فهرس الكتاب

فهرس الفصل الخامس

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

حوارات في الفقه والفقهاء

والشـيء نفسه بالنسبة إلـى الفقه، فهنـاك أناس يصرفون من عمرهم خمسين عاماً أو أكثر في تحصيل العلوم الفقهـية ويتخصصـون فـي ذلـك، فهم والأطباء والمهندسون علـى حـد سـواء في هداية الناس ضمن تخصصاتهم، فعلينا أن نثق بأقـوال المجتهـدين كما نثق بأقوال الأطباء والمهندسين في تخصصاتهم.

وهناك أدلة شرعية قطعية تدل علـى ذلك منها آية النفر التي وردت في القرآن الكريم.

قاطعني أحدهم وقال: ما هذه الآية؟

قلت: (ومـا كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كـل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(1).

ومعنى الآية : إنّ الذين بقوا ولم ينفروا عليهم أن يقلدوا أولئك الذين نفروا، واستناداً لذلك، فإنّ التقليد في الإسلام ليس تقليداً أعمى بل هـو تقليدٌ عن بصيرة ووعي، بل هـو تقليد يقـوم علـى التحقيق والتدقيق والانتخاب الصحيح والاختيار الأمثل.

الخطوة الأولى فـي التقليـد: أن يختار الإنسان غير المجتهد إنساناً مجتهداً فيقلده، وهناك خلاف بين العـــلماء حول تقليد الأعلم، فصـــاحب المسالك وصاحب الجواهر وصاحب الفصول وجماعة آخرون لا يرون إشكالاً في تقليد غير الأعلم، بدليل أننـا نـرى الكثير من الناس يذهبون إلى الأطباء وهم ليسوا بالدرجة العليا من العلم، فالبعض يراجع الطبيب غير الأعلم والمهندس غير الأعلم.

وهناك جمع من العلماء يرون وجوب تقليد الأعلم، أمثال الشيخ مرتضى الأنصـاري «قدس سره» بشرط توفر الأعلم وإلاّ فيسقط التكليف.

ولا يخفى أن من أدلة القائلين بالأعلميـة، أن العقل يميل إلى الأعلم باعتباره أفضل في حالة التقليد.

وأنا بتصوري الأعلم أفضل وليس أمراً لازماً، لأننا لانملك الروايات التي تشترط قيد الأعلم، كما أن الآية لا تشير إلى وجـوب تقليـد الأعلم، فمنطوقها ليس(لينذروا قومهم) أعلمهم، كـذلك الرواية التي نصها (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لـهواه مطيعاً لأمر مولاه فعلى العوام أن يقلدوه)(2) ، ولا فرق هنا سواءاً كان أعلم أو غير أعلم.

فإذا كان المفتـــرض تقليد الأعـــلـم كـــان النص بـــشكل آخر هو «من كان أعلم» أو أية عبارة أخرى دالة على ضرورة الأعلمية(3).

طبعاً ليس بحثنا في هذا المضمار، بل بحثنا يدور حول أهل التقليد، فأنتم تقولـون بأن التقليـد سبّب تقهقر الشيعة وتخلفهم، بينما السنة تقدموا لأنهم لا يقلدون، لكن الأمـر معكوسٌ تماماً، فالسنة يقلدون أيضاً إلا أنهم يقلدون علماء ماتوا قبل ألف عام.

وهنا يكمن الفرق بين الـــشيعـة والسنة، وعلى قول الـــعلامة السيد محمد باقر(4): لو قلدتم النعمان أو محمد أو مالك أو أحمد، فإنّ هؤلاء يرجعون بنا ألف عام إلى الوراء لأنهم ماتوا، والسُنَّة لا زالوا يقلـدونهم بعد أن أغلقوا باب الاجتهاد.

طبعاً لا يراعـون شرائط الزمان والمكـان وظروف الأمم من حيث التقدم والتخلف والعلم والجهل و.. فكيف يمكن أن تقلّد إنساناً عاش في ظروف تكاد تكون مختلفة 90 % عن ظروف اليوم.

أما نحـن، فنقـول بأن يكون زمان التقليد وزمان الاستنباط واحداً.

قد يقول البعض، وأنتم أيضاً تفعلون ما يفعله السنّة، تقلدون النبي والأئمـة «عليهم آلاف التحية والسلام» الذين عاشوا قبل أكثر من ألف عام أيضاً.

جوابنا علـى ذلك، ان النـبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الأطهـار(عليهم السلام) مثلهم مثل الشمس التي لا زالت تشـرق وستـظل تشرق وتشع بأنوارها على أرجاء الكرة الارضية، فهي لا تعتق أو تبلى، إذ يمكـن الاستفادة منها في كل زمان ومكان،

ذلك لأن النبي والإمام مرتبطان بالله سبحـانه، الباقي والقائم في كل مكان وزمان، فكان دينه صالحاً لجميع الأعصار، وقـد قـال رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (حـلال محمد حلال إلـى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة)(5).

قالوا: كيف يمكن أن يصلح الإسـلام لكـل زمان ومكان؟

قلت: هناك ثوابت فـي الإسلام لا تقبـل التغيير ولا التبديل مطلقـاً، وهنـاك متغيرات ترتبط بالزمان والمكان. فمن الثوابت: وجـوب الصلاة وأنها ركعتان في الصباح وأربع للظهر وأربع للعصر وثلاث للمغرب وأربع للعشاء، وأن المسافر يصلى القصر في الرباعية، والصوم من الثوابت ووجوبه في شهر رمضان المبارك من الثوابت أيضاً، وكذلك الخمس والزكاة وهكذا.

وهناك أمور تتغير تبعـاً للزمان والمكان، مثل تطبيق الآية الكريمة: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.. )(6). فمرة تكون القوة فـي الآية هـي السيف وثانية تصبح البندقية والطائرة وطوراً تكون أشعة الليزر، فقد تغير الموضوع بتغير الوسيلة.

من هنا فإنّ جوهـر الأحكام ثابـت لا يعرف التغيير بينما المادة التي تنفذ الحكم هـي المتغيّـرة لأنها تخضع لظروف الزمان والمكان.

كذلك بقية الأحكام مثل الحج هل يكون ركوباً على الجمل والحصان أم السيارة أم الطائرة، وكذلك مثل استحباب الضياء في المسجد سواء كانت الإنارة بحـرق السعف أو المصابيح الزيتية أو الطاقة الكهربائية.

ويكمن سر خلود الإسلام في هذه المسألة بالذات، حيث انه متحرك يستطيع أن يسـاير ويواكب الأزمان، فقد وضع الإسلام قواعد عامـة وهي تأخذ أشكالاً متنوعة عند التطبيق. وأمامنا الكثير الكثير من القواعد الفقهية ذكرها العلماء في مظان كتبهم نذكر منها علـى سبيـل المثال: (النـاس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)(7)(الإسلام يجبّ ما قبله)(8)(كل شئ لك طاهر حتى تعلم بنجاسته)(9).

 والأمر نفسه بالنسبة إلى تعدد الزوجات استناداً للآية الكريمة: (فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)(10)، والآية تناسب فـي التطبيق مختلف الظـروف، فإذا قلّ عدد النساء فالاكتفاء بواحدة، أما إذا كثر فالعلاج هو التعدد فـي الزوجات حتى لا تبقى امرأة في المجتمع بلا زواج.

ومن الخطأ أن تقول إنّ قانون التعدد كان على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا حاجة لنا به اليوم باعتبار أن الزمن قد تطور أو أن تقول كانت المتعة في زمن الرسول محلّلة واليوم لا يسمح الظرف بممارستها أو أن يقول في زمن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن هنـاك الأرز فلم يذكر في المحاصيل الزكوية أما اليوم لما توفر هذا المحصول فلابد من تعيين الزكاة عليه.

صحيح عندما تشعر بأنّ مقادير الزكاة غير كافية فإنّ المراجع يجتمعون في نطاق شورى الفقهاء ويتداولون هذا الموضوع فيقررون وضع الضريبة علـى الأشياء الأخرى مؤقتاً مستـدلين بأدلة ثانوية كدليل الاضطـرار ودليل الحرج ودليل الضـرورات وما أشبه. فقد ورد(ما من شئ حرّمه الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطر إليـه)، وهكذا في غير الزكاة كالخمس والجزية والخراج.

قالوا: فـي هذا العصر هل يمكن قطع يد السارق؟

وهل بالإمكان إجراء حدّ الرجم بالزاني المحصن؟

قلت: نعم، ولماذا لا يمكن ذلك؟

قالوا: لا يقبل أحد منّا هذا العمل.

قلت: بل العكس سيقبل العالم منّـا ذلك إذا عرفوا تفاصيل ذلك، يجب عليكم أن تعلمـوا أنّ يد السارق لاتقطع إلاّ بعد توفـر مجموعـة من الشروط، ذكرها الفقهاء في مختلف كتبهم، وهذه الشروط نادرة الحصول وهي غير متحققة في الواقـع، لذا ذكر أحـد الكتّاب المصريين في إحدى كتبه: منذ عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وحتى عهد الإمام الجواد(عليه السلام) حيث مرت(200 سنة) لم تقطع إلاّ ثمانية أيدي.

وعندي مناقشة حتى في هذا المقدار من قطع الأيدي، فلو افترضنا وقوع حادثة سرقة ووجدنـا كل الشروط متوفرة لقطع يـده لكن وجـدنا أيضـاً أن قطع اليد سيتسبب إهانة للدين، فحينئذ نستطيع أن نلجأ إلى أية عقوبة تأديبية لتأديبه كالسجن أو الغرامة أو ما أشبه.

وهذا بحث دقيـق ومفصـّل، وقـد بحثه العلماء في مؤلفاتهم في أماكن عدة(11).

قالوا: لماذا لا يجتمع العلماء حتى يحلّوا المشاكل العالقة.

قلت: هل تقصدون المشاكل السياسية والاقتصادية

وما أشبه؟ فانهم يجتمعون عند الحاجة.

وأضفت: وكانت هنالك مجالس للشورى في التاريخ المعاصر، فقد اجتمع الميرزا محمـد تقـي الشيرازي مع سبعين من العلماء عند قيام ثورة العشرين لإنقاذ الشعب العـراقي مـن براثن المستعمرين، كما وكانت هناك اجتماعات شارك فيها الآخوند الخراساني لإنقـاذ إيران من الاستبداد.

ويذكر لنا التاريخ : إن هنـاك اجتماعات كان يقوم بها الميرزا محمد حسن الشـيرازي(12) الكبـير فـي مدينة سامـراء فـي قضية التنباك(13)الـذي كـانت تحتكره الشركات البريطانية في إيران.

وفي أي وقت كانت تظهر المشاكل كان العلماء يجتمعون ويتفقون على قرارات موحدة.

قالوا: ولماذا لا يجتمع العلماء الآن؟

قلت: الآن يجتمع العلماء  ففي هذا المنزل الذي تجلسون فيه اجتمع والدي مع السيد الخوئي والسيد الحكيم(قدست أسرارهم) وتحدّثوا حول طغيان المد الشيوعي وكيفية مواجهته، وأصدروا فتاوى بتحريم الانتماء إلى الحزب الشيوعي(14) وتمكنوا بهذا الموقف أن يساهموا في إسقاط الشيوعية.

وإذا كان القصد هـو الاجتماع فـي مناقشة أمور الأحكام الشرعية بصـورة مفصلـة، ويسمى هذا الاجتماع بدرس الخارج فهذا موجود لكل فقيه.

ثم سألوني : أليس العلمـاء يستقـون أحكامهم من مصدر واحد هو الكتاب والسنة والإجماع والعقل، لماذا هذه الاختلافات في الأحكام، فهناك من يوجب صلاة الجمعة وهنـاك من لا يوجبها وهناك من يقول في الكّر سبعة وعشرون شبراً وهنـاك من يقـول سبعة وثلاثون وآخر يقول ثلاثة وأربعون، لماذا هذا الاختلاف؟

قلت : الاختـلاف سُنَّة الحيـاة، فليس هنـاك من لا يختلف لان الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بقدرات عقلية متباينة، لذا كان الاختلاف أمراً طبيعياً.

