الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

أهمية الإقتصاد في النظام الإسلامي

من أهم ما يجب ملاحظته على الدولة الإسلامية الفتية الاقتصاد فمن لا معاش له لا معاد له كما ورد في الحديث الشريف وقال صلى الله عليه وآله وسلم : الفقر سواد الوجه في الدارين.
والاستقلال الاقتصادي يوجب الاستقلال السياسي كما ان التضخم وغلاء الأسعار وقلة الموارد توجب تنفر الناس عن الحكومة وتسبب آخر المطاف سقوطها.
وعليه فاللازم : البرمجة الشاملة والدقيقة لضمان سلامة الاقتصاد وتطويره، وعلى الحكومة أن تكوّن وتسمح بتكوين مؤسسات اقتصادية ولجان من أهل الخبرة لكل نوع من أنواع الاقتصاد كالزراعي والصناعي والتجاري الخارجي والداخلي والمصرفي وما إلى ذلك بحيث تكون قوانينها حيوية مطابقة للإسلام وللعصر.
كل ذلك في إطار حرية رؤوس الأموال بمعنى الكلمة ـ في غير المحرم ـ فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وكون كل الأمور بيد الناس والدولة مهمتها الإشراف فقط، حتى المطارات وسكك الحديد والمعامل والمصانع الكبار والصغار والمستشفيات وغيرها.
وإعطاء الحرية لجميع الناس في الاستفادة من الأرض الأرض لله ولمن عمرها والماء والغابات وحيازة المباحات كالأسماك وسائر أقسام الحيوانات، وكذا أنواع المعادن حسب قانون من سبق.
وكما قال تعالى: لكم وكل ذلك لا يؤطر إلا بإطار الأحكام الأولية الإسلامية والأحكام الثانوية مثل قانون لا ضرر وقانون الأهم والمهم بموازينها الفقهية لدى المراجع وحسب التشاور والتعاون بين شورى الفقهاء ومجلس منتخبي الأمة ولجان الخبراء
أما ما يشاهد اليوم من منع حيازة المباحات ومنع الناس عن حرياتهم الاقتصادية فهو محرم شرعا، ومن أكبر الأخطار على استقرار وازدهار وتقدم الدولة الإسلامية.
ومن الأعمدة المهمة أيضا لتقدم الاقتصاد:الاكتفاء الذاتي وقلة الموظفين ـ بأقصى حد ممكن ـ والأحزاب الحرة وتصنيع البلاد والتثقيف العام.
وبذلك ينفى الفقر والبطالة كما يحصل كل الناس على حاجاتهم الأولية والثانوية.
ومن أهم الأمور في سلامة الاقتصاد هو جعل التجارة والصناعة حرة بما للكلمة من معنى وذلك في غير المحرمات الشريعة وهي قليلة جداً.
وحيث ان الاقتصاد مهم شرعا وعقلا ويؤثر في حسن سمعة الدولة مما يفتح آفاقا عالمية واسعة فإذا تحقق للدولة الفتية اقتصاد سليم ورأت سائر الدول ذلك في بلاد الإسلام اقتدت به مما يسبب الخير لدنيا الناس وآخرتهم.
وقد اتخذ غير المسلمين مناهج المسلمين في العلم والحرية والصناعة وغيرها مع انهم كانوا يعيشون في القرون الوسطى المظلمة عندما كانت للمسلمين تلك النهضة الحضارية المتدفقة بشلالات النور فتقدموا هذا التقدم الهائل بينما ترك المسلمون كل ذلك فتأخروا هذا التأخر الهائل.

