فهرس الكتاب

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

زيارة رئيس الوزراء

عبد الرحمن البزاز إلى كربلاء

الدكتور عبد الرحمـن البزّاز شخصية عراقية مثقفة، ترأسَ الوزارة في عهد عبد السـلام عارف، وله عدّة مؤلفات.

زار مدينة كربلاء المقدسة بموكب رسمي وطلب اللقاء بنا، فوافقت علـى ذلك، وتم اللقاء فـي مقبرة المرحوم الوالد في صحن حرم الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان برفقته عدد من المسؤولـين، من أمثال مديـر الأمن العام ومدير الشرطة العام وعدد من الوزراء، وحضر اللقاء جمع من أصدقائنا، وقد وجدته شخصاً متـزناً، وتحدثت معه بأحاديث مفصَّلة ومسهبة، ومن جملة حواراتنا معه.

قلت له: لمـاذا لا زلتـم تعملون بقانون العقوبات البغدادي؟ مع أن هذا القانون ذكر في مقدمته: أنه سن في فترة الاحتلال البريطاني للعـراق، أي أنه من صنع المستعمر ولا يمت إلى الإسلام بصلة.

ثم أردفت قائلا : إنك تدين بالإسلام، وتقـر بأنك تريد تطبيق أحكامه، وقد مرّ على تطبيق قانون العقوبات البغدادي(1) ما يقارب خمسين عامـاً لم  يضف إليه شئ ولم يقل منه شئ، بينما الجرائم فـي تزايد، فلم يفلح هذا القانون من مقاومة الجريمة ولا الحد منـها، ناهيك عن الفساد والأمور اللاأخلاقية الأخرى.

لم يحر رئيس الوزراء جواباً غـير الابتسامة العريضة التي انطبعت على شفتيه، وكنت قـد حملت في جيبي نسخة من قانون العقوبات فأخرجتها وقدمتها له.

أجابني بأنّ الذنب ليـس ذنـبي، بل ذنب السابقين الذين عملوا بهـذا الكتاب، ثـم أضـاف: إنشاء الله سأعمل علـى إلغاء هـذه العقوبات واستبدالها بقانون العقوبات الإسلامية إن بقيت في الحكم مدة طويلة!

ثم بادرني باستيضاح حاصلـهُ: إن تطبيق العقوبات الإسلامية فيه الكثير من العقبات والمصاعب، مـــثلا  قطع يــد السارق أمـــر يكاد يـــكون غير مـــقبول فــــي الوقت الراهـــن، مع إن الـــقرآن الكريم ينص علـى قطع يـده (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)(2).

قلت له: هناك جوابان.

الجواب الأول: إن قطع اليد لا يتم إلاّ بتوفر الشروط.

قاطعني، وقال: وما هي الشروط؟

قلت: حسب تتبعي للكتب الفقهية هنـاك أكثر من أربعـين شرطاً لقطـع اليـد(3) ولذا كتب أحد الكتاب المصريين في إحـدى كتبه أنه لم تقطع من صدر الإسلام حتى عهد المعتصم العباسي(4) إلا ثمانية أيـدي، ويعود السبب إلـى قلّة الجريمة فـي الدولة الإسلامية، بسبب القوانين الاقتصادية السارية، فقـد سن الإسلام قانون حيـازة المباحات: (الأرض لله ولمن عمرها) (5)،كما ورد في الحديث الشريف.

وعلى فرض افتقار أحد المسلمين للمال، فإنه سينال نصيبه من العيش من بيت مال المسلمين.

الجواب الثاني: إذا كـان قطـع يـد السارق سبباً للدعاية المغرضة ضد الإسـلام، والقـول بأنـه دين لا يعرف الرحمة والشفقة وما أشبه ذلك، فإنّ ذلك من شأنه تأجيل العمـل بهـذا القانـون فقـط دون سائر العقوبات، حتى يتم توعية الناس بأغراض هذا القانون، والعمل بقانون آخر يعتمده الإسلام فـي تشريعه وهو(الأهم والمهم )(6)، فـإذا كان تطبيق عقوبة قطع يد السارق ـ مثلاً ـ موجباً لإهانة الدين الحنيف ولما كانت سمعة الإسلام أهم من تطبيق هذا القانون الجزئي، فإنه من الممكن تأجيل هذا الحكم للوقت المناسب، كما ورد في مضمون الرواية: (الامتناع عن إجراء قانون الحد والقصاص في بـلاد الكفر) (7)، ولعل السبب هو الحفاظ علـى سمعة الإسلام وعدم فسح المجـال لأعداء الدين بترويج الدعايات ضد الإسلام، فيمكننا حينئذ استبدال الحد الشرعي ـ قطع اليد ـ بالعقوبات التأديبية كالسجن أو الغـرامة أو ما أشبه ذلك، وهذا لا يعني أن نعطل جميع العقوبات الإسلامية أو نسرع في تأجيل العمل بالعقوبات الإسلامية أو استيراد قانون للعقوبات من دول الشرق والغرب أو تسن عقوبات حسب أهوائنا.

لذا من الضـروري إلغاء قانون العقوبات البغـدادي واستبداله بقانون العقوبات الإسلاميـة الـذي تقل فيه السجون وتقل فيه حالات الإعدام.

كما وأن في قانون العقوبات الإسلامية ما هـو بديل عن حكم الإعدام على الأغلب مثل جزاء الذين يحاربون الله ورسوله القتـل أو النفي(8) وإن قاتل العمد حكمه القصاص أو العفو أو الدية، وما أشبه ذلك من الأمثلة؛ ثم أكدت لرئيس الـوزراء: من اللازم عليكم أن تلغوا قانون العقوبات البغـدادي وتستبدلوه بقانون العقوبات الإسلامي، طالما لازلتم في الحكم ولديكم إمكانية ذلك.

وإذا لم تستسيغوا تطبيق القوانـين الأولية في الوقت الحاضر، فعليكم بقانون الأهم والمهم ـ مثلاً ـ وإذا لم تستطيعوا تطبيقه، فهناك بدائل مناسبـة يمكن العمل بها لتطبيق الحكم الإسلامي.

شكرني رئيس الوزراء ووجه لي دعوة رسمية لتجديد اللقاءات في العاصمة بغداد ثم ودعنا وعاد إلى بغداد مع من كان برفقته. 

 

1 ـ قانون جنائي الزمه الإنجليز على القضاء العراقي بعد احتلال العراق عام 1337هـ (1918م)، وهذا القانون لا يمت إلى الإسلام بصلة، لأنه خليط من قانون العقوبات المطبّق فـي مدينة طنجـة الدولية والقانون المصري، وادخل عليه بعض التعديلات الطفيفة آخرها عام 1399هـ‍ (1979م).

2 ـ سورة المائدة: الآية 38.

3 ـ وقد ذكر الإمام المؤلف(دام ظله) هذه الشروط في كتاب(ممارسة التغيير ص 448).

4 ـ وهو أحد خلفاء بني العباس، والبالغ عددهم 37 شخصاً، حكموا البلاد الإسلامية من سنة 132هـ‍ إلى سنة 432هـ‍‌.

5 ـ الكافي(فروع): ج 5 ص 279 ح 2.

6 ـ للتفصيل عن هذا القانون أنظر كتاب القواعد الفقهية ص 141 للإمام المؤلّف(دام ظله).

7 ـ راجع موسوعة الفقه : كتاب القصاص وكتاب الحدود والتعزيرات.

8 ـ استنادا إلى الآية الشريفة : (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) سورة المائدة : الآية 33.