فهرس الكتاب

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

لقاء أحمد حسن البكر رئيس الوزراء

وكان آنذاك رئيساً للوزراء فـي حكومة عبد السلام عارف، وقد بعث إلينا خبراً مفاده أنه يريد زيارة مدينة كربلاء المقدسة واللقاء بنا.

وقـد التقيت به في مجلسنا في إحدى قاعات الصحن الحسيني الشريف، حـتى تم هذا اللقاء أمام مرأى من الناس ومسمع منهم. ودعوت بعض الأصدقاء للحضور، كعادتي في مثـل هـذه اللقاءات، أمثال السيد مرتضى القزويني والسيد سعيد زيني وجمعاً من العلماء والفضلاء والخطباء والكتاب يربو عددهم الأربعين شخصاً.

حضر موكب البكر، وكـان يضم قرابـة العشرين شخصاً، فكان برفقته وزير الإصلاح الزراعـي ومدير الأمن العام ومدير الشرطة العام وعدد من الوزراء.

ولربما كانت رغبتهم في لقائنا ليسمعوا منّا ما نريد أن نقوله لينفذوا بعضه ويتركوا البعض الآخـر، فقد كنّا سابقاً نلتقي بوفد الحكومة في عهد الملكيين وعهد الشيوعيين، وكنّا نطالبهم بتطبيق الشريعة، لذلك عرفنا

لدى الدوائـر الحكومية إننا نحمل همـوم الشعب ونريد تطبيق الإسلام.

ولربما كان الهدف من الزيارة هو الخـداع والتضليل أي إظهار الموافقة على مطالبنا وتبطين المخالفة لنا.

ولربما كان الهدف هـو تقليد الحكومات التي تدعي أنها جماهيرية ومنبثقة من الشعب.

على أي حال: جاء البكر إلينا وبعد مقدمة قصيرة، قال: لماذا كنتم تخالفون العهدين السابقين(1)؟

قلت: في الواقع مطالبنـا من الحكـومات السابقة بالتحديد هي:

لمّا كان الشعب العراقي شعباً يدين بالإسلام، فلابد أن تصبح القوانين الحاكمة عليه قوانين إسلامية في مختلف الشؤون والحقول، اقتصادية اجتماعية سياسية، وما أشبه.

فإذا كانت الحكومات قد عملت بهذه النصيحة، فقد كسبت محبة الناس، وضمنت لنفسها البقاء والاستمرار في الحكم، فالحكومات التـي تصبح في الطرف المناقض للشعب تنتهي إلى الزوال والفناء. فالشـعب يشبه النهر الجاري، والحكومة بقعة صغيرة طافية فوق النهر، فإذا أخذ قسم من ماء النهر لوناً خاصاً، فإنه سيضمحل هذا اللون بعد فترة وجيزة من الزمن، فالنهـر لا يأخذ لون البقعة حتى لو غطّـت سطحه، هـذا مطلب، والمطلب

الآخر : إن عليكم أن تعملـوا جاهـدين من أجل أن تصبحوا شعبيين تحكمـون قلوب الناس، حـتى يحبكم الناس ويساندوكم في أعمالكم وبرامجكم.

والجماهيرية والشعبية تعـني أن تكونـوا في مصاف الناس، تذهبون معهم وتأتون معهم بل تكونـوا خلفهم وليس أمامهم، الجماهـيرية تعـني أن تفتحوا أبوابكم للناس وتستقبلوهم في دوائركم لتسمعوا منهـم ولتحلّوا مشاكلهم، فليس الناس مجموعة من العبيد والإماء حتى تتحكموا في رقابهم؟

امتعض وزير الإصـلاح الزراعـي(2) من كلامي، وقاطعني ظناً منه أنه يحاول أن يتدارك الموقف، وقال : تعلمون أن السيد احمـد حسن البكر هو رجل شعبي، ومن علائم شعبيته مجينه إليكم وفتـح الحـديث معكم في هذا الموضوع، وجلوسه على الأرض.