تصحيح الإنحراف

ومن الأعمال الإيجابية التي يجب أن تقوم بها الدولة الإسلامية هو تعديل مواطن الانحراف وتوجيه الانحرافات الاجتماعية نحو الأعمال السليمة والشريفة، عبر ايجاد الأجواء الصالحة لذلك مثل تبديل الحانات ودور الرذيلة إلى مكاسب شريفة وصالحة وانتشال الغارقين في الانحراف ومساعدتهم على أن يصبحوا أفرادا صالحين ومفيدين في المجتمع.
وهذا يعني أنه لا يصح المعاقبة للأعمال السابقة أو تعطيل أعمالهم بدون ايجاد بديل وعمل صحيح يجنبهم السقوط في العمل المنحرف مرة أخرى.
أما المعاقبة فتعني سقوط الدولة في مستنقع الانتقام وقد ذكرنا في فصل سابق لزوم إعطاء الدولة العفو العام.
وأما تركهم وشأنهم بدون ايجاد البديل الصالح فذلك يوجب تكثير البطالة أو رجوعهم إلى أعمالهم السابقة وقد ورد أن أمير المؤمنين عليا زوّج مومسة. بالإضافة إلى ان ذلك من مراتب النهي عن المنكر.
فإذا شكلت الدولة لجنة لأجل هذه الأمور أمكن العلاج بسرعة وبدون مضاعفات ومشاكل.
وكذلك الحال بالنسبة إلى البنوك الربوية فإن علاجها تبديلها إلى المضاربة تحت إشراف لجنة من الخبراء الاقتصاديين منضما إليهم علماء دينيون أما إلغاء الربا بشطبة قلم بدون دراسة وإيجاد البديل الأحسن ـ كتقنين المضاربة ونحوها ـ فذلك يوجب.
أولا : تهريب رؤوس الأموال من البلاد فإن رأس المال جبان ـ كما في المثل ـ وذلك يوجب سقوط الدولة في مساقط التضخم بويلاته الكثيرة.
وثانيا: سحب الناس أموالهم من البنوك مما يسبب افتقار البنوك وهي عصب اقتصادي هام للدولة وكثيرا ما يسبب التضجر والتأفف مما يضر بسمعة الدولة ويسبب تزعزعها الاقتصادي.

الاكتفاء الذاتي

قال الإمام أمير المؤمنين : احتج إلى من شئت تكن أسيره وهذا من البديهيات فإن المحتاج إلى الغير يصبح أسيره وتابعا له، يقوده كيفما شاء وإلا قطع المعونة عنه
والغرب لم يسيطر على البلاد بسبب السلاح فقط بل بسبب إعطائه المعونات المالية لدول العالم الثالث وتزويدهم بالخبراء وغير ذلك.
ولذا اهتم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مذ دخل المدينة المنورة بتوفير الاكتفاء الذاتي للمسلمين عن اليهود لكي لا يخضعوا لسيادتهم.
وفي قصة مشهورة من التاريخ: أراد الخليفة إعطاء المال لأبي ذررحمه الله فأبى من أخذه.
فقـــال له مبعـــوث الخليفة ـ وكــــان من عبيد الخــــليفة وقد وعده الخليفة انه إذا استطاع إقناع أبي ذررحمه الله بأخذ المال اعتقه ـ :انك إذا أخذته كان في ذلك عتقي.
فقال له أبوذر رحمه الله: ولكن في ذلك رقي.
وعلى هذا فاللازم على الحكومة الإسلامية الناهضة جديدا : الاهتمام بالاكتفاء الذاتي في مختلف جوانب الحياة من المأكل والمشرب والمسكن والصناعة والزراعة وغيرها.
ويمكن القيام بذلك عبر تشكيل لجنة عليا من الخبراء والمتخصصين واتخاذ مجموعة خطوات.
أولا : الاستفادة من الأراضي الزراعية وتنمية الثروات الحيوانية مثل إيجاد حقول الدواجن وأحواض الأسماك والتشجيع على الصناعات اليدوية كصنع السجاد وغير ذلك.
ثانيا : من الضروري أن تهتم الدولة الإسلامية الفتية لتصنيع البلاد عبر ايجاد المصانع التي تقوم بتشغيل عدد كبير من الناس مما يوفر الإمكانية اللازمة للاستقلال والاكتفاء الذاتي.
والمراد بالتصنيع الأعم من الصناعات المحلية الصغيرة والصناعات الكبرى.
وقد كان في أواخر الحكم الملكي ـ الذي توفرت فيه شيء من التعددية والأحزاب الحرة وشبه الاستقرار في العراق ـ يصنع في مدينة كربلاء المقدسة أربعمائة نوع من الصناعة.
وتطوير التصنيع من أهم ما يوجب تقديم الأمة إلى الأمام في كل الميادين، إذ الصناعة هي القمة التي تتربع على سائر الميادين الثقافية والخبروية والاجتماعية وغيرها.
إذ ان التصنيع يعطي حاجات البلاد ويوجب الاكتفاء الذاتي ويقلل من نسبة البطالة إلى أقل حد ممكن ويوجب رفع العوز والفقر ويقف حائلا دون التضخم وكل ذلك بدوره يوجب تقليل الفساد الأخلاقي والسرقة والمرض، واستعمال المخدرات ونحوها.
ولا يخفى ان تقدم التصنيع وتطويره لا يكون إلا مع الحرية والتعددية وقلة الموظفين وانعدام الروتين ووجود الاستثمارات وتشجيعها على ذلك وكذلك تشجيع الناس على إيجاد صناديق الإقراض والبنوك المضاربية التي تساهم في تطوير الصناعة.
وقد ذكرنا سابقا ان الحرية لا يمكن أن توجد إلا بعد أن تكون مستندة إلى الأحزاب الحرة والمؤسسات الدستورية.
فإذا اُهتم بهذا الأمر وبدأت الدولة بإنشاء هذه المصانع تدريجيا عبر إنشاء المصانع الصغيرة ومن ثم وبعد فترة من الزمن تبدأ بالصناعات الثقيلة والكبيرة التي يتم إنشائها حسب الإمكانات والظروف وبذلك لا تمر خمسة أعوام إلا والبلاد مشرفة على الاكتفاء الذاتي في الحقلين الصناعي والزراعي وما يتبع ذلك من سائر الاكتفاءات.
ومن الملاحظ أن بعض دول العالم الثالث تركز معظم مصروفاتها على الاستهلاك والاعتماد كليا على ما تستورده من الخارج لتغطية احتياجاتها الأساسية والكمالية ولذلك فإنها تصبح تابعة وأسيرة للدول التي تعتمد عليها خاصة إذا كانت تستقرض منها ولو أنها صرفت هذه على تقوية بنيتها الاقتصادية لنالت اكتفاءها.