وبمقدوركم أن تلاحظوا هذا الاختلاف في البرلمانات والوزارات، فهناك ـ مثلا ـ من يدعو إلى الحرب مع هذه الدولة وهناك من يدعو إلـى السلام، وهناك من ينادي بأهمية الصناعة للـدولة وهنـاك مـن يدعو إلى الاهتمام بالزراعة، وحـتى الجانب الاقتصادي هناك من يرى ضرورة الاهتمام بالصناعات الخفيفـة، ومن يرى بأهمية الصناعات الثقيلة، فهـذا الاختلاف موجود في كل زمان ومكان، هذا أولاً.

وثانياً: إن اختلافهم في فهم الآية والرواية ومـا هو المراد منها يجعلهم يختلفون في الأحكام.

قالوا: لنفترض أن العلماء استلموا الحكم في بلد من البلدان فماذا سيفعلون فيما بينهم، وهم على هذا النمط من الاختلاف؟

قلت: هناك حلاّن:

الحـل الأول: الشورى واعتماد رأي الأكثرية، وهناك إشارة من القرآن الكريم حول هذا الموضوع يقول الله سبحـانه: (وأمـرهم شورى بينهم …)(15) (وشاورهم في الأمر …)(16).

والحل الثاني: أسلوب الاقتراع، وذلك عندما يكون هناك عشرة من العلماء يؤيدون أمراً وعشرة يخالفون هذا الأمر، فإننا نقترع بينهما وتكـون حصيلة القرعة هي المعيار، وقد ذكر القرآن الكريم موضوع القرعة في قصة يونس (عليه السلام).

وقد توسلت بعض البرلمانات بهذا الأسلوب، واتخذته معياراً للتصويت على الرأي المنازع فيه.

قالوا: كيف يمكـن أن نعتمـد القرعة، مع أن الله سبحانه وتعالى منحنا العقل وأعطانا القدرة الفكرية على التفكير؟ كيف يمكننا أن نحتكـم إلـى قصاصتين من الورق إحـداهما سلب والأخرى إيجاب، فهل من المنطق أن يرجع الإنسان العاقل إلى شئ لا يعقل.

قلت: لا

قالوا كيف؟

قلت: لأنّ العقـلاء أنفسهم اتفقوا فيمـا بينهم أن يتخذوا مـن هـذا الأسلوب طريقاً لحل مشكلاتهم، واتفاق العقلاء حجة، لذلك فإن هذا الأسلوب عقلائي فـي حال انحصار حل المشكلات به  لأنه يضع حداً للمشكلة.

عند ذلك شكرونا علـى أجوبتنا لأسئلتهم، وكانوا فعلاً يريدون أن يتبصروا ويعرفوا الحـقيقة، ولم يكونوا يرغبون في المراء والجدال، لذلك كانوا يقتنعون بالجواب عندما يكون منطقياً.

وعند خروجهم قالوا: إذا كانت لدينا أسئلة سوف نأتي إليكم مرة أخرى، ثم ودعونا وخرجوا. 

 

1 ـ سورة التوبة: الآية 122.

2 ـ وسائل الشيعة: ج 27 ص 131 ب 10 ح 33401.

3 ـ وقد فصل الإمام المؤلف الحديث عن أدلة القائلين بالأعلمية وأدلة الذين لا يشترطون الأعلمية في موسوعة الفقه ج 1 كتاب الاجتهاد والتقليد.

4 ـ زعيم الحوزة العلمية في مدينة كربلاء المقدسة، توفّى عام 1209هـ‍، وله مسجد في كربلاء باسمه قد شيّده في زمانه.

5 ـ بصائر الدرجات: ص 148 الباب الثالث عشر، باب آخر في أمر الكتب ج 7 عن أبي عبد الله(عليه السلام).

6 ـ سورة الأنفال: الآية 60.

7 ـ استناداً إلى الرواية التالية: (الناس مسلطون على أموالهم) بحار الأنوار: ج2 ص 272 ب 33 ح 7 (وأنفسهم) مستفاد من قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم).(سورة الأحزاب: الآية 6).

8 ـ استناداً إلى الحديث الوارد: (الإسلام يجب ما قبله) أنظر مستدرك الوسائل: ج 7 ص 448 ب 15 ح 8625.

