| فهرس الفصل الأول | المؤلفات |
|
دور الثقافة الإسلامية في تحرير البلاد |
|
الثقافة هي التي ترسم للأجيال مسيرتها، وهي التي تحدد طريقة تعامل الأمة مع الأحداث والوقائع، وهي التي تعين مستقبل الأمة. فالثقافة الإسلامية الأصيلة تجعل الأمة تسير سيراً متميزاً في الحياة، فكرياً، وعملياً، ونظرياً، وسلوكياً، والمسلمين في الصدر الأول تحلوا بهذه الثقافة فحرروا نصف الكرة الأرضية بعد أقل من ثلث قرن من بداية جهادهم المقدس في السنة الأولى للهجرة. والمسلمون قبل ستة عقود - وفي العراق بالذات - امتلكوا قسماً من الثقافة عام 1918م ـ 1920م حيث استطاع المسلمون العراقيون - وعددهم لا يزيد عن أربعة ملايين نسمة وبقيادة آية الله العظمى الإمام الراحل الشيخ محمد تقي الشيرازي ـ الانتصار على أعظم إمبراطوريات العالم، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس (بريطانيا)، القوة العظمى الوحيدة ذلك اليوم فكيف استطاعوا ذلك؟ السبب هو أن ثقافتهم كانت ثقافة الدين والفضيلة والقرآن والسنة واتباع القيادة المرجعية، رغم أنهم لم يكونوا يمتلكون أسلحة حربية متطورة ولا أجهزة مخابرات حديثة، وإنما كانوا مجرد عشائر وقبائل لا حضارة حديثة لهم، ولكن الثقافة الإسلامية هي التي جعلتهم يقاومون ويقدمون الألوف من الضحايا في سبيل دفع المعتدين، ثم بعد ذلك استطاع الإمام الشيرازي تشكيل الحكومة الإسلامية في كربلاء المقدسة، ولولا وفاة القائد لجرت الأحداث على غير ما جرت، ولكن وبعد مرور فترة زمنية استطاع العملاء كعبد الكريم قاسم وعبد السلام وعبد الرحمن عارف وأخيراً عفلق وحزب البعث من السيطرة على هذا الشعب وسومه سوء العذاب (يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم)(1)! - بكل صراحة ووضوح، فما السبب؟ السبب واضح: الأبناء ـ ككل ـ لم يسيروا على طريق الآباء وكما قال الله تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً)(2) وابتعدوا عن الثقافة الإسلامية وانغمسوا بالثقافة الاستعمارية لذلك حلت الثقافة الاستعمارية محل الثقافة الإسلامية الأصيلة، ثقافة التحلل، ثقافة اللامبالاة وعدم الإحساس بالمسؤولية. إن الآباء حاربوا بريطانيا لأن ثقافتهم كانت ثقافة إسلامية، بيد أن الأبناء ركعوا لها فما هو الفارق؟ إن الفارق هو أن الثقافة الاستعمارية استطاعت التغلغل في أذهانهم، وعندما تغيرت الثقافة تغير كل شيء. ونحن لا نستطيع تحرير العراق، فلسطين، لبنان، أفغانستان... وكل الدول الإسلامية المستعمرة، إلا بتبديل ثقافة هؤلاء الرازحين تحت نير الظلم والاستبداد إلى ثقافة إسلامية أصيلة يتمسكون بها بقوة وصلابة وفي كل الظروف، وتحت أية ضغوط. ونستطيع أن نعرف هذه الحقيقة من إحدى قضايا الإمام الشيرازي في العراق إبان ثورة العشرين، إذ أنها تدلنا على الصلابة في التمسك بالثقافة الإسلامية وأهميتها في المقاومة: القضية ينقلها رئيس بلدية البريطانيين في كربلاء، وكان مسلماً ولكن خدعه البريطانيون نتيجة قلّة وعيه السياسي والديني فقبل هذا المنصب من قبل الغزاة يقول: أراد كوكس - الحاكم البريطاني العام في العراق - زيارة الشيخ محمد تقي الشيرازي قائد الثورة، ولكن الإمام الشيرازي رفض ذلك بشدة قائلاً: (ما دامت بريطانيا تستعمر العراق فلا أسمح له بزيارتي) ورغم شدة الضغط الذي وجه للقائد الشيرازي كي يقبل بالزيارة لكنه رفض. وأخيراً وبعدما عجز كوكس عن الزيارة طلب مني - والكلام لرئيس البلدية - أن أذهب إلى دار الإمام الشيرازي ثم وبعد قليل يأتي هو - أي كوكس - ودون إعلام مسبق - إلى الدار إذ لو علم الإمام الشيرازي لمنعه من الزيارة ودخول الدار. يقول رئيس البلدية: ذهبت إلى دار الإمام فرحب بي وقدم الخادم الشاي لي، وبعد مدّة جاء كوكس وقلت للإمام الشيرازي بعجلة وارتباك: (لقد جاء كوكس الحاكم العسكري البريطاني