| المؤلفات |
|
اللقاء |
|
كان لعبد الكريم
قاسم ساعدان يمسك بهما زمام الأمور. الأول: أحمـد صالح العبدي
الذي كان يسيطر على القوات المسلحة والمؤسسة
العسكرية.
الثاني: محسن الرفيعي الذي
كان يسيطر على أجهزة المخابرات وقـوات الأمن،
وكان الرفيعي رجلاً مفكراً يتسم ببعض الأخلاق
وبعد سقوط عبد الكريم قاسم لم يقتلـوا
الرفيعي بل أطلق سراحه في قصة مفصلة لا مجال
لذكرها هنا. يومها اتفقنا مع المرحوم
السيد سعيد زيـني أن نلتقي بمحسن الرفيعي، إذ
كان السيد زيني صديقاً حميماً له، وكان الغرض
من اللقاء، هو التحدث معه حول أوضاع العراق
وخطورتها.
اتفق السيـد زيني مع الرفيعي على موعد،
فذهبنا فـي الموعـد المقرَّر إلـى وزارة
الدفاع في منطقة باب المعظم ببغداد، وقبـل أن
نلتقي بالرفيعي استقبلنا ضابط فـي الجيش وكان
سكرتيراً خاصاً له، وكان هذا الضابط يقوم
بمطالعة الصحف ووضع علامة تحت بعض الفقرات،
فسألناه ماذا تفعل؟ قال: نحن مجموعة من الضبـاط
مأمـورون بمراجعة الصحف العراقية والأجنبية
والتأشير تحت الأخبـار ذات الأهمية، سواء
كانت أخبـار سلبية أو إيجابية، ثم بعد ذلك
نقدم هذه الجرائد إلى السيد الرفيعي للإطلاع،
وهو بدوره يقدمها إلى السيد الزعيم عبد
الكريم قاسم، إذا كان في تلك الأخبار خبرٌ
مرتبطٌ بالزعيم أو بالعراق. على
أي حال: جـاء دورنا ودخلنا علـى محسن الرفيعي،
فوجـدناه متعباً يميل إلـى النوم وكأنه لم
ينم بالأمس، فبدأت الحديث معـه، ففتح عينيه
بكـل ما يستطيع وأخذ يحدّق فيَّ ويسمع كل كلمة
أقولها. قلت له: لماذا حالة العراق
هكذا في اضطراب مستمر؟ وإلى متى يظل الناس غير
راضين عن الحكومة؟ أما آن الأوان لتغيير
الأوضاع نحو الأحسن بتغيير السياسة
الداخلية؟ قال لنا: ما
تشاهدونه أمره مقصود وانه سيزول
قريباً. قلت: كيف؟ قال: نحن نريد أن نكشف
الشيوعيين ونعرّيهم للناس من خلال أعمالهم
وممارساتهم، حـتى ننقضّ عليهم، ونوجه لهم
الضربة القاسية في الوقت المناسب ـ وبالفعل
فقد وجهت لهم الضربة بعد ذلك ـ. قلت للرفيعي: إن هـذا العمل
خطـير جداً، فإنّ الشـيء
إذا فسد ليس من السهل إصلاحه، فالإنسـان وذكرت له قصة الأفعى
والفلاّح: كان هناك فلاح يعمل في بستان، شاهد
أفعى فضربها بمسحاته، فقفزت الأفعى ولدغته
بأسنانها، وعاد كل واحـد منهمـا يجر جراحه،
وبعد أن التئم الجرح، عاد الفلاح ليعمل فـي
البستان وعادت الأفعى لتصيد غذاءها، وفي زحمة
العمل نظر الفلاح، فإذا به يرى الأفعى مرة
