| المؤلفات |
|
هكذا يجب
معاملة الأكراد |
|
الصراع مع
الأكراد يعود لأكثر من خمسين عاماً، وقد
تم نفي قادتهم من مدنهم، وفي كربـلاء المقدسة ظلّ الملا
مصطفى البرزاني مـدة من الزمن منفياً فيها.
وقد زارنا عدّة مرات في دارنا. وكان الأكراد
يطالبون بحقوقهم المشروعة،
يطالبون بأن تكون لغتهم الرسمية في مناطقهم،
وأن تكون لهم حصة في الحكومة والوزارة
والمجلس تتناسب مع عددهم وكثـافتهم
السكانيـة.
ولما كانت الحكومات المتعاقبة في العراق لا
تريد أن تمنحهم شيئاً،
فقد شهروا السلاح بوجه الحكومات،
وظل القتال مستمراً في العهد الملكي، وفي عهد
عبد الكريم قاسم،
حيـث اشتـد القتال بعد هدنة مؤقتة،
لأنهم كانـوا يقولـون بأننا شاركنا في
الإطاحة بالعهد الملكي فأين حصتنا من السلطة. وبعد
قاسم استمر النـزاع في عهد عبد السلام عارف بل اشتد
كثيراً،
لأنه كان يدعو إلى القومية العربية التي كانت
تثير حمية الأكراد مما يدفعـهم للمطالبة
بحقوقهم بصورة أكثر جدية(1)،
وقـد حاول عارف أن يستنجد بعلماء الدين في
حربه ضد الأكراد،
فبعث إلى مجموعة من المراجـع والعلمـاء
يطالبهم بإصدار فتوى توجب الجهاد ضد الأكراد. ومن
تلك الوفـود، الوفـد الذي بعثوه إلينا،
فأجبنا هذا الوفد بأننا لا يمكننا أن نفتي
بمثل ذلك. قال
لنا موفد عارف: لماذا لا تصـدرون الفتوى؟، ألستم تنادون
بالوحدة الإسلامية وإزالة الحدود الجغرافية،
وهـؤلاء الأكـراد انفصاليون يريـدون تجزئة
العراق واستئصال جزء منه لإنشاء دولة قومية
لهم. قلت لهـم :
المشكلة تكمن في أنكم لم تطبقوا المنهج
الإسلامي الذي يعطي كل صاحب حق حقه، فلو كنتم قد
طبقتم الإسلام لما طالب الأكراد بتلك الحقوق،
لأن حقوقهم مصانة فـي ظل النظام السياسـي
الإسلامي، فالإسلام يساوي
بين الجميع فـي الحصول علـى العلم والمال
والقدرة والمنصب والسلام وما أشبه ذلك. أضف إلـى ذلك،
إنكـم رفعتـم بوجه القوميات الأخرى لواء
الدعوة إلى القومية العربية، وهـذا يوجب
ظهـور التعصب القـومي عند الآخرين،
فلا تستغرب عندما يثور الأكراد وهـم يطالبون
بحقوقهـم،
لأنكم السبب فـي ذلك،
لأنّ دعوتـكم لا تتفق مع مقاييس إسلامية ولا
عقلية ولا واقعية. فالإسـلام
يقول: (إنا خلقنـاكم من
ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله اتقاكم)(2)، فالمقياس في
الأفضلية هو التقوى،
لذا كان بلال
الحبشي
وصهيب الرومـي وسلمان الفارسي وأبوذر العربي، سواسية في نظر الإسلام، وإني
لأتذكر إبان
الحرب العالمية الثانية
لم يكن لهذه النعرة من وجود. إذ ليس
هناك من يقول هذا عربي
وهذا فارسي وهذا كردي وهذا تركي وما أشبه
ذلك،
فالكل كانوا إخوة يعيشون فـي ظل الإسلام
الحنيف ويتزاوجون فيما بينهم،
ويشتركون في التجارة
ويعملون معاً في إنجاز المشاريع وحتى في أمور
الدفاع عن البلد كانوا يداً واحدة. إلاّ أنكم الآن تنادون بالقومية،
وبالمقابل يأتي الأكراد ليقولوا نحن أيضاً
قوم
كما أنكم قوم،
وكما أن لكم حقوقاً فإن لنا حقوقاً، هذا
أولاً. أما
ثانياً: فان القومية خـلاف العقل، لأن التمايز
الأصلي في كفاءة الإنسان وقـدراته وليس في
لسانه وما ينطق أو لون بشرته أو عرقه،
فهذه أسس مادية للتمييز لا قيمة لها مطلقاً. أمّا
ثالثاً: فالواقعية تقتضـي أنّ يعيش
الإنسان بجنب أخيه،
لأنّ الإنسان بحاجة إلـى أخيه الإنسان،
فالعربي يستعين بالكـردي،
والتركي يستعين بالعربي،
وهكذا كانت الحياة وستبقى. وقد
استطاعت أوربا التخلص من النـزعة القومية بعد تجربة مريرة
جرّت عليها الوبال،
فالحروب التي اشتعلت واكتشفوا إن
موروث القومية هو الدمـار والخراب، الأمر
الذي جعلهم يغيرون رأيهم في القوميـة،
فألغوها من جذورها،
وأنتم الآن أخذتم التجربة على علاتها بعد أن
تركها أصحابها، وبعد أن ثبت
فشلها،
وعلى قول المثل : (من
جرّب المجرب حلّت به الندامة). قال: إن جمال عبد
الناصر يدعو إلى القومية العربية أيضاً. قلت: أولاً: دعوى
عبد الناصـر إلى القومية ليس بأمر يقيني. ثانياً: على فرض
أن ادعـاءه كان يقينياً،
فهذا لا يعني أنه أمر صحيح.
