فهرس الكتاب

فهرس الفصل الخامس

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

حوار في التقليد

كان لدي مجموعة من الأصدقاء فـي الجامعات، في بغداد وغيرها من المحافظات، وكانوا علـى اتصال دائم معي، وقد وفقوا وبتشجيع مني لإقامة صـلاة الجماعة في جامعة بغداد.

جاءني في أحـدى الأيام عدد من الأساتذة والطلاب الجامعيين وطرحـوا عليّ بعـض الأسئلة، ومن جملتها السؤال التالي: لماذا نحن الشيعة متخلفون؟

قلت: الأمم كالأفـراد، فكما أن الفرد يمرّ بمراحل ويكبر ويتقدم، يمرض ويبرأ، كذلك الأمم، تمر بمراحل وتتقدم وتتراجع، تمرض وتبرأ، وهـذا يتبع سلوكها، فكما أن سلوك ومنهج الفرد يحدّد حالـته سواء كان في تقدم أو تأخر، كذلك سلوك الأمم.

قالوا: يرى البعض أن سبب تأخرنا هو رجال الدين.

قلت: على العكـس، فإنّ رجال الدين هم سبب التقدم، فرجال الدين هم الذين قارعـوا الإنجليـز حتى أخرجوهم من بلادنا في ثورة العشرين بقيادة الميرزا محمد تقي الشيرازي، حيث كان مرجعاً للأمة، وكان حوله كثير من العلماء الذين أصبحوا فيما بعد مراجع للتقليد، كالسيد أبو الحسن الأصفهاني والمـيرزا النائيني والمرحوم الوالـد والسيد عبد الهـادي الشيرازي والمرحوم السيد الحكيم وغيرهم.

في العـراق تمكن الميرزا الشيرازي من دحر الإنجليز وطردهم من أرض الرافـدين، لكنـه توفي في منتصف الطريق، والـذين جـاءوا من بعـده لم يكونوا بقوة شخصيته وحنكة إدارته، الأمر الذي أدى إلـى عودة الإنجليز مرة أخرى لكن هـذه المرة بأسلوب آخـر هو الانتداب.

ولا يخفى على أحد أنّ علماء الشيعة أقاموا حكومة إسلامية مستقلـة عـن الإنجـليز فـي مدينة كربلاء وضواحيها، وهـذا مدون في كتـب التاريخ بالأخص الكتب التي تتحدث عن ثورة العشرين(1).

هذه الأمور تبدو خافية على البعض، فإذا كان هناك من لا علم له بذلك، فما ذنب العلماء في ذلك؟

قالوا: نحن نعرف أن التقليـد هـو نمط من أنماط التخلّف والشيعة متخلِّفـون لأنهـم يقلدون، أما أبناء العامة فلأنهم لا يعرفون التقليد فنراهم في تقدم مستمر.

قلت: هناك ملاحظتان في الردِّ على هذا القول.

الأولى: التقليد هو سبب للتقدم وليس للتأخر، لأنّه يوجب إرشاد الجاهل على ضوء هدى العالم، فالإسلام يريد أن يسير الجميع وفق وعي كامل ومعرفة شاملة.

الثانية: هناك دول شيعية كثيرة تأسست في التاريخ، وقد كتب العلامة محمد جواد مغنية كتاباً في هذا المجال سماه: (دول الشيعة في التاريخ)، كما وإن المرحوم السيد محسن الأمين ذكـر عشرات الدول التي أسسها الشيعة في التاريخ، وهذا يدل علـى أن الشيعة أصحاب خبرة فـي السياسة والإدارة والحكومة، كما وأنهم أصحاب خبرة في الثورة أيضاً.

قال: أليس معـنى التقليد هو الاتباع الأعمى وإنهاء مسؤولية العقل؟

قلت: ليس المراد بمعنى التقليد ما ذكرته بل هو رجوع من لا خبرة له إلى من يملك الخبرة والتخصص، وهذه سنة الحياة، فالمريض يذهب إلى الطبيب ليأخذ الدواء، ولأنه لا يعـرف ما ينفعه وما يضره، فعليه أن يتبع رأي هذا الطبيب، والذي يريد أن يبني بيتاً عليه أن يذهب إلى المهندس، وهكذا بقية الأمور الحياتية.

نعم التقليد الأعمى هـو أن يتأثر الإنسان بدعايات الآخرين كالغرب وأذنابه ويصرَّ على ذلك.

فالإصرار على أن الإسلام دين رجعي والتمسك بهذه المقولة على رغم اتضاح الأمر هو التقليد الأعمى للغرب، الذي يروّج لهذه الفكرة عن قصد وتعمد.

فبناءاً على هذا من لايعرف أمـور حياته، فعليه أن يستعين بها لمن له معرفة بها، وهذا ليس بالتقليد الأعمى بل التقليد الواعي الـذي يبحث من بين العلماء من هو أعدلهم ومن هو أفقههم.

وقد فتح الإسلام الطريـق أمـام الإنسان، فأما أن يتوجه إلى بحث الأمور و تقصّي الحقائق وأن يصبَّ وقته في طلب العلم وتحصيل معرفة الأحكام الشرعية ويتمكن من الاستدلال عليها ومن ثم الاستنباط فيصبح مجتهداً أو أن يتبّع من له خبرة في الأحكـام كرجوع المريض إلى الطبيب.

 فالذي يقول إني لا أريد أن أقلّد أحداً إما أنه يجهل معنى التقليد فعليه أن يتعلَّـم ذلك، أو أنه يعرف لكنه معاند، فمثله مثل المريض الذي لايريد أن يعمل بوصفة الطبيب.

إن الإسلام لا يرفض التقليد الواعي بل يرفض التقليد الأعمى المبني على العاطفة وقـد وبَّخ القرآن الكريم أولئك الذيـن يقلِّـدون الآخرين تقليداً أعمى فيتبعون آثار آبائهـم ويصرّون على البقاء عليها، وهو تقليد عرب الجاهلية لآبائهم وأجدادهم في عبادة الأصنام.

فقد كانوا يقولون : (إنّا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنّا على آثارهم مهتدون)(2)، فدليلهم الوحيـد هو عمل آبائهم بغض النظر عن أن هـذا العمل كان صحيحاً أو سقيماً، فإذا كان هـذا المنطـق صحيحاً، فإن منطق اليهود الذين وجدوا آباءهم على اليهـودية هو صحيح أيضاً، ومنطق النصارى الـذين وجـدوا آباءهم على النصرانية هو صحيح أيضاً، ومنطق المجوس الذين وجدوا آباءهم على المجوسية هو صحيح أيضاً. هذا هو التقليد الأعمى الذي سعى الإسلام لمحاربته.

أما التقليد المبـني علـى أساس العقل والـذي يفتح الطريق أمام الإنسان إلى ما هو أفضل، فهو تقليد ممدوح ومرغوب فيه، يقول الله سبحانه وتعـالى : (اتّبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون)(3).

والاتباع هنا بمعـنى تقليد العالم والخبير، الذي يريــد الخير للآخرين، وهو اتباع النـبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) واتباع الإمـام المعصوم(عليه السلام) حال حضوره واتباع الفقيه الجامع للشرائط باعتباره امتـداداً لتعاليم الرسول الأعظم والأئمة الأطهار(عليهم السلام).

قالوا : اتباع العقل يكفي فلا يحتاج الرجوع إلى الفقيه.

قلت : اتباع العقل فـي حدودٍ معروفة صحيح وهو المستقلات العقلية ـ كمحالية التناقض ـ أما اتباعه في مطلق الأشياء فهذا غير ممكن، لأنّ عقل الإنسان محدود، فالإنسان لا يعرف كل شـيء، ولايستطيع أن يعرف كل شئ، حتى عباقرة التاريخ نجدهم أصحاب خبرة في تخصصاتهم، فالطبيب العبقري هـو جاهـل في شؤون الهندسة ـ مثلاً ـ فإذا أراد الطبيب أن يبني داراً، فعليه أن يستشير المهندس وإلاّ فإنّ عليه أن يدرس الهندسة عدة سنوات حتى يستطيع أن يرسم تخطيطاً لبيته، وهذا غير ممكن لشدة تنوّع الاختصاصات. والشيء نفسه بالنسبة للمهندس الذي عليه أن يراجـع الطبيب عندما يمرض، فهو لم يستوعب شؤون الطـب بالرغـم من استيعابه لأمور الهندسة، فإذا أراد أن لا يذهب إلى الطبيب فعليه أن يدرس العلوم الطبية ويصرف من عمـره حتى يصبح طبيباً ماهراً، وهـذا أمر غـير ممكن، لأنّ هذا الأمر سيجعله يضيع عمره في التنقل للدراسة من هذا العلم إلى ذلك العلم، والحال أن عمر الإنسان قصير. 

 

1 ـ حيث طُرد الحاكم العسكري من كربلاء في تموز 1920م وتأسست حكومة شعبية في كربلاء والمدن المحررة المجاورة لها. وبعد وفاة الإمام الشيرازي عيّن الكربلائيون في السادس من تشرين الأول عام 1920م السيد عبد المحسن أبو طبيخ متصرّفاً لهم، وخليل عزمي سكرتيراً له، إلاّ أن ذلك لم يدم طويلاً حيث استطاعت القوات البريطانية أن تقف على أبوب كربلاء من جهة طويريج، واستسلمت كربلاء في 25 تشرين الثاني 1921م، وإنّ البريطانيين لم يدخلوها خوفاً من عمليات الاغتيال ولأجل تشديد العقوبة على الأهالي، حيث قطعوا الماء عن المدينة وشددوا الحصار الاقتصادي عليها.

2 ـ سورة الزخرف: الآية 22.

3 ـ سورة يس: الآية 21.