الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الدستور

يختلف الدستور والقانون في الدولة الإسلامية عن الدستور في الدول الديمقراطية، فهو يستند على الكتاب والسنة والإجماع والعقل ولا يوجد دستور كما هو موجود في بعض الدول مما يمتلك صفة الثبات،بل هو يتغير حسب استنباطات واجتهادات شورى الفقهاء الذين ارتضتهم الأمة مراجع لها جيلا بعد جيل وفترة بعد فترة.
فكثيراً ما يكون الدستور الثابت والذي وضع قبل عشرين عاما لا يتلاءم مع تطورات الحياة اليومية مما يولد ثغرات سياسية واجتماعية وأزمات جذرية حادة أما القانون الإسلامي فيستطيع أن يواكب جميع التطورات.
والذي يستنبط الأحكام والقوانين هم الفقهاء الذين هم مراجع المسلمين شيعة أو سنة كل لأهل مذهبه.
أما القياس والاستحسان عندنا ـ الشيعة ـ فغير صحيح وأما عند من يرى حجيتهما فيرجعان في نظره إلى الأدلة الأربعة المذكورة، وكذلك حال المصالح المرسلة عند من يراها موضوعا أو حكماً.
إذن لا قانون أساسي في الإسلام ـ بالمعنى المصطلح ـ وانما الموجود: الكتاب والسنة والإجماع والعقل.
وان عمر القانون الأساسي في بلاد الإسلام، هو عمر دخول المستعمرين فيها والجدير بالذكر ان بريطانيا التي كانت وراء إيجاد القانون الأساسي في تركيا وإيران ليس لها في بلادها دستور ثابت بل يتبعون العرف فيما أسموه العرف الدستوري.
وانما أنشئوا الدستور في بلاد الإسلام لإيقاف عجلة التقدم وصنع بديل للأدلة الأربعة وإدخال المجتمع الإسلامي في تقييدات القوانين الجامدة وتكبيل الناس.
وان المشروطة التي أقامها الآخوند قدس سره وسائر العلماء ـ في ايران ـ حرفها البريطانيون لأجل انتزاع السلطة من أيدي الروس لصالحهم وبهذا القانون الأساسي الذي يخدم مصالحهم جاءوا بالحكام الاستبداديين كالبهلوي واتاتورك إلى هذين البلد ين المسلمين وسلبوا بذلك دينهم ودنياهم.
ثم ان الدستور الثابت يواجه إشكالاً عقلياً وشرعياً وعرفيا ، فلنفرض ان مائة مجتهد عادل وضعوا قانونا أساسيا حسب اجتهادهم ثم ماتوا وقلد الناس مجتهدين أحياء آخرين فما الذي يبرر بقاء ذلك القانون الذي سمي بالأساسي من شرع أو عقل فيما إذا رأى أكثرية مراجع الأمة الأحياء خلاف ذلك؟.
أما الشرع : فيرى تقليد الأحياء ـ بالنسبة إلى من يريدون التقليد جديدا ـ وفي القضايا المستجدة.
وأما العقل : فماذا الذي يلزم الأحياء باتباع قانون وضعه الأموات؟
وإن قلت : انه مطابق للكتاب والسنة.
قلنا : فلماذا الواسطة بل يرجع المسلمون إلى الكتاب والسنة.
لا يقال : فعن ماذا يأخذون القوانين؟.
لأنه يقال : يأخذون القوانين عن رسائل المجتهدين الأحياء بأكثرية الآراء والطريقة المثلى لتطبيق ذلك هو شورى الفقهاء المراجع الذي ينتخب من قبل الشعب.
وأما أهل السنة فيأخذون بأكثرية المذاهب الأربعة إلا إذا رأى أكثرية علمائهم الأحياء التغيير في بعض القوانين.