معالجة مشكلة البطالة

من الأسباب التي تؤدي إلى انتشار الأمراض الاجتماعية التي تقود المجتمع نحو التحطم والانحلال، هي البطالة التي تسبب أضرارا كثيرة للمجتمع.
فالبطالة تجر العاطلين عن العمل نحو الانحلال الخلقي والسرقة والجريمة والمرض والانتحار والجهل والفوضى وغيرها إذ الذي لا عمل له يبيع نفسه كي يحصل على المال ويسرق لأجل ذلك ويقدم على سائر أنواع الإجرام وحتى الكفر، فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: كاد الفقر أن يكون كفرا.
وقال : الفقر سواد الوجه في الدارين.
وقال أبوذر رحمه الله: عجبت للفقراء كيف لا يخرجون إلى الأغنياء بسيوفهم.
وقد تجلى أحد مصاديق ما تعجب منه رحمه الله في زماننا حيث ان الشيوعية ـ وهي بؤرة الفقر والفساد ـ ظهرت إلى الوجود فلم يتحمل الشعب الكادح ذل الأسر والفقر والكبت أكثر من حقبة قصيرة بالنسبة إلى عمر الدول الكبرى والحضارات فكان أن خرج من الدائرة المغلقة وأطاح بالحكومة الشيوعية التي جمعت بيدها رؤوس الأموال الطائلة والأسلحة الهائلة.
وقد يتعقد الفقير العاطل عن العمل نفسيا مما يسبب المرض لأن كلا من البدن والنفس يؤثر في الآخر.
بالإضافة إلى انه كثيرا ما يسبب المرض مباشرة كفقدان وسائل الوقاية والعلاج من المرض وقرحة المعدة والسكتة القلبية وفقر الدم وسائر ما يترتب على الضغط العصبي ـ الناجم عن الفقر والبطالة ـ والجوع وما إلى ذلك ولذا نقرأ في الأدعية: اللهم أغن كل فقير.
كما ان الفقير لا يملك المال لأجل الدراسة، لذلك يبقى في حالة الجهل مما يجعله ينتقل نحو اثارة الفوضى،ثم الثورات والحروب.
وهذا هو الغالب وإن كانت البطالة أحيانا تكون مع الغنى أيضا ولكن الكلام في الغالب الغالب.
ولذا فاللازم على الدولة الإسلامية الفتية أن تضع الحلول الناجعة لإزالة البطالة: بإعطاء الحريات وإباحة تملك وإعمار الأرض وسائر ما خلق الله سبحانه لنفع البشر ـ مما ليس ملكا لأحد ـ وقد ورد: من سبق في إطارلكم.
وأيضا: ايجاد فرص العمل عبر تشجيع الأغنياء لاستثمار أموالهم في القطاع المنتج لتشغيل هؤلاء العاطلين إلى غير ذلك.
ولو بقى بعض الناس ـ بعد كل ذلك ـ بلا عمل فاللازم توفير حياة كريمة متوسطة لهم إلى حين يجدون العمل المناسب وذلك عبر برنامج بيت المال وتحريض أهل الخير بالمساعدة والمساهمة في رفع العوز ولذا قال سبحانه : ولا يحض على طعام المسكين وجعله من أسباب دخول النار.

الموظفون

يمكن القول : بأن التضخم في جهاز الموظفين في الدولة هو أسوء من التضخم في الاقتصاد ، بل قد يكون هو من أسبابه لأن التضخم في الجهاز الوظيفي يجعل المنتجين مستهلكين ويؤدي إلى سيطرة البيروقراطية التي تحول دون حريات الناس وحينئذ تتجه البلاد نحو الفقر والعوز بعد أن يستملك الجهاز الحاكم الأموال ويمنع الناس من حرية العمل والإنتاج.
ان كل موظف بعد تجاوز القدر المحتاج إليه ليس إلا كلاً على الناس وحائلا دون حرياتهم.
ان دور الجهاز الوظيفي العامل في الدولة هو ضمان الأمن للناس ورفاههم والسهر على مصالحهم، وهذا القدر من الموظفين الذي لا يكون كلاً ولا حائلا دون حريات الناس هو الذي يكفي لتمشية أمور الدولة وخدمة الناس باعتبار ان الجهاز الوظيفي هو لخدمة الناس فحال الموظفين حال المعلم والسائق والطيار ومن أشبههم من الذين يحتاجهم المجتمع.
أما الوظيفة بما هي وظيفة لا تخدم الشعب ولا تحافظ على مصالحه بل تتحول إلى مهنة ومبعث رزق كما هو الحال في كل بلاد الدكتاتوريين فهي الطامة الكبرى إذ يتحول الجهاز الوظيفي إلى بيروقراطية تضع القوانين لتعرقل أعمال الناس وتقضي على حرياتهم.
وفي هذا الحال يتحول الشعب إلى خاضع ومطيع للموظفين بدلا من العكس.
ان التضخم في الجهاز الإداري ملموس بشكل واضح في البلاد الديمقراطية أيضا نظراً لابتعادها عن مناهج الأنبياء عليهم السلام وسنها قوانين كثيرة لا طائل تحتها بل هي ضارة بالمجتمع من جهات عديدة أما بلاد الدكتاتوريين فالتضخم أكثر بكثير كما هو واضح.
فاللازم على الدولة الإسلامية التي تقوم في العراق وكذلك في غيرها أن تشكل لجانا لإلغاء فائض الموظفين وتحويلهم نحو القطاع المنتج.
وفي تصوري انه لو قامت الحكومة بذلك بكل جد وإخلاص لم يبق من الموظفين الحاليين إلا أقل من العُشر بقدر ما تحتاج إليه الدولة وقد فصلنا الكلام حول ذلك في بعض التأليفات المرتبطة بجوانب من الحكم في الإسلام.
أما الموظفون الذين يفصلون عن الحكم ـ باعتبارهم فائضا يقوم على قاعدة الاستهلاك وعلى قاعدة كبت الحريات ـ فلابد من نقلهم إلى قطاع الإنتاج فتساعدهم الحكومة الإسلامية حتى يصبحوا منتجين في الاقتصاد أو في العمل وحتى لا يتحولوا نحو الفقر والبطالة وذلك يتم عبر دراسات مستفيضة يقوم بها خبراء يوازنون الأمور بموازينهم الصحيحة المطابقة للعقل والشرع.