الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

التنافس الحر

التنافس حالة طبيعية في الإنسان تتعايش معه على طول التاريخ حتى في الجنة وأعمال الخير كما قال سبحانه: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وقال تعالى: سارعوا إلى مغفرة من ربكم.
وقال سبحانه: فاستبقوا الخيرات.
أما في الدنيا فالتنافس يؤدي إلى نشاط الإنسان وشحذ همته أكثر فأكثر بحيث يحاول أن يتقدم على الآخرين ولا يتخلف عن منافسيه عبر الإبداع في عمله بشكل أفضل وأشمل وبذلك تتجلى التألقات العلمية والعملية على ساحة المجتمع مما يؤدي إلى تقدمه وتطوره.
ولذا فاللازم على الدولة الإسلامية القائمة أن تهتم لإيجاد حالة التنافس الإيجابي عبر تكوين الأحزاب الحرة ذات الجذور الاجتماعية والمستندة إلى المؤسسات الدستورية حتى توجد الحوافر نحو التقدم وبحيث يؤدي الكل أدوارهم بأفضل ما يتمكنون منه في ميادين العلم والعمل ـ في مختلف الأبعاد ـ ونجد ذلك جليا في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
فقد قسم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين إلى مهاجرين وأنصار وأثار التنافس بينهما إذ ما يؤديه الإنسان من عمل جيد هو المقياس في الكفاءة رغم انه ساوى بين الناس في مجالات العقيدة والعبادة والمعاملات والحقوق الإنسانية وفي قبال القانون إذ الأصل في الإسلام المساوات كما قال تعالى: إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم.
وقال سبحانه : إنما المؤمنون إخوة.
وورد : الا ان الناس من آدم وآدم من تراب.
وكذلك:

الناس من جهة التمثال أكفاء               أبوهــــــــــم آدم والام حــواء
وانما امهات النـــاس أوعيـة                   مستودعات وللاحساب اباء
فإن لم يكن لــــهـــم شـــــرف                يفاخرون به فالطين والمـاء

ولذلك فربما يقال: أصل الأحزاب بهذا الاسم: الحزب كانت في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولو بالصيغة البدائية لذلك ـ وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في كتاب السبق والرماية من كتاب الجواهر والمسالك وجامع المقاصد: أنا في الحزب الذي فيه ابن الأدرع.
فإذا أرادت أي جماعة أن تشكل حزبا فلها الحرية في ذلك أيضاً فلا تحدد الأحزاب بعدد ولكن يشترط في عملها أن لا يكون خلاف الإسلام باعتبار أن البلاد الإسلامية ذات أكثرية مسلمة.
أما الأحزاب الوطنية فلابأس بها إذ معنى الحزب الوطني انه يريد بناء الوطن الإسلامي في مختلف أبعاد البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي وغير ذلك.

العلاقات الداخلية

ان الدولة الإسلامية تتعايش مع الأقليات سلمياً، فالأقليات لها أحكامها الخاصة بها، سواء كانت أديانا كالمجوس والنصارى أو غير أديان كالبوذية والبرهمية وما إلى ذلك.
كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بالنسبة إلى المشركين فإنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يجبر أحداً على الإسلام في مكة مع ان كثيرا منهم كانوا مشركين بعد فتح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها.
والاقليات في القضاء مخيرون بين مراجعتنا ومراجعة قضاتهم فإن راجعونا حكمنا لهم وعليهم بحكمهم أو بحكم أنفسنا.
أما في الآداب العامة : كالمرور ونحوه فاللازم عليهم اتباع قوانين البلاد كما هو كذلك في كل بلد من بلاد العالم.
وتأخذ الدولة منهم الجزية في قبال حماية الحاكم الإسلامي لهم وحفظ أموالهم وأنفسهم وأهليهم كما يؤخذ من المسلمين الخمس والزكاة أما الخراج والمقاسمة فلا فرق فيهما بين المسلم وغيره.
ومن آداب البلاد العامة التي عليهم مراعاتها: عدم إظهار المنكر مثل التظاهر بشرب الخمر وفتح دور البغاء وما إلى ذلك وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب الفقه الدولة الإسلامية.
أما الأحزاب غير الإسلامية فإن كانت أحزابا وطنية تريد بناء الوطن فهي مجازة وكذلك بالنسبة إلى حزب الأقليات في إطارهم الخاص نعم لا يحق لحزب أن يدعو إلى ما يضاد الإسلام.
فيحق لكل حزب أن يعمل في الإطار الإسلامي من أي مذهب أو قومية كان ويباح لكل قومية أن تمارس لغتها الخاصة في المدارس والجرائد وسائر وسائل الإعلام، نعم اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمسلمين لأنها لغة الكتاب والسنة، ويحق لكل أصحاب لغة استيراد الإذاعة والتلفزيون والمطبعة ونشر الجرائد والمجلات بلغتهم الخاصة.