القوانين الحيوية

ان كل قوانين الإسلام حيوية حيث انها دساتير من قبل إله قدير رحيم حكيم محيط بكل الزوايا والخصوصيات الفردية والاجتماعية النفسية والجسمية الحالية والمستقبلية وقد قال سبحانه: إذا دعاكم لما يحييكم ولكن بعض قوانينه هي أكثر ظهورا في الحيوية من البعض الآخر مثل:
قانون بيت المال.
وقانون تسلط الناس على أموالهم وأنفسهم.
وقانون من سبق إلى ما لا يسبقه إليه مسلم فهو أحق به.
وقانون الأرض لله ولمن عمرها.
فاللازم على الحكومة الإسلامية الفتية أن تهتم بهذه القوانين أكبر اهتمام وتقوم بتطبيقها بجدية وواقعية.
فقانون بيت المال يعطي حوائج المحتاجين مما يرضي الناس المحتاجين منهم وسائر الطبقات أيضا لأن الفائض يقسم على جميع الشعب.
وقانون تسلط الناس على أموالهم وأنفسهم يعطيهم الحريات الواسعة التي ترضي طبقات المجتمع وتفسح لهم المجال لممارسة حقوقها ونشاطاتها.
فإن من طبيعة الإنسان أن لا يرضى بسيادة غيره عليه وتحكمه فيه فإذا أدرك ان الدولة الحاكمة تفسح له المجال في تصرفاته البدنية والمالية ـ إلا في الحرام ـ رضي عن نظام الحكم وتفاعل معه ورضخ لأوامره.
وهذا هو سبب ما نراه من بقاء الحكومات الديمقراطية وطول استمرارها ودوامها وثراءها الكبير في حين تسقط الحكومات الدكتاتورية سريعا والحال أنها تجعل الشعب فقيرا ذليلا لا يجد لحوائجه متنفساً.
وقانون من سبق يعطي الناس الاستفادة من كل خيرات الأرض في إطار ( لكم ) وهذا القانون منضما إلى قانون الأرض لله ولمن عمرها لا يدع لأي إنسان متمكن من العمل والسعي حاجة إلا قضاها وبضميمة قانون بيت المال إليها لا يبقى أيضا لإنسان عاجز عن السعي حاجة.
وقد أخذ الغرب ببعض هذه القوانين فتقدم ذلك التقدم بينما المسلمون تركوها كلها فسقطوا ذلك السقوط المؤلم حيث لم يسبقه في التاريخ الإسلامي من قبل مثيل وقد قال الإمام علي عليه السلام : الله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم.
وعلى هذا فاللازم على الحكومة الإسلامية في العراق وغيرها أن تهتم بتطبيق هذه القوانين وأمثالها اهتماما بالغا حيث ان فيها رضى الله سبحانه ورضى الأمة لأنها تقودها نحو مدارج السعادة والكمال.
ومن الضروري أيضا : إعادة قانون الاخوة الإسلاميةفإن لكل مسلم أن يعمل مثل أعمال سائر المسلمين في العراق في كل الشؤون من تملك الأرض والزواج والتجارة والسبق إلى المباحاة وغير ذلك.
وحيث ان العراق مركز الزيارات للعتبات المقدسة ومركز الحوزات العلمية في مختلف مدنها فاللازم أن يسمح لكل من أراد الزيارة أو الدراسة بالسفر إلى العراق والبقاء فيها كما كان الأمر كذلك منذ أول الإسلام وللزائر والطالب كامل الحرية في ما يشاء في الإطار الإسلامي الإنساني.

العدالة والمساواة

العدالة هي عبارة عن وضع الشيء في موضعه سواء كان بمساواة أو بدونها، ولذا فبينهما عموم من وجه.
مثلا : شخصان أحدهما كبير الجثة طويل القامة يحتاج إلى أربعة أذرع من القماش لأجل خياطة الثوب لنفسه والآخر يحتاج إلى أقل من ذلك، فالعدالة تقتضي إعطاء كل بقدر حاجته، بينما ليس ذلك من المساواة.
نعم يلزم المساواة في القضايا العامة كالقضاء والديات وإيجاد فرص العمل والثقافة والصحة وما إلى ذلك.
وعدم العدالة في موردها وعدم المساواة في موردها من أشد أنواع الظلم، فإن الظلم قد يكون ظلما للنفس وقد يكون ظلما للغير، وهذا الثاني أشدهما حرمة ونكالا.
والناس لايصبرون على عدمهما إذ يرون أنفسهم ـ بفطرتهم وبعقولهم ـ سواسية كأسنان المشط،ويرون انه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، كما ورد في الأحاديث.
وهذان أمران عقليان قبل أن يكونا شرعيين والشرع إنما جاء متطابقا مع الفطرة التي هي عقلية أيضا قال الله سبحانه: إنا خلقناكم من ذكر وا نثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
وقال علي عليه السلام في الشعر المنسوب إليه:
الناس من جهة التمثال أكفاء أبوهم آدم والأم حواء.
لذا فاللازم على الحكومة الإسلامية إذا قامت في العراق بإذن الله سبحانه ـ كما هو حال الحكومة الإسلامية في أي مكان وجدت ـ أن تراعي هذا الجانب الإسلامي الإنساني بكل قوة واتقان وتعمل بوظيفتها وبذلك تستقطب القلوب حول نفسها مما يؤدي إلى الأمن الأكثر والاستقرار الأدوم.