قاطعته قائلاً : اسكت، نحن نعـرف حاكماً شعبياً كالإمام علـي بن أبي طالب(عليه السلام) الذي يجلس على الأرض وينام عليها، وكان يجلس في مسجد الكوفة لقضاء حوائج الناس، وكان من على ذلك المكان يصدِّر أحكامه في القضاء والسياسة وما أشبه ذلك، ولازالت  ناك دكّة تسمى بدكّة القضـاء في مسجد الكوفة كان الإمام علي(عليه السلام) يجلس عليها أثناء القضاء.

ويحدثنا التاريخ أن الإمام علي بن أبـي طالب(عليه السلام) كان يتجول في الأسواق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان يقف في الطـريق، ليحـل مشاكل الناس، مشكلة الشيخ الكبير والمرأة العجوز والفتى الفقير والشاب والطفل وهكذا.

وعندما كان ينهي أعماله يذهـب إلـى دكان ميثم التمّار، يجلس عنده، وأحياناً عند غياب ميثم كان الإمام (عليه السلام) يبيع التمر مكانه، وقبل الإمام علي(عليه آلاف التحية والسلام) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يفعل ذلك، فقد كان رجـلا شعبياً يعاشر الناس البسطاء ويجالسهم، حتى أن شخصاً دخـل عليه وتعجب من سلوك الرسول، وقال إنه ليس ملكاً لأنني شاهدت ملوكاً، فلم تكن تصرفاته كتصرفاتهم.

ويذكر لنا التاريخ أن علـي بن أبـي طالب(عليه السلام) كان يجلس على التراب، ويجلس بين المتخاصمين للقضاء على التراب أيضاً، حتى سماه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ب‍ (أبي تراب).

نحن نريد من حكوماتنا أن تتصرف بهذه الكيفية، حتى تكسب قلوب الناس وعواطفهم، ويبقى ذكرهم في خير.

انظروا إلى الآن وبعد قرابـة ألف وأربعمائـة عام، لازال ذكر رسول الإسلام وأمير المؤمنين(عليهما السلام) في القلوب، وحديثهم يُروى على المنابر والمآذن.

لما أدرك احمد حسن البكر أنّي لم اترك فرصة لوزير الزراعة ليثير شبهاته، التَفتَ إليه وقد بانت عليه ملامح الغضب وقـال: اسكت، اسكت، حتى ينهي السيد حديثه وموضوعه.

فطفقت أتكلم بملء فمي:

لقد بعث الله سبحانه وتعالى النـبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) برسالة الإسلام كاملة وليس فيها أي نقص، لأنّ النقص يأتي من الناقـص، وإن الله سبحانه وتعالى منزه عن النقص، فكل ما يفعله أيضاً منـزَّه عن النقص، لذا فالإسلام ليس بحاجة إلى من يكمله سواء كان ذلك مجلس قيادة الثورة أو قوانـين الشرق والغرب، يتضمن الإسلام قوانين ثابتة ودائمة، وهي نصوص واردة نحو: (حلال محمد حلال إلى يوم القيـامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة)(3).

وهناك قواعد عامة جعلها الإسلام للمسائل المتجددة والمتطورة، تنسجم هذه القواعد مع اختلاف الزمان والمكان.

مثلا: في باب المعاملات: قال الله سبحانه وتعالى في محكـم كتابه: ( فلكم رؤوس أموالكـم لا تظلمـون ولا تظلمون)(4)، فالإسلام بهـذا النص يضـع ميزاناً لتملك رأس المال.

يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): (لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، وهي قاعدة عامة في كل زمان ومكان، يقول الله عز وجل: (أحل الله البيع وحرم الرِّبا)(5)، وقال عز من قائل: (تجارة عن تراض)(6)، وقال أيضـا: (أوفوا بالعقود)(7)، وقال أيضاً: (فرهان مقبوضة)(8).