العلاقات الدولية

تنقسم سائر الدول بالنسبة إلى الدولة الإسلامية التي تقوم بإذن الله تعالى إلى قسمين:
الأول : الدول الإسلامية.
الثاني : الدول غير الإسلامية.
فبالنسبة إلى الدول الإسلامية يلزم العمل معها حسب القانون الإسلامي حيث الأمة الواحدة والاخوة الإسلامية والحرية الإسلامية
قال سبحانه: وإن هذه أمتكم أمة واحدة.
وقال تعالى : إنما المؤمنون إخوة.
وقال عز من قائل : يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
فاللازم أن يعتبر المسلم من أية دولة بمنزلة المسلم المواطن في الدولة الإسلامية إلا إذا كان هناك عنوان ثانوي قطعي مثل قانون لا ضرر وقانون الأهم والمهم وقانون من سبق حيث ان السابق مقدم على غيره والعنوان الثانوي يكون على نحو الاستثناء لا الأصل وبشكل موقت لا دائم.
إني أذكر قبل نصف قرن حيث لم تكن هناك جنسية ولا هوية ولا ما أشبه كيف كان المسلمون يأتون من بلاد الإسلام أو غير الإسلام إلى العراق فكان حالهم حال المسلمين في العراق في كل شيء من الزواج والكسب والاخوة وغير ذلك وهذه الحالة يجب أن ترجع كما أمر الله وكما قرر في الكتاب الحكيم.
أما بالنسبة إلى غير المسلم الذي يأتي إلى بلد الإسلام فاللازم إجراء قانون الإلزام وتبادل المصالح ولا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين بالإضافة إلى القوانين المتقدمة الاستثنائية مثل: قانون لا ضرر وقانون الأهم بالنسبة إليهم.
ثم ان بعض الدول الإسلامية وبعض الدول غير الإسلامية قد تحارب الدولة الإسلامية الفتية إما لاختلاف المصالح أو لاختلاف الآراء أو للعداوات التقليدية أو ما أشبه ذلك كتخطيط الأعداء ونحوه لكن اللازم في كل ذلك أن تحل المشكلة بالتي هي أحسن ـ في الكم والكيف ـ كما نرى ذلك في الفارق بين الدولة العاقلة والدولة غير العاقلة فإن الغرور والكبريــــاء والأنانية كما تحطم الأفـــراد تحطم الــــدول بل تحطيمها للدول أسرع وأظهر على الملاك الذي يظهر من القول المشهور إذا فسد العالم فسد العالم.
إذن: فاللازم أن يبد ل العداء إلى التعاون ولو بقدر.
ولو فرض عدم الإمكان، ولعله فرض نادر، فاللازم الوقوف حيادياً لتفادي المشكلة.