العام)، وكنت أتوقع من الميرزا أن يحترمه ويقوم له، لكن الميرزا أطرق برأسه إلى الأرض، ودخل كوكس وجلس وتكلّم مع الميرزا بكلمات، لكن دون أن يسمع أي جواب، ودون أن يرفع الميرزا حتى بصره إليه، ومكث كوكس مدّة هكذا، حتى أن الخادم لم يأتي له بالشاي! أخيراً، قام كوكس وقد احمرّ وجهه خجلاً وامتلأ غضباً وذهب، فقلت للميرزا: يا شيخنا إني موظف بسيط عند هؤلاء في إدارة البلدية، ومع ذلك عندما جئت احترمتني ورددت سلامي وأمرت لي بالشاي، وعندما جاء كوكس وهو يمثل حكومة بريطانيا العظمى لم تعر له أي اهتمام، فلماذا؟ يقول رئيس البلدية: هنا رفع الإمام الشيرازي رأسه وقال: يا فلان أنت رجل مسلم تشهد الشهادتين ولذا احترمتك رغم أن طريقتك خاطئة في قبولك هذا المنصب من قبل هؤلاء الكفار، ولكن كوكس رجل كافر أجنبي مستعمر، ولو كنت أعلم بأنه يريد المجيء لم أكن آذن له بالدخول في داري والجلوس على بساطي فكيف أرحب به؟! نعم.. هذه الثقافة الرسالية الصلبة هي التي رسخها القائد في الشعب العراقي، وبهذه الثقافة استطاعوا دحر الأعداء وتسجيل تاريخ مشرق من البطولة والجهاد والنضال في سبيل الله والاستقلال والحرية. كانت هذه الثقافة هي التي طردت الإنجليز للمرّة الثانية من العراق إبان الحرب العالمية الثانية، وذلك بقيادة آية الله العظمى السيد حسين القمي في كربلاء المقدسة، وآية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني في النجف الأشرف، وسائر العلماء الأعلام. وكانت هذه الثقافة أيضاً هي التي طردت الإنجليز من إيران في ثورتي التنباك والمشروطة المشهورتين، وكذلك طردت الشاه وأسياده من البلاد. إن الغربيين والشرقيين عرفوا أن سرّ هذه الثورات يكمن في الثقافة، التي يحملها هؤلاء المسلمون، ولذا حاولوا تغيير هذه الثقافة وبالفعل استطاعوا تبديلها إلى ثقافة استعمارية أو مخلوطة على أحسن الفروض، ولذا تسنّى لهم استعمار البلاد الإسلامية سنين طويلة وحتى الآن، واستطاعوا تقطيع البلاد الإسلامية، وفصل بعضها عن بعض بحدود مصطنعة، كما استطاعوا نسخ القانون الإسلامي وإبداله بالقوانين الشرقية أو الغربية.. إن الثقافة الإسلامية واضحة المعالم، وهي موجودة في الكتاب والسنة والكتب الفقهية والإسلامية بشكل متكامل، فإذا استطعنا إعادة هذه الثقافة وتعميمها فعندئذٍ نكون قد تقدمنا خطوة أخرى في طريق تحقيق الحكومة الإسلامية العالمية الواحدة. |
|
المبادرة بالتثقيف |
|
إن التثقيف - كما سبق - أمر بالغ الأهمية، إذ أنه سبب التغيير إلى الأحسن أو الأسوأ.. وقد أغفل المسلمون أهمية التثقيف وتناسوه في الوقت الذي أدرك الغربيون والشرقيون أهميته وراحوا يعملون بكل طاقاتهم في هذا السبيل. وهذه بعض الأمثلة التي تدلّنا على كيفية عمل الأجانب في هذا المجال. أ ـ نقل هذه القصة أحد علماء طهران وعمره يناهز الثمانين، قال: قبل حوالي (70) سنة - وكنت آنذاك طفلاً أذهب إلى الكتاتيب، في إحدى المدن المقدسة في العراق، بينما كنت أذهب في الصباح الباكـــر إلى المدرسة إذا بي أرى في السوق الكبير ازدحاماً وتجمعاً كبيراً، فاتجهت إلى مركز التجمع وإذا بي أرى رجلين يحمل أحدهما على رأسه كمية من الكتب وهو يعطي كل رجل كتاباً، وكان رفيقه يعطي كل إنسان أخذ كتاباً عشر روبيات - أي ما يعادل مثقالاً من الذهب - ذلك اليوم -. يقول العالم: تقدمت وأخذت كتاباً وعشر روبيات، وأنا لا أعرف ماهية الكتاب، وعندما رجعت إلى الدار وأريته لمن في المنزل تبين انه كتاب يبشر للمسيحية! هكذا في بلدة مقدّسة يوزعون كتبهم مع إعطاء الرشوة.. ولذا نراهم سيطروا على أغلب دول العالم رغم ما في دينهم من خرافات. إن بروز عفلق وحزب البعث على الساحة العراقية من الثمار الطبيعية لتلك الجهود التي دامت أكثر من نصف قرن وبتركيز شديد (كل من سار على الدرب وصل )، والله سبحانه يعطي كل إنسان حسب سعيه وجهده في هذه الحياة، يقول تعالى: (كُلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً)(3). ففي الدنيا يمدُّ الله الكافر والمؤمن، كلاً حسب سعيه كما أمد موسى (عليه السلام) وفرعون، وأمد إبراهيم (عليه السلام) ونمرود، وأمد عيسى (عليه السلام) وهيردوس، وأمد النبي (صلى الله عليه وآله) وأبا جهل، وأمير المؤمنين (عليه السلام) ومعاوية، والحسين (عليه السلام) ويزيد، هذه هي سنّة الله في الحياة حتى تظهر السرائر (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)(4) فالصليبيون والصهاينة والشيوعيون لو عملوا أكثر منا لتقدموا بالطبع، والعكس بالعكس. ب ـ نقل أحد العلماء قال: قبل أكثر من ربع قرن كنت في السيارة راجعاً من الكاظمية - حيث مرقد الإمامين الكاظم والجواد (عليهما السلام) - إلى بغداد ثم كربلاء، وعند مرورنا ببغداد وصلنا إلى الجسر، وعندما وقفت السيارة عند الإشارة الحمراء رأينا رجلاً يتقدم ويقذف في كل سيارة مجموعة من الكتب وعندما نظرت إلى الكتب التي رميت في سيارتنا رأيتها عشرة تقريباً مطبوعة طباعة جميلة جذابة وبعضها مجلد، تبشّر بالمسيحية. هكذا كانوا يعملون قبل ربع قرن، وأما الآن فانظروا كيف يعملون.. ج ـ في حديث لأحد الأصدقاء يقول: (كنت أعمل في سوق الصفارين ببغداد وهو سوق كبير، والعاملون فيه كلهم مسلمون، وكنت واحداً من الصفارين وقد كان دأب أحد المسيحيين أن يأتي كل أسبوعين أو كل شهر مثلاً، ويقدم لكل صفار كتاباً وربما كان الكتاب مجلداً ضخماً بقيمة دينار كامل، وعندما كان المبشر المسيحي يخرج من السوق، كان الصفارون يلقون بالكتب في النار (في الكورة التي يستخدموها لأعمالهم، حيث أنهم يعلمون أنها كتب مسيحية وحفظ كتب الضلال محرم) . يقول الأخ: فكرت ذات مرّة أن أقول للمسيحي واقع الحال حتى يمتنع عن الاستمرار في توزيع الكتب، وبالفعل عندما جاء هذه المرّة ووزع الكتب وأراد الذهاب تبعته وقلت له: إنك تعلم أيها المبشّر المسيحي أن هؤلاء مسلمون وهم يحرقون هذه الكتب التي تعطيها لهم، فلماذا تفعل ذلك؟ إذ أنها جهود لا طائل منها ولا ثمرة لها، قال: فتبسّم المسيحي وقال: إني أعلم بذلك منذ اليوم الأول لأني رأيت بعيني إحراقهم الكتب!! فقلت له: إذن ما الداعي لما تفعل؟ قال: صحيح أن هؤلاء يحرقون الكتب ولكن ربما لا يحرق أحدهم الكتاب، بل يذهب به إلى داره فيقع الكتاب في يد ابنه أو ابنته، فيطالعه وتطالعه ويؤثر عليهما ولو جزئياً، وهذا ربح لنا!! هكذا يضحّون بالمال والأتعاب والطاقات في سبيل إضلال شخص واحد!؟ هؤلاء يعملون هكذا، أما نحن فإننا لم نستطع تثقيف حتى شبابنا وفتياتنا وهذا هو سبب تأخرنا، ولذا تجد كثيراً من المسلمين لا يعرفون شيئاً عن: الفكر الإسلامي، السياسة الإسلامية، الاجتماع والاقتصاد و.. في الإسلام، كما لا يعرفون شيئاً عن كيفية عمل المستعمرين في بلادنا وأساليبهم وخططهم، ولا يعرفون كيف يواجهونهم ويسدّون الطريق عليهم. إن تغلب القوة الاستعمارية علينا يعود إلى عدم تثقيفنا أنفسنا والآخرين، وسبب جهلنا ليس بالدين فقط بل بالدنيا أيضاً، وفي الحديث: (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)(5) كما تقدم، وعكسه غير العارف بالطبع. إننا لو كنا علماء بالدنيا وأساليبها فهل كانت فلسطين مستعمرة صهيونية؟ وهل كانت لبنان تستعمرها فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية ثم يحكمها الصليبيون؟ وهل كانت أفغانستان يحتلّها الروس عسكرياً وبقوة السلاح؟ وهل كانت الفليبين - التي يشكل المسلمون ربع شعبها - يحكمها ماركوس ثم يقتل من مسلميها أكثر من مائة ألف؟ وهل..؟ لماذا كل ذلك؟ لأننا أصبحنا جاهلين، عديمي الثقافة، فاقدي الدراية، فقراء للمعرفة، عُراة عن الفهم الديني والدنيوي، ولذا خسرنا ديننا كما خسرنا دنيانا، حسب ما جاء في الحديث: (من لا معاش له لا معاد له) . إذن فعلينا جميعاً أن نساهم في عملية التثقيف حتى نستطيع تحرير المسلمين من كيد الكفار والمستعمرين، وإقامة حكم الله على وجه الأرض. |
|
تحويل الثقافة الجاهلية إلى ثقافة إسلامية |
|
قلنا فيما مضى إن الثقافة هي التي تعين اتجاه الإنسان، إن خيراً فخير، أو شراً فشر. مثلاً: الشخص الذي يذهب إلى المبغى فإنما توجهه ثقافته نحو ذلك، والذي يذهب إلى المسجد فإنما يسير بدافع من ثقافته.. هذا في الجزئيات، وكذلك الأمر في الكليات، فالثقافة إذا تحولت ـ لدى المسلمين ـ من ثقافة استعمارية إلى ثقافة إسلامية تحولوا هم أيضاً من الانحطاط والاستغلال والعبودية إلى العزّة والتقدم والاستقلال. وعندما نتطلع إلى تاريخ المسلمين قبل ظهور الإسلام وبعد ظهوره، نشاهد ذلك بوضوح، فعندما كانت عقليات (الغاب) وثقافة (الأنا) تحكم الناس وكانت أعمالهم هي النهب والحرب والسرقة وشرب الخمر وتعاطي البغاء، وكانوا متخلفين فكرياً واقتصادياً وفي سائر المجالات. ولكنهم بعد الإسلام - على أثر تحول ثقافتهم إلى ثقافة ربانية رحمانية، وإلى ثقافة (أحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك(6)، نشاهد حدوث انقلاب واسع وعميق في ضمير الشعب وحياته، فلا خمر ولا فجور ولا مشاحنات ولا حروب تطحن الأخوة بعجلاتها، بل حروب لتحرير من بقي تحت الظلم من المستضعفين، وبذلك تمكن هؤلاء من أن يشكلوا أعرق حضارة في التاريخ، هؤلاء خرجوا عن طوق الشهوات وسلخوا عن أنفسهم عبودية الأهواء والملذّات فصاروا أحراراً يعملون للعقيدة والمبدأ والإنسانية. هذا أحدهم: شاب من إحدى القبائل القاطنة في أطراف المدينة المنورة مات أبوه - رئيس القبيلة - وتولى الرئاسة محله عمّه الذي كانت له بنت جميلة وثروة عريضة وزعامة على القبيلة. هذا الشاب كان مرشحاً لأن يكون زوجاً للفتاة، وفي حالة وفاة عمه يرث الزعامة والمال والمكانة الاجتماعية المميزة.. هذا الفتى كان يذهب إلى المدينة كل شهر لأجل شراء ما تحتاجه القبيلة، وذات مرة وأثناء جولته في المدينة رأى رجلاً يخطب في ساحة تحيط بها جدران أربعة قصيرة على مجموعة من الناس، وقف يسمع، جذبته الخطبة: سأل رجلاً: من الخطيب ومن المستمعين؟.. أجابه الرجل: الخطيب، محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) والجالسون هم المسلمون، وهذه المحوطة مسجد بناه المسلمون. رجع الشاب إلى قبيلته وفي الشهر التالي عاد إلى المدينة لغرض الشراء، وذهب إلى المسجد للاستماع، وفي المرّة الثالثة والرابعة كان يحس بأنه ينجذب أكثر فأكثر نحو هذا الرسول الجديد. وفي أحد الأيام خاطب عمه: يا عم لماذا تشتري كل شهر مرة، فلنشتر كل أسبوع مرة حتى تكون البضائع والمواد التي نشتريها جديدة!، وقَبِل العم وهكذا أصبح باستطاعة الشاب أن يستمع إلى الرسول كل أسبوع مرة واحدة وبعد مدّة أسلم الشاب وجاء إلى عمه قائلاً: يا عم قد أسلمت. قال العم: أصبوت إلى دين محمد؟ قال: إن دين محمد هو الإسلام لا انحراف فيه. قال العم: يا بني لو أصررت على إسلامك فلن أزوجك ابنتي. أجابه الشاب: هذا هين، لا رغبة لي في النساء. قال له العم: وسوف أمنعك من دخول بيتي. أجابه الشاب: إن هذا سهل، فأرض الله واسعة. قال له عمه: سأحرمك الثروة. أجابه: إن الثروة مال فانٍ وزائل. فقال: ستحرم من رئاسة القبيلة. أجابه الشاب: إنني لا أريد الزعامة. فقال له العم: يجب عليك أن تنفصل عن قبيلتنا. أجابه: سوف أخرج. قال له العم: وعليك أن تنـزع كل ملابسك وتعطيها لي. أجابه: لا بأس. فجرّده عمه القاسي كل ملابسه وتركه عارياً، ولما رأته أمه عارياً حنّت عليه وأعطته فراشاً، شقه نصفين وجعله إزاراً ومئزراً لبسهما، ثم اتجه إلى المدينة ووصلها ليلاً - وليس معه أي شيء - واتجه نحو المسجد ونام الليل فيه، وعندما جاء الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى صلاة الصبح رأى شاباً غريباً فسأله من أنت؟ فذكر له الشاب اسمه الجاهلي فقال له الرسول إن اسمك هو عبد الله ذو البجادين ـ البجاد هو الفراش الذي لفه الشاب حول نفسه -... وبدأ الشاب يأتمر بأوامر الإسلام حتى استشهد في إحدى المعارك. ما الذي غيّر شخصية عبد الله ذي البجادين، وأحدث انقلاباً في ضميره؟ إن الذي تغير في هذا الشاب هو ثقافته فأحدثت فيه هذا التغيير الهائل. هذه هي آثار الثقافة، فالتغيير الثقافي يسبب تغيير المناهج العملية والمناهج السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. إلخ. إن علينا أن نغير الثقافة الجاهلية، يقول تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)(7) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)(8) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)(9) ويقول تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)(10). إن في المسلمين أفراداً يحملون ثقافة إسلامية راقية دون شك ولكن الكلام حول الأغلبية الساحقة منهم، هؤلاء علينا تغييرهم، وإحدى الخطوات في طريق التغيير هي طبع ألف مليون كتاب توعوي في مختلف النواحي: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وزراعياً ومعاملياً وتربوياً، وفي مجال الحريات والشورى وإلى غير ذلك. وأحد مجالات التغيير هو أن يعرف المسلم العربي أنه أخ للمسلم الهندي والفارسي والتركي و.. وبالعكس كما جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وأبا ذر العربي أخوة لا يمتاز أحدهم على الآخر إلا بالتقوى، فاللغة واللون والقوميات والجغرافيات ليست هي المقاييس السليمة وليست سبباً لأفضلية هذا على ذاك. إذا استطعنا صنع ذلك كله نستطيع حينئذٍ أن نقول إننا خطونا خطوة مؤثرة في سبيل حكومة الألف مليون مسلم، وإن التجارب في سبيل توحيد الأمم تحت راية واحدة غير نادرة في التاريخ فقد استطاع ماوتسي تونغ الملحد أن يوحد الصين تحت راية الكفر ونفوسها مئات الملايين، وكذلك استطاع غاندي توحيد الهنود ونفوسهم في ذلك الوقت مئات الملايين.. ونحن بالطبع نستطيع ذلك شرط العمل المستمر الدائب تحت راية القرآن وتعاليم السنة المطهرة. |
|
الثقافة تصنع المعجزات |
|
إن إقامة الحكومة الإسلامية العالمية الواحدة واجب شرعي كالصلاة والصوم والخمس والزكاة، كما يستفاد ذلك من الأحاديث الكريمة، والتثقيف هو أحد أهم أركان إقامة هذه الحكومة فإن الثقافة هي التي تغير مسيرة الإنسان إلى الأحسن أو الأسوأ ولقد ذكرنا لك بعض الأمثلة وإليكم مثالاً آخر: الفضيل بن عياض سارق معروف، وقاطع للطريق وله عصابة قوية مرهوبة الجانب مشتهرة بالفساد، إضافة إلى اللصوصية والسرقة، وكانوا إذا دخلوا قرية من القرى نهبوا الأموال وهتكوا الأعراض وقتلوا من يقف أمامهم، وقد ساعدهم على هذا ضعف الحكومة وعدم اهتمامها بشؤون رعاياها.. ذات مرّة شاهد الفضيل فتاة قرب إحدى القرى، خاطبها بلهجة الأمر: أخبري أباك إنني سآتي الليلة وأحل ضيفاً عليكم وعليه أن يهيئك لي. ارتعدت الفتاة خوفاً من مصيرها المظلم، وجاءت وأخبرت عائلتها، أخذ الأب والأم وكل العائلة بالبكاء والنحيب، ولكن لا مفر لهم، فهم مضطرون للاستجابة إلى الفضيل لأنه بالإضافة إلى هتكه عرضهم بالقوة سيقتلهم أيضاً. وفي ظلام الليل البهيم، اقترب الفضيل من القرية والعائلة ساهرة باكية متضرعة إلى الله كي ينجيهم من هذا الطاغي.. وتسلّق الفضيل الجدار، وإذا به يسمع صوتاً شجياً يقرأ القرآن ويترنم بآيات تدوي في فضاء الليل الساكن، استمع الفضيل فتناهت إلى سمعه الآية التالية: (ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق)(11) ارتجف الفضيل بشدة وهو يستمع إلى هذه الآية، لقد نفذت الآية المباركة إلى أعماق قلبه وهزته، وبدا وكأن صاعقة قد سقطت عليه، اضطرب قلبه وجرت دموعه على خديه، وهو يتذكر ماضيه الأسود، قال لنفسه: (نعم آن لي أن يخشع قلبي لذكر الله) ولعلّ الله قد استجاب دعاء تلك العائلة التي تضرّعت إليه. وتاب الفضيل إلى الله توبةً نصوحاً وهو على السطح، ومن هناك خاطب أهل الدار: يا أهل الدار: أنا الفضيل، ولقد تبت إلى الله، وأنا أعتذر إليكم حيث إنني أرعبتكم، وأخفتكم، ثم خرج من الدار هائماً على وجهه في نصف الليل حتى وصل إلى خربة فنزل فيها ينتظر الصباح ليرجع إلى المدينة، ويظهر توبته للناس، وبينما هو غارق في بحار التفكير في الخربة، إذا به يسمع صوت شخص يتحدث إلى آخر قائلاً: من الأفضل ألا تتحرك قافلتنا في هذا الوقت من الليل، فلربما قطع الفضيل وعصابته علينا الطريق. فأجابه آخر: إننا أقوياء مسلحون جيداً، وإذا تعرّض لنا الفضيل وعصابته فإننا سنضطرهم للفرار. وهنا صاح فيهم الفضيل: أيتها القافلة سيري بسلام فقد تاب الفضيل وها أنا هو لا خوف عليكم منه، ولكن القافلة لم تصدق أن هذا هو الفضيل.. اقترب الفضيل من القافلة وهو يبكي وينتحب وينثر التراب على رأسه، وعندما رأته القافلة عرفته. ومنذ ذلك الوقت تحوّل الفضيل إلى عابد زاهد، حتى أخذ يُضرب به المثل في العبادة والزهد والفضيلة والتقوى. ما الذي قَلَب هذا الرجل وغيره جذرياً؟ أهي (الشرطة) أم القانون أم المال أم الزوجة..؟ كلا إن الثقافة القرآنية هي التي غيرته إلى فرد صالح، وجعلته من الشخصيات البارزة في التاريخ، نعم.. إن للثقافة هذا الدور البارز. (مس بيل) الجاسوسة البريطانية تقول في مذكراتها: (إننا وجدنا إن الذين حاربونا في العراق إبان الحرب العالمية الأولى كانوا هم السبب وراء فشلنا، وكان محركهم العلماء، وقد رأينا أن القضاء على هذه المقاومة لا يتم إلا عبر فصل الشعب عن العلماء، بحيث لا يتبع الشعب قيادته، ولأجل تحقيق ذلك، كان لا بدّ لنا من تغيير ثقافة الشعب، وذلك عبر فتح المدارس في كل النواحي والألوية وتربية الطلاب فيها كيفما نحب)، وبالفعل صنعوا ذلك واستطاعوا تغيير ثقافة الجيل الجديد.. نعم إن عفلق وحزب البعث العراقي ما هم إلا ثمار تلك الجهود الثقافية التغييرية التي بذلها الاستعمار البريطاني، فأصبح السادة الأعزّة عبيداً أذلة للمستعمرين. إن عملنا على الصعيد الثقافي ضعيف جداً، ولقد كان العمل الثقافي في طليعة مهام المسلمين السابقين، وإليكم بعض النماذج البسيطة على ذلك: فأكبر المكتبات الإسلامية في العراق وإيران حالياً لا تتجاوز كتبها المائة ألف كتاب على أكبر تقدير، بينما نشاهد أن مكتبة نصير الدين الطوسي ـ قبل مئات السنين ـ وحدها كانت تحتوي على أربعمائة ألف كتاب رغم أن كل الكتب في ذلك الزمن كانت مخطوطة! وأغلب الكتب الآن مطبوعة. ومكتبة أحد الفاطميين في مصر كانت تحتوي على مليون وستمائة ألف كتاب كلّها مخطوط. وفي المقابل، نجد أن مكتبة واحدة في إحدى بلاد الاستعمار، في الوقت الحاضر تحتوي على تسعة ملايين كتاب، ومكتبة أخرى في دولة استعمارية أخرى تحتوي على 36 مليون كتاب! قارنوا بين: 100ألف و36 مليون كتاب كم هو الفارق؟! نحن المسلمون كنا سابقاً منبع العلم ومصدر الإشعاع والتقدّم العلمي، وكانت عواصمنا الإسلامية كالأندلس وبغداد ونيشابور وخراسان وقم والحلّة وأصفهان والنجف وكربلاء مراكزاً لاستقطاب الطلاب والعلماء حتى من الأجانب إلى جامعاتنا الإسلامية الكبيرة في تلك العواصم. أما الآن فقد انعكس الأمر، أصبحت بلاد الكفار والملحدين قواعد انطلاق يشد الرحال إليها لطلب التقدم العلمي والتكنولوجي، وأصبح المسلمون هم الذين يقصدونهم لطلب العلم وغالباً ما يصحب ذلك تأثرهم باتجاهات الكفار السياسية والفكرية. لقد جاء في تقرير (أنه ومنذ سنة 1950 ميلادية هرب من الشرق الأوسط إلى الغرب والى أمريكا أكثر من نصف مليون مثقف من مختلف الطبقات والاختصاصات) . إن الثقافة لهي ركن هام من أركان إقامة الحكومة الإسلامية العالمية وعلى كل فرد أن يساهم بالقدر الممكن، فهذا يطبع ألوف الكتب، والآخر ينظم مئات الشباب والثالث، يتكفّل بإصدار جريدة أو مجلة ذات مستوى جيد، وهكذا. |
|
وجوب إقامة الدولة الإسلامية |
|
قد أشرنا في مبحث سابق إلى لزوم الاهتمام لأجل إقامة حكومة إسلامية عالمية، تضم كل المسلمين في حكومة انتخابية مرضية لله سبحانه. وربما يستشكل على ذلك، بأن بعض الروايات تدل على عدم إمكان تحقق حكم إسلامي قبل ظهور الإمام المهدي عليه الصلاة والسلام؟ والجواب: إن الروايات الواردة بهذا الشأن، لا بد وأن تحمل على أحد المحامل الأربعة التالية: 1 - التقية: حيث أنهم (عليهم السلام)، أرادوا الحفاظ على أنفسهم لتبقى جذور المقاومة حية، قال سبحانه: (إلا أن تتقوا منهم تقاةً)(12). وقال (عليه السلام): (التقية ديني ودين آبائي)(13). 2 - أو المراد الحكومة العالمية لكل أهل العالم، فإنه لا يتسنى ذلك إلا للإمام المهدي (عليه السلام) . 3 - أو المراد إجراء العدالة الواقعية، حيث إن الإمام يعلم الواقع دون غيره، وإنما غيره يعمل حسب ظواهر الأدلّة. 4 - وإما المراد من يدعو إلى نفسه، لا إلى القيادة الواقعية التي هي قيادة من عينه الله سبحانه للحكم. ويؤيد ما ذكرنا، أن ثلاثة من الأئمة (عليهم السلام) دعوا للمختار (رحمه الله)، وقد حكم زهاء خمس سنوات على شرق العالم الإسلامي، فهل كان حكمه باطلاً؟ وهل الأئمة (عليهم السلام) يدعون لحاكم باطل؟ بل وكــان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يسميه بالكيّس، وهل الذي يحكم باطلاً كيــّس بنظر الإمام (عليه السلام) ؟ وهكذا علماء كبار لا شك في فقههم وعدالتهم، أمثال الناصر والرضي والمرتضى والمفيد (رحمهم الله) كانوا من أصدقاء الدولة البويهية، والعلامة الحلّي كان من أعوان خدا بنده، والمجلسيان والشيخ البهائي والمحقق الكركي والميرداماد ومن أشبههم كانوا من أنصار وزراء الدولة الصفوية، وكاشف الغطاء (رحمه الله) أعطى الوكالة لبعض القاجاريين، والشيخ محمد تقي الشيرازي أقام الدولة الإسلامية في العراق، بعد أن طرد الإنجليز، إلى غير ذلك، وهنالك روايات تؤيد ما ذكرناه. ففي الكافي، في خبر صحيح، عن العيص بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم، فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها، والله لو كانت لأحدكم نفسان، يقاتل بواحدة يجرب بها، ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة، وأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم، إن أتاكم آت فانظروا على أي شيء تخرجون، ولا تقولوا خرج زيد فإن زيداً كان عالماً، وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه، فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله): فنحن نشهدكم إنا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الروايات والأولوية أجدر ألاّ يسمع منا إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه. فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه إذا كان رجب، فاقبلوا على اسم الله، وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهليكم فلعلّ ذلك يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة)(14). فإن هذا صحيح يدل على صحة قيام زيد، لأنه كان قيامه لله، وكان يدعو للإمام (عليه السلام) بخلاف من كان قيامه لغير الله، ولا يدعو إلى الإمام، كدعاة العباسيين والتعريض بهم في هذا الحديث، واجتماع بني فاطمة تتحقق برضا الإمام، وإن لم يجتمع سواهم - كما ذكروا في باب الإجماع - والظاهر أن أمر الإمام بالتأخير إلى شعبان وشوال، لأجل أن يتبين الأمر لهم بأن الدعاة لا يدعون إلى الإمام (عليه السلام) . وآخر الحديث تسلية لهم بأنهم - المعاصرون للإمام (عليه السلام) - حيث تفوتهم الدعوة، لأنه لا دعوة في ذلك الحال إلى الإمام العدل، فإنهم سيدركون الإمام المهدي (عليه السلام) ويقومون معه. وفي رواية أخرى، عن العلل، عن الصادق (عليه السلام): (إن أتاكم منا آت ليدعوكم إلى الرضا منا فنحن نشهدكم أنّا لا نرضى أنه يطيعنا اليوم وهو وحده، وكيف يطيعنا إذا ارتفعت الرايات والأعلام)(15)... وظاهره عدم الجواز إن كان الآتي لا يدعو إلى الإمام ولا يطيع الإمام، أما إذا كان بخلاف ذلك، فإن دعوته صحيحة واتباعه صحيح. وعن عيون الأخبار، عن ابن أبي عبدون، عن الرضا (عليه السلام) في حديث أنه قال للمأمون: (لا تقس أخي زيد إلى زيد بن علي، فإنه كان من علماء آل محمد (صلى الله عليه وآله)، غضب لله، فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله)(16)، ولقد حدثني موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه سمع أباه جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: (رحم الله عمي زيداً، إنه دعا إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، لقد استشارني في خروجه، فقلت: إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك...) إلى أن قال: فقال الرضا (عليه السلام): (إن زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق، وإنه كان أتقى لله من ذلك، إنه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) )(17). وعن ابن إدريس، في آخر السرائر - بسنده - قال: ذكر بين يدي أبي عبد الله (عليه السلام) من خرج من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، فقال: (لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ولوددت أن الخارجي من آل محمد (صلى الله عليه وآله) خرج وعليّ نفقة عياله)(18). أقول: ولعل قدح الإمام الرضا (عليه السلام)، لزيد أخيه أمام المأمون كان تقية، كما يؤيده خبر السرائر. وما ورد من أنهم (عليهم السلام) كانوا ينتقصون أصحابهم خوف العثور بهم، ويمثلونهم بالسفينة التي عابها الخضر (عليه السلام)، لئلاّ تؤخذ من قبل الملك الظالم، ويؤيده قول الإمام (عليه السلام) في شهداء فخ: (إن الأنصار لم يفوا بما وعدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)) فإنهم لو كانوا خرجوا بغير حق وبدون جواز شرعي فهل كان للأنصار أن يساعدوهم؟ أو كان اللازم الاجتناب عنهم؟ وكذلك يؤيده أشعار دعبل بمحضر الإمام الرضا (عليه السلام) في رثاء شهداء كوفان وفخ وجوزجان، فإن تقرير الإمام الرضا (عليه السلام) له دليل على صحة خروجهم، وإلا فهل كان الإمام الرضا (عليه السلام) يؤيد لو ذكر أبا مسلم وأبا سلمة وغيرهما من الذين خرجوا على بني أمية؟ وعن يحيى بن الجندل، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: (رجل من أهل قم يدعو الناس إلى الحق يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لا تزلهم الرياح العواصف، ولا يملون من الحرب ولا يجبنون، وعلى الله يتوكلون، والعاقبة للمتقين)(19).
|
|
1 ـ سورة القصص: الآية 4. 2 ـ سورة مريم: الآية 59. 3 ـ سورة الإسراء: الآية 20. 4 ـ سورة هود: الآية 7. 5 ـ الكافي: ج1 ص27 ح29. 6 ـ الكافي: ج2 ص170 ح5. 7 ـ سورة المائدة: الآية 44. 8 ـ سورة المائدة: الآية 47. 9 ـ سورة المائدة: الآية 45. 10 ـ سورة النساء: الآية 65. 11 ـ سورة الحديد: الآية 16. 12 ـ سورة آل عمران: الآية 28. 13 ـ الكافي: ج2 ص219 ح12. 14 ـ الكافي: ج8 ص264 ح381. 15 ـ العلل: ص578 ح2. 16 ـ عيون الأخبار: ج1 ص194 باب25 ح1. 17 ـ عيون الأخبار: ج1 ص195 باب25 ح1. 18 ـ الوسائل: ج11 ص39 باب13 من أبواب جهاد العدو ح12 نقلاً عن السرائر. 19 ـ ثم إن جملة من الروايات الناهية سندها غير صحيح، مثلاً في سند بعضها (الخليلي) و(الجيلاني) و(ابن نصر) وأمثالهم من الكذابين والغلاة وفاسدي المذهب ـ كما في الرجال ـ . |