أخرى، فقال لها: أنا هنا أعمل في هـذا المكان
وأعيش على هذه الأرض وأنت أيضاً تعيشين
هنا على هذه الأرض، تعـالي لنتفق معاً علـى أن
نعيش بسلام وأمان، صديقين لا يتعدّى أحدنا
على الآخر. قالت الأفعى: هذا الكلام كان
ممكناً ومقبولاً قبل أن تضربني بمسحاتك وقبل
أن ألدغك بأسنانـي، أما الآن فإننا أصبحنا
عدوين، ولا يمكن لنا أن نتفق. هذه القصة بالرغم من أنها
جاءت على لسان الحيوان إلاّ إنها تشير إلى
حقيقة. وهذا هو واقع الأمر. اثنان تقاتلا أو تشاتما
وأصبح الواحد في قبال الآخرفأنهما في الغالب
لا يمكن لهمـا أن يتفقا اتفاقاً قلبياً، ينهي
بينهما كل شئ، يقول الله سبحانه وتعالى في
محكم كتابه: (عسى الله أن يجعـل بينكم وبين
الذين عاديتم منهم مودة)(1). ذكر عزّ وجل لفظة(عسى)، لأنّ
القاعدة العامة أنّ الجماعات المتقاتلة لا
تكون بينهما مودة إلاّ إذا تغيَّر جيل من
الناس، أما فـي حالة عدم تغيّر جيل فسوف يبقى
ما هو عالق من الصراع التاريخي، لذا فإنّ عمل
السلطة في منح الشيوعيين الحرية ليفعلـوا ما
يريدون لينكشفوا ثم تقضون عليهم بعد أن
يعيثوا في الأرض فساداً أمر غير مقبول. إنما الحل يكمن فـي إعطاء
الحرية الكافية للأحزاب الأخرى، وجعل هـذه
الأحزاب تتنافس فـي برامجها وأفكارها،
فالحزب الذي يسلك الطريق الإيجابي ويحمل
أفكاراً بنّاءة هو الذي يكسب الساحة
والجمهـور، على عكسه الحزب الذي يتراجع في
برامجـه وأفكاره ويصبح في الطرف المعاكس
للشعب، فهو سيفشل فشلاً ذريعاً وينكشف أمره
للناس. خلاصة الكلام إنكم أعطيتم
الحرية المطلقة للشيوعيين وأخذتم من الناس
أغلى شئ عندهم وهو الحرية. قال:
على العكس إننا أعطينا الحرية الكافية للناس. قلت: أية حرية هذه، حيث وضعتم
على رأس كل إنسان رجل مخابرات، فأصبح الجميع
يخافوكم ويخشونكـم، الخطيـب والتاجر والنائب
في المجلس والأستاذ فـي الجامعة، فقد صمتوا
خوفاً منكم، حتى فقـد الإنسان حريته
واستبدلتـم حريته بالخوف، وشجاعته بالجبن.
إنّ هـذا العمـل له عواقب وخيمة للدولة
والمجتمع. قال: كيف؟ قلت: الأمة كالنهر الجـاري أو
كبحرٍ موّاج، فإذا تلوث قسم منه، فإن
الأمـواج المتلاطمة ستأتي لتنقيته، وإعادة
هذا القسم إلى طهارته، فتعود المياه إلى
مجاريها. قال: أي الحريات التي منعناها
عن الناس؟ قلت: جميـع الحريات،
فالإسلام يمنح المسلم جميع الحريات إلاّ
المحرمات كالـزنا والقتـل وشـرب الخمر
والسرقة والاعتداء على الآخرين.