علاقات حسن الجوار

من أهم مقومات الاستقرار للدولة الإسلامية الفتية: حسن الجوار بأن تحفظ حق الجوار بالأحسن، لا الحسن فقط، فقد قال سبحانه: وأمر قومك يأخذوا بأحسنها.
وقد قال الإمام الكاظم: ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى.
وإذا كان الجار سيئا عقيدة أو عملا فاللازم إصلاحه ودعوته بالتي هي أحسن كما قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.
فإذا كان حسن الجوار مهما بالنسبة إلى البيوت والدور فهو أهم بالنسبة إلى الدول والحكومات.
وعلى الدولة الإسلامية أن تحافظ على التعامل بكل حكمة وتعقل مع كل الدول سواء سميت مجاورة لتجاور أراضيهم أو لم تسم مجاورة كسائر دول العالم، وسواء كانت مسلمة أو غير مسلمة.
وإذا قام إعلام الدول المعادية بالاستفزاز ضد الدولة الإسلامية الفتية فاللازم على الدولة الإسلامية أن تضبط الأعصاب بكل قوة وترد الإساءة بالإحسان وتجيب على ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالسباب والتهريج فإن ذلك يخفف الإساءة ـ على أقل تقديرـ وقد قال الإمام السجاد : اللهم صل على محمد وآله وسددني لأن أعارض من غشني بالنصح وأجزي من هجرني بالبر وأثيب من حرمني بالبذل وأكافي من قطعني بالصلة وأخالف من اغتابني إلى حسن الذكر وأن أشكر الحسنة وأغضي عن السيئة.
والغريب في الأمر ان بعض الناس لا يتحملون سماع شتيمة لكنهم عند ما يشتمون الآخرين فإنهم يهيئون أنفسهم لسماع ما لا يحصى من الشتائم.
ولذا قال القرآن الحكيم: وإن تعفوا أقرب للتقوى.
ويحكى عن عيسى المسيح انه قال: وان لطم أحد خد ك الأيمن فأعطه خد ك الأيسر.
وقد أراد بذلك العز والراحة للمصفوع قبل أن يريد ذلك للضارب فإن تحمل صفعة واحدة أفضل من تحمل صفعات قد تتوالى عند ما تتصاعد المعركة، لكن ذلك يحتاج إلى ضبط الأعصاب وإعمال العقل والروية ومن الطبيعي أن يلاحظ في ذلك مقتضيات باب التزاحم حسب تشخيص شورى المراجع.

الحريات

الحرية أصل يعطي للإنسان الحق في أن يختار أي شيء أو يقول أي كلام أو يفعل أي فعل أو حسب إرادته كما تقر ر ذلك في العقل والشرع.
فعلى الدولة الإسلامية القائمة أن تطلق كافة الحريات للناس في كل الأبعاد ـ ضمن الإطار الإسلامي ـ من حرية العقيدة والرأي والزراعة والاكتساب والتجارة والصناعة والدخول في الوظائف والسفر والإقامة والعمارة وحيازة المباحات ونصب محطات الراديو والتلفزيون وإيجاد المطابع وإنشاء الأحزاب والمنظمات وإنشاء المصانع والمعامل وإصدار الصحف والجرائد والمجلات والانتقال من بلد إلى بلد بنفسه أو بكسبه إلى غير ذلك وقد ذكرنا تفصيل الحريات ـ في الجملة ـ في كتاب الفقه: الحريات.
وبذلك تلغى كل القيود وكافة أنواع الكبت من الهويات الشخصية والجنسية والجواز واجازة الاستيراد والتصدير و...
وبالجملة كل إنسان حر في كل شيء ما عدا المحرمات وهي قليلة جداً إضافة إلى ان المحرمات عند المسلمين لا يؤخذ بها غير المسلمين في إطار قانون الإلزام على ما ذكرنا تفصيله في كتاب الفقه: القواعد الفقهية.
قال صلى الله عليه وآله وسلم : انه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم.
ولا يخفى ان الناس انما أقبلوا نحو الإسلام أو أقبلوا إلى الدخول في بلاد الإسلام والعيش فيها تحت لواء الإسلام كما هو ظاهر لمن راجع التاريخ لأنهم رأوا في الإسلام وفي بلاد الإسلام هذه الحريات الواسعة حيث لم تتوفر في أية بقعة من بقاع الدنيا تحت أي دين أو قانون أو حكومة كما ان الأمر كذلك بالنسبة إلى الحكومات الحالية والتي تسمى بالعالم الحر رغم انه عالم حر بالنسبة إلى سائر بلاد العالم اليوم لا بالنسبة إلى الحكومة الإسلامية الصحيحة.
وربما يتوهم : ان ذلك يوجب الفوضى؟
والجواب : ان ذلك لم يستلزم الفوضى طيلة التاريخ الإسلامي في مد ة ثلاثة عشر قرنا إلى أن دخلت بلاد الإسلام تحت حكم القوانين الغربية وأوقعت المسلمين فيما لا يحصى من المشاكل والمآسي وإني قد رأيت بنفسي كثيرا من الحريات الإسلامية قبل نصف قرن في العراق وقد فقدناها بعد الحرب العالمية الثانية وقد أشرت إلى بعضها في كتاب بقايا حضارة الإسلام كما رأيت.
وأيضا فإن ما نراه في بلادنا من فوضى واضطرابات هو نتيجة لتحكم الاستبداد والديكتاتورية فإن الاستبداد مستنقع مملوء بالأوبئة الفاسدة التي تنشر الأمراض بالمجتمع: كالطغيان والظلم والفقر والقمع والسجن والتشرد والحروب وغير ذلك.