
مصاديقه لزوم إلغاء الحدود المصطنعة بين جميع بلاد العالم، الإسلامية
منها وغير الإسلامية، فليس معناها إلغاء الحدود الجغرافية بين المسلمين
فقط الذي هو واجب قطعي، وقد رأيناه سابقا في العراق قبل نصف قرن بين
مختلف الجنسيات واللغات والأقطار وقد حصل التعايش بينهم، وإنما
بالإضافة إلى ذلك فإن معنى الإخاء هو بذل المحبة القلبية والتواصي
بالحق والمشاركة في الآلام والآمال والتعاون على الخير والتكافل على
أحداث الحياة، فيشد هذا من أزر ذاك وذاك من أزر هذا، ولذا قال (عليه
السلام): »لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه«(27)، وابتدأ
بالحب لأن مركز انطلاق التعاون والصلاح هو القلب فإذا صلح القلب صلحت
الأعمال وإذا لم يصلح القلب لم تصلح الأعمال.
روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ستة من المروة ثلاثة منها
في الحضر وثلاثة منها في السفر، فأما التي في الحضر فتلاوة كتاب الله
تعالى وعمارة مساجد الله واتخاذ الإخوان في الله عزوجل، وأما التي في
السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير المعاصي»(28).
وفيما أوصى به أمير المؤمنين (عليه السلام) عند وفاته: «وآخ الإخوان
في الله وأحب الصالح لصلاحه»(29).
وعن داود بن سليمان عن الرضا (عليه السلام) قال: «من استفاد أخا في
الله فقد استفاد بيتا في الجنة»(30). وعن النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) قال: «ما أحدث الله إخاء بين مؤمنين إلا أحدث لكل منهما درجة»
(31).
وعن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: »إن المؤمنين المتواخيين
في الله ليكون أحدهما في الجنة فوق الآخر بدرجة فيقول: يا رب إن صاحبي
قد كان يأمرني بطاعتك ويثبطني عن معصيتك ويرغبني فيما عندك فاجمع بيني
وبينه في هذه الدرجة فيجمع الله بينهما، وإن المنافقين ليكون أحدهما
أسفل من صاحبه بدرك في النار فيقول: يا رب إن فلاناً كان يأمرني
بمعصيتك ويثبطني عن طاعتك ويزهدني فيما عندك ولايحذرني لقاءك فاجمع
بيني وبينه في هذا الدرك، فيجمع الله بينهما وتلا هذه الآية:
(الأخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إِلاّ
الْمُتّقِينَ((32)»(33).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يرجع صاحب المسجد بأقل من
إحدى ثلاث، إما دعاء يدعو به يدخله الله به الجنة، وإما دعاء يدعو به
فيصرف الله عنه بلاء، وإما أخ يستفيده في الله عزوجل»(34)، ثم قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما استفاد امرؤ مسلم فائدة
بعد فائدة الإسلام مثل أخ يستفيده في الله»(35).
وقال علي (عليه السلام): «أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان،
وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم»(36). وقال (عليه السلام):
عليك بإخوان الصفاء فإنهم عماد إذا استنجدتهم وظهور
وليس كثيراً ألف خل وصاحب وإن عدواً واحــــــــداً
لكثيــــــــر(37)
وقال الصادق (عليه السلام): «المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إن
اشتكى شيئا وجد ألم ذلك في سائر جسده، وإن روحهما من روح الله وإن روح
المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها»(38).
ومن كتاب قضاء حقوق المؤمنين للصوري، بإسناده عن جعفر بن محمد بن
أبي فاطمة قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): »يا ابن أبي فاطمة
إن العبد يكون بارا بقرابته ولم يبق من أجله إلا ثلاث سنين فيصيره الله
ثلاثاً وثلاثين سنة، وإن العبد ليكون عاقاً بقرابته وقد بقي من أجله
ثلاث وثلاثون سنة فيصيره الله ثلاث سنين ثم تلا هذه الآية: (يَمْحُو
اللّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ((39) قال:
قلت: جعلت فداك فإن لم يكن لـه قرابة، قال: فنظر إلي مغضباً ورد علي
شبيها بالزبر «يا ابن أبي فاطمة لاتكون القرابة إلا في رحم ماسة،
المؤمنون بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، فللمؤمن على المؤمن أن يبره
فريضة من الله، يا ابن أبي فاطمة تباروا وتواصلوا فينسئ الله في آجالكم
ويزيد في أموالكم وتعطون العافية في جميع أموركم، وإن صلاتكم وصومكم
وتقربكم إلى الله أفضل من صلاة غيركم ثم تلا هذه الآية: (وَمَا
يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَهُمْ مّشْرِكُونَ( ( 40)»(41).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إن للمؤمن على المؤمن سبعة
حقوق، فأوجبها أن يقول الرجل حقاً وإن كان على نفسه أو على والديه فلا
يميل لهم عن الحق»(42).
حقوق الأخوة
وقد عدّد في حديث حق المسلم على المسلم إلى ثلاثين حقا(43) بينما
ليس ذلك كل الحق، فهناك حقوق أخرى مذكورة في مختلف الروايات، وربما كان
السبب في عد الثلاثين في هذا الحديث لأنها كانت محل الابتلاء غالبا أو
ما شاكل ذلك، هذا بالإضافة إلى أن العدد لا مفهوم لـه على ما ذكروه في
علم الأصول، كما أن هناك آيات عديدة تدل على بعض هذه الحقوق، كقولـه
سبحانه وتعالى: (وَالّذِينَ فِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ مّعْلُومٌ (
لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ((44).
وكما قال النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): »إن للمسلم
على أخيه من المعروف ستاً: يسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض، ويسمته
إذا عطس، ويشهده إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويحب له ما يحب لنفسه،
ويكره له ما يكره لنفسه«(45).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): »يا كميل المؤمن مرآة المؤمن،
لأنه يتأمله ويسد فاقته ويجمّل حالته، يا كميل المؤمنون أخوة، ولا شيء
آثر عند كل أخ من أخيه، يا كميل إن لم تحب أخاك فلست أخاه«(46).
وقال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا آخى أحدكم أخا في الله
فلا يحاده ولا يداره ولايماره»(47).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »المؤمن مرآة لأخيه المؤمن، ينصحه
إذا غاب عنه، ويميط عنه ما يكره إذا شهد، ويوسع له في المجلس«(48).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام): «اعلم يرحمك الله إن حق الإخوان
واجب فرض لازم، أن تفدوهم بأنفسكم وأسماعكم وأبصاركم وأيديكم وأرجلكم
وجميع جوارحكم، وهم حصونكم التي تلجؤون إليها في الشدائد في الدنيا
والآخرة، لاتماظوهم، ولا تخالفوهم، ولا تغتابوهم، ولا تدعوا نصرتهم ولا
معاونتهم، وابذلوا النفوس والأموال دونهم، والإقبال على الله عزوجل
بالدعاء لهم، ومواساتهم في كل ما يجوز فيه المساواة والمواساة، ونصرتهم
ظالمين ومظلومين بالدفع عنهم» ـ إلى أن قال ـ «فبالله نستعين على حقوق
الإخوان، والأخ الذي تجب لـه هذه الحقوق الذي لا فرق بينك وبينه في
جملة الدين وتفصيله، ثم ما تجب لـه من الحقوق على حسب قرب ما بين
الإخوان وبعده بحسب ذلك»(49).
3
صلة الأرحام
السلام في محيط الأسرة
تبدأ صلة الرحم من الدائرة الصغرى وهي الأسرة، اللبنة الأولى في
محيط الأرحام وتعتبر أول وحدة اجتماعية يتدرّب فيها الإنسان على ممارسة
علاقاته مع المجتمع، وهي المجال الحيوي الأول الذي تمر فيه الشخصية
وتترعرع فيه فضائلها، وتكون أساسا للمجتمع كله، لأنه يتكون منها.
والسلام في الأسرة يبدأ بعد أن يحصل السلام بين الإنسان ونفسه وقد
أوجب الإسلام هذه المصاحبة وذلك لأن بدن الإنسان وروحه ونفسه وعقله
وسائر حواسه وجوارحه كلها أمانة بيده، فاللازم مداراتها جميعا حسب
الموازين الصحيحة الواردة شرعا وعقلا، حتى يعيش الإنسان بسلم وسلام في
الدنيا والآخرة، وإلا خسر ذاته وكلّ الخير في الدارين، كما نشاهده في
بعض المحكومين بالإعدام أو بالسجن أو ما أشبه فهم يخسرون دنياهم كلها
أو بعضها، وفي القرآن الحكيم: (قُلْ إِنّ الْخَاسِرِينَ الّذِينَ
خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ
ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ((50).
فإن الإنسان يكون لـه اعتباران، اعتبار فاعلي وقابلي، فربما يخسر
الإنسان غيره وربما يخسر نفسه، فالنتيجة هي خسارة ذلك الشخص لنفسه فهو
الذي خسّر وهو الذي خسر، لكن باعتبارين كمن يضرب نفسه أو يقتلها حيث
يكون ضاربا ومضروبا في حال واحد، وقاتلا ومقتولا كذلك. وإذا أراد
الإنسان أن لا يخسر نفسه فعليه أن يلتزم بحقوق نفسه عليه، وقد قال
الإمام زين العابدين (عليه السلام) في رسالة الحقوق:
«اعلم رحمك الله إن لله عليك حقوقا محيطة بك، فبكل حركة تحركتها أو
سكنة سكنتها أو منزلة نزلتها أو جارحة قلبتها أو آلة تصرفت بها، بعضها
أكبر من بعض، وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه
الذي هو أصل الحقوق ومنه تفرّع، ثم أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك
على اختلاف جوارحك، فجعل لبصرك عليك حقا، ولسمعك عليك حقا، وللسانك
عليك حقا، وليدك عليك حقا، ولرجلك عليك حقا، ولبطنك عليك حقا، ولفرجك
عليك حقا، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال، ثم جعل عزوجل
عليك حقوقا، فجعل لصلاتك عليك حقا، ولصومك عليك حقا، ولصدقتك عليك حقا،
ولهديك عليك حقا، ولأفعالك عليك حقا، ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من
ذوي الحقوق الواجبة عليك» الخبر(51).
ويشترط في هذه المصاحبة أن يكون للإنسان واعظ من نفسه، قال (عليه
السلام): «المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال، توفيق من الله عزوجل وواعظ من
نفسه وقبول ممن ينصحه»(52)، فإذا صدق الإنسان مع نفسه وأصلح ما بين ذاته ونفسه
فيمكنه أن يكون مصلحا للآخرين أيضا، وإلاّ فكيف يكون مصلحاً للآخرين
كما قالوا: «طبيب يداوي الناس وهو عليل»(53)، وقد قال الشاعر:
ألاّ لنفسك كان ذا التـعليم
يا أيّها الرّجل المعلّم غيره
كيما يصح به وأنت سقيم
تصف الدواء لذي السقام وذي الطنى
وصفاً وأنت من الرشاد عديم
وأراك تلقح بالرشاد قلوبنا
فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها
بالقول منك وينفع التعليم
فهناك ينفع ما تقول وتهتدي
عار عليك إذا فعلت عظيم(54)
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
فإذا كان الإنسان مصاحبا لنفسه صحبة حسنة حسب ما أمر الله تعالى،
يكون سالكا بنفسه صراطا مستقيما وطريقا سوّيا سليما إلى الهدف الذي
يريده.ومن شأن هذه النتيجة أن تنعكس بالإيجاب على النواة الأولى في
المجتمع ألا وهي الأسرة (الزوجان والوالدان والأولاد).
فالمرحلة الثانية التي تأتي بعد ما أوجبه الإسلام على مصاحبة
الإنسان نفسه بطريقة سليمة وواقعية يأتي دور الأمن والسلام داخل الأسرة
من أجل حفظ السلم والسلام الفردي والاجتماعي.
وقد ذكر الإسلام جملة من التوصيات التي من شأنها أن تبسط السلم
والسلام داخل الأسرة، ومنها بر الوالدين:
أثر بر الوالدين في بسط السلام داخل الأسرة
بر الوالدين واحترامهما والعطف على الأولاد فريضة واجبة في الإسلام،
وقد نصت النصوص عليها، ففي القرآن الحكيم:
قال سبحانه وتعالى: (يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ
أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ((55).
وقال تعالى في آية أخرى: (وَقَضَىَ رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ
إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ
الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ وَلاَ
تَنْهَرْهُمَا وَقُل لّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً( وَاخْفِضْ لَهُمَا
جَنَاحَ الذّلّ مِنَ الرّحْمَةِ وَقُل رّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا
رَبّيَانِي صَغِيراً((56).
وهذا البر وذلك العطف مضافان إلى موضوعيتهما يكونان منهاجا أيضا،
فهما بمثابة تدريب للإنسان على كيفية اكتساب فضيلة التعايش في أمن
وسلام مع الناس جميعا، لأنه لا يمكن ـ عادة ـ أن تكون للإنسان حالتان
حقيقيتان مختلفتان، حالة مع المجتمع الصغير (الأسرة) وحالة مع المجتمع
الكبير، بأن يكون في سلام مع العائلة، وفي غيره مع المجتمع، أو بالعكس،
وهكذا بالنسبة إلى الأمن.
ومن الآيات التي حثت على بر الوالدين قوله تعالى: (وَوَصّيْنَا
الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمّهُ وَهْناً عَلَىَ وَهْنٍ
وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيّ
الْمَصِيرُ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىَ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا
مَعْرُوفاً((57). فإذا خرج الأبوان عن مقتضى الصلاح والاعتدال، فليس
على الولد إطاعتهما، إذ لا طاعة مع الانحراف.
وبرّ الوالدين واجب عيني، بينما الجهاد واجب كفائي ولأهميته قدّمه
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الجهاد حيث ورد في حديث عن
جابر عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: »أتى رجل رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله إني راغب في الجهاد
نشيط، قال (عليه السلام): فقال لـه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
فجاهد في سبيل الله فإنك إن تقتل تكن حيا عند الله ترزق، وإن تمت فقد
وقع أجرك على الله، وإن رجعت رجعت من الذنوب كما ولدت، قال: يا رسول
الله إن لي والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بي ويكرهان خروجي، فقال
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فقرّ مع والديك فو الذي نفسي
بيده لأنسهما بك يوماً وليلة خير من جهاد سنة«(58).
وفي حديث آخر أن رجلاً أقبل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، فقال (صلى الله عليه وآله
وسلم):«هل من والديك أحد؟»، قال:نعم كلاهما،قال (صلى الله عليه وآله
وسلم): فتبتغي الأجر من الله، قال: نعم، قال (صلى الله عليه وآله
وسلم): «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما»(59).