فالدين الإسلامي الحنـيف لم يتـرك فراغاً في حياة البشرية، فهو لا يحتاج لغيره، وقد أرجع علماء الإسلام جزئيات الحياة إلـى هـذه القواعد العامة، كإرجاع الصغرى إلى الكبرى في كل باب.

لذا أرى من الضروري تشكيل لجنة من علماء السنة والشيعة يقوم كلٌّ علـى اجتهـاده ولاتباعه باستنباط الأحكام الجزئية من تلك القواعد الكلية وتقديمها للدولة، كما تفعل اليوم بعض الحكومات الكبرى كبريطانيا، مثلاً.

وضربت له مثالاً، بالقضاء البريطاني الذي يستند في إصدار قراراته على العرف والعادة، حيث يجلس القضاة في مجلس القضاء ويستنبطوا أحكامهم علـى أساس تلك القاعدتين.

وقد كسب القضاء، بذلك رضا الناس على الأغلب خلال الفترات المنصرمة من تأريخـه، والسبب هو أنه ينطلق نسبياً من المصلحـة العامة وليـس من المصلحة الخاصة، فالذي يخسر القضية لا يخسرها بسبب عوامل ذاتية، فالناس يعرفون أن القاضي لا يظلم، وإنما يحكم على أساس العرف والعادة، كمـا وإن الخاسر للقضية صحيح أنه خسـر نظراً للمصلحة الخاصة، لكنه ربح كثيراً بالنظر إلى المصلحة العامة، فقد أخـذوا منه الحق ليعطوه لأصحابه.

ولو أنكم انتهجتم هذا المنهـج ستكسبون محبة الناس ورضاهم، وتوفقون في الدنيا بسبب دعوات الناس لكم.     

وبقيت طيلة الحوار اركّز على هذه الأفكار والرؤى حتى قال لي أحمد حسن البكر في نهاية اللقاء بأني سأطبق كل ما قلته حرفيـاً، ولكنه لم يطبق شيئاً مما قلته له بل عمل عكسه تماماً !

وهذا ديدن الجبابرة، إذ سرعـان ما انتهـج حزب البعث العفلقي طريقاً معاكساً للإسلام ولمصلحة الشعب،  فتحول إلـى حـزب مبغوض ومنبوذ من قبـل الناس، لأن هدف الحزب كان إذلال الشعب وإخضاع العراق للسيادة الغربية وتصفية الحريات وقتل الكفاءات في هذا البلد العريق.

وكانت الحصيلة أن يلقى البكر حتفه على يد صدام بواسطة إبرة الموت، وبعد قتله شارك في جنازته، ولعله سكب دموع التماسيح عليه.

هذا عن حديثي مع البكر، أما ما قاله هو، فقد حدثنا عن مبادئ حزبه، حيث ابتدأ كلامه : إن مبادءنا مستقاة من الإسلام، مثل الحرية والاشتراكية والأمة الواحدة.

قلت له: هناك إشكالات في كلامك.

 الأول: هل إن هذه الشعارات مطابقة تماماً للإسلام أم لا؟

الثاني : هل أنكم ستطبقون ما ترفعون من شعارات أم لا؟

فحـول الإشكال الأول : أنّ الحريـة التي يفهمها الإسلام غير الحرية الـتي يفهمها الغرب، فالحرية في الإسلام مؤطَّرة بحدود الأحكام الشرعية، فالمسلم ملزم بالامتثال لأوامر الشريعة الإسلامية في الواجب والحرام، ولا حق له في التجاوز على هذه الأحكام بذريعة الحرية، بينما الأنظمة الأخرى لا تتقيد بالأحكام الشرعية.

والاشتراكيـة الـتي تدعـون إليها لا علاقة لها بالإسـلام.

إنّ في الإسلام محـاسن الاشتراكية كإعطاء الغني من ماله إلى الفقراء، يقـول الإمـام علي(عليه السلام) :

(إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلاّ بما منع غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك)(9). ولكن ليس في الإسلام من مساوئ الاشتراكية شيء.