ثالثاً: حتى الآن
لا تستطيـع أن تحكم بصحة وسقم قومية عبد
الناصر،
لأنها لازالت فـي مرحـلة الاختبار والتجربة. فإذا استطاع عبد
الناصر أن يغير أوضاع العرب نحو الأحسن وأن
يزيـل إسرائيل من الوجـود، فعند ذلك تستطيع
أن تبدي رأيـك فيه،
فالادعاء وحده لا يكفي فـي إثبـات صحـة أو سقم
مذهب من المذاهب، ثم أضفت: وبتصـوري إن
عبـد النـاصر سيفشل في تجـربته وإنه سيعجز عن
تحرير فلسطين. كان
عبد الناصر شخصيـة مهمة في نظر عبد السلام عارف وحكومتـه
حيـث كان الإعلام العراقي يشيد بشخصيـة عبد
الناصر،
وكان تلاميذ المدارس ينشدون الأشعار باسمه، ويرفعون صُوَره
في كل مكان. وقد أحـدث عبد
السلام وزارة باسم وزارة الوحدة مكلَّفة
بإيجاد التقارب بين العراق ومصر. ولذلك : انزعـج
الموفد الذي زارنا لغرض الحصول على فتوى
لمحـاربة الأكـراد، وأثار موقفنا
سخطهم،
وعنـدما لاحظت آثار الامتعاض على وجوههم،
قلت لهم : إن ميـزاني هـو
الإسـلام، فإنـي أقف
الموقف الإسلامي، وعلى قول
الشاعر: وكل
يدعـي وصـلاً بليلى وليلـى
لا تقـر لهـم بذاكا إذ انبجست
دموع في خدود
تبـيَّن من بكـى ممن تباكى قال : إن هـذا
الكـلام فيه إهانة لنا وللحكومة،
وليكن في علمكم أن لهـذا الموقف آثـاراً
سلبية عليكم ويجب أن تستعد لتحمّل النتائج. قلت :
لا يهمـني ذلك، وقـد قال سبحانه وتعالى: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك
بالذين من دونه)(3). لقد قررنا أن
نمضـي على منهج الله ورسوله لا نبالي بما
يصيبنا حـتى لو أدّى ذلك إلـى استشهادنا،
لأننا ـ بفضله تعالى ـ أصحاب مبادئ وقيم. وفعلاً نفذوا
وعودهم ضدنا،
فقد بدأت المضايقات علينا،
وعلى كل من رفض إصدار فتوى ضد الأكراد. تحملنا كل تلك
المضايقات برحابة صدر،
لأننا كنا على يقين بأن موقفنا هو الصحيح.
أما أولئك الذين
استجابوا للسلطة وأصدروا الفتاوى لم يمر وقت
طويل حـتى ذاقوا وبـال أمـرهم،
فكان مصيرهم السجن بسبب تلك الفتوى أو غيرها،
وقد قال تعالى في محكم
كتـابه : (إن الله لقوي عزيز)(4)، وقال أيضاً: (ومن
أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاً…)(5). المهم إني تحملت
مضايقات عبد السلام عارف لكن الأكراد لم
ينسوا موقفـي هذا، فقد غادرت
العراق إلى الكويت ومنها إلى إيـران،
وفي إيران زارني أولاد الملاّ مصطفى البرزاني، إدريس ومسعود،
في وقتين مختلفين،
وذكّراني بموقفي في قضيـة الفتوى وشيئاً
فشيئاً أصبح للأكراد قوة فـي شمال العراق حيث
تمكنوا أن يأخذوا حقوقهم،
وعلى أثر ذلك المـوقف فسـح الأكراد لنا
الطريق إلـى مدنهـم،
ومنحونا الحرية الكافية لإنشاء المؤسسات
وإقامة المشـاريع، فأنشأنا حسينية
في مدينة شقلاوة(6)
لإيواء المحتاجـين وتوزيـع المعـونات على
الفقراء ولإحياء المناسبات المختلفـة مـن
مواليد الأئمة ووفياتهم وإقامة
موائد الطعام في المناسبات الدينية،
وبالأخص في شهر رمضان المبارك. كذلك
قمنا بإنشاء محـطة بث إذاعي وكانت تبث
البرامج الدينية والأخبـار المتعلقة بالعالم
الإسلامي وكانت المساحة التي
تغطيها الإذاعة في بثها صغيرة إلا أنها كانت مهمة لمدى تأثيرها(7)،