وعن جابر قال: أتى رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:
إني رجل شاب نشيط وأحب الجهاد ولي والدة تكره ذلك، فقال لـه النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم): «ارجع فكن مع والدتك، فو الذي بعثني بالحق نبياً
لأنسها بك ليلة خير من جهادك في سبيل الله سنة»(60).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رقودك على السرير إلى
جنب والديك في برهما أفضل من جهادك بالسيف في سبيل الله»(61).
وقال رجل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله هل
بقي من البرّ بعد موت الأبوين شيء؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم):
«نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما والوفاء بعهدهما وإكرام صديقهما
وصلة رحمهما»(62).
أقول: المراد بالصلاة الدعاء ويفهم ذلك من لفظ (عليهما) في قوله
(صلى الله عليه وآله وسلم).
وجاءت امرأة طاعنة في السن إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
في مسجد بالمدينة فاحترمها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) احتراما
متزايدا وفرش لها رداءه وأقبل يضحك إليها، ولمّا ذهبت قال الأصحاب: من
كانت هذه يا رسول الله؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«إنها كانت صديقة خديجة ( في مكة»، وقد راعاها رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) حتى في صديقتها وكان ذلك من الوفاء لها.
وروي أنه: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أتي بشيء يقول:
«إذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت صديقة خديجة(، إذهبوا به إلى فلانة
فإنها كانت تحب خديجة»(63).
وفي حديث مشهور ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوضح
عظمة بر الوالدين، حيث قال: «بينما ثلاثة رهط يتماشون أخذهم المطر
فآووا إلى غار في جبل فبينما هم فيه انحطت صخرة فأطبقت عليهم، فقال
بعضهم لبعض: انظروا أفضل أعمال عملتموها فسلوه بها لعلّه يفرج عنكم.
قال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان كبيران وكانت لي إمرأة وأولاد
صغار فكنت أرعى عليهم، فإذا أرحت عليهم غنمي، بدأت بوالديّ فسقيتهما،
فلم آت حتى نام أبواي، فطيبت الإناء ثم حلبت ثم قمت بحلابي عند رأس
أبويّ، والصبية يتضاغون عند رجلي(64) أكره أن أبدأ بهم قبل أبويّ،
وأكره أن أوقظهما من نومهما، فلم أزل كذلك حتى أضاء الفجر، اللهم إن
كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا فرجة نرى منها السماء،
فأفرج لهم فرجة فرأوا منها السماء.
وقال الآخر: اللهم إنه كان لي بنت عم فأحببتها حبا، كانت أعز الناس
إليّ فسألتها نفسها، فقالت: لا، حتى تأتيني بمائة دينار، فسعيت حتى
جمعت مائة دينار فأتيتها بها فلما كنت بين رجليها قالت: اتق الله ولا
تفتح الخاتم إلاّ بحقه فقمت عنها، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك
ابتغاء وجهك فأفرج عنا فيها فرجة، فأفرج الله لهم فيها فرجة.
وقال الثالث: اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق ذرّة، فلما قضى عمله
عرضت عليه فأبى أن يأخذها، ورغب عنه، فلم أزل أعتمل به حتى جمعت منه
بقرا ورعاتها فجاءني وقال: اتق الله وأعطني حقّي ولا تظلمني فقلت لـه:
اذهب إلى تلك البقر ورعاتها فخذها فذهب واستاقها، اللهم إن كنت تعلم
أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما بقي منها، فأفرج الله عنهم
فخرجوا يتماشون(65).
أقول: لا يستبعد ذلك، فإنه من الواضح أن الدعاء يسبب حل المشاكل
بأسباب طبيعية أحيانا، وغير طبيعية أحيانا، فربما صار الدعاء سببا
لتهيئة الأسباب الطبيعية كشدة المطر الموجبة لتحرك الصخرة، أو لإمكان
الانفراج بسبب غيبي من دون الأسباب الظاهرية، كما إن الإنسان إذا برّ
بوالديه واتخذ معهم أسلوب السلام برّه أولاده وعاملوه بسلام كما في
الأحاديث(66)، بالإضافة إلى أن الأعمال الدنيوية كالنويات، ما زرعت
حصدت، ولا يجني الجاني من الشوك العنب ولا من الحنظل يجنى الرطب، كما
قال الشاعر:
إذا وضع الحساب ثمار غرسك ***ستحصد ما زرعت غداً وتجني
السلام مع الأولاد
السلم والسلام في الأسرة قد يكون مع الوالدين وقد أشرنا إلى ذلك،
وإن كان البحث فيه طويلا وتفصيله في علم الأخلاق، وقد يكون السلام بين
الزوجين، وهناك روايات كثيرة في هذا المجال ذكرنا بعضها في كتاب النكاح
والآداب والسنن(67) ، وقد يكون السلام للأولاد، وقد أكد الإسلام على
حفظ السلام مع الأولاد في روايات كثيرة مذكورة في مظانها نقتصر على
بعضها رعاية للاختصار.
فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم): رحم الله والدين أعانا ولدهما على برهما»(68).
وعنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«من قبّل ولده كتب الله عزوجل لـه حسنة، ومن فرحه فرحه الله يوم
القيامة، ومن علمه القرآن دعي بالأبوين فيكسيان حلتين يضيء من نورهما
وجوه أهل الجنة»(69).
وعنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«أحبوا الصبيان، وارحموهم، وإذا وعدتموهم شيئا ففوا لهم، فإنهم لا
يدرون إلا أنكم ترزقونهم»(70).
السلام في محيط الأرحام
بعد ضرورة اتخاذ السلم والسلام في العلاقات الإنسانية الأسرية
القريبة يأتي دور سائر الأرحام، وكل ذي قرب للإنسان، ويؤكد الإسلام على
الصلة ويحرم القطع، حتى ورد أن من قطع رحمه لا يكون عادلا، وإذا كان
كذلك فلا يمكن أن يصلى خلفه، ولا يصح أن يكون قاضيا، أو مرجع تقليد، أو
شاهدا، أو ما أشبه ذلك.
قال الله سبحانه وتعالى: (وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ
بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً((71) أي
اتقوا الأرحام أن تقطعوها، من غير فرق في كل ذلك بين الأرحام القريبين
والبعيدين، وفي هذا الباب روايات متعددة.
قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن صلة الأرحام لمن
موجبات الإسلام، وإن الله سبحانه أمر بإكرامها، وأنه تعالى يصل من
وصلها، ويقطع من قطعها، ويكرم من أكرمها»(72).
وقال (عليه السلام): «لا يكونن أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته»
(73).
وعنه (عليه السلام): «من ذا الذي يرجو فضلك إذا قطعت رحمك»(74).
وعنه (عليه السلام) قال: «إن من الذنوب التي تعجل الفناء قطيعة
الرحم»(75).
وعنه (عليه السلام): «ما آمن بالله من قطع رحمه»(76).
وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال: «إن في كتاب علي (عليه
السلام): أن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم تذران الديار بلاقع من أهلها،
وتنغل الرحم، يعنى انقطاع النسل»(77).
وعنه (عليه السلام): «صلة الأرحام تزكي الأعمال وتنمي الأموال وتدفع
البلوى وتيسر الحساب وتنسئ في الأجل»(78).
وعن حذيفة بن منصور قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام):
«اتقوا الحالقة فإنها تميت الرجال» قلت: وما الحالقة؟ قال: «قطيعة
الرحم»(79).
وصلة الرحم في غير الوالدين والأولاد في مرتبة الوجوب أيضا كوجوبها
مع الوالدين والأولاد وإن كان بالنسبة إلى الوالدين أشد، كما أن
الأرحام قريبهم أقرب إلى الوجوب من بعيدهم، فإن مراتب الواجب كمراتب
الحرام مختلفة، مثلا النظر إلى الأجنبية محرم ولمسها وتقبيلها أشد
حرمة، والزنا أشد من اللمس والقبلة وهكذا.
4
حسن الصحبة والمعاشرة
الشروط الواجب توفرها لدوام الصحبة
للصحبة والمعاشرة الحسنة أثر كبير في بسط السلام والأمن في المجتمع،
وكما لزم على الإنسان أن يصاحب نفسه خيرا ـ كما تقدم ـ كذلك يجب عليه
أن يحسن صحبة الآخرين. وقد ذكرت في الروايات شروط وواجبات وحقوق كثيرة
تتعلق بالصحبة نذكر منها:
1: اختيار الصاحب
فيلزم على الإنسان أن يختار من يصادقه أو يصاحبه، سواء كان في سفر
أو حضر، فإن ذلك مما يؤثر كثيرا في السلوك السلمي، وقد ورد عنهم (عليهم
السلام): «الرفيق ثم الطريق»(80). وورد عن لقمان الحكيم: «الجار ثم
الدار»(81).
وورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المرء على دين خليله
فلينظر أحدكم من يخالل»(82).
وفي حديث مروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «كن خير ابني
آدم»(83)، يعني إذا تصادق اثنان من بني آدم، فاللازم أن يسعى كل واحد
منهما لأن يكون خيرا بالنسبة إلى الآخر، ومن الواضح أن (ابني آدم)
الوارد في الحديث السابق أعم من المسلم، فإذا كان التأكيد بالنسبة
للأعم فكيف بالأخصّ: أي المسلم مع المسلم، والمؤمن مع المؤمن.
وقال لقمان لابنه: «يا بني اتخذ ألف صاحب، وألف قليل، ولا تتخذ عدوا
واحدا، والواحد كثير»(84).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام):
وإنّ عــــدوّاً واحــــداً لكثيـــر(85)
وليس كثيرا ألف خلّ وصاحب
وقد ذكرت بعض الروايات النهي عن صحبة غير المؤمنين لآثارها السلبية
على السلم والأمان، ومنها ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
فقد قال لأبي ذر: «يا أبا ذر لا تصاحب إلا مؤمنا»(86).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد: «يا كميل جانب
المنافقين ولا تصاحب الخائنين»(87).
2: حسن الصحبة
ومن الشروط التي يجب توفرها في الصحبة كي تدوم وتستمر: حسنها،
ومواردها عديدة، ومنها على سبيل المثال عدم الإصغاء لما يثار حول
الصحبة الصادقة، فقد تكون منطلقة من نيات مغرضة تريد أن تعكر صفو هذه
الصحبة الصادقة، وقد كان بعض الصحابة يأتون إلى رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) ويبلّغونه عن بعض أصحابه شيئاً حسداً أو بغضاً أو ما
أشبه، فينهاهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك.
عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «بعث رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) إلى اليمن فانفلت فرس لرجل من أهل
اليمن فنفح رجلا برجله فقتله فأخذه أولياؤه ليقتلوه فرفعوه إلى علي
(عليه السلام) فأقام صاحب الفرس البينة إن الفرس انفلت من داره فنفح
الرجل برجله فأبطل علي (عليه السلام) دم الرجل، فجاء أولياء المقتول من
اليمن إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يشكون عليا فيما حكم عليهم،
فقالوا: إن علياً ظلمنا وأبطل دم صاحبنا، فقال رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم): إن علياً ليس بظلام ولم يخلق علي للظلم وإن الولاية
من بعدي لعلي والحكم حكمه والقول قولـه لا يرد حكمه وقوله وولايته إلاّ
كافر، ولا يرضى بحكمه وقوله وولايته إلاّ مؤمن، فلما سمع اليمانيون قول
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام) قالوا: يا
رسول الله رضينا بقول علي وحكمه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم): هو توبتكم مما قلتم»(88).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يبلغني أحد منكم عن
أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»(89).
و(إليكم) في الحديث يعني أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحب أن
يواجه أصحابه جميعا منشرح الصدر. وفي نسخة (عنكم) مكان (إليكم) والمراد
حينئذ: إنه كان يحب أن يموت حين موته وليس في قلبه على أحدهم غضاضة
(90).
وقد ذكرت الروايات بعض نتائج الصحبة الطيبة نتيجة لحسنها، ومنها:
«بحسن الرفقة تدوم الصحبة»(91).
و: »بحسن الصحبة تكثر الرفاق«(92).
و: »حسن الصحبة يزيد في المحبة«(93).
و: »حسن الصحبة من أفضل الإيمان«.
وقد صنفت في كتب الأحاديث والروايات أبواب مخصصة تحدثت عن هذا
الموضوع ومنها: »باب حسن الصحابة وحق الصاحب في السفر«(94).
وذكرت فيه جملة من الروايات نذكر منها:
1: الوصية بحسن الصحبة
عن عمار بن مروان الكلبي قال: أوصاني أبو عبد الله (عليه السلام)
فقال: »أوصيك بتقوى الله وأداء الأمانة وصدق الحديث وحسن الصحبة لمن
صحبك ولا قوة إلا
2: البذل والإنفاق في الصحبة
عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): »من خالطت فإن
استطعت أن تكون يدك العليا عليهم فافعل«(96).
3: الرفق في الصحبة
عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم): »ما اصطحب اثنان إلا كان أعظمهما أجراً وأحبهما
إلى الله عزوجل أرفقهما بصاحبه«(97).
4: صحبة المسافر
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم): »حق المسافر أن يقيم عليه أصحابه إذا مرض ثلاثا«(98).
5: تشييع المصاحب في وداعه
عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم
السلام): »أن أمير المؤمنين (عليه السلام) صاحب رجلاً ذمياً فقال لـه
الذمي: أين تريد يا عبد الله؟ فقال (عليه السلام): أريد الكوفة، فلما
عدل الطريق بالذمي عدل معه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لـه
الذمي: ألست زعمت أنك تريد الكوفة؟ فقال (عليه السلام) له: بلى، فقال
له الذمي: فقد تركت الطريق، فقال (عليه السلام) لـه: قد علمت، قال: فلم
عدلت معي وقد علمت ذلك؟ فقال لـه أمير المؤمنين (عليه السلام): هذا من
تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه وكذلك أمرنا
نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له الذمي: هكذا قال! قال (عليه
السلام): نعم، قال الذمي: لا جرم إنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة
فأنا أشهدك أني على دينك ورجع الذمي مع أمير المؤمنين (عليه السلام)
فلما عرفه أسلم«(99).
وهذه مصاديق السلم والسلام ومن موجباته في المجتمع كما هو واضح.
خصائص العلاقات الإنسانية في المجتمع الإسلامي
مسألة: من مظاهر الأمن والأمان في الإسلام حرصه على أهمية سلامة
العلاقات الإنسانية بين الإنسان ونفسه وبين الإنسان وغيره، فإن الإنسان
إذا كان حسناً في تعامله مع نفسه، مادياً ومعنوياً، روحياً وجسدياً،
فإنه يكون كذلك مع الآخرين، إذ كيف يمكن أن يكون الإنسان مسيئاً لنفسه
ويكون محسناً إلى غيره؟.
فيلزم على الإنسان أن يحاسب نفسه بالنسبة إلى سائر الناس، فإن
الإنسان مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى وأمام التاريخ عن غيره أيضاً،
هل أحسن أو أساء إليهم؟ أو لم يكن محسناً ولا مسيئاً، فالذي لا يكون
محسناً ولا مسيئاً يعد في عداد المسيء لأنه يكون مضيعاً للحقوق.
نعم قد لا يكون من قسم المضيع فيما إذا كان من باب السالبة بانتفاء
الموضوع، بأن لم يكن هنالك إنسان آخر كالمنقطع في سطح جبل أو جزيرة أو
ما أشبه، ذلك حيث لا يوجد إنسان يحسن إليه أو يسيء التصرف معه.
ومن هنا تميزت العلاقات الإنسانية في المجتمع الإسلامي عن غيرها من
المجتمعات والشعوب بمجموعة من الروابط الدينية الحسنة والعلاقات
المتينة المسالمة التي تهدف إلى وصول الإنسان إلى السلم والسلام
والهداية والتوفيق والسكينة والرفاهية، فيتقدم إلى كماله الميسور
وارتفاعه حسب المقدور.
صفات العلاقات الإنسانية في الإسلام
وقد اتصفت هذه الروابط والعلاقات بمجموعة من الخصائص منها:
1: إن الأساس الذي تنطلق منه هو الإيمان، وهو أول الروابط الأدبية
والمحور الذي تلتقي عنده الجماعة المؤمنة، ومن طبيعته أنه يَجمعُ ولا
يُفرِّق، ويُوحِّد ولايُشتِّت، كما في الحديث عن أمير المؤمنين علي
(عليه السلام): »المؤمن مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف«(100).
والمؤمن قوة لأخيه، كما في حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
»المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً«(101)، وهو يحس بإحساسه، ويشعر
بشعوره، فيفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، »المؤمنون في توادهم وتراحمهم
وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى تداعى لـه سائره بالسهر والحمى«(102).
ومن شأن هذه الروابط التي تنطلق من أساس الإيمان أنها تجعل بين
المسلمين تماسكاً قوياً، وتقيم منهم كياناً يستعصي على الفرقة وينأى عن
الحل، فالإيمان يضفي على المؤمنين إخاءً أقوى من إخاء النسب، كما قال
الله سبحانه: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ((103)، وقال أيضاً:
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ
بَعْضٍ((104).
وكما قال الإمام أبو عبد الله (عليه السلام): »المسلم أخو
المسلم«(105).
2: ومن خصائصها أنها قابلة للنماء والبقاء، فهي ليست كغيرها من
الروابط المادية التي تنتهي بانتهاء دواعيها وأسبابها، وتنقضي بانقضاء
الحاجة إليها.
3: إنها تنطلق من دوافع ذاتية لا مصلحية، فكل فرد يبذل من أجل تقوية
الجماعة المؤمنة وتماسكها من ذات نفسه وذات يده، ويكون عوناً لها في كل
أمر من الأمور التي تهمها، سواء كانت هذه المعاونة معاونة مادية أم
أدبية، وسواء كانت معاونة بالمال، أم العلم، أم الرأي، أم المشورة.
وقد سئل الإمام الرضا (عليه السلام): ما حق المؤمن على المؤمن؟
فقال: »إن من حق المؤمن على المؤمن المودة لـه في صدره، والمواساة
لـه في ماله، والنصرة لـه على من ظلمه، وإن كان فيء للمسلمين وكان
غائباً أخذ لـه بنصيبه، وإذا مات فالزيارة إلى قبره، ولا يظلمه ولا
يغشه، ولا يخونه ولا يخذلـه، ولا يغتابه ولايكذبه، ولا يقول لـه أف،
فإذا قال لـه أف فليس بينهما ولاية، وإذا قال لـه أنت عدوي فقد كفَّر
أحدهما صاحبه، وإذا اتهمه انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في
الماء«(106).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »خير الناس أنفعهم
للناس«(107).
وعن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »إن الله يحب إغاثة
اللهفان«(108).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: »كان رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال اشفقوا
تؤجروا«(109).
4: ومنها أنها أقوى من روابط الدم، واللون، واللغة، والوطن،
والمصالح المادية، وغير ذلك مما يربط بين الناس، جاء عن إبراهيم بن
محمد الهمداني أنه قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: »من أحب عاصياً
فهو عاص، ومن أحب مطيعاً فهو مطيع، ومن أعان ظالماً فهو ظالم، ومن خذل
عادلاً فهو ظالم، إنه ليس بين الله وبين أحد قرابة، ولا ينال أحد ولاية
الله إلا بالطاعة، ولقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لبني
عبد المطلب: ائتوني بأعمالكم لا بأحسابكم وأنسابكم، قال الله تعالى:
(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ
وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ( وَمَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـَئِكَ
الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنّمَ خَالِدُونَ((110)»(111).
وقد حث الإسلام على تمتين روابط المجتمع وأواصر الجماعة على أسس
السلم والسلام، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً
وَلاَ تَفَرّقُواْ((112).
وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): »يد الله مع الجماعة، وإياكم
والفرقة، فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم
للذئب«(113).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): »ما من رهط أربعين رجلاً اجتمعوا
فدعوا الله عزوجل في أمر إلا استجاب الله لهم«(114).
ومن ثم كانت الجماعة رحمة كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم): »الاجتماع لأمتي رحمة، والفرقة عذاب«(115).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: »المؤمنون يد واحدة على من
سواهم«(116).
والجماعة مهما صغرت فهي على أي حال خير من التفرقة، وكلما كثر
عددها، كانت أفضل وأبر.
إن أفضل عبادات الإسلام تلك التي تؤدى جماعة، فصلاة الجماعة أفضل من
صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة، كما في بعض الروايات، فعن الإمام أبي
جعفر الباقر (عليه السلام) قال: »إن فضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل
فرداً خمس وعشرون درجة في الجنة«(117).
والزكاة معاملة بين مجتمع الأغنياء والفقراء وأداء لحقوقهم(118).
والصيام مشاركة جماعية ومساواة في الجوع في فترة معينة من
الوقت(119).
والحج ملتقى عام للمسلمين جميعاً في كل عام، يجتمعون من أطراف الأرض
(لّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ فِيَ
أَيّامٍ مّعْلُومَاتٍ((120).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »ما جلس قوم في مجلس من
مساجد الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم
السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم
يسرع به نسبه«(121).
ولقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يحرص على أن يجتمع
المسلمون حتى في المظهر الشكلي قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »إذا
جلستم إلى المعلم أو جلستم في مجالس العلم فادنوا وليجلس بعضكم خلف بعض
ولا تجلسوا متفرقين كما يجلس أهل الجاهلية«(122).
وإذا كانت الجماعة هي القوة التي تحمي دين الله، وتحرس دنيا
المسلمين، فإن التفرقة هي التي تقضي على الدين والدنيا معاً، ولذلك فقد
نهى عنها الإسلام أشد النهي إذ أنها تؤدي للهزيمة وهي من موجبات العنف،
وكثيراً ما كان الإمام علي (عليه السلام) يوصي الناس بقوله: »ألزموا
الجماعة واجتنبوا الفرقة«(123)، ولم يهدد الإسلام شيء كما فعلت التفرقة
التي ذهبت بقوة المسلمين، والتي نتج عنها: الضرر والفشل والذل، وسائر
ما يعاني منه المتفرقون، قال الله عزوجل: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ
تَفَرّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ
وَأُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ((124)، وقال الله تعالى: (وَلاَ
تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ((125) يعني ذلك أن
النزاع والخصام يضعف الجماعة. وقال سبحانه: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ
اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ((126) فيعني أن الالتزام بدين الله
يوحد الجماعة.
وإنما عبّر سبحانه وتعالى: (بحبل الله( لا بغيره وإن كان من الممكن
غير ذلك مثل (دين الله) و(شريعة الله) وما إلى ذلك لنكتة دقيقة هي أن
المتفرّقين كالساقطين في غيابة الجب، فإذا أُدلي إليهم بحبل فأمسكوا به
جميعاً انتشلهم إلى حيث سَعَةُ الأرض، أما إذا بقوا مختلفين فإنهم
يكونون في غيابة الجب متنازعين متخاصمين فلا يشمون هواءً طلقاً ولا
يرون نوراً ساطعاً من الشمس والقمر ولا يتمكنون من عمل أيّ شيء.
وقال عزوجل: (وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( مِنَ الّذِينَ
فَرّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً((127). وقال الله تعالى: (إِنّ
الّذِينَ فَرّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لّسْتَ مِنْهُمْ فِي
شَيْءٍ((128).
فيعني ذلك أن الخصام والمنازعات بين المسلمين إذا استمرت قد تؤدي
إلى الشرك ولذلك ينهى الإسلام عن كل ما من شأنه أن يوهن من قوته أو
يضعف من شدته، فالجماعة المؤمنة دائماً في رعاية الله وفي سلطانه، ومن
هنا نجد دعوة القرآن الكريم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن
يتبرأ من الذين كانوا سبباً في تفرقة المسلمين، وأن لا يقيم معهم حتى
في مسجدهم الذي اتخذوه ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، يقول جل
وعلا: (وَالّذِينَ اتّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً
وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لّمَنْ حَارَبَ
اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاّ
الْحُسْنَىَ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( لاَ تَقُمْ
فِيهِ أَبَداً لّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التّقْوَىَ مِنْ أَوّلِ يَوْمٍ
أَحَقّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبّونَ أَن يَتَطَهّرُواْ
وَاللّهُ يُحِبّ الْمُطّهّرِينَ((129).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) قال: »أقيموا صفوفكم فإني أراكم من خلفي كما أراكم من بين
يديَّ، ولا تختلفوا فيخالف الله بين قلوبكم«(130).
أثر الأخلاق الإسلامية في دعم الروابط الاجتماعية
مسألة: أكد الإسلام على الاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع
المسلم، وحرض على احترام الناس حتى نهى عن أن يعبس مسلم في وجه مسلم
مهما، كان فقيراً أو ضعيفاً أو عاجزا(131)، وقد نزلت آية في ذلك تذم
أحد بني أمية(132)، حيث عبس بوجه شخص من أصحاب رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) كان أعمى يسمى ابن أم مكتوم، فقال سبحانه:
(عَبَسَ وَتَوَلّىَ( أَن جَآءَهُ الأعْمَىَ( وَمَا يُدْرِيكَ
لَعَلّهُ يَزّكّىَ( أَوْ يَذّكّرُ فَتَنفَعَهُ الذّكْرَىَ( أَمّا مَنِ
اسْتَغْنَىَ( فَأَنتَ لَهُ تَصَدّىَ( وَمَا عَلَيْكَ أَلاّ يَزّكّىَ(
وَأَمّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىَ( وَهُوَ يَخْشَىَ( فَأَنتَ عَنْهُ
تَلَهّىَ( كَلاّ إِنّهَا تَذْكِرَةٌ( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ( فَي صُحُفٍ
مّكَرّمَةٍ( مّرْفُوعَةٍ مّطَهّرَةٍ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ( كِرَامٍ
بَرَرَةٍ( قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ((133).
ومن زعم أن هذه الآيات نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
فقد أخطأ، مضافا إلى أن سياق الآيات تدل على غيره (صلى الله عليه وآله
وسلم) ولذا قال تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلّىَ( بصيغة الماضي الغائب ولم
يقل عبستَ وتوليتَ، ثم هل يُعقلُ أنّ يكون رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) بهذا المستوى بحيث يخاطبه المولى جلّ جلاله بقوله: ( وَمَا
يُدْرِيكَ لَعَلّهُ يَزّكّىَ( أَوْ يَذّكّرُ فَتَنفَعَهُ الذّكْرَىَ(،
أو أنه بهذه الأخلاق: (أَمّا مَنِ اسْتَغْنَىَ( فَأَنتَ لَهُ تَصَدّىَ(
وَمَا عَلَيْكَ أَلاّ يَزّكّىَ( وَأَمّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىَ( وَهُوَ
يَخْشَىَ( فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهّىَ( كلا قطعاً.
فإن نزول هذه الآيات في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما
يدعيه البعض مخالف لقولـه:
(وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ((134)، فكيف لإنسان يملك هذا
الخلق العظيم أن يفعل هذا الشيء بأعمى من أصحابه.
وعلى أي حال فالإسلام يضع كل ما يوجب الفرقة والعداء إلى جانب،
ويأمر بالمحبة والقيم السماوية، كما في كثير من الآيات والروايات.
الأخلاق الإسلامية والسلم في الروابط الاجتماعية
ومن أجل إصلاح هذه العلاقات ورعاية للسلام فيها، أمر الإسلام بحسن
الخلق والتعامل الحسن في كل مجالاتها الإنسانية حتى يستقيم أمر الحياة
وحتى تكون أبواب العمل بالحق والخير مفتحة أمام كل إنسان، فقد ورد عن
الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): »إن أحبكم إلى الله أحسنكم
أخلاقاً، الموطّئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون«(135).
وقال سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ
بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ((136).
وفي كثير من روايات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الأطهار
(عليهم السلام) الأمر بأن يصل الإنسان من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن
ظلمه.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المتقين: » … يعفو عمن
ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه«(137).
ومن وصية الإمام الصادق (عليه السلام) لعبد الله بن جندب، قال: »يا
بن جندب صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك، وسلّم على
من سبّك، وأنصف من خاصمك، واعف عمن ظلمك كما أنك تحب أن يعفى عنك،
فاعتبر يعفو الله عنك...« الخبر(138).
وقال (عليه السلام): »يسّروا ولا تعسّروا، وبشروا ولا تنفروا«(139)
وهنا ملاحظة حول هذا الحديث من الجانب البلاغي فقد يرد سؤال عن قوله
(عليه السلام): »يسروا ولا تعسروا«، فهل هذا تكرار لشيء واحد أو هناك
أمران: تيسير وعدم تعسير؟ فإذا كان هناك أمران ـ وهو الأصل لأن الأصل
التأسيس لا التأكيد ـ فلماذا قدّم «يسّروا» على «تعسّروا» بينما كان
اللازم أن يقول (لا تعسّروا ويسّروا) ومثل هذا السؤال يجري في قولـه
تعالى: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ((140)؟.
والجواب: إنما قدّم اليسر لأن المجال مجال اليسر، وقد ذكروا في علم
البلاغة أنه يقدّم ما كان المجال لـه،وإلا كان مقتضى القاعدة: (لا يريد
بكم العسر ويريد بكم اليسر) هذا بالنسبة إلى التقديم والتأخير، وأما
التكرار فعلى الأصل المذكور أي التأسيس، لورود شق ثالث بين العسر
واليسر كما هو واضح.
