| المؤلفات |
|
حوار مع
محسن وداي متصرّف كربلاء |
|
في أوائل مجيئ
البعثيين العفالقة في إنقلاب عبد السلام عارف
زارني متصرف كربـلاء محسن وداي(1)،
وكان برفقته مدير البلدية صادق الخطيـب وعدد
من مسؤولي المحافظة. ودار الحوار حول
قضايا عديدة، ومن جملة ما قلت له: إن بقاء
الحكـومات منوط بالحفاظ علـى نقطتين
أساسيتين: الأولى: الحفاظ على حرمة الدين،
والثانية: الحفاظ علـى حرمة الشعب، وإذا
انتهكتا، فإن مصير الحكومات إلى الزوال
والفناء. وأنتم إذا أردتم
البقاء فـي الحكـم والتفاف الناس حولكـم
فعليكـم أن لا تتجـاوزوا حـدود الشريعة ولا
تعتدوا علـى حُرمـات الـدين،
وإذا ما انتهكتم حرمة الدين،
فإنّ المتدينين ورجال الدين سيقفون لكم
بالمرصاد، لأنهم حماة
الدين والذابون عنه رغم اختلاف
الاجتهادات والآراء عندهم. وإن الحـوزة
العلميـة والمتدينـين لهم قـوة كبيرة لا
يستهان بها،
لأنهم يقفون إلى جانب الحق وكـل من يقف إلى
جانب الحق فإن كلمته ستكون العليا. وضربت له مثالاً
بعهد قاسم عندما هاجمـت إحدى
المجلات ـ وعلى ما أذكر اسمها(الحضارة) ذات النزعة
الشيوعية ـ علماء الدين،
فاعتدت علـى حرمة السيد الحكيـم(قـدس سره)
وإذا بـردود الأفعـال تظهر بسرعـة، فقـد استنكر
الناس هـذا العمل الشنيع،
وأغلقـت المحلات في المناطق الجنوبية من
العراق،
وكذا فـي كربلاء المقدسة والنجف الأشرف
احتجاجاً على ذلك. اضطرب المسؤولون
في بغداد من ردود الأفعال هذه، فبعثوا إلينا
وفـداً ليقدّم الاعتذار وليخبرنا بأن
الحكومة ستتخذ موقفاً
حازماً وصارماً من المجلة وستعاقب الكاتب،
وترجـى منّا أن نأمـر الناس بإنهـاء الاعتصام
وفتح محلاتهم. وبما إني كنت
أعلم بنوايا الحكومـة وعـدم التزامها
بأقوالها،
أجبتهم قائلاً: إن هؤلاء عملوا بواجبهم
الديني وما أملت عليهم الشريعة المقدسـة،
وليـس باستطاعة أحد أن يأمرهم وينهاهم. أصرّ الوفد
كثيراً لكـني رفضت،
ثم جاء وفد آخر ولكني كررت الرفض. ولما يئسوا مني
توجهوا إلـى أناس آخرين،
وطلبوا منهم ذلك بعد ما أشاعـوا الخوف والرعب
في صفوف الناس، وبهذا استطاعوا
إجبار الناس علـى
فتح محلاتهم، ولكن:
القسر لا يـدوم،
وسينقلب العنف على فاعله كما حدث. وأكملت الحديث مع محسن وداي
قائلاً : فالشرط الأول
للاستمرار في الحكم هو الحفاظ على حرمة الدين
ونواميس الشريعة. أما
الشرط الثاني: عليكم أن تحافـظوا علـى حرمة
الشعب، فإن للأمم كرامة وللشعوب قداسة، فإذا
ما قيّد الشعب بسلاسل الاضطهاد وبأصفاد
الاستخفاف وأحس بالذل والهـوان، فإنه سينهض
ويثور ويهـوي بكم إلى السقوط. ثم
قلت لـه: لماذا نوادي القمار منتشرة
هنا وهناك، ولا من رادع ولا مـن زاجر؟
انظر إلـى هذه المدينة الصغيرة كربلاء رغم
قدسيتـها،
فـإن البعض يسعى لأشاعة المحرمات فيها مثل
القمار وغيره من المنكرات. قاطعني
قائلاً: أليس الإسلام دين الحريات؟ قلت:
نعم. قال:
ونحـن نمنح الحريات،
وهـذا شعـار حزبنا حزب البعث. قلت:
أولاً: إن الإسلام قد حرّم القمار. ثانياً:
لماذا لا تطلقون الحريات للشيوعيين حتى
يفعلوا ما يشاؤون(2)؟ قال:
لـو أطلقنـا لهـم العنان ومنحناهم الحـرية
فسيهدمون البلاد. قلت: القمار
أيضاً يهدم البلاد، ولكن هناك فرق في نوعية
الهدم، فالقمار يهدم الاقتصاد والصحة ثم
المجتمع، والشيوعية تهدم السياسة ثم
الاقتصاد والاجتماع. لم يحر المتصرف
جواباً. وهكذا انهارت
عروشهـم وتدحرجت رؤوسهم،
عندما لم يصونوا حرمة الدين وحرمة الشعب. إذاً على العاملين في حقـل السياسة أن لا يسيئوا إلى هاتين القوتين ـ قـوة الـدين وقـوة الشعب ـ فإن حكمهما حكم ماء المطــــر الساقط من السماء، فإذا لم تُبنَى له السدود ولم تشق له الترع ولـم يــأخذ مسيره في الأنهار فسيذهب سدى، بـل سيكـون وبالاً أحياناً، فيجـب استثمار هاتـين القوتـين بالصـورة السليمة وتفجير طاقاتهما بالصورة الصحيحة.
|
|
1 ـ عيّن
متصرفاً عـام 1383هـ (1963م)، وبقـي في منصبه لمدة ثمانية أشهر فقط، ويعدّ
المتصرف رقم 38 من بدأ تأسيس الحكومة العراقية. 2 ـ وكان
البعثيون في تلك الحقبة أعداءاً للشيوعيين، باعتبار الصراع بين
عارف وقاسم والذي يرجع إلى بدايات انقلاب
قاسم عام 1377هـ (1958م). |