الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

امتلاك القدرة الواقعية

يلزم أن يتمتع النظام ذو الأحزاب المتعددة وذو البنية والهيكلية الاستشارية بمقدار كاف من القدرة الرادعة.
فإن وجود القدرة يرهب الأعداء خاصة الذين يجدون في قيام نظام استشاري خطرا عليهم وتحول دون محاولاتهم لإسقاط النظام الفتي.
كما ان القدرة الكافية توجب استقرار الأمن واطمئنان الأمة فالذي لا يملك القدرة الرادعة لا يستطيع النهوض ولو فرض انه تمكن من النهوض لا يتمكن من البقاء والاستمرار.
ومعنى توفير القدرة أن تكون هناك مقومات أساسية من تنظيم وقوة سياسية وعسكرية واقتصادية وأسلوب اداري متمكن تكفي لبقاء الثورة صامدة وقوية أمام الأعداء والطامعين والحساد والانتهازيين.
لقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة حيث كان الناس يدخلون في دين الله أفواجا هو نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي عاش في مكة والذي تحدث عنه تعالى بقوله: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك وقوله سبحانه: إذ أخرجه الذين كفروا.
فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو نفسه في كلا الموقعين من كونه حاملا للوحي وهاديا إلى الصراط المستقيم ونزيها ومقدسا ومعصوما وفي قمة الفضائل والفواضل، ومؤيدا بالتأييد الإلهي ولكن الفارق انما هو في القدرة ففي مكة كانت الدعوة الإسلامية في أوائلها ولا تملك بعد القدرة اللازمة لمواجهة المشركين مباشرة فلقي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لذلك أشد المحن منهم.
أما في المدينة فقد نال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القدرة اللازمة بحيث انطبق قوله سبحانه: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وحينئذ صارت له تلك المنزلة الرفيعة الدنيوية.
ثم ان القدرة على قسمين:
الأول : قدرة المستبدين.
الثاني : قدرة الاستشاريين.
وبينهما بون شاسع فإن القدرة المطمئنة القابلة للبقاء والتي لا تتحول إلى آلة لتحطيم الأمة وامتصاص ثرواتها هي القدرة الاستشارية.
بعكس القدرة الاستبدادية حيث انها تعيش ملوثة برذائلها وجرائمها وقمعها وإرهابها بأمد محدود وقد رأى الجميع كيف تحطمت قدرة الاتحاد السوفيتي الشيوعي وألمانيا الشرقية وأنور خوجه في ألبانيا وتشاوسيسكو في رومانيا وكيم أيل سونغ ومن أشبههم، حيث قاد الاستبداد تلك البلاد إلى انهيار فظيع حطم بنيتها الأساسية وقضى على ثرواتها.
فاللازم علـــى القائمين بــالنهضـــة الإسلاميـــة أن يحصلوا على القدرة النزيهة من النوع الاستشاري القائم على الحرية والانتخاب الحر والتعددية الحزبية.
أما القدرة الاستبدادية فإنهـا تعني افتقاد القدرة الواقعية حيث أن القدرة المستندة إلى الاستبداد قدرة موهومة معرضة للسقوط السريع إن الله سريع الحساب فإذا زعم البعض انه طويل الأمد فانهم يرونه بعيدا ونراه قريبا.

تقوية الأمن

ومن أركان الحكم في هذا العصر هو وجود جهاز أمني لمواجهة شبكات الأمن المعادية والمضادة التي تحاول اختراق الحكومة وإسقاطها أو تحريفها عن مسارها الإسلامي والإنساني.
والجهاز الأمني يجب أن يكون في قبال العدو الخارجي المترصد لضرب الدولة المنتخبة من قبل الجماهير لا أن يستغل لضرب الشعب حيث يستغل المستبدون من الحكام جهاز الأمن لضرب الامة وخنق الكفاءات والتمجيد بالزعيم الأوحد.
ان التجسس في نظر العقل والشرع لا يجوز إلا على المسؤولين في أجهزة الدولة ابتداءً من الشخص الأول في الدولة حتى لا ينحرفوا ولا يهملوا مصالح الأمة وكذلك على الأعداء المحاربين الذين يعملون لإخلال الاستــقرار والأمـــن في الأمــــة كشبكات الأمن العالمية في الحال الحاضر.
ووجود النظام الأمني الصحيح الذي يخدم مصالح الأمة لا يكون إلا في إطار الاستشارية الديمقراطية والمستندة إلى التعددية عبر الأحزاب الحرة والانتخابات الصحيحة والمؤسسات الدستورية وعند ذلك يكون جهاز الأمن مستند بقاء الحكم وقوته وتقدمه وضمان للحفاظ على مصالح الأمة وثرواتها.
ومن الضروري رقابة الأمة للأجهزة ومحاسبتها فيما عبرعنه في الإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لا يكون لجهاز الأمن مطلق التصرف فيما يحلو له ويشاء وكذلك يجب أن يكون الأمن قويا كفوءاً مناسبا لمثل هذا العصر والتقدم التكنولوجي والحضاري الكبير.
ولكي يصبح جهاز الأمن حافظا لمصالح الأمة بالإضافة إلى الرقابة والكفاءة لابد من تقوية الإيمان بالله واليوم الآخر وخوفه سبحانه في السروالعلن كما هو المطلوب في كل جهاز من أجهزة الحكم الإسلامي وعندئذ يؤدي الأمن وظيفته بكل أمانة ودقة مما يوجب تقوية الحكم واطراده وبذلك تكون بلاد الإسلام مثالا للحكم الصحيح والإتقان وفي الحديث : رحم الله امرءا عمل عملا فأتقنه وقال : لكن الله يحب عبدا إذا عمل عملا أحكمه.
أما ما يوجد اليوم في الدول الاستبدادية من التجسس على الشعب ومصادرة حرياته وإيذاءه فهو من أشد المحرمات قال تعالى: ولا تجسسوا.