9 ـ استناداً إلى الحديث الوارد (كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر) مستدرك الوسائل ج2 ص 583 ب 30 ح 27494 و(كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر) التهذيب ج 1 ص285 ب 12 ح 119  وقد تطرق الإمام المؤلف إلى بعض تلك القواعد في كتابه(القواعد الفقهية كما تطرف السيد البجنوردي في كتابه(القواعد الفقهية)إلى الكثير من تلك القواعد.

10 ـ سورة النساء: الآية 3.

11 ـ فصّل الإمام المؤلف(دام ظله) هذا المبحث في كتاب الحدود والتعزيرات من موسوعة الفقه.

12 ـ آية الله العظمى السيد محمد حسن الشيرازي، المشهور بالمجدد، عميد أُسرة الشيرازي، ولد في 15 جمادى الأولى 1230هـ‍ (26نيسان 1815م) هاجـر إلـى النجف الأشرف سنة 1259هـ‍ ثم إلى سامراء 1291هـ. تتلمذ عند العلماء الأعلام أمثال السيد حسن المدرس والمحقّق الكلباسي وصاحب الجواهر والشيخ الأنصاري.آلت إليه المرجعية سنة 1281هـ‍ بعد وفاة أستاذه الشيخ الأنصاري. قارع الاستعمار البريطاني في ثورته المعروفة(التنباك( والتي أيقظت العالم الإسلامي وأعطته الوعي السياسي في تاريخه الحديث، فقد تنبه المسلمون بفضلها إلى الأخطار التي يسببها النفوذ الأجنبي في بلادهم. ووقف كذلك بوجه الفتنة الطائفية التي أحدثها ملك أفغانستان عبد الرحمن خان حيث أخذ يقتل الشيعة ويجعل من رؤوسهم منائر في كل مكان. وقد تسالم المؤرخون على وصفه : إماماً عالماً فقيها ماهراً محقّقا رئيساً دينياً عاماً وورعاً نقياً، ثاقب الفكر، بعيد النظر، مصيب الرأي، صائب الفراسة، يوقِّر الكبير ويحنو على الصغير، ويرفق بالضعيف، أعجوبة في أحاديثه وسعة مادته وجودة قريحته.

يقول السيد الصدر صاحب كتاب تكملة أمل الأمل : وما عسى أن أقول في معزّ الدين ومحيئ آثار أجداده الأئمة الراشدين وحجتهم البالغة الدامغة على أعداء الدين ومربي المجتهدين وناصر المؤمنين وقاطع يد الكافرين من دولة المسلمين وناشر الأحكام في العالمين وأبي الأرامل واليتامى والمساكين ومن كان الناس في ظلّه راقدين وأهل العلم في كنفه آمنين، سيدٌ تهابه الملوك والسلاطين، وهو على الدين قوي ولا تظنني فيه من الغالين لا وربّ العالمين.

وكان درسهُ عامراً بالعلماء المشتغلين النابهين، لذا كثر المقررون لدروسه وأبحاثه الفقهية والأصولية، فدّون تلامذته خمسة عشر كتاباً، كما ألّف هو ثمانية كتب. توفى ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شهر شعبان عام 1312هـ‍ (شباط 1895م) في مدينة سامراء. 

13 ـ والتنباك: أحد أنواع التبـــغ الذي كان شائـــعاً في إيران في القرن التاسع عشر الميلادي، وكان يوضع في النرجيلة لتدخينه.

وقامت ثورة التنباك بعد الفتوى التي أصدرها الإمام السيد محمد حسن الشيرازي ـ من أجداد الإمام المؤلّف ـ ونصّ الفتوى: بسم الله الرحمن الرحيم استعمال التنباك والتتن حرام بأي نحو كان، ومن استعمله كان كمن حارب الإمام (عجل الله فرجه).

14 ـ وقد طبعتا فتوى السيد الحكيم والسيد الشيرازي ووزعتا في أنحاء مختلفة من العراق، للمزيد راجع الشيعة والدولة القومية في العراق، حسن العلوي.

15 ـ سورة الشورى: الآية 38.

16 ـ سورة آل عمران: الآية 159.