فهذا هـو الإسلام فـي مكافحته للفقر وفي تصديه للغنى.

كذلك إن في الإسلام محاسن الرأسماليـة لكن ليس في الإسلام من مساوئ الرأسمالية شيء، يقول الله سبحانه وتعالـى: (فلكم رؤوس أموالكم(10)، فـالإسـلام ليس اشتراكياً بالمعنى الذي تفهمونه وليس رأسمالياً بالمعنى الدارج في الغرب(11).

أما شعار (الأمة العربية الواحدة) الذي تنادون به : فهو يختلف عن لفظ(الأمة) الـذي ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فالقرآن قصد ب‍(الأمة)(12) الأمة الإسلامية التي تذوب فيها الحواجز المادية من لغة ومال وجاه وعرقية، بينما تقوم دعـوتكم حـول الأمة العربية على أساس اللغة فـلا تعتـبرون الفارسـي والكردي ـ مثلاً ـ جـزءاً مـن أمتكـم، وهذا مخالف للدين الإسلامي الحنيـف وإنّه يمـزّق المسلمين وهو محرّمٌ في الشريعة، فإذا قامت دعوتكم على الأساس الإسلامي، فإنكم ستجـدون مَن يؤازركم ويعاضدكم من خارج العراق أيضاً، إذ أن جميع المسلمين سيبادرون إلى نصرتكم، فتصبحون أقوى بكثير مما أنتم عليه الآن.

من هنا فإن شعاراتكم لا تتفق والمعايير الإسلامية مائة بالمائة، هذا أولاً.

وأما ثانياً : فــي التطبيق ســتكــتشفون أن هــذه الشعارات ليست إلاّ مجرد كلمات وألفاظ، وإنكم لستم على استعـداد لتطبيقـها فـلا وجـود للحرية ولا وجود للاشتراكية ولا وجود للأمة العربية.

وكان هذا الأمر هو السبب في فشل حكومة البكر، فكلما كانت تبتعد عن الشعارات الـتي أطلقها كانت تفقد مصداقيتها وتقترب إلى نهايتها، كما شاهدنا ذلك.

 وهذا ما سيؤدي إلى زوال حزب البعث من العراق، وهذه: (سنة الله في الذين خَلَوا من قبلُ ولن تجد لسنة الله تبديلاً(13)، وقوله سبحانه في آيـة أخرى: (ولن تجد لسنة الله تحويلا)(14). 

 

1 ـ أي العهد الملكي والعهد الجمهوري.

2 ـ الدكتور سعدون لولاح المشهور بسعدون حمادي. كان وزيراً للإصلاح الزراعي في وزارة البكر الأولى في عهد عارف. وفي عهد البكر وصدام أي منذ عام 1968م تقلّد عدة مناصب منها وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء ورئاسة المجلس الوطني، ولازال يمارس أعماله في حكومة صدام.

3 ـ بصائر الدرجات: ص 148 الباب الثالث عشر، باب آخر فيه أمر الكتب ح 7 عن أبي عبد الله(عليه السلام).

4 ـ سورة البقرة: الآية 279.

5 ـ سورة البقرة: الآية 275.

6 ـ سورة النساء: الآية 29.

7 ـ سورة المائدة: الآية 1.

8 ـ سورة البقرة: الآية 283.

9 ـ وسائل الشيعة: ج9 ص29 ب3 ح 11444.

10 ـ سورة البقرة: الآية 279.

11 ـ ولا يخفى أنّ الدعوة للإشتراكية تنافي الحرّية التي جعلوها جزءاً من شعارهم، لأنّ الإشتراكية معناها جعل منابع ثروة الأمّة بيد الدولة، سواء كانت المنابع الطبيعية أو الصناعية.

12 ـ إشارةٌ إلى قوله تعالى: (وإنّ هذه أمتكم أمّةٌ واحدة).

13 ـ سورة الأحزاب: الآية 62.

14 ـ سورة فاطر: الآية 43.