محاربة الفساد

من الضروري على الدولة الإسلامية التي تقوم في العراق أو غيره محاربة الفساد بأقسامه كالفساد الإداري والاجتماعي والاقتصادي وغير ذلك فإن الفساد يوجب تأخر الأمة وتدمر الشعب بعد أن يسلب اطمئنانهم بالدولة.
فالفساد الإداري يحصل بالرشوة وتقديم المحسوبية والمنسوبية وتأخير أعمال الناس الى غد وبعد غد بما يتضمن ذلك من تلف العمر والمال وأخيرا يوجب التضجر العام وكثيرا ما ينتهي إلى سقوط الحكومة وقد ورد عن علي انه: يستدل على أدبار الدول بأربع: تضييع الأصول والتمسك بالغرور وتقديم الأراذل وتأخير الأفاضل.
وقال: تولي الأراذل والأحداث الدول دليل أنحلالها وأدبارها.
وسئل أحد مشايخ بني أمية بعد سقوط دولتهم عن سبب السقوط؟
فقال : لأنهم وكلوا الأمور الكبيرة إلى الصغار والأمور الصغيرة إلى الكبار، فلا الصغار كانت لهم كفاءة ادارة الأعمال الموكلة إليهم ولا الكبار عملوا بما أوكل إليهم لأنفتهم وبين هذا وذاك ضاعت الدولة.
أقول : ولماذا فعل بنو أمية ذلك؟.
الجواب : لأن الصغار أكثر تملقا واطاعة والكبار حيث يدركون كثيرا من الحقائق وينتقدون، لذلك عزلوهم عن كبريات المهام ووكلوا إليهم أمورا صغيرة وقاية عن شر هم بالتطفيل وهذا ما رأيناه في كل حكومة استبدادية ولذا رأينا سقوطها سقوطا مشينا أما لو كانت قد استقامت في عملها لكانت تعيش أضعاف أعمارها وهذا هو المترقب في من تبقى من الدكتاتورين.
أما الفساد الاجتماعي والأخلاقي، فمثل تفشي الخمر والقمار والزنا والشذوذ الجنسي والاحتيال والخداع والكذب والنميمة إلى غير ذلك.
وأما الفساد الاقتصادي: فمثل الانحراف في الرأسمالية كالاحتكار وكون المال دولة وسوء توزيع الثروة مما يقتل الغني بطنة والفقير جوعا قال علي عليه السلام:
وحسبك داء أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحن إلى القدّ.

الاهتمام بالخبراء

قال يوسف عليه السلام : إني حفيظ عليم.
ان الأعمال التقنية والفنية تحتاج إلى الأمانة كما قال حفيظ والخبروية كما قال عليم.
فاللازم على الدولة الإسلامية الفتية الاهتمام بالخبراء في كل جهات الدولة.
أما ملاحظة الولاء الثوري في العاملين للدولة فقط فإنها تزيد الأمر تعقيدا واعضالاً إذ معنى ذلك أن تقع إدارة الدولة بيد غير الأخصائيين مما يتبعه أخطاء كثيرة وكبيرة فإن وجود الثوريين في الأجهزة الحكومية كي يحملوا لواء الثورة لابد أن يتوازن مع وجود الأخصائيين كي يتمكنوا من حفظ البلاد وتقديمها إلى الأمام وكل واحد بدون الآخر يكون حال البلاد معه حال الطائر بجناح واحد وما رأيناه في بلاد الثوريين في أعقاب الانقلابات العسكرية وغيرها من التحطم لم يكن إلا من حصيلة ذلك ولذا لم نجد ثورة إلا وتمنى أهل البلاد أن تعود الحكومة السابقة.
كما قال الشاعر:

يا ليت ظلم بني مروان عاد لنا                     وليت عدل بني العباس لم يكن

ثم ان الكثير من الثوريين يزيدون الأمر اعضالاً بالمصادرات والسجون والإعدامات والدعايات الفارغة لكي يثبتوا عروشهم ويرغموا الناس على تقبل انهم الأفضل فيدخلون في مواجهة مع الناس مما يحرك الناس لإسقاطهم.
ثم من الممكن تدارك مشكلة الأمانة والخبروية بضم أحدهما إلى الآخر وهذا وإن كان في نفسه مشكلا إلا ان اشكال انفراد أحدهما بإدارة الدفة أشكل وله العاقبة السيئة وقد ذكر الفقهاء: لزوم ضم الحاكم إلى الولي والوصي ونحوهما في مورد عدم الكفاءة الشرعية أو العقلية فيهما.
ولا يخفى ان ذلك غير ممكن مع الاستبداد وتمركز القدرة لأن القدرة غير المراقبة تفسد وتفسد.