ثم إنهم فسحوا المجال لنا في
توزيع كتبنا فـي مختلف مدن
كردستان،
وقد أسرعت بعـض دور النشر فـي ترجمة بعض كتبنا
إلـى اللغة الكردية ونشرها،
ولم يرق هذا النشاط للبعـض الذين حـاولوا أن
يثيروا العداوة والبغضاء بيننا وبـين
الأكراد بشتى الوسائل والسبل،
فقالوا إن ـ محمد الشيرازي ـ يعتبر الأكراد من
الجن،
وقـد بعث الأكـراد وفداً إليّ ليستفسروا عن
ذلك. قلت
لهم: اتفاقاً إني
ذكرت تفصيل ذلك في كتاب النكاح من موسوعة
الفقه والذي صدر قبل سنوات(8)، وقـد ناقشت
الرواية التي تقول:
(أنهم قوم مـن الجن قد كشف الله عنهم الغطاء)، وقـد اختلف
العلماء في معنى الرواية،
وبرأيي إن الأكراد ـ في هذه الرواية ـ هو جمـع(كَرَدَ)
وهـو مشتق من كَرَدَ إلى الجَبَل أي ذهب إلى
الجبل(9). من هنا، فان المقصود من
الأكراد فـي الرواية ليس الطائفة الكردية بل
المقصـود كل الناس الذين يقطنون المناطق
الجبلية ونحوهم المنقطعون عن الأحكام
الشرعية والحضارة المدنية ككلمة(الأعراب):
الدالة علـى كل مبتعد عن الحضارة الدينية،
فالأكراد في الرواية كل من سكن
الجبل سواء كان كردياً أو غيره فقد يكونون
مـن أهـل فارس أو أهل
إندونيسيا أو أهل أفغانستان،
فلا يشمل الحديث العنصر الكردي المعروف. والمراد ب(الجن)
هنا المستتر بالجبـل،
فـإن(الجن)
مشتق من مادة الجنين والجنة،
وهو لا يعني انهم من الجن في قِبال الإنس(10). فهؤلاء الناس
القاطنين بالجبال والمنقطعين عن المجتمع
والحضارة عندما يأتون إلـى المدن يكره
التعامل معهم وتزويجهم،
باعتبـار مكوثهم فـي الجبال وغلبة الجهل
والأمية عليهم وابتعادهم عن المدينة
والمعاشرة الطبيعية(11).
ذكرت هذا الأمر
في كتاب الفقه النكاح وأعطيتهم نسخة من هذا
الكتاب المطبوع لكي يطمئنوا بأنفسهم. سرّوا كثيراً من
هـذا التفسير الذي يبطِّن رداً لرأي الذين
يقولون بأنّ الرواية وردت في الأكراد كطائفة. وهكذا خابت ظنون أولئك الذين حاولوا أن يتصيدوا في الماء العكر، إذ وجدوا إننا لم نقل بما أشاعوا عنّا، بالإضافة إلى ذلك إننا دافعنا عن الأكراد.
|
|
1 ـ
يقول مجيد خدوري في كتابه(العراق الجمهوري) ص 13 فـي هذا الصدد : وقد
زادت هذه الحركة ـ القومية العربية ـ في قلق
الأكراد والأقليات العرقية الأخرى إلى حدّ
جعلتهم يشعرون معه بأنّهم يواجهون أخطاراً
سياسية ينبغي لهم أن يعملوا على تداركها
بالتوكيد على هويتهم الخاصة. 2 ـ سورة الحجرات: الآية 13. 3 ـ سورة الزمر: الآية 36. 4 ـ سورة الحج: الآية 40. 5 ـ سورة طه: الآية 124.
6 ـ وكان ذلك
عام 1992م. 7 ـ وقد داهمت
قوات صدام عام 1997م هذا المقر ونسفته واعتقلت
العاملين فيه جميعاً. 8 ـ موسوعة
الفقه ج 62 ـ 68 كتاب النكاح. 9 ـ جاء في المنجد: كَرَدَ ـ
كرداً …
العدو ـ طرده كارد مطاردةً: طارده ودافعه.
المنجد في اللغة: ص 680. 10 ـ ولو كان
المـراد إنّهم حقيقة من أصل الجن لزم أن لا
يكون تكليفهم كتكليف
الإنس لوضوح الفرق بين التكليفين مع بداهة أن
الأكراد مكلّفون كسائر أفراد البشر. 11 ـ وإذا
احتمل عدم التعامل مع هذا الصنف من الناس
يؤدّي إلى انكسار قلوبهم فحينذاك يدور الأمر
بين الأهم والمهم. |