وفي الحديث الشريف: إن حَسَن الخلق ينال خير الدنيا والآخرة(141)
وللأثر الكبير الذي يتركه حسن الخلق في المجتمع سواء الصغير منه أو
الكبير نذكر هنا جملة من الروايات في حسن الخلق وأثره على السلام أو
الدالة عليه.
جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين يديه فقال:
يا رسول الله ما الدين؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »حسن الخلق«.
ثم أتاه عن يمينه، فقال: يا رسول الله ما الدين؟ قال (صلى الله عليه
وآله وسلم): »حسن الخلق«.
ثم آتاه من قبل شماله فقال: ما الدين؟ فقال (صلى الله عليه وآله
وسلم): »حسن الخلق«.
ثم أتاه من ورائه فقال: يا رسول الله ما الدين؟
فالتفت (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه وقال: »أما تفقه هو أن لا
تغضب«(142).
وربما يسأل البعض أنه لماذا أكد السؤال عن الدين من الأطراف الأربعة
حوالي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟.
والجواب: ربما كان الرجل في حالة من الحدة والغضب الذي اعتاد عليها،
فإن الإنسان الحاد عادةً يكرّر الأشياء كثيراً لكي يستوعبها، بينما
الإنسان الهادئ يتفهم من أول الأمر، ولذلك قال له الرسول (صلى الله
عليه وآله وسلم) في المرة الرابعة أما تفقه؟
وربما أراد أن يتأكد، وربما أراد أن يعرف الأولى فالأولى أو ما أشبه
ذلك.
وعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قال رجل للنبي
(صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله علمني، قال (صلى الله عليه
وآله وسلم): »اذهب ولا تغضب«، فقال الرجل: قد اكتفيت بذاك، فمضى إلى
أهله فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفاً ولبسوا السلاح فلما رأى ذلك
لبس سلاحه ثم قام معهم ثم ذكر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم): »لا تغضب« فرمى السلاح ثم جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدوّ
قومه فقال: يا هؤلاء ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر
فعليَّ في مالي أنا أوفيكموه، فقال القوم: فما كان فهو لكم نحن أولى
بذلك منكم، قال: فاصطلح القوم وذهب الغضب(143).
وفي حديث آخر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »ألا
أخبركم بشراركم؟« قالوا: بلى يا رسول الله، قال (صلى الله عليه وآله
وسلم): »الذي يمنع رفده ويضرب عبده ويتزود وحده«، فظنوا أن الله لم
يخلق خلقاً هو شر من هذا، ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم):«ألا
أخبركم بمن هو شر من ذلك؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال (صلى الله
عليه وآله وسلم): »الذي لا يرجى خيره ولا يؤمن شره«، فظنوا أن الله لم
يخلق خلقاً هو شر من هذا، ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »ألا
أخبركم بمن هو شرّ من ذلك؟« قالوا: بلى يا رسول الله، قال (صلى الله
عليه وآله وسلم): »المتفحش اللعان الذي إذا ذكر عنده المؤمنون لعنهم
وإذا ذكروه لعنوه«(144).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث آخر: »ألا أخبركم بشراركم؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): الذين لا
يقيلون العثرة ولا يقبلون المعذرة ولا يغفرون الزلّة«(145).
ومن الواضح أن (حسن الأخلاق) يشيع في المجتمع الأمن والسلام لأن سوء
الخلق يوجب عدم الأمن عند الناس ويثير الخوف لديهم، كما قال علي (عليه
السلام): »سوء الخلق يوحش القريب وينفر البعيد«(146).
وهكذا بالنسبة إلى نفس الإنسان السيئ الخلق فإنه لا يعيش في أمن
وسلام، وفي الأحاديث أنه إذا ألمَّ بالإنسان موجة من الغضب وانفلت من
يده الزمام فعليه أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويتخلص مما ألمَّ
به وبذلك يظل في دائرة السلامة والأمن بالنسبة إلى نفسه وبالنسبة إلى
غيره، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام) في الغضب:«تصلي على النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول: يذهب غيظ قلوبهم اللّهم اغفر ذنبي
وأذهب غيظ قلبي وأجرني من الشيطان الرجيم ولا حول ولا قوة إلاّ بالله
العلي العظيم»(147).
والأحاديث في ذم الغضب كثيرة لوضوح سوء عواقب الغضب وتأثيره السلبي
على السلم والسلام، قال الإمام الصادق (عليه السلام): »الغضب مفتاح كل
شر«(148)، فإن الغلظة تقطع أواصر الود والإخاء والمحبة والألفة بين
الناس، فينقطع بذلك بينهم التعاون والتشاور وما أشبه ذلك مما هو مبعث
الخيرات وهو هدف الدين لإشاعة الوئام والتفاهم بين الناس وإصلاح ذات
البين كما يوصينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »صلاح ذات
البين أفضل من عامة الصوم والصلاة«(149)، فإن هذا هو الأصل في العلاقات
والروابط التي تربط بين المسلمين وغيرهم، فعن أبي عبد الله (عليه
السلام) قال: »صدقة يحبها الله: إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب
بينهم إذا تباعدوا«(150)، ومن الملاحظ قوله (عليه السلام) (إصلاح بين
الناس) فهو أعم من المسلمين والمؤمنين كما لايخفى.
ومن هذا المنطلق أيضاً: يؤكد الإسلام على الصلح بين المتنازعين
مطلقا، وفي القرآن الحكيم: (وَالصّلْحُ خَيْرٌ((151)، وفي رواية عن
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »ألا أخبركم بأفضل من درجة
الصيام والصدقة والصلاة؟« قالوا: بلى يا رسول الله، قال (صلى الله عليه
وآله وسلم): »صلاح ذات البين، وفساد ذات البين وهي الحالقة«(152)،
تشبيهاً بحلق الشعر.
وفي رواية الإمام علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم): »إصلاح ذات البين خير من عامّة الصلاة والصيام«(153) وقبل
ذلك قال القرآن الحكيم: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ
تُرْحَمُونَ((154) أي أنّ رحمة الله مرتبطة بالإصلاح والتقوى.
ومن الواضح أن السلم والسلام لا يتحقق إلا برعاية هذه الموازين
المذكورة في الروايات، فإن السلام ليس شيئاً معلّقاً في الفراغ وإنما
لـه مختلف الأسس والشرائط والمقومات والموجبات والموانع وما أشبه، قال
الله تعالى: (وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ((155).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »لا تحاسدوا ولا تباغضوا
ولا يغتب بعضكم بعضاً وكونوا عباد الله إخواناً«(156).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: »لا تناجشوا ولا تدابروا«
(157).
ولذا حرّم الإسلام الغيبة أشدّ التحريم، لأنها من أشدّ الأمور في
تفكيك سلم المجتمع وإيجاد العنف والتفرقة بين الناس وتلويث القلوب
بعضها مع بعض، وفي حديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): »مررت ليلة
أسري بي على أقوام يخمشون وجوههم بأظافيرهم، فقلت: يا جبرائيل من
هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم«(158)، ولعل
وجه خمش الوجه أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة لطم وجهه أو خمشه، حاله حال
الإنسان إذا أراد إعلام الآخرين بالسكوت، وضع يده على فمه أو ما أشبه
ذلك من الإشارات المتعارفة عند الأقوام والملل وان كانت الإشارات أيضاً
تختلف بعضها عن بعض حتى في مقصود واحد، مثل رفع اليد للتحية أو وضع
اليد على الصدر والانحناء قليلاً وهكذا.
وفي حديث عن البرّاء قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) حتى أسمع العواتق في بيوتها، فقال: »يا معشر من آمن بالله بلسانه
ولم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع
عورات أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف
بيته«(159) ومن المعلوم أن تتبّع العورات غير الاغتياب وإن كانا
يتصادقان أحياناً، فبينهما ـ على الاصطلاح المنطقي ـ عموم من وجه.
الصفح عند الخطأ وقبول العذر
ويرى الإسلام لتطبيق أساس السلم والسلام في المجتمع، ضرورة قبول
المعذرة من المعتذر، ففي دعاء الإمام السجاد (عليه السلام): »اللهم صل
على محمد وآله، وسدّدني لأن أعارض من غشّني بالنصح، وأجزي من هجرني
بالبرّ، وأثيب من حرمني بالبذل، وأكافي من قطعني بالصلة، وأخالف من
اغتابني إلى حسن الذكر، وأن أشكر الحسنة، وأغضي عن السيئة«(160).
وفي رواية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »ألا أنبئكم
بشرّ الناس؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال (صلى الله عليه وآله وسلم):
من أبغض الناس وأبغضه الناس، ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا
أنبئكم بشرّ من هذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال (صلى الله عليه وآله
وسلم): الذي لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنباً«(161).
وفي حديث آخر عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
»اقبلوا العذر من كل متنصل ـ أي معتذر ـ محقاً كان أو مبطلا، ومن لم
يقبل العذر منه فلا نالته شفاعتي«(162).
وهذه الروايات تنص على ضرورة قبول عذر المعتذر سواء كان عذره عن حق
أو عن باطل، فإذا لم يحضر لزيارة صديقه مثلاً واعتذر بشغل، فاعتذاره قد
يكون حقاً وقد لا يكون، ولكنه يلزم أن يقبله منه، وهكذا إذا أخطأ
وارتكب أمراً كان المفروض أن يتركه.ومن هذا المنطلق أيضاً يرى الإسلام
لزوم التخلّق بمكارم الأخلاق والاجتناب عن مساوئها، فقد قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث نظمه الشاعر بقوله:
مَكَارِمُ الأخلاقِ في ثَلاثَــةٍ مُنْحَصِــرَةْ لِينُ الكَلامِ
وَالسَّخَا وَالعَفوُ عِندَ المقدِرَةْ
فإن العفو عند المقدرة من موجبات السلم والسلام في المجتمع، وهو
يوجب للإنسان عزّاً كما في متعدّد من الأحاديث، فعنهم (عليهم السلام)
قالوا: »تسع خصال من الفضل والكمال وهن داعيه إلى المحبة مع ما فيها من
القربة والمثوبة: الجود على المحتاج، والمعونة للمستعين، وحسن التفقد
للجيران، وطلاقة الوجه للإخوان، ورعاية الغائب فيمن يخلف، وأداء
الأمانة إلى المؤتمن، وإعطاء الحق في المعاملة، وحسن الخلق عند
المعاشرة، والعفو عند المقدرة«(163).
فكلّ هذه الأمور التي ذكرناها تعتبر من المقوّمات أو الملازمات
لمعنى السلم والسلام، لأن السلام ـ كما سبق ـ قد يكون مع النفس وقد
يكون مع الغير، كما أنه قد يكون مع الله سبحانه وتعالى، بأن يكون
الإنسان ممن (يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ((164)
فحينئذٍ يكون كما قال سبحانه: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
الْوُثْقَىَ((165).
وعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: »كان الحسن بن
علي (عليه السلام) عند معاوية فقال لـه: أخبرني عن المروءة، فقال (عليه
السلام): حفظ الرجل دينه، وقيامه في إصلاح ضيعته، وحسن منازعته، وإفشاء
السلام، ولين الكلام، والكف، والتحبّب إلى الناس«(166).
وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في خطبة لـه: »إن من الكرم
لين الكلام، ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام«(167).
ثم إن عبادة الشيطان واتباع الشهوات من موجبات العنف، وقد كلّف
الإنسان بالابتعاد عن شهوات نفسه واتخاذ الشيطان عدوّاً، كما قال
سبحانه: (إِنّ الشّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ فَاتّخِذُوهُ عَدُوّاً((168)،
وقال تعالى في آية أخرى: (فَأَمّا مَن طَغَىَ ( وَآثَرَ الْحَيَاةَ
الدّنْيَا( فَإِنّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىَ( وَأَمّا مَنْ خَافَ
مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَىَ( فَإِنّ الْجَنّةَ
هِيَ الْمَأْوَىَ((169). وفي آية أخرى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوّاهَا (
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا (
وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا((170).
وفي حديث عن الصادق (عليه السلام) قال: »إن الله تعالى ركّب العقل
في الملائكة بدون الشهوة، وركب الشهوة في البهائم بدون العقل، وركبهما
جميعاً في بني آدم، فمن غلب عقله على شهوته كان خيراً من الملائكة، ومن
غلبت شهوته على عقله كان شراً من البهائم«(171).
وقال علي (عليه السلام): »إن أفضل الناس عند الله من أحيا عقله
وأمات شهوته«(172).
وقال (عليه السلام): »ذهاب العقل بين الهوى والشهوة«(173).
وقال (عليه السلام): »من كمل عقله استهان بالشهوات«(174).
وقال (عليه السلام): »من غلب عقله هواه أفلح، ومن غلب هواه عقله
افتضح«(175).
والمراد بالشهوات المنحرفة عن طريق الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه
عزَّوجلَّ خلق الشهوة في الإنسان وكلّفه بالاعتدال فيها وبممارستها على
حدّ معقول شرعاً من الأكل والشرب والنكاح وغير ذلك..
ولكن هل بإمكان الإنسان الاستقامة أمام شهواته وهواه؟!.
الجواب: نعم لكنه مع جهد كبير وعزم راسخ وتوفيق من الله سبحانه، قال
أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) بعث سرية فلما رجعوا قال: »مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي
عليهم الجهاد الأكبر، فقيل يا رسول الله ما الجهاد الأكبر؟ قال (صلى
الله عليه وآله وسلم): جهاد النفس«(176).
فإن الجهاد بالسيف ضد العدو على مشاكله وفضائله كافّة، أصغر بالنسبة
إلى جهاد الإنسان مع نفسه(177)، إذ الجهاد بالسيف مؤقّت خلاف الجهاد
بالنفس حيث يجب أن يستمرّ فيه من يوم بلوغه إلى يوم مماته، بالإضافة
إلى رؤية العدو ـ عادة ـ عند المجاهدة في ميدان الحرب، بينما لا يرى
الشيطان، كما قال سبحانه: (إِنّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ
حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ((178)، ومن الواضح أن الجهاد ضد من تراه أسهل
من جهادك ضد من لا تراه.
من أسس السلام الدعوة إلى التسامح
ومن أسس السلام في الإسلام الدعوة إلى التسامح بمختلف صوره، وفي
القرآن الحكيم آيات متعددة حول هذا الأمر، مثل قوله سبحانه وتعالى:
(لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي
الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ
وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ (
إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّينِ
وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىَ إِخْرَاجِكُمْ أَن
تَوَلّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلّهُمْ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ
الظّالِمُونَ((179)، ومن الواضح أن الآية لا تخص أهل الكتاب بل تشمل كل
من لم يكن مسلماً.
وقال سبحانه: (ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ
أَحْسَنُ((180).
وقال تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي
هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْ آمَنّا
بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا
وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ((181).
وقال سبحانه: ( فَذَكّرْ إِنّمَآ أَنتَ مُذَكّرٌ ( لّسْتَ عَلَيْهِم
بِمُصَيْطِرٍ((182).
وقال تعالى: (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّىَ يَكُونُواْ
مُؤْمِنِينَ((183).
وقال سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ
مِنَ الْغَيّ((184).
وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً((185).
وقال سبحانه: (قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ
كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ
وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً
أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ
بِأَنّا مُسْلِمُونَ((186).
وقد أمر الله سبحانه بحسن المعاملة وبالوفاء بالعهد مع الجميع حيث
قال سبحانه: (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتّمْ وَلاَ
تَنقُضُواْ الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ
عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ((187).
وقال تعالى: (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنّ الْعَهْدَ كَانَ
مَسْؤُولاً((188).
وقال سبحانه: (إِلاّ الّذِينَ عَاهَدتّم مّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمّ
لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً
فَأَتِمّوَاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىَ مُدّتِهِمْ إِنّ اللّهَ
يُحِبّ الْمُتّقِينَ((189).
إلى غيرها من الآيات وهي تدل على بعض مصاديق السلم والسلام في
المجتمع، أو بعض مقوماته أو موجباته، كما لا يخفى.
مبادئ حقوق الإنسان في الإسلام
مسألة: لقد أشاد الإسلام بمبدأ السلم والسلام وجعل العلاقة بين
الناس جميعا علاقة أمن وسلام، وأكد على احترام الإنسان وتكرّيمه من حيث
هو إنسان بغضّ النظر عن جنسه ولونه، ودينه ولغته، ووطنه وقوميته،
ومركزه الاجتماعي وغيرها، يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي
آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ
الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلاً((190).
ومن مظاهر هذا التكريم أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بقدرته
ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود لـه، وسخر لـه ما في السماوات
وما في الأرض جميعاً منه، وجعله سيداً على هذا الكوكب الأرضي، واستخلفه
فيه ليقوم بعمارته وإصلاحه، والاستفادة ممّا وهبَ الله سبحانه وتعالى
للحياة من الخيرات، ومن أجل أن يكون هذا التكريم حقيقية وواقعية،
وأسلوباً في الحياة، كفل الإسلام جميع حقوق الإنسان، وأوجب حمايتها
وصيانتها، فإنها من أسباب السلم والسلام، سواء أكانت حقوقاً دينية، أو
مدنية، أو سياسية، كحق العلم والصحة والقضاء.
فمن أسباب السلام هو مراعاة حقوق الإنسان كما هو مقرر في الشرع، كحق
العلم والصحة والقضاء وسائر حقوقه المذكورة في محلها، وهذا يدل على أن
الإسلام لا يقتصر على إحياء السلام في العلاقات الإنسانية في محيط
الأسرة أو الأرحام فقط، بل ينظم علاقات الإنسان حتى مع المجتمع الكبير
لكي تعيش وتحيا وتنمو باستمرار وتترعرع في ظلال الأمن والأمان والسلم
والسلام، وحتى يجد المجتمع فيها أوثق دواعي تواصله وتكامله.
وقد شرع الإسلام جملة من الأحكام الشرعية للعلاقات الإنسانية، لأن
الإنسان اجتماعي بفطرته لا يمكنه الحياة بدون علاقة مع بني نوعه. وتعد
هذه الأحكام بالعشرات فمنها الواجبة والمستحبة، وعكسها المحرمة
والمكروهة، ويمكن جمعها في الأبواب الخمسة التي سبقت الإشارة إلى
بعضها:
1: علاقة الإنسان مع نفسه.
2: علاقته مع أسرته.
3: علاقته مع أرحامه.
4: علاقته مع مجتمعه.
5: علاقته مع ربه.
ورعاية لحفظ السلام جعل الإسلام بعض الحقوق والواجبات في هذه
العلاقات، فكما أن للإنسان حقوقاً على المجتمع، فإنّ عليه واجبات له،
والعكس صحيح أيضاً، ومن تلك الحقوق:
1ـ حق العلم:
الإسلام يريد العلم للكل، ويحث على سبيل العلم حتى آخر المطاف، وما
أعظم هذه الكلمة التي قالها القرآن الحكيم: (هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ((191).
وقال: (يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالّذِينَ
أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ((192).
وقال: (إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنّ
اللّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ((193).
وقال: (شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ
وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ((194).
وقال في ذم الجهل واتباع الظن: (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن
يَتّبِعُونَ إِلاّ الظّنّ وَإِنّ الظّنّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقّ
شَيْئاً((195).
وقال: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولـَئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْؤُولاً((196).
وقال: (إِنّ الّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيَ آيَاتِ اللّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ مّـا هُم
بِبَالِغِيهِ((197).
وأول ما نزل على الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم): (اقْرَأْ
بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ( خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ( اقْرَأْ
وَرَبّكَ الأكْرَمُ( الّذِي عَلّمَ بِالْقَلَمِ( عَلّمَ الإِنسَانَ مَا
لَمْ يَعْلَمْ((198).
وقال تعالى: (يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ
أُوْلُواْ الألْبَابِ((199).
والظاهر أن الحكمة تشمل الموضوعات والأحكام، فالحكمة في الموضوعات
وضع الأشياء مواضعها، والحكمة في الأحكام وضع أحكام كل موضوع حسب
المقرر في متن الواقع مما للإنسان طريق إليه.
فالعلم يحتل في نظر الإسلام مكانة رفيعة ومنزلة كبيرة جداً، أما
الأحاديث فكثيرة حول هذا الموضوع، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم): »طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة«(200).
وفي حديث آخر: »طلب العلم فريضة على كل مسلم«(201) بدون ذكر
المسلمة، ومن الواضح أن إطلاق لفظ المسلم يراد به الذكور والإناث إلا
إذا كانت هناك قرينة.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): »من خرج في طلب العلم فهو في سبيل
الله حتى يرجع«(202).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على
هذه الحال مات شهيداً»(203).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): »إنّ العلماء ورثة الأنبياء«(204).
والروايات مطلقة تشمل كل علم، نعم بعض العلوم فرض عيني، وبعضها فرض
كفائي، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتبهم المفصلة، وبالنسبة إلى الحرف
والصناعات، قال الإمام الصادق (عليه السلام): »فكل ما يتعلم العباد أو
يعلمون غيرهم من أصناف الصناعات مثل الكتابة والحساب والتجارة والصياغة
والسراجة والبناء والحياكة والقصارة والخياطة وصنعة صنوف التصاوير ما
لم يكن مثل الروحاني وأنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد منها
منافعهم وبها قوامهم وفيها بُلغة جميع حوائجهم فحلال فعله وتعليمه
والعمل به...، وإنما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها التي يجيء
منها الفساد محضاً نظير البرابط والمزامير والشطرنج وكل ملهو به
والصلبان والأصنام وما أشبه ذلك من صناعات الأشربة الحرام وما يكون منه
وفيه الفساد محضاً ولا يكون منه ولا فيه شيء من وجوه الصلاح فحرام
تعليمه وتعلمه والعمل به وأخذ الأجر عليه وجميع التقلب فيه من جميع
وجوه الحركات كلها إلا أن تكون صناعةً قد تتصرف إلى جهات الصنائع وإن
كان قد يتصرف بها ويتناول بها وجه من وجوه المعاصي فلعلة ما فيه من
الصلاح حل تعلمه وتعليمه والعمل به ويحرم على من صرفه إلى غير وجه الحق
والصلاح«(205).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): »إن الله عزَّوجلَّ يحب المحترف
الأمين«(206).
وفي رواية أخرى قال (عليه السلام): »إن الله تعالى يحب المؤمن
المحترف«(207).
وفي رواية ثالثة: »أحل ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح«.
ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): »كل ذي صناعة مضطر إلى ثلاث
خصال يجتلب بها المكسب وهو أن يكون حاذقاً بعمله مؤدّياً للأمانة فيه
مستميلاً لمن استعمله«(208).
2ـ حق التعليم:
ومن الحقوق أيضاً، حق التعليم: فمن حق كل فرد أن ينشر ما علمه، فإن
زكاة العلم نشره.
قال أبو جعفر (عليه السلام): «زكاة العلم أن تعلمه عباد الله»(209).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قرأت في كتاب علي (عليه
السلام): إن الله لم يأخذ على الجهال عهداً بطلب العلم حتى أخذ على
العلماء عهدا ببذل العلم للجهال، لأن العلم كان قبل الجهل»(210).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من الصدقة أن يتعلم
الرجل العلم ويعلمه الناس»(211).
فحق التعليم حق لكل عالم، ليأخذ الناس من علمه ما ينير عقولهم،
ويرقي وجودهم، ويرفع من مستواهم كما قال الإمام الصادق (عليه السلام):
»ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن أو يكون في تعليمه«(212).
وقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): »نصْبُ الحق لطاعة الله،
ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل
يعتقد، ولا علم إلا من عالم رباني«(213).
أما ما نراه اليوم من الضغط على العلماء والحوزات العلمية فهو خلاف
الإسلام.
3ـ حق حرية التعبير:
ومن حق الإنسان كذلك أن يعبر عن رأيه ويدلي بحجته ويجهر بالحق ويصدع
به، والإسلام يمنع من مصادرة الرأي ومحاربة الفكر الحر، إلا إذا كان
ذلك ضاراً بالمجتمع، ولقد بايع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
أصحابه فأخذ عليهم العهد والميثاق بالسمع لله تعالى والطاعة له في
العسر واليسر وعلى أن يقولوا الحق أينما كانوا وأن لا يأخذهم في الله
لومة لائم(214). وقال الإمام علي (عليه السلام): »لا خير في السكوت عن
الحق كما أنه لا خير في القول بالجهل«(215). وفي ذلك يقول القرآن
الكريم: (إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ
وَالْهُدَىَ مِن بَعْدِ مَا بَيّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتَابِ
أُولَـَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ ( إِلاّ
الّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ
عَلَيْهِمْ وَأَنَا التّوّابُ الرّحِيمُ((216).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »أتقى الناس من قال الحق
فيما له وعليه«(217).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أخسر الناس من قدر على أن يقول
الحق ولم يقل»(218).
4ـ حق التحرر:
ومن حقوق الإنسان التحرر من الجهل والتقاليد البالية والاستبداد
والعادات المستحكمة التي أشاعت الظلم والفوضى والتنازع على الملذات
الدنيوية الفانية بدون التفكر بحسن العاقبة في الآخرة، فقد جعل الإسلام
مبدأ الإيمان بالله واليوم الآخر على رأس العقيدة وأساس الهداية
للبشرية نحو الغايات الأسمى، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم):»خصلتان ليس فوقهما خير منهما: الإيمان بالله والنفع لعباد الله،
وخصلتان ليس فوقهما شر: الشرك بالله والإضرار لعباد الله«(219)،
باعتبار الإنسان خليفة الله في أرضه كما قال رسول الإنسانية (صلى الله
عليه وآله وسلم): »من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في
الأرض وخليفة رسوله«(220)، وباعتباره المسؤول عن كل ما في الكون، وكما
قال النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): »كلكم راعٍ وكلكم
مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع
وهو المسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي المسؤولة عن
رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في مال
أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته«(221).
5ـ حق الدفاع عن النفس وحفظها:
لكل امرئ حق صيانة نفسه، وحماية ذاته، كما قال الله سبحانه وتعالى:
(فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا
اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ((222)، فلا يحل الاعتداء على الإنسان إلا إذا
أفسد في الأرض فساداً يستوجب القتل يقول الله تعالى: (مِنْ أَجْلِ
ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَنّهُ مَن قَتَلَ
نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ
النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ
جَمِيعاً((223).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): »أوحى الله إلى موسى بن عمران
(عليه السلام) قل للملأ من بني إسرائيل إياكم وقتل النفس الحرام بغير
حق فإن من قتل نفساً في الدنيا قتلته في النار مائة ألف قتلة مثل قتلة
صاحبه«(224).
وعنه (عليه السلام) أيضاً أنه سئل عمن قتل نفساً متعمداً؟ قال (عليه
السلام): «جزاؤه جهنم»(225).
6ـ حق حفظ المال:
فكما أن النفس مصونة معصومة فكذلك المال، فلا يحل أخذ مال أحد إلا
برضاه، يقول الله تعالى: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ
تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَن تَكُونَ
تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ((226).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »ما من رجل أقطع مال
امرئٍ مسلم بيمينه إلاّ حرّم الله عليه الجنة وأوجب لـه النار، فقيل:
يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، قال: وإن كان سواكاً من
أراك«(227). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الناس مسلطون على
أموالهم»(228).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «المسلم أخو المسلم لا يحل ماله
إلا عن طيب نفس منه»(229).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قتل دون ماله فهو شهيد»(230).
وقال علي بن الحسين (عليه السلام): »من اعتدي عليه في صدقة ماله
فقاتل فقتل فهو شهيد«(231).
7ـ حق صيانة العرض:
ولا يحل انتهاك العرض حتى بكلمة نابية، يقول الله تعالى: (وَيْلٌ
لّكُلّ هُمَزَةٍ لّمَزَةٍ((232)، ويوصينا الإمام علي (عليه السلام)
بقولـه: »إياك وانتهاك المحارم فإنها شيمة الفساق وأولي الفجور
والغواية«(233).
8ـ حق الحرية:
ولم يكتف الإسلام بتقرير صيانة الأنفس، وحماية الأعراض والأموال، بل
أقر حرية العبادة، وحرية الفكر، وحرية اختيار المهنة التي يمارسها
الإنسان لكسب عيشه، وحرية الاستفادة من جميع ما خلقه الله عزوجل.
9ـ حقوق أخرى:
إن حقوق الإنسان لا تنتهي بهذا، بل هناك حقوق أخرى، منها: حق السكن
والمأوى وحق الحياة، فالإنسان لـه الحق في أن يأوي إلى أي مكان، وأن
يسكن في أي جهة، ولا يجوز نفي أي فرد أو إبعاده أو سجنه إلا في حالة ما
إذا اعتدى على حق غيره، ويكون ذلك في حالة الاعتداء والإخلال بالأمن،
وإرهاب الأبرياء وفي ذلك يقول الله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَىَ
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ
وَاتّقُواْ اللّهَ((234).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): »من نظر إلى مؤمن نظرة
ليخيفه بها أخافه الله عزوجل يوم لا ظل إلا ظله«(235).
وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً قال: »من أعان على قتل مسلم
ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة وهو آيس من رحمة الله«(236).
وعن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) قال: »من روّع مؤمناً بسلطان
ليصيبه منه مكروه فلم يصبه فهو في النار، ومن روّع مؤمناً بسلطان
ليصيبه منه مكروه فأصابه فهو مع فرعون وآل فرعون في النار«(237).
ومن الحقوق أيضا:
وأخيراً: يقرر الإسلام أن من حق الجائع أن يطعم، ومن حق العطشان أن
يروى، ومن حق العاري أن يكسى، ومن حق المريض أن يداوى، دون تفرقة بين
لون ولون، أو دين ودين، فالكل في هذه الحقوق سواء، كما قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم): »من أطعم مؤمناً من جوع أطعمه الله من ثمار
الجنة، ومن سقاه من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن كساه ثوباً
لم يزل في ضمان الله عزوجل ما دام على ذلك المؤمن من ذلك الثوب سلك،
والله لقضاء حاجة المؤمن خير من صيام شهر واعتكافه«(238).
هذه هي تعاليم الإسلام في تقرير بعض حقوق الإنسان، وفيها الصلاح
والخير لهذه الدنيا، وأعظم ما فيها أنها سبقت جميع المذاهب التي تحدثت
عن حقوق الإنسان، وأن الإسلام جعل هذه التعاليم ديناً يتقرب به إلى
الله، كما يتقرّب بالصلاة وغيرها من العبادات، قال الإمام جعفر الصادق
(عليه السلام): »أشرف الأعمال التقرب بعبادة الله عزَّوجلَّ«(239).
حقوق الحيوان في الإسلام
ولم تقتصر تشريعات الإسلام في هذه الحقوق على الإنسان فحسب بل أمر
بالرحم والعطف على الحيوانات أيضا، كما في حديث عن رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) قال: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم
تدعها تأكل من حشاش الأرض»(240).
وفي حديث آخر عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: »دخلت الجنة
فرأيت فيها صاحب الكلب الذي أرواه من الماء«(241).
السلام والعلاقات الروحية
إن من مقومات السلم والسلام العلاقات الروحية في الإنسان.
علاقة الإنسان مع الله تعالى
علاقة الإنسان مع الله عزَّوجلَّ تكون بالتسليم لـه وبالإيمان به
سبحانه وتعالى الذي خلقه، وقد قال: (بَلَىَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ
للّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ((242) والمراد عدم الخوف وعدم الحزن
في الدنيا وفي الآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا فالخوف
والحزن قد يكون عميقاً وقد يكون سطحياً، ولذا نشاهد المؤمنين لا يخافون
خوف غير المؤمنين، كما إن المؤمنين لايحزنون حزن غير المؤمنين، قال
تعالى: (الّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ
أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ((243)، وهذا لا ينافي
الخوف من الله عزوجل كما هو واضح، ففي الحديث الشريف: »من خاف الله لم
يخف من كل شيء«(244).
فإسلام الوجه(245) إلى الله تعالى عبارة عن: التوجه إليه والاعتقاد
به وبطاعته وعبادته، وذلك هو جوهر العلاقة الروحية التي تقرب الإنسان
إلى الله سبحانه، وحينئذ تشمله الرحمة الخاصة، قال تعالى:
(فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ((246).
ومن الواضح أن الإنسان لا يتمكن أن يسلم وجهه لله قلباً ويسعى إليه
بالعمل الصالح جوارحً، إلا إذا عرف ربه وآمن به إيماناً حقيقياً، أما
إذا لم يعرفه أو عرفه لكن آمن به إيماناً سطحياً أو أنكره ظاهراً كما
قال سبحانه: (وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ
ظُلْماً وَعُلُوّاً((247) فإن ذلك لا ينفع في السلام لا في الدنيا ولا
في الآخرة.
الإيمان بالله والفطرة التي فطر الناس عليها
ومن موجبات السلم والسلام الإيمان بالله، كما أن السلام من مقتضيات
الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
قال سبحانه: (فِطْرَتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا(
(248).
وفي الحديث: »كل مولود يولد على الفطرة«(249) وإلى هذا أشار تعالى
في جملة من الآيات القرآنية مثل قولـه سبحانه: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ
مّن نّزّلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ
مَوْتِهَا لَيَقُولُنّ اللّهُ((250) وفي آية أخرى قال: (وَلَئِن
سَأَلْتَهُمْ مّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنّ
اللّهُ((251) فإن الإنسان في فطرته يعرف أنه لا يمكنه أن يتحرك بدون
محرك.
فإذا آمن الإنسان بالله عزوجل يكون سعيداً ويكون في سلام مع نفسه بل
ومع غيره، ولذا قال سبحانه: (إِنّ الّذِينَ قَالُواْ رَبّنَا اللّهُ
ثُمّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (
أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا
كَانُواْ
يَعْمَلُونَ((252) ولم يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية
الكريمة موضوع الدنيا السعيدة لأنه ذكرها في غيرها، حيث قال سبحانه:
(يَـا أيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للّهِ وَلِلرّسُولِ
إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ((253).
هذا ويحتمل أن يكون المراد من: (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون( الأعم
من الدنيا والآخرة كما أشرنا إليه سابقاً. والمراد بالقول في قولـه
تعالى: (إن الذين قالوا( هو: العمل، قلباً ولفظاً وجوارحً، فإن القول
في اللغة العربية قد يطلق على كل ذلك.
وفي آية أخرى قال: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى
اللّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ((254).
ومن هذا البيان البسيط الذي ذكرناه ـ وقد ذكره الحكماء والفلاسفة
والمتكلمون والمحدثون مفصلاً في كثير من كتبهم ـ تبيّن أن الإيمان
بالله المتفضل على الإنسان بالوجود، والنعم الظاهرة والباطنة، والعقل
والروح والنفس وغير ذلك، فطري تلقائي مرتبط بالإنسان بما هو هو، متى
سلم من الانحراف والتقاليد والعصبية وما أشبه، لوضوح أن الكون كله
محتاج إلى هذا الخالق في تكوينه ودقة صنعه وتنظيمه والهيمنة عليه
وتصييره إلى حيث المصلحة التي تدركها في الجملة العقول، والناس جميعاً
منقادون لهذه الفطرة، سواء كانوا مؤمنين أم غير مؤمنين، والمؤمن سواء
كان بإيمان صحيح كإيمان المسلمين، أم إيمانً غير صحيح كإيمان البوذيين
والكنفوشيوسيين ومن أشبه، فإذا تأمل الإنسان هذا التأمل يصبح الإيمان
بالله ملء نفسه، ولذا قال الإمام علي (عليه السلام): »ما رأيت شيئاً
إلا ورأيت الله فيه أو قبله أو معه«(255).
وعندما يؤمن الإنسان بالله عزَّوجلَّ إيماناً صادقاً فإن ذلك
الإيمان سوف يقتضي أن يعبد الله سبحانه وتعالى ويطيعه، وحيث لا يجد من
يدله على كيفية الإطاعة والعبادة اللائقة بالله سبحانه لابد وأن ينتهي
الأمر به إلى الاعتقاد بالأنبياء (عليهم السلام)، فإنه من غير المعقول
أن يكون مثل هذا الخالق العظيم غير حكيم، وإذا كان حكيماً فلابد أن
يكون خلق الإنسان لحكمة وغاية، وتلك الحكمة والغاية حيث لا يصل الإنسان
إليها مباشرة، تقضي بأن يكون لهذا الإله العظيم العالم الحكيم القادر
رسول وسفير يبيّن للإنسان مقصود هذا الإله الحكيم. وإذا تم ذلك للإنسان
يكون بفطرته مؤمناً برسل الله وكتبه، وبما قالته الرسل وجاءت به: من
وجود الملائكة والمعاد وغير ذلك.
الإيمان بالآخرة وأثره في أيجاد السلم والسلام
ثم إن الإيمان بالآخرة يؤثر تأثيراً واضحا على توجيه الإنسان إلى
السلم والسلام والأمن والأمان.
والمعاد أمر فطري إذ لا يعقل أن يترك الله الحكيم الإنسان يفعل ما
يشاء، يظلم ويخون ويؤذي ويهتك الأعراض ويسلب الأموال ويفشي الرعب
والخوف بين الناس ولا يؤاخذ من قبله سبحانه، فالعقل يحكم والفطرة تعرف
أن الله سبحانه يحاسب الإنسان يوم المعاد على سيئاته، كما يثيبه على
حسناته، فإن الناس يُجزَوْن بأعمالهم، قال الإمام الرضا (عليه السلام)
قال: »ما عمل أحد عملاً إلاّ ردّاه الله به إن خيراً فخير وإن شراً
فشر«(256).
ومن الواضح أن مثل هذا الإيمان إذا ملأ قلب الإنسان ابتعد الشخص عن
الغرور والجهل والانحراف والعنف وما أشبه، ويتوجه إلى السلم والسلام،
والأمن والأمان، قال سبحانه: (لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ
آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ
وَالنّبِيّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىَ حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَىَ
وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَالسّآئِلِينَ
وَفِي الرّقَابِ وَأَقَامَ الصّلاةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَالْمُوفُونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ
والضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـَئِكَ الّذِينَ صَدَقُوآ
وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ((257)، ومعنى (ليس البر أن تولّوا(: التعريض ببعض الناس القشريين الذين يتصورون أن بعض لوازم
الإيمان هو كل شيء، بينما الإيمان الحقيقي هو الإيمان بالله واليوم
الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وإعطاء المال وإقامة الصلاة والصبر
والجهاد وما أشبه ذلك فالإيمان مجموعة متكاملة.
ثم إن الإيمان بالله واليوم الآخر يعتبر أهم قاعدة لبناء المجتمع
الإسلامي، وأهم مقوّم لهذا المجتمع، ولذا حتم الله سبحانه وتعالى
الإيمان على كل إنسان وجعله في فطرته، وجعل ذلك الإيمان أساس البناء
الذي لا يقوم البناء بدونه، والبناء هو المنهج الإسلامي الصحيح
والسلامة الفردية والاجتماعية والحياة السعيدة والعيش الرغيد في الدنيا
والآخرة، ولا يكون ذلك إلا بربط القلب واللسان والعمل والفكر والضمير
وما إلى ذلك بالله سبحانه، حتى لا ينحرف عقيدةً أو قولاً أو عملاً، ولا
يضلّ عن الطريق فينحرف عن الجادة ويتنكب السبيل فيكون فيه هلاكه أولاً،
وإهلاكه للآخرين إذا كان الآخرون مرتبطين به ثانياً، وهذا الأمر الفطري
هو مدلول عليه أيضاً بشواهد لا تحصى من الكون، قال الشاعر:
تدل على أنه واحد ***وفي كل شيء لـه آية
ومن الواضح أن الله سبحانه وتعالى غني مطلق عن الإنسان، وعن إيمانه
وأعماله، وإنما الإنسان هو الفقير إليه تعالى، كما قال سبحانه: (إِن
يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ
اللّهُ عَلَىَ ذَلِكَ قَدِيراً((258) وفي آية أخرى: (أَنتُمُ
الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ((259) أما وجه فقر الإنسان فمن أوضح
الواضحات، وأما وجه غنى الله سبحانه وتعالى فإنه يكمن في إيجاد أمثال
هذه الأمور من دون حاجة إليها، لأن العلم والقدرة والتجرد يوجب كل ذلك
كما استدلوا على ذلك في علم الكلام والفلسفة.
وفي حديث قدسي عن أبي ذر جندب بن جنادة (رحمه الله) عن النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم) فيما يروي عن الله تعالى أنه قال: «يا عبادي إني
حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم
ضال إلا من أهديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته
فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم،
يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً
فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا
نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على
أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن
أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل ما نقص ذلك من ملكي
شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد
فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص
المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم
إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا
نفسه»(260). ولا يخفى أن قوله سبحانه: «كما ينقص المخيط إذا دخل البحر»
من باب المثال وإلاّ فالنقص لا يدخل على الله تعالى حتى بمقدار جزء من
مليارات أجزاء من الذرة.
أما وجه «فليحمد الله» فواضح، فإن الهداية من الله سبحانه وتعالى
سواء كانت هداية فطرية من الداخل أم هداية خارجية بسبب الأنبياء (عليهم
السلام)، كما ورد في الحديث: »إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة
باطنة فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام) وأما
الباطنة فالعقول«(261).
وأما «فلا يلومن إلا نفسه» فلأنه هو الذي حرّف الفكر والقول والعمل
عمداً مع كونه مهدياً من قبله سبحانه وتعالى ولو بالفطرة، كما قال
سبحانه: (وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبّواْ الْعَمَىَ
عَلَى الْهُدَىَ((262).
ثم إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى والرسل واليوم الآخر الذي هو
أساس السلام في الفرد والمجتمع يعتمد على العقل والمنطق والإقناع
والفكر، وقد أشار القرآن الحكيم إلى كل ذلك في آيات مفصلات، كما قال
سبحانه: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدّقُونَ( أَفَرَأَيْتُمْ
مّا تُمْنُونَ( أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ(
نَحْنُ قَدّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(
عَلَىَ أَن نّبَدّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ
تَعْلَمُونَ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النّشْأَةَ الاُولَىَ فَلَوْلاَ
تَذَكّرُونَ( أَفَرَأَيْتُم مّا تَحْرُثُونَ( أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ
أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ( لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً
فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ( إِنّا لَمُغْرَمُونَ( بَلْ نَحْنُ
مَحْرُومُونَ( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَآءَ الّذِي تَشْرَبُونَ( أَأَنتُمْ
أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ( لَوْ
نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ( أَفَرَأَيْتُمُ
النّارَ الّتِي تُورُونَ( أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ
نَحْنُ الْمُنشِئُونَ( نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً
لّلْمُقْوِينَ( فَسَبّحْ بِاسْمِ رَبّكَ الْعَظِيمِ((263).
إن الله هو الخالق دون غيره، ومن يقول بخلاف ذلك، فيدعي أن غير الله
خالق، لا يتمكن من أن يأتي حتى بدليل واحد، لأن الجاهل العاجز لا
يتمكّن من خلق العالم القادر بضرورة العقول.
كما أن تذكر الموت والآخرة يوجب قوة الإيمان وابتعاده عن العنف
والتزامه بالسلم والسلام، فهل الإنسان قادر على أن يحمي نفسه عن الموت؟
كلاّ بالطبع.
ينقل أنّ هارون العباسي أحضر في مرضه الأخير ألف طبيب من كل العالم
فلم يتمكّنوا من دفع الموت عنه. وكذلك ستالين أحضر له ألف طبيب من
الغرب والشرق لكنهم لم يتمكّنوا من إبعاد شبح الموت عنه. وقد قال
سبحانه: (فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ
يَسْتَقْدِمُونَ((264).
ثم إن الإنسان رأى النشأة الأولى بنفسه، فلماذا لا يصدّق بالنشأة
الثانية التي هي الحياة بعد الموت للحساب.
وكذلك الحرث إنما يكون بسبب الله سبحانه وتعالى، وإلا فمن ينبت
الحبّ؟ ولو شاء الله سبحانه وتعالى جعله حطاماً، لأن الريح والماء
والشمس كل ذلك بيده سبحانه وتعالى. وهكذا بالنسبة إلى الماء الذي يشربه
الإنسان، هل الإنسان هو الذي ينزله من السحاب أم الله سبحانه وتعالى؟
فلو شاء الله لجعل ماء السحاب أجاجاً، كما جعل كثيراً من المياه
أجاجاً(265).
وهكذا بالنسبة إلى النار التي يوريها الإنسان، هل الشجرة التي تشتعل
ناراً من صنع الله أو من صنع غير الله سبحانه وتعالى…؟
وفي الآيات المباركات الآنفة الذكر أشار سبحانه وتعالى إلى تلك
الأشياء ففي المثال الأخير: إن الله عزوجل هو الذي جعل النار بالإضافة
إلى خلق الشجرة وأشياء أُخرى.
وأحياناً يجد الإنسان في شيء واحد وظاهرة واحدة ألوف العوامل، بينما
لا يملك الإنسان حتى عاملاً واحداً من تلك العوامل ملكاً حقيقيا.
وبعد هذا المنطق الواضح بالنسبة إلى الإيمان وإلى العمل الصالح وإلى
المعاد وإلى الرسالة ـ ومن الواضح أن الإمامة تنبع من الرسالة لأنها
امتداد لها ـ لامجال للإنكار أو الشك؟.
هذا بالإضافة إلى دلالة العقل حسب قانون (كلّ ما حكم به الشرع حكم
به العقل)(266) فاللازم أن يحفظ الإنسان عقيدته من الشك والشبهة وأن
يدعو الآخرين إلى هذه العقيدة الصحيحة فإنها من مقومات السلم والسلام.
الأنبياء (عليهم السلام) والعلاقات الروحية بين الإنسان وخالقه
لقد اهتم الأنبياء (عليهم السلام) اهتماماً راسخاً وعميقاً في
التأكيد على تلك العلاقة الروحية بين الإنسان وبين خالقه تعالى.
ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مبلغا عن الله وداعية
إليه في تلك العلاقة الروحية، يقول الله تعالى: (يَـا أيّهَا النّبِيّ
إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً ( وَدَاعِياً
إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً((267).
وقال أبو جعفر (عليه السلام) في خطبة يوم الجمعة: »وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره
المشركون وجعله رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه
وسراجاً منيراً، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد
غوى«(268).
ثم إن هذا الاهتمام من الأنبياء (عليهم السلام) بتبليغ تلك العلاقة،
ترفع مستوى الحياة الإنسانية إلى أعلى درجات الكمال الميسور لبني
البشر، وما قول الأنبياء هذا وتذكيرهم إلا تأكيد لفطرة الإنسان، فإنه
يتمكن من الإيمان بالله سبحانه وتعالى حتى بدون أي دليل خارجي من
الأدلة العقلية والبراهين الفلسفية والصغريات والكبريات المنطقية، لأن
الإنسان إذا نظر إلى وجوده، علم أنه لم يخلق نفسه ولا خلقه أبواه،ولا
أي شيء آخر، كالشمس والقمر والماء والحجر ـ مما يسمى بالطبيعة ـ وعرف
أن له خالقاً عالماً قديراً.
تزكية نفس الإنسان والدعوة للخير والأمر بالمعروف
الإنسان مأمور شرعاً وعقلاً بتزكية نفسه وأنفس الآخرين حسب قدرته،
فعليه بتزكيتها من الشهوات والأهواء والانحرافات وأن يبذل الجهود
الصادقة في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنسبة
إلى كل فرد، وهذا كله من مصاديق وموجبات السلم والسلام بالمعنى الأعم،
أو من مقوماته أو لوازمه أو ما أشبه ذلك، قال سبحانه: (وَلْتَكُن
مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ((269).
وقد ذكرنا في بعض تفاسيرنا: إن (من( ليست تبعيضية وإنما نشوية، لأن
الله حصر الفلاح في آخر الآية في (أولئك(، ولا يعقل أن يريد الله
الفلاح بالنسبة إلى جماعة دون جماعة أخرى من المؤمنين.
كما أن الإنسان المؤمن بالله واليوم الآخر مطالب بالمحافظة على حدود
الله في نفسه وفي غيره بشكل عام حتى بالنسبة إلى الكفار، فإنّ للكفّار
أيضاً حقاً على المسلمين كحق القرابة وحق الجوار وحق الإنسانية وحق
الهداية وحق الإحسان وما أشبه ذلك، ولا تنافي بين ما ذكر وبين قولـه
تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
سَبِيلاً((270) كما هو واضح.
كما أن المسلمين مطالبون بالعمل لإسعاد الأمة وخيرها ومطالبون
بالجود بالغالي والنفيس في سبيل أمن الجماعة واستقرارها وسلمها
وسلامها، ولأجل رفع المظالم والقضاء على الجور، وفي سبيل إعلاء كلمة
الله وحرية الناس، ولأجل جمع الناس على كلمة التقوى حسب الممكن، ولذا
قال سبحانه وتعالى: (إِنّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الّذِينَ إِذَا
ذُكّرُواْ بِهَا خَرّواْ سُجّداً وَسَبّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَهُمْ
لاَ يَسْتَكْبِرُونَ( تَتَجَافَىَ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنفِقُونَ((271).
وقال تعالى: (وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ
وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ (
الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآءِ وَالضّرّآءِ((272).
وقال سبحانه: (فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ
يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً((273).
محاسبة الإنسان لنفسه
وقد جعل الإسلام الإنسان على نفسه رقيباً، قال الإمام أمير المؤمنين
(عليه السلام):
»حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا«(274) وحيث حذف
المتعلق فإنه يفيد العموم في وزن النفس بالنسبة إلى نفسها ووزن النفس
بالنسبة إلى غيرها.
وقد ورد في حديث آخر: »وحق لبدنك الراحة والكرامة«(275) والبدن من
باب المثال، وإلا فالروح والعقل والنفس كلها لها حقوق، أو أن البدن
أطلق على مجموع هذه الأربعة، لأنه يحويها جميعاً.
ومن نتائج هذه العلاقة هداية الإنسان إلى طريق الحق، وقد مثل الرسول
(صلى الله عليه وآله وسلم) الهداية بالغيث الذي ينزل من السماء، فان
الغيث عام النفع، لكن الإنسان يمكن أن ينتفع به ويمكن أن لا ينتفع به،
كما يمكن أن يجعله باقياً في مكان يسبب العفونة والأمراض والأوبئة، فقد
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): »إن مثل ما بعثني الله به من الهدى
والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً وكان منها طائفة طيبة فقبلت الماء فأنبتت
الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى بها
الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان
لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ«(276).
أقول: حيث إن المقام كان مقام الانتفاع وعدمه لا مقام الحصر،لم يذكر
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القسم الرابع الذي يجمع الماء بدون
فائدة حتى يكون الماء فيها آسناً موجباً للأوبئة والأمراض، ولذا قال
سبحانه: (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى((277).
وعلى أي حال فالإسلام دين الأمن والسلام، والفرق بينهما أن الأمن
بمقابل الخوف وهو أمر قلبي، والسلام مطلق في القلب وفي غير القلب،
يقال: فلان سليم القلب، ويقال: فلان سالم بدنه وعقله وروحه ونفسه.
جزاء الأعمال
ثم إن الإنسان إذا عمل في خير أو شر، مستقيماً أو منحرفاً، فإنه يرى
جزاء ذلك في الدنيا وفي القبر وفي المحشر وأخيراً في النار أو في الجنة
كما قال سبحانه: (وَأَن لّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَىَ ( وَأَنّ
سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىَ ( ثُمّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الأوْفَىَ (
وَأَنّ إِلَىَ رَبّكَ الْمُنتَهَىَ ((278)، ومعنى (إلى ربك(: إلى ثوابه
أو عقابه.
ثم إن الإنسان إذا عمل خيراً أو شراً وصار عمله سنة من بعده، فإنه
يرى جزاء تلك السنة، فإنه وإن لم يكن هو عاملاً بتلك السنة بعد موته،
إلا أنه حيث سنّ الطريق يأتيه الأجر أو الوزر، كما روي عن رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: »من استن بسنة حسنة فله أجرها وأجر
من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن استن بسنة سيئة فعليه
وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء«(279).
ولذا فاللازم على الإنسان الذي يريد المسالمة والسلام مع نفسه
وغيره، أن يكون موقفه من نفسه موقف الرقيب الشديد المحاسبة، فيهديها
سواء السبيل إن ضلّت، ويحاسبها إن أخطأت، ويمنحها حقوقها المشروعة لها،
ويجنّبها الحقوق غير المشروعة التي هي لسائر الناس، فلا يمدّ يد
الخيانة إلى أعراض الناس وأموالهم ودمائهم وما أشبه ذلك، علماً بأن
الإنسان معرّض للانحراف أشدّ أنواع التعرّض لأن الدنيا دار امتحان،
والامتحان كلّما كان شديداً كانت النتيجة كبيرة، يقول الشاعر:
كيف الخلاص وكلهم أعدائي نفسي وشيطانـي ودنيا والهوى
والحل في الآية الكريمة: ( إِنّ الّذِينَ اتّقَواْ إِذَا مَسّهُمْ
طَائِفٌ مّنَ الشّيْطَانِ تَذَكّرُواْ فَإِذَا هُم مّبْصِرُونَ((280)،
حيث التقوى، فإن من الملائكة والشياطين من يطوف هنا وهناك، مثلهما مثل
النحلة والذباب، فالنحلة تحطّ على الأوراد والأزهار بينما الذباب يحطّ
على مواضع الوسخ، فإذا قدم الشيطان على إنسان فاللازم أن يتذكّر فوراً
ويطرده، ولا يكون ذلك إلا إذا كان مبصراً يرى موضع الخطأ ليطرد
الشيطان، بينما إذا لم يكن الإنسان مبصرا متّقياً فإن الشيطان سيوقعه
ويسيره في طريقه طريق الانحراف والابتعاد عن الله عزوجل.
ولا يخفى أنه ليس الإنسان المتقي هو الذي يدّعي التقوى، بل من أكثر
الناس إجراماً من يتظاهر بالتقوى وقلبه فاسق، إذ يعتبرها وسيلة ارتزاق
وبسببها يخدع الناس، وقد ورد في التاريخ أن الحجاج بن يوسف الثقفي كان
يصعد المنبر ويعظ الناس بالتقوى حتى قال الحسن البصري: أحياناً كنت
أُخدع فأتصور أنه يصدق فإنه كان في أثناء خطاباته يتظاهر بالتقوى ويبكي
بكاءً مُراً حتى تجري الدمعة على لحيته، كما عن مالك بن دينار قال:
والله ما رأيت الحجاج يتكلم على المنبر ويذكر حسن صنيعه إلى أهل العراق
وسوء صنيعهم إليه حتى ليخيل إليّ وإلى السامع أنه صادق(281).
وكان هارون العباسي السفاك المشهور إذا نصحه ابن سماك أو غيره يبكي
وتجري دموعه على لحيته.
يقول مالك بن دينار: سمعت الحجاج يخطب وهو يقول: رحم الله امرئ حاسب
نفسه قبل أن يصير الحساب إلى غيره، رحم الله امرئ أخذ بعنان عمله فنظر
ماذا يراد به، ورحم الله امرئً نظر في مكياله، رحم الله امرئ نظر في
ميزانه.. فما زال يقول أمثال هذه الكلمات حتى أبكاهم.
الأمن والسلام في الآخرة
ولم يقتصر السلم والسلام على الدنيا بل يستمر إلى الآخرة، وفي جملة
من الأحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الطاهرين
(عليهم السلام) أنهم قالوا: »أفشوا السلام وصلوا الأرحام وأطعموا
الطعام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام«(282).
فإن دخول الجنة أيضاً قد يكون بسلام وقد يكون بغير سلام بأن يطول
موقف الإنسان في المحشر ويحاسب حساباً عسيراً.
وقد تحصل مما سبق دور الإيمان بالله وباليوم الآخر في نشر السلم
والسلام في المجتمع.
عودة |
(1) نهج البلاغة: الخطب 26.
(2) سورة آل عمران: 103.
(3) بحار الأنوار: ج18 ص225.
(4) سورة التوبة: 71.
(5) سورة آل عمران: 103.
(6) سورة الحجرات: 10.
(7) نهج البلاغة: الرسائل 53.
(8) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): ص330.
(9) بحار الأنوار: ج36 ص11.
(10) بحار الأنوار: ج16 ص95 ب6 ح29.
(11) سورة الأحزاب: 6.
(12) منية المريد: ص190.
(13) راجع وسائل الشيعة: ج12 ص213 ح16114.
(14) بحار الأنوار: ج58 ص147 ح23.
(15) سورة الفتح: 29.
(16) بحار الأنوار:ج71 ص276.
(17) لمزيد من الاطلاع راجع الكافي: ج2 ص166.
(18) الكافي: ج2 ص165.
(19) نهج البلاغة: الرسائل 53.
(20) سورة الأحقاف: 21.
(21) سورة الأعراف: 65.
(22) سورة النمل: 45.
(23) سورة الشعراء: 142.
(24) سورة الأعراف: 85.
(25) سورة الشعراء: 106.
(26) سورة الشعراء: 161.
(27) منية المريد: ص190، القسم الثاني.
(28) مستدرك الوسائل: ج8 ص224.
(29) مستدرك الوسائل: ج12 ص237.
(30) وسائل الشيعة: ج12 ص16.
(31) عدة الداعي: ص189.
(32) سورة الزخرف:67.
(33) عدة الداعي: ص190.
(34) وسائل الشيعة: ج5 ص193.
(35) بحار الأنوار: ج71 ص275.
(36) وسائل الشيعة: ج12 ص18 ح15527.
(37) وسائل الشيعة: ج12 ص16 ح15523.
(38) بحار الأنوار: ج71 ص277، والكافي: ج2 ص166.
(39) سورة الرعد: 39.
(40) سورة يوسف: 106.
(41) بحار الأنوار: ج71 ص277.
(42) مستدرك الوسائل: ج9 ص45 ح10157.
(43) لمزيد من الاطلاع راجع الكافي: ج2 ص16، ووسائل الشيعة: ج12
ص87، ومستدرك الوسائل:
ج9 ص40.
(44) سورة المعارج: 24-25.
(45) وسائل الشيعة: ج12 ص211 ح16111.
(46) مستدرك الوسائل: ج 9 ص 49 ح 10165.
(47) مستدرك الوسائل: ج9 ص45 ح10159.
(48) مستدرك الوسائل: ج9 ص45 ح10158.
(49) مستدرك الوسائل: ج9 ص46 ح10161.
(50) سورة الزمر: 15.
(51) مستدرك الوسائل: ج11 ص154 ح12664.
(52) مستدرك الوسائل: ج8 ص329 ح9576.
(53) تفسير القمي: ج1 ص46.
(54) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج2 ص301.
(55) سورة التحريم: 6.
(56) سورة الإسراء: 23-24.
(57) سورة لقمان: 14-15.
(58) الكافي: ج2 ص160 ج10.
(59) مستدرك الوسائل: ج15ص177ح17923.
(60) الكافي: ج2 ص163 ح20.
(61) جامع الأخبار: ص 83.
(62) مستدرك الوسائل: ج15 ص201 ح18006.
(63) راجع المستدرك للحاكم النيسابوري: ج4 ص175.
(64) أي يصيحون من الجوع.
(65) بحار الأنوار: ج14 ص421 ح3.
(66) راجع غرر الحكم ودرر الكلم: ص407 ح9341، وفيه: عنه (عليه
السلام) قال: (من برّ والديه بره ولده(.
(67) موسوعة الفقه للإمام المؤلف (: ج97، كتاب الآداب والسنن: ص255.
(68) الكافي: ج6 ص48 ح3.
(69) الكافي: ج6 ص49.
(70) الكافي: ج6 ص49 ح3.
(71) سورة النساء: 1.
(72) غرر الحكم ودرر الكلم: ص405 ح9290.
(73) غرر الحكم ودرر الكلم: ص406 ح9300.
(74) غرر الحكم ودرر الكلم: ص406 ح9326.
(75) وسائل الشيعة: ج12 ص273 ح16288.
(76) غرر الحكم ودرر الكلم: ص407 ح9327.
(77) الكافي: ج7 ص436 ح9.
(78) وسائل الشيعة: ج21 ص534 ح27787.
(79) الكافي: ج2 ص346 ح2.
(80) مستدرك الوسائل:ج8 ص209
(81) بحار الأنوار: ج 13 ص 428 ح 23.
(82) مستدرك الوسائل: ج 8 ص 327 ح 9578.
(83) وصايا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ج2 ص315.
(84) وسائل الشيعة: ج12 ص16 ح15522.
(85) وسائل الشيعة: ج12 ص16 ح15523.
(86) وسائل الشيعة: ج24 ص274 ح30531.
(87) مستدرك الوسائل: ج8 ص352 ح9639.
(88) الأمالي للشيخ الصدوق: ص348 المجلس55 ح7.
(89) مكارم الأخلاق: ص17.
(90) غض من قدره: احتقره وقلل من شأنه.
(91) راجع غرر الحكم: ص422 ح9673 وفيه: (بحسن الموافقة تدوم
الصحبة(.
(92) غرر الحكم: ص430 ح9797.
(93) راجع غرر الحكم: ص435 ح9951 وفيه: (حسن الصحبة يزيد في محبة
القلوب(
(94) الكافي: ج2 ص669.
(95) من لا يحضره الفقيه: ج2 ص274 ح2426.
(96) الكافي: ج2 ص637 ح1.
(97) الكافي: ج2 ص120 ح15.
(98) الكافي: ج2 ص670.
(99) قرب الإسناد: ج1 ص7.
(100) الكافي: ج2 ص102 ح17.
(101) جامع الأخبار: ص85.
(102) مستدرك الوسائل: ج12 ص424 ح16506.
(103) سورة الحجرات: 10.
(104) سورة التوبة: 71.
(105) تهذيب الأحكام: ج6 ص159.
(106) مستدرك الوسائل: ج9 ص45 ح10160.
(107) مستدرك الوسائل: ج12 ص391 ح14382.
(108) وسائل الشيعة: ج16 ص286 ح21561.
(109) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج1 ص16.
(110) سورة (المؤمنون): 101-103.
(111) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج2 ص23 ح7.
(112) سورة آل عمران: 103.
(113) نهج البلاغة: خطبة 127 من كلام له (عليه السلام) وفيه يبين
بعض أحكام الدين.
(114) الكافي: ج2 ص487 ح1.
(115) بحار الأنوار: ج28 ص104.
(116) بحار الأنوار: ج58 ص150.
(117) تهذيب الأحكام: ج3 ص365 ح71.
(118) راجع وسائل الشيعة: ج9 ص146 ح11712، وفيه: عن الإمام أبي
الحسن الرضا (عليه السلام) قال: (قيل لأبي عبد الله الصادق (عليه
السلام): لأي شيء جعل الله الزكاة خمسة وعشرين في كل ألف ولم يجعلها
ثلاثين؟ فقال (عليه السلام): إن الله عزَّوجلَّ جعلها خمسة وعشرين،
أخرج من أموال الأغنياء بقدر ما يكتفي به الفقراء ولو أخرج الناس زكاة
أموالهم ما احتاج أحد(.
(119) راجع من لا يحضره الفقيه: ج2ص72 ح1766، وفيه: سأل هشام بن
الحكم أبا عبد الله (عليه السلام) عن علة الصيام فقال (عليه السلام):
(إنما فرض الله عزَّوجلَّ الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك أن
الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير لأن الغني كلما أراد شيئاً
قدر عليه فأراد الله عزَّوجلَّ أن يسوّي بين خلقه وأن يذيق الغني مس
الجوع والألم ليرقّ على الضعيف فيرحم الجائع(.
(120) سورة الحج: 28.
(121) مستدرك الوسائل: ج3 ص363 ح3788.
(122) مستدرك الوسائل: ج8 ص404 ح9805.
(123) غرر الحكم ودرر الكلم: ص466 ح10715.
(124) سورة آل عمران: 105.
(125) سورة الأنفال: 46.
(126) سورة آل عمران: 103.
(127) سورة الروم: 31-32.
(128) سورة الأنعام: 159.
(129) سورة التوبة: 107 و108.
(130) بحار الأنوار: ج85 ص100 ج72.
(131) لمزيد من الاطلاع راجع بحار الأنوار: ج73 ص20، وتحف العقول:
ص218
(132) وهو عثمان بن عفان.
(133) سورة عبس: 1 - 17.
(134) سورة القلم: 4.
(135) مستدرك الوسائل: ج9 ص150 ح10521.
(136) سورة الأعراف: 199.
(137) نهج البلاغة: الخطب 193.
(138) تحف العقول: ص103.
(139) غوالي اللآلي: ج1 ص381 ح5.
(140) سورة البقرة: 185.
(141) راجع بحار الأنوار: ج8 ص119ح7 وفيه: (إن حسن الخلق ذهب بخير
الدنيا والآخرة(.
(142) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج1 ص89.
(143) الكافي: ج2 ص304 ح11.
(144) الكافي: ج2 ص290 ح7.
(145) مستدرك الوسائل: ج9 ص57 ح10195.
(146) غرر الحكم ودرر الكلم: ص264 ح5709.
(147) مستدرك الوسائل: ج12 ص15 ح13382.
(148) الكافي: ج2 ص303 ح3.
(149) تهذيب الأحكام: ج9 ص176 ح14.
(150) الكافي: ج6 ص209 ح1.
(151) سورة النساء: 128.
(152) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج1 ص39.
(153) بحار الأنوار: ج73 ص43 ح2.
(154) سورة الحجرات: 10.
(155) سورة الحجرات: 12.
(156) مستدرك الوسائل: ج 9 ص 118 ح 10408.
(157) وسائل الشيعة: ج 17 ص 459 ح 22993.
(158) كشف الريبة: ص6-7.
(159) منية المريد: ص327.
(160) الصحيفة السجادية: الدعاء رقم 20 في مكارم الأخلاق ومرضي
الأفعال.
(161) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص400 ح5858.
(162) مشكاة الأنوار: ص 229.
(163) كنـز الفوائد: ج2 ص164.
(164) سورة لقمان: 22.
(165) سورة لقمان: 22.
(166) وسائل الشيعة: ج11 ص435 ح15190.
(167) مستدرك الوسائل: ج8 ص363 ح9679.
(168) سورة فاطر: 6.
(169) سورة النازعات: 37-41.
(170) سورة الشمس: 7-10.
(171) مشكاة الأنوار: ص251.
(172) غرر الحكم ودرر الكلم: ص50 ق1 ب1 ف4 أهمية العقل ح308.
(173) مستدرك الوسائل: ج11 ص211 ب9 ضمن ح12769.
(174) غرر الحكم ودرر الكلم: ص52 ق1 ب1 ف4 أفضل العقل وكماله ح380.
(175) مستدرك الوسائل: ج11 ص211 ح12769.
(176) وسائل الشيعة: ج15 ص161 ح20208.
(177) راجع مستدرك الوسائل: ج11 ص140 ح12651 وفيه: عن الرضا (عليه
السلام) قال: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى بعض أصحابه
منصرفاً من بعثٍ كان بعثه وقد انصرف بشعثه وغبار سفره وسلاحه عليه يريد
منـزله فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): انصرفت من الجهاد الأصغر إلى
الجهاد الأكبر فقال له: أو جهاد فوق الجهاد بالسيف؟ قال (صلى الله عليه
وآله وسلم): نعم جهاد المرء نفسه(.
(178) سورة الأعراف: 27.
(179) سورة الممتحنة: 8-9.
(180) سورة النحل: 125.
(181) سورة العنكبوت: 46.
(182) سورة الغاشية: 21-22.
(183) سورة يونس: 99.
(184) سورة البقرة: 256.
(185) سورة الإسراء: 54.
(186) سورة آل عمران: 64.
(187) سورة النحل:91.
(188) سورة الإسراء: 34.
(189) سورة التوبة: 4.
(190) سورة الإسراء: 70.
(191) سورة الزمر: 9.
(192) سورة المجادلة: 11.
(193) سورة فاطر: 28.
(194) سورة آل عمران: 18.
(195) سورة النجم: 28.
(196) سورة الإسراء: 36.
(197) سورة غافر: 56.
(198) سورة العلق: 1 - 5.
(199) سورة البقرة: 269.
(200) مستدرك الوسائل: ج17 ص249 ح21250.
(201) وسائل الشيعة: ج27 ص27 ح33119.
(202) منية المريد: ص101.
(203) بحار الأنوار: ج1 ص186 ح111.
(204) الكافي: ج1 ص32 ح2.
(205) وسائل الشيعة: ج17 ص85 ح22047.
(206) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص158ح3580.
(207) الكافي: ج5 ص113 ح1.
(208) بحار الأنوار: ج75 ص235.
(209) الكافي: ج1 ص41 باب بذل العلم ح3.
(210) منية المريد: ص185 ب1 النوع الثاني ق1 بذل العلم.
(211) بحار الأنوار: ج2 ص24 ب8 ح79.
(212) الكافي: ج2 ص607 ح3.
(213) الكافي: ج1 ص17 ح12.
(214) إرشاد القلوب ص70.
(215) غرر الحكم ودرر الكلم: ص70 ح991.
(216) سورة البقرة: 159-160.
(217) صحيفة الرضا (عليه السلام): ص91 ح24.
(218) وسائل الشيعة: ج20 ص311 ح25699.
(219) مستدرك الوسائل: ج12 ص390 ح14378.
(220) مستدرك الوسائل: ج12 ص179 ح13817.
(221) غوالي اللآلي: ج1 ص139 ح3.
(222) سورة البقرة: 194.
(223) سوره المائدة: 32.
(224) الإختصاص: ص235.
(225) ثواب الأعمال: ص 278.
(226) سورة النساء: 29.
(227) مستدرك الوسائل: ج16 ص38 ح19052؛ الأراك: هو الشجر الذي يؤخذ
منه السواك.
(228) غوالي اللآلي: ج1 ص457 ح198.
(229) مستدرك الوسائل: ج17 ص88 ح20820.
(230) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص380 ح5807.
(231) الكافي: ج5 ص52 ح4.
(232) سورة الهمزة: 1.
(233) غرر الحكم ودرر الكلم: ص185 ح3522.
(234) سورة البقرة: 194.
(235) الكافي: ج2 ص368 ح1.
(236) مستدرك الوسائل: ج18 ص211 ح22528.
(237) الكافي: ج1 ص368 ح2.
(238) وسائل الشيعة: ج16 ص345 ح21721.
(239) مستدرك الوسائل: ج1 ص101 ح91.
(240) غوالي اللآلي: ج1ص154 ح121.
(241) مستدرك الوسائل: ج7 ص191 ح8002.
(242) سورة البقرة: 112.
(243) سورة الرعد: 28.
(244) الأمالي للشيخ الطوسي: ص721 ح1521.
(245) كما قال سبحانه وتعالى: (بلى من اسلم وجهه لله( سورة البقرة:
112.
(246) سورة البقرة: 152.
(247) سورة النمل: 14.
(248) سورة الروم: 30.
(249) التوحيد: ص331 ح9.
(250) سورة العنكبوت: 63.
(251) سورة العنكبوت: 61.
(252) سورة الأحقاف: 13-14.
(253) سورة الأنفال: 24.
(254) سورة فصلت: 33.
(255) شرح الأسماء الحسنى: ج1 ص189.
(256) الكافي: ج2 ص294 ح5.
(257) سورة البقرة: 177.
(258) سورة النساء: 133.
(259) سورة فاطر: 15.
(260) رياض الصالحين: ص114-115 ب11 ح111.
(261) الكافي: ج1 ص16 ح12.
(262) سورة فصلت: 17.
(263) سورة الواقعة: 57 - 74.
(264) سورة الأعراف: 34.
(265) أجاجاً: ملحاً مُرَّا.
(266) قاعدة أصولية.
(267) سورة الأحزاب: 45-46.
(268) الكافي: ج3 ص422 ح6.
(269) سورة آل عمران: 104.
(270) سورة النساء: 141.
(271) سورة السجدة: 15-16.
(272) سورة آل عمران: 133-134.
(273) سورة البقرة: 148.
(274) وسائل الشيعة: ج11 ص380 ح9.
(275) بحار الأنوار: ج49 ص161ح1.
(276) منية المريد: ص102.
(277) سورة فصلت: 44.
(278) سورة النجم: 39-42.
(279) مستدرك الوسائل: ج12ص229ح13956.
(280) سورة الأعراف: 201.
(281) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج2 ص301.
(282) مستدرك الوسائل: ج16 ص246 ح19751.
عودة |