التدرج في التطبيق

لقد تدرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تطبيق الإسلام مع ان الشريعة كانت كاملة من عند الله سبحانه قبل ذلك حيث نزل القرآن على قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دفعة واحدة ثم نزل منجما لكن ذلك لايقاس بما إذا أمكن التطبيق الدفعي لأن الدين كمل قبل ارتحال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال سبحانه اليوم أكملت لكم دينكم.
وانما نحن نقول بالتطبيق التدريجي إذا قامت الدولة الإسلامية في العراق أو في غير العراق لعدم إمكان غير ذلك إمكانا عاديا على ضوء الظروف الراهنة، فاللازم التدرج في التطبيق حسب الإمكان بما لا يوجب اضطرابا في المجتمع يؤدي إلى التحطم أو إلى إشكالات مرفوعة من العسر والحرج والضرر، في بعض الموارد ، حيث لابد أن تدرس إمكانية التطبيق حسب قانون الأهم والمهم.
فاللازم على الدولة الإسلامية الفتية أن تقوم بتشكيل لجان مكونة من علماء الإسلام ومن الخبراء والأخصائيين حتى يحددوا الأولويات في سلم التدرج بما لا يوجب اهتزازا في الاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع أو الإدارة أو غير ذلك مما لا يحمد عقباه.
فمثلا : إذا أريد تبديل البنوك الربوية إلى البنوك التي تعمل حسب نظام المضاربة فإذا أعلنت الدولة عن إلغاء كل أقسام الربا مرة واحدة ـ في أسبوع مثلاً ـ حدثت إحدى مشكلتين.
اما أن تمنع الدولة سحب رؤوس الأموال من البنوك وذلك يوجب اضطرابا عند أصحاب الأموال وتهريجا ضد الحكم القائم وإسقاطا لقانون الناس مسلطون على أموالهم.
واما أن لا تمنع، وذلك يوجب تهريب أصحاب الأموال أموالهم إلى الخارج مما يؤدي إلى إفلاس البنوك ،والتضخم الضار بالفقراء والمشاريع والأجور مما يوجب تلوث سمعة الدولة وتصور الناس ان الحكم السابق كان أفضل، وهذا مما يشوه سمعة الإسلام ويؤدي إلى أن يزعموا ان طريقة الغرب هي المثلى لا الإسلام.
وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر القوانين فلابد أن يلاحظ التدرج في تطبيق القوانين حسب الدراسة الدقيقة التي تجريها اللجان المشتركة بين علماء الدين والخبراء، وبالتعاون مع المؤسسات على اختلاف أنواعها.

نظام العقوبات

ان النظام والأمن لا يستتب إلا بعقاب المجرم، والعقوبات المقررة في الشريعة الإسلامية على قسمين:
الأول : لأجل انتهاك حق الله، مثل شرب الخمر والزنا.
الثاني : لأجل انتهاك حق الإنسان، مثل القتل والقذف.
وقد قررت الشريعة كلا العقابين مما ذكر في كتاب الحدود والقصاص.
والذي أرى ـ وإن كان اللازم مراجعة شورى الفقهاء المراجع وأخذ آرائهم في الأمر: ان الدولة الإسلامية إذا قامت يلزم إرجاء العقوبات في القسمين إلى التأديب لمدة خمس سنوات مثلا.
وانما تبد ل إلى التأديب بالسجن ونحوه مما يصلح أن يكون رادعا ـ حسب رأي أكثرية شورى الفقهاء المراجع منضمين إلى الخبراء ـ كما وكيفا حتى تستولي الحكومة على مقاليد الأمور وحتى يطبق الإسلام في جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها مما يرتبط بالعقوبات وذلك الأمور.
الأول : ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يطبق العقوبات إلا بعد تطبيقه الإسلام في المدينة المنورة وهو صلى الله عليه وآله وسلم أسوة فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم طبق القوانين ككل لا يتجزأ.
الثاني : قوله سبحانه: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وقبل التطبيق الكامل للإسلام لا يكون إصلاح ـ بالحمل الشائع ـ فتأمل.
الثالث : قانون الأهم والمهم وهو قانون عقلي وعقلائي وقد أشار إليه القرآن الحكيم بقوله تعالى: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة.
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال ـ ما مضمونه ـ : لولا ان الناس يقولون.
وفي حديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم : لولا ان قومك حديثوا عهد بالإسلام لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين.
وقول علي عليه السلام : لانهدم طرف من عسكري..
وترك عليه السلام شريحا على منصبه.
وترك القائمين بصلاة البدعة رغم انه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك مجر د نهي ولم يرتدعوا.
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يعاقب الفار ين عن الزحف وفاعلي جملة من المنكرات.
وحتى لا تشوه سمعة الإسلام وغير ذلك ولذا لا يجرى الحد في أرض العدو كما ذكرنا تفصيله في كتاب الفقه القواعد الفقهية وغيره.
إضافة إلى ان الحدود تدرأ بالشبهات وان الإسلام جعل للحدود شرائط كثيرة قد تكون بعضها تعجيزية في بعض الأحيان وذلك لأن الإسلام يقلع الفساد من جذوره، فلا فقر ولا فتقل الجرائم طبيعياً.
والتاريخ الإسلامي أفضل دليل على ذلك.
أما ما نراه اليوم من كثرة المشاكل وزيادة الفساد في كثير من البلاد الإسلامية فلترك القوانين الإسلامية وكبت حريات الناس والظلم الكثير وما إلى ذلك.
فلا يمكن تطبيق نظام العقوبات ما لم تطبق قوانين الإسلام الأخرى بحيث توفر الدولة كل مستلزمات الحياة السليمة والصحيحة للناس.