فهرس الكتاب

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

حادثة اعتقال

الحاج طالب دلاّل شخصية معروفة في كربلاء يعمل صيدلانياً وكان له شقيق يمتهن المحاماة اسمه الحاج حسين دلاّل، وهـو رجل متدين كثير الزيارة للعلماء ويحضر مجالسهم ويحضـر صلاة الجماعة ويكثر من التردد على العتبات المقدسة.

يقول الحاج طالب دلال: في إحدى الليالي كان أخي حسين نائماً عندنا في البيت، وإذا بالباب تطرق من قبل رجل الأمـن وكـان اسمه(عبـد العال)، طلب أن يصطحب أخي حسين معه.

فقال حسين: دعني ارتدي ملابسي.

قال عبـد العال: لا حاجـة لذلك تستطيع أن تأتي بملابس النوم لأنك لا تتأخر أكثر من خمس دقائق.

قال الحاج طالب: انتظرت عودة أخي بفارغ الصبر نصف ساعة ثم ساعة ثم ثلاث ساعات، وعند منتصف الليل طرقت الباب وأخبرونا بأنهم أعدموا أخي.

وعلمت فيما بعد إن الذين أعدمـوا مع أخي حسين خمس وأربعون شخصيّة عراقيّة من مختلف مناطق العراق من البصـرة والحلّـة والديـوانيّة والنجـف الأشرف والكاظميّة وبغداد و...

ومن الأشخاص الذين تعرضوا للاعتقال، واقتيدوا إلى الزنزانات في تلك الليلة ولنفس الغرض وبالطريقة نفسها ـ خمس دقائق فقط ـ من هـؤلاء الحـاج عبد الحسين كمّونة(1).

وقد نقل لي ـ بعد إطلاق سراحه ـ الحادثة، فقال:

اقتادونا ـ أنا وحسين دلال ـ إلى بغداد، وأدخلونا في زنزانة صغـيرة كان فيـها خمسة وأربعون سجيناً، وهـم الذين أعدموا جميعاً فـي تلك الليلـة ـ ما عدا عبد الحسين كمّونة ـ.

وكانت طريقة الإعـدام: أنهم يدعون في كل مرة شخصين من مدينة واحدة ويحاكمونهما محاكمة صورية ثم يقتادونهما إلى ساحة الإعدام.

جاء دورنا، فنادونا بأسمائنا ـ أنا وحسين دلال ـ حيث كنّا من مدينة واحدة وهي كربلاء.

اقتـادنا الشرطي إلـى غرفة تحتوي على منضدة، وكانت أرضية الغرفـة مغطاة بالتراب ولـم يكن هناك كرسي في الغرفة.

كنا نحن الاثنين واقفين وكان خلفنا شرطيان. تكلم الحاكم من خلف المنضدة، فسأل حسين دلال: الاسم، اللقب، العمل، العمر، وأربعة أو خمسة أسئلة أخرى ثم التفت إلى الشرطي ووجهه يقطر بغضاً وحقداً، فقال: الحكم إعدام.

فأخذوا حسين دلال وأخرجوه؛ وبعد دقائق سمعت أصوات الرصاص، وعند أذان الفجر تيقنت أنه اعدم.

عندما نطق الحاكـم بكلمة(إعدام) شلّت قواي وانهارت أعصابي واضطربت حالتي، ولم اكن ادري ماذا أفعل.

بعد ذلك جاء دوري، سألني الحاكم: ما هو اسمك، لقبك، عمرك، عملك، وأسئلة أخـرى روتينية كالتي  سـأل صاحبي، ثم توجه إلـى الشرطي وقال: أطلق سراحه. 

أخرجوني من الغرفة وأنـا لا اصدق ذلك، فأخذني الشرطي إلـى خارج المبنى ثم إلـى الشارع الفرعي ثم الرئيسي، وأنا مندهش ومتعجب، أأنا الذي أسير على قدميَّ؟ ثم استأجرت سيارة نقلتني إلى مدينتي ـ كربلاء المقدسة ـ وكان ذلك بعد أذان الفجر.

وقد قضى عبد الحسين كمّونة بعد تلك الواقعة، فترة من الزمن فـي المستشفى لما أصابه من اضطراب نفسي وانهيار عصبي.

وفيما بعد استقصيت كيفية إعدام الحاج حسين دلال  وإطلاق سراح عبد الحسين كمّونة، من بين هذا العدد الكبير من المعدومين، فعرفت السبب. وإنّ الإفراج قد تمّ بوساطة والد زوجته، وكان يدعى الحاج محسن قلب  وكنت أعرفه من قريب؛ فانه بمجرد أن سمع نبأ اعتقال صهره الحاج عبـد الحسين كمّونة سافر إلـى العاصمة بغداد وكان يحمل معه خمسين ألف دينار.

ونزل عند خير الله طلفاح، وهو خال صدام، وكان مجرماً وسفاكاً للدماء كبقية المسؤولين في الحكومة(2).

وطلب منه إنقاذ عبد الحسين وتخليصه مـن السجن، وقال له: أي مبلغ تطلبه أعطيك ـ والبعثيون في العراق معروفون بجمع المال وأنه من السهل إغواؤهم به ـ .

مدّ الحاج محسن يده إلـى جيبه وأخـرج كيساً فيه خمسون ألف ديناراً(3).

وعلى الفور اتصل طلفاح هاتفيا، وما أن أنهى اتصاله حتى قال لي: انتهى الأمر سيفرج عن صهرك وسيعود إلى كربلاء. وفعلاً عاد عبد الحسين كمّونة إلى كربلاء بعد أن خرج من فم الموت.

هكذا يتمّ قتل الناس، وهكذا يتمّ إنقاذهم!!

والحديث عن طلفاح حديث طويـل وسأذكر إحدى حالاته.  

 

1 ـ عبد الحسين كمّونة شخصية كربلائية مثقفة ينحدر من عشيرة بني أسد، وكانت ترجع إليه العشيرة في أمورهـا وحـلّ مشاكلها وكذلك العشائر الأخرى، وكان يتّصف بالحزم والدراية والفطنة والكياسة. وكان لهذه الأسرة أعلام سياسيون برزوا في تاريخ العراق إبان الاحتلال البريطاني أمثال الأخوين الشيخ فخرالدين والشيخ محمد علي الذين قادا حوادث عام1333هـ وطردوا المتصرّف العثماني حمزة بك من المدينة الذي جاء إلى الولاية عام 1331هـ‍، وهذه الحادثة مشهورة بحادثة حمزة بك، ونُفيا إلى جزيرة(هنجام) في الخليج باعتبارها معسكراً للإنجليز، وتوفـى الشيخ فخر الدين عام 1355هـ‍.

2 ـ خير الله طلفاح مسلط: معلم ابتدائية وربيب علاء الدين الوسواسي، عينه قاسم بعد انقلابه بشهرين مديرا للمعارف ببغداد ثم أنزله إلى مفتش للتعليم الابتـدائــي، وكان قبـــل ذلك مربـــيا للأغنام والأبـــقار، وبعد انقلاب  البعثيين عام 1388هـ‍ (1968م) أصبحت له اليد الطولى في الحكم، ونظرا لتعصبه المذهبي السني وقبليته الجاهلية اخذ ينكل بالآخرين، وله تاريخ مملوء بالجرائم، قتله صدام بعد أن قطع رجليه.

3 ـ وبقيمة النقود مقارنة بالنسبة لما كانت عليه وقتها والوقت الحاضر، فإن هذا المبلغ يساوي ستة آلاف ضعف مما عليه الآن، أي يعادل 170 ألف دولار.