فبمقدور الإنسان أن يزرع ويتاجر ويبني ويصنـع
ما يشاء، وهكـذا كانت الأمور سابقاً، وإنـي
أتذكر إبان الحرب العالمية الثانية كان يأتي
المسلم ويشتغل في الأرض ويحرثها، ويأخذ من
ماء التُرع ما يكفيه، فيزرع الأرض دون أن
يمنعه مانع ودون أن يعطي مالاً لأحـد، فتصبح
الأرض ملكاً له طالما هي مزروعة. وعلى غرار ذلك كانت الأرض
تعمّـر وتبنى، فيأخذ المواطن قطعة من الأرض،
بالمساحة التي تكفيه ـ ألف متر أو خمسمائة متر
ـ ويشيـّد عليـها داراً يسكنها، ولا يدفع
ثمناً للأرض التي أقام عليها منـزله، لأنها
في الأصل ارض لله سبحانه وتعالى. كان البعض ينشئ فوق الأرض
المعامـل ويمتهن ما يشاء من المهن والحِرف،
ويدفع بنتاجه إلى الأسواق، وعادة ما تكون
بأسعار منخفضة، لأنه لم يـدفع ثمناً في قِبال
الأرض التي أنشأ فوقها المصنع. كذلك كان الفرد يستطيع أن
ينشط فـي التجارة ويمارس أنـواع الأنشـطة
التجارية لا يمنـعه مانع من الأشخاص أو
قوانين كابتة. وكانت حرية السفر مصونة
أيضاً، وكـذلك حيازة جميع المباحات، أضـف
إلـى ذلك مئات الأنواع من الحريات الأخرى(2). قال: إن مثل هذا العمل سيجلب
الفوضى للبلاد. قلت: كم مضى من الزمن من عهد
الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حـتى
قبل الحرب العالمية الثانية؟ لقد مضـى اكثـر مـن ثلاثة عشر
قرناً ولم نسمع بالفوضى الـتي تقول بها بل كل
شيء كان يجري وفق الأصول والأعراف. وعندما كانت تحدث أية مشكلة
كان العلماء ورجال الدولة يتدخلّون لحلّها،
وعندما كان يقوم أحد الأفراد بالاعتداء على
الآخرين كان العلماء يسرعون في إيقافه ثم
إصلاحـه، وكان الإنسان المسلم يمتلك كامل
الحرية، حراً فيما يريـد عمله، وما يريـد
صنعه، حتى أن الله سبحانه وتعالى قال في محكم
كتابه: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من
الغي)(3)، فحرية العقيدة
مصانة في الإسلام، لا يحق للمسلم أن يجبر غير
المسلم على تغيير عقيدته إن كان مسالماً له. كذلك قال جلّ ذكره: (إنما أنت
مذكِّر ـ لست عليهم بمسيطر)(4)،
فعلاقة الحاكم بالمحكوم هي التذكير والتوعية
والإرشاد، وليست التحكم وفرض السيطرة. قال عز وجل: (وما أنت عليهم
بجبار)(5). وقال أيضاً: (وهديناه النجدين)(6). فمسؤولية الدين هي الإرشاد
والتوجيه، أما الاختيار فهي من مسؤولية
الإنسان. قال: ما معنى (وهديناه
النجدين)؟ قلت: يقول الله سبحـانه: (ألم
نجعل له عينين ـ ولساناً وشفتين)(7)،
وقـد وهب الله للإنسان أدوات الوعي، العين،
اللسان، الشفتين، فالعـين يـرى بها الحقائق ـ
وقد ذكر البعض فـي تفسـيره، هناك عين ظاهره
وأخرى باطنه وهي المقصودة ـ. ولساناً يتكلم به بمساعدة
الشفتين. وبعـد أن وهب الله سبحانه
وتعـالى الإنسان هذه المنافذ الرئيسية
للوعي، وضع أمامه طريقـين، أحدهما ينقل سالكه
إلى الجنة، والآخر ينقل سالكه إلى النار. الأول: طريق الخير، والثاني
طريق الشر. قال: لم يأت القرآن على ذكر
الحرية! قلت: علـى العكس تماماً،
فكثير من الآيات فيها إشارة إلى الحرية،
لأنها تطالب الإنسان اختيار إرادته، وهناك
آية ورد فيها مفهوم الحرية بصورة جميلة جداً. قال: أيّ آية؟ قلت: هناك عندما يصف القـرآن
الرسـول محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)
قائلاً: (النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً
عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف
وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم
عليهم الخبائث ويضع عنهم إصـرهم والأغلال
التي كانت عليهم)(8) فهذه هي
آية الحرية. فالقرآن يعـرِّف لنا رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما يعرّف
أحدنا الآخـر، بأنه خطيب أو فقيه أو مهندس أو
دكتور أو ما أشبـه ذلك، فيقول لنا إن الرسول(صلى
الله عليه وآله وسلم) له ثلاث مهام: المهمة الأولى: الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر. المهمة الثانية: يحل لهم كـل
ما هـو طيّب، سواء كان طعاماً أو لباساً أو
زواجاً أو غير ذلك، ويحرِّم لهم كل ما هو خبيث. المهمة الثالثة: يحطِّم
القيود التي تكبِّل الإنسان وتمنعه عن العمل
الدؤوب، مثل: القيود الاجتماعية من عادات
وتقاليد أو قيود فكرية كالخرافات أو ما أشبه
ذلك. إنه يزيل الأغلال التي
تقيِّد الأيدي والأرجل؟ سألني عن الأصر والأغـلال،
ولماذا انحصرت القيود بهذين؟ قلت: هناك نوعان من القيود
التي تحـدّ من نشاط الفرد. الأول: القيود
الاجتماعية، ـ مثلاً ـ الفتاة لا
تتزوج لأنها تريـد زوجاً ثرياً أو صاحب شهادة
عالية، والفتى لا يتزوج لأنه ينتظر أن يحصل
علـى بيت ثـم يتزوج، هكذا بقية القيود
الاجتماعية، وتسمى بالآصار. ثانياً: القوانين الحكومية
الجائـرة:
وهي أيضاً تقيّد الإنسان من أرجله ويديه،
وتسمى بالأغلال، هذه الآية تمنح الإنسان
أنواعاً كثيرة من الحرية. وفي تطبيق هذه الآية يكمن سرّ
نجاح الدين الإسلامي الحنيف، وتقدمه على
الأديان الأخـرى، ويكمن فيها سرّ نجاح الدعوة
المحمـدية، إذ إن الرسـول(صلى الله عليه وآله
وسلـم) حـرّر الإنسـان مـن كل القيود والأغلال، وجعله حـراً إلاّ
فيمـا يجلب الضرر لنفسه أو لغيره. قال رسول الله(صلى الله عليـه
وآله وسلم): (من أحيى أرضاً مواتا فهي له)(9). يذكر المؤرخون أنَّه عنـدما
سمع المسلمون في المدينة هـذا الحديث عن
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي كان
بمثابة قانـون صـادر، فـرحـوا كثيراً، فسارع
كل واحد منهم إلـى قطعـة أرض لإحيائها، فذهب
بعضهم إلى الأرض التي حول المدينة وزرعوها،
وذهب آخـرون إلى الأراضي البائرة وأنشئوا
فيها الدور للسكن، وهناك من قام بحفر الآبار
لأجل السقي. وكانت الأراضي قبل الإسـلام
أما ملكاً للدولة كما كان يفعله الـروم
والفـرس أو ملكاً لرؤسـاء العشائر والوجهاء
كما عند العرب، فقد كانت الأراضي تبقى دون أن
تصل إليها يد الأحياء فينعدم الرفاه
والازدهار، وقد قال الرسول الأكرم(صلى الله
عليه وآله وسلم) في حديث آخر:
(من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)(10). يذهب إلى النهر ـ مثـلاًـ
ليأخذ قسماً من الماء أو لأجـل صيـد الأسماك
أو لأجل الحصول على الأملاح ويذهب إلـى الصحراء لغرض
الصيد ويذهب إلى الغابة ليجمع الحطب أو ما
أشبه. كل هذه الأمور يكون الإنسان
فيها حراً. ولما كانت جميع هـذه الأمور
مسمـوحة للإنسان المسلم كان النـاس
يستفيـدون منها، وكانـوا يحبون حكوماتهم،
لأنهم كانوا سعداء بما تقدّم لهم. أما اليوم فقد تغيّر كل شئ،
أصبح من الصعب على الشاب أن يتزوج ويبنى
الأسرة، وأضحـى من الصعب على الفتاة أن تنال
الزوج، فظهرت مقدمات الفساد في المجتمع، بعد
كل ذلك يقف البعض ليطرح هذا السؤال: لماذا كل
هذا الفساد؟ أضف إلى ذلك ازدادت البطالة
فـي المجتمع، عندما أُلغي قانون إحياء الأرض،
وأنتم المسؤولون عن ذلك. قال: كيف؟ قلت: إن الإسلام يسمح للزوجين
أن يقتطعا أرضاً خارج المدينة، من تلك
الأراضـي البائرة، وينشأ بيتاً متواضعاً،
ويتزوجا في ذلك البيت، ويكوّنا أسرة. أما في إطار حكومتكم، فإنكم
تطالبون هذا الزوج بقيمة الأرض الـتي أنشأ
فوقها بيته، ثم لا تسمحون له بالبناء إلاّ بعد
أن تأخذوا منه مقداراً من الضريبة.
فلو كنتم تفعلـون ما يريـده
الإسلام، لاتصلت مدينة بغداد بمدينة سامراء،
ولانتهت حالـة العزوبية، سمع مني هذا الكلام بإذن
صاغيـة وواعية، ثم قال:
نحن لا نستطيع أن نعمل كل هذا قلت له:
على العكس بمقـدوركم القيام بكل هذه الأعمال
إذا ما قررتم تشكيل اللجان لهذا الغرض، لجنـة
لأحياء الأرض تقـوم بتنظيم التوزيـع
والإنتـاج، لجنة لإعادة الحريات الاجتماعية
والشخصية، وهكذا. لو قامت الدولة بهذه الأمور
لأحدثت تقدماً لم يسبق له مثيل. واصلنا الحديث لمدة ساعة
تقريباً، وفي الختام: توجه إلينا وقال: حديثكم
جميل وشيّق، أما هل يمكن ترجمته إلى الواقع
هذه هي القضية؟ قلت: إنه قابل للتطبيق، فمنذ
بزوغ فجـر الإسلام وحتى قبل خمسين عاماً كان
مطبقاً، فما الذي يمنع من تطبيقه الآن. قال: سندرس هـذه المقتـرحات
بشكل جدي، ثم سألني هل السيد الحكيم موافق على
كل ما قلته ـ لأنهم كانوا يحذرون السيـد
الحكيم(قدس سره)(11) ويحسبون
لمواقفه ألف حساب ـ. قلت: نعـم السيد
الحكيم موافـق معنـا، لأن هذه المقترحات هي
من واقع الإسلام، فالذي ذكرته لكم إما أنه
وارد في القرآن الكريم أو موجـود فـي السنة
النبوية الشريفة، وهي أمور متفق عليها لدى
الشيعة والسنة معاً. وتفصيل هذه الموضوعات في
الكتب الفقهية، فهناك كتاب: (البيع) فيـه بيان
لقاعدة: (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)(12). أنا لا أقول بأن جميع المشاكل
الحكوميـة ستحل بحل بهذه الموضوعات، لأن
مشاكلها كثـيرة وكبيرة، وقد وضع الإسلام لها
حلولاً أيضاً إلاّ أن هـذه الأمور التي
ذكرناها هي مشكلات تعاني منها الدولة والشعب. قال: إن الزمـن له مدخليـة
فـي إجراء الأحكام الشرعية، وأنتم لا تعيرون
أهمية له. قلت: وما علاقة الزمان بهذا
الأمر؟ قال: الحضارة اليـوم غـير
حضـارة الأمس وغير الحضارة الإسلامية في
الصدر الأول، مثلاً هل نستطيع اليوم أن نقطع
يد السارق أو نرجم الزاني المحصن أو نجلد
الزاني غير المحصن. قلت: ما علاقة ما قلته
بالعقوبات، إني لم أذكر اسم السارق أو اسم
الزاني، حديثنا كان حـول الحريات في الإسلام
التي ذكرت أدلتها من القرآن الكريم، وذكرت
لكم بعض التفاسير حول آية الحرية. أما ماذا نفعـل
مع السارق والزاني، فهـذا من
شأن العلماء والفقهاء، فبمقدور الفقهاء أن
يبحثوا هذا الأمر بصورة منفصلة، فهم يلاحظون
الظرف عند الفتوى، فإذا كان هناك حكم شرعي
يتعارض مع أصول أخرى فيلجأ الفقهاء حينئذ
إلـى الخيارات الأخرى، معتمدين على أدلة
أخرى، كقاعدة(الأهم والمهم) أو(لا ضرر ولا
ضرار) أو قاعـدة(الحرج)، وهكذا بقية القواعد
الأخـرى الـتي تعطـي للفقيـه فرصـة
الاختيارات الأخرى. قال: ماذا تحكمون على السارق
غير قطع اليد؟ قلت: يمكن للفقهـاء أن
يجمِّدوا حكم السارق إذا كان في ذلك أثر سلبي
علـى سمعة الإسلام، فيختارون حكماً بديلاً عن
قطع اليد لتأديبه، مثل سجنه لمدة عام أو أخذ
مقدار من المال أو نفرض عليه شكلاً من أشكال
الحرمان. مثلاً يتم حرمانه من حـق
الانتخاب لمدة من الزمن أو يمنع من قيـادة
السيارة أو ما أشبه ذلك من عشرات الحقـوق
الأخـرى، هـذا الأمـر مرتبـط بالفقهاء
وبتشخيصهم وبكشـف البدائل. وقد قال بعض الفقهاء بعـدم
إجراء الحدود في عصر غيبة الإمام المعصوم(عليه
السلام). على أي حال: فالمجرم يجب أن
يؤدَّب، وهذا متفق عليه بين الفقهاء، أما كيف
يتـم تأديبه، فهذا يشخص من قبلهم، فالذين يقولون
بإجراء الحدود في عصر غيبة الإمام المعصوم(عليه
السلام) يضعـون شروطاً صارمة، فالسارق لا
تقطع يده إلاّ بشروط كثيرة(13). كذلك الزاني لا يجلد إلاّ ضمن
شروط صارمة جداً، وهذه الأمور لا علاقة لها
بحـديثنا، فإنّ حديثنـا حول مسألة الحرية،
وقـد ذكـرت لكم دليلها، وكيف تم تطبيقها منذ
الصدر الأول للإسلام وحـتى قبيل الحرب
العالمية الثانية، وكان العـراق آنذاك
جـزءاً من الدولة الإسلامية التي تم فيها
تطبيق الإسلام. فالمطلوب منكم: إقنـاع أحمد
صالح العبدي وعبد الكريم قاسم وبقية الوزراء،
بضـرورة الامتثال لأوامر القرآن الكريم. ثم أضفت قائلاً:
إنّ تطبيق الإسلام سينقذ الأمة من المخاطر والمهالك ويرسو
بها في ساحل النجـاة، وإنكم تستطيعون
إنقاذ الشعب العـراقي من المخاطر، وإنّ أي
تقدم في هذا المضمار سيمهّد الطريـق أمام
الآخرين من دول وجماعات لأن يسلكوا الطريـق
نفسه، ليس فقط الدول الإسلامية بل حـتى الدول
الغربية، لأنهم يعانون من مشاكل شبيهه
لمشاكلنا ويبحثون عن الحلول، وقد قال
سبحانه وتعالـى لرسـوله: (وما أرسلناك إلاّ
كافة للناس بشيراً ونذيراً…)(14). كان الرسول الأكـرم (صلـى
الله عليه وآله وسلم) بشيراً ونذيراً لأن
البعض سيعارضونه، لكنهم في النهاية سيجدون أن
من مصلحتهم إتباع تعاليمه، لأن تعاليمه أفضل
وأحسن مـن الجميع، كالـذي اكتشف الطاقة
الكهربائية فـي بداية الأمر عارضه بعض الناس،
لكن بمرور الزمن انتصرت الطاقة الكهربائيـة
علـى وسائل الطاقة الأخرى. فقد أودع الله سبحانه
وتعالـى فـي الإنسان قوة لتمييز النافع عن
الضار والحسن عـن الأحسن والضار عن الأضر،
وبعث الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)
ومعه كل عوامل الخير والصلاح للبشرية، ولهذا
كان الإسلام من أفضل الأديان، وكان نبيه مـن
أفضل الأنبياء.
قال تعالى: (ليظهره علـى
الدين كلّه)(15)، وهذا وعد
إلهي بانتصار الـحق على الباطل، وسيادة
الإسلام على الكرة الأرضية بأجمعها. فإذا عملتم على تطبيقه، فإن
دولاً إسلامية ستحذو حذوكم وتقتـدي بكم، ثـم
إنّ دولاً غربية ستقتفي أثركم، ويوجب ذلك
فخراً وعزاً لكم. قال:
هل الحوزات العلمية على استعداد للتعاون معنا
في هذا الأمر؟ قلت: نعم الحوزة العلمية علـى
استعـدادٍ، وإنكم تستطيعون أن تشكلوا لجنة
مشتركة بين الفقهاء والخبراء من الدولة من
أساتذة الجامعـات المتخصصين والمفكرين
لتدارس هذا الأمر، فالواقـع إن الحـوزة على
استعداد للتعـاون معكـم عندما تـجد فيكم
الصـدق والعزم والاستعداد الكافي لتنفيـذ
هـذا الأمر، ليكن أعضاء لجنتكم مؤلفة ـ مثلاً
ـ من عشـرين شخصاً، عشرة من الخبراء الزمنيين
وعشـرة من علمـاء الحوزة العلمية أمثال الشيخ
محمـد رضـا المظفـر، فهؤلاء يجتمعون
ليتدارسوا كيفيـة تطبيـق الأحكام الإسلامية،
وكيف يمكن تطبيقه، وليكن التطبيق على نحـو
التدريج، فإنّ الرسـول(صلى الله عليه وآله
وسلم) لم يطبِّق الأحكام دفعةً واحدة بل سلك
طريق التدريج، لئلا تحدث هزات في المجتمع. قال:
هل أنتم علـى استعداد لإخبار السيد الحكيم
بهذا الأمر؟ قلت:
نعم لأني على علاقة دائمة بالسيد الحكيم. كما وإنّ أخي السيد سعيد
الزيني الذي تراه أمامك على استعداد لأن يخبر
السيد الحكيم لأنه أحد وكلائه في مدينة
كربلاء. ثم قال:
سندرس الأمر ونفكر. ولم يكن ذلك سوى ذريعـة
للتهرب، فلم يدرسوا ولم يفكروا، بل زادوا
الطين بلة. ازدادوا اضطهاداً للناس
ومصـادرة للحريات، حتى حدث الانقلاب الذي
أطاح به. ومن نافلة القول:
عندما ذهبنا إلى محسن الرفيعي في وزارة
الدفاع وجدنا أمراً غريباً وهـو انتشـار
العسكر في كل مكان مدججين بالسلاح وفـي حالة
استنفار، وكانت قوّات الحرس تراقب الأمور عـن
كثب، وهي يقظة ليل نهار، بنادقهم مرفوعـة
وأيديهم علـى الزناد وكأنهم في حالة استعداد
للهجوم على العدو(16). هكذا كانوا يحافظون على
أنفــــسهم، ولـم يستطع ذلك العسكـر وتلك
الأسلحـة مـن حمايتهم عندما احتدم الصراع،
وكان السلاح نفسه سبب سقوطهم، لأنهم أرادوا
أن يملكوا الناس بسلاحهم ولم يملكوا شيئاً،
إذ كانت القلوب في وادٍ آخر. وقديماً بنى هارون العباسـي
قصراً منيفاً كان طـوله ثلاثة فراسخ يعيش فيه
سبعـون ألف إنسان، وعندما
ذهب هارون ذهب ذكره. أما السيدة فاطمة بنت الإمام
موسى بـــن جعفر عليهمـــا السّلام كان عمرها
الشريف لا يتجاوز ثمانية عشر عاماً فوافاها
الأجل، فسُمّيَ مكان قبرها باسمها الشريف وهي
معصومة قم. المشكلة أنّ البعض يعتقد أنّ
السلاح هـو الذي يوفّر لهم الحماية وهم لا
يعلمـون أنّ السلاح نفسه سيزيلهم من الوجود،
لأنهم كلما اكثروا فـي استخدام السلاح
ازدادوا بعداً عن الناس، وفـي يوم من الأيام
سيجتمع الناس ليقرّروا الهجوم عليهم
والتخلّص منهم.
لقد أحاطـوا أنفسهم بأنـواع
الأسلحة وبطوقٍ من الحماية، حتى لم يكن من
السهل الوصـول إليهم، لأن الوصول إليهم بحاجة
إلى عبور عدة موانع من التفتيش والتحقيق. حتى كانوا يأخذون قلـم الحبر ويفرّغونه في الدواة لئلاّ يكون مليئاً بالمواد الكيميائيـة التي يمكن أن تقضي علـى الحاكم، سواء كان هـذا الحاكم محسن الرفيعي أو أحمد صالح العبدي أو عبد الكريم قاسم.
|
|
1 ـ سورة
الممتحنة:
الآية 7. 2 ـ ولا يخفى
إن العهد الملكي كان أكثر تسامحاً واكثر
انفتاحاً وأقل فساداً من العهد الجمهوري حيث
كان يراعي بعض الأعراف الاجتماعية والقيم
الإنسانية، ولا يسحق كرامة الإنسان ويسلب
حقوقه على النحو الذي آلت إليه في العهد
الجمهوري، غير إن هذه المقارنة بين العهدين
لا ينتج بحدّ ذاته أن نقول: إن ذلك العهد عاش
حياة ديمقراطية حيث إن الأمور كانت بيد
السفارة البريطانية وإن الكرامة الوطنية
والدينية كانت مهانة، والتزييف الانتخابي
كان هو القاعدة. 3 ـ سورة
البقرة:
الآية 256. 4 ـ سورة
الغاشية:
الآية 21 – 22. 5 ـ سورة ق:
الآية 45. 6 ـ سورة
البلد:
الآية 10. 7 ـ سورة
البلد:
الآية 8 ـ 9. 8 ـ سورة
الأعراف:
الآية 157. 9 ـ تهذيب
الأحكام:
ج7 ص152 ب22 ح22. 10 ـ مستدرك
الوسائل:
ج17 ص111 ب1 ح20905. 11 ـ آية الله
العظمى السيـد محسن الحكيم ولد في النجف فـي
شوال 1306هـ (1889م). تتلمذ عند
الشيخ محمـد كـاظم الخراساني والشيخ ضياء
الدين العراقي والشيخ محمد حسين النائيني
والسيد محمد سعيد الحبـوبي. شرع
بتدريس الخارج عام 1333هـ، آلت إليه
الـــمرجعـــيــــة
الدينية بعـــد وفـاة السيـد أبــــو الحسن
الأصـــفهانـي والسيد البروجردي. له مواقف سياسية مشرفة منها:
أصدر فتواه الشهيرة بتكفير الشيوعية والكشف
عن صبغتها الإلحادية في السابع عشر من شعبان
عام 1379هـ (آيار1960م) وأعتبر إن الشيوعية كفرٌ
وإلحاد، ونشر البيان فـي جريدة العراق آنذاك. يقول هبة الدين
الشهرستاني في كتابه أسـرة المجـدد الشيرازي
ص27: ( وكان لهذا البيان أثره الكبير في تحجيم
هذا المدّ وتفشيل محاولات دعاته ومنظـرّيه
حتى باتت أفكارهم وخياراتهم مرفوضة بالمرة من
جانب الشعب العراقي المسلم). توفـى سنة 1390هـ
وتـرك عـدّة مؤلفات أهمها(المستمسك) وهـو شرح
على العروة الوثقى في 12مجلد، وكتاب(حقائق
الأصول). 12 ـ بحـار
الأنوار ج2 ص 272 ب33 ح 7 (وأنفسهم) مستفاد من قوله
تعالـى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)(الأحزاب:
6). وللمزيد راجع كتاب(البيع) للإمام
المؤلف(دام ظله). 13 ـ وقد سبق
نظير هذا الحوار في أوائل الكتاب، كمـا
وتطـرق الإمام المؤلف(دام ظله) لأشباهه في
كتاب: (حوار
حول تطبيق الإسلام). وسنذكر في الصفحات الآتية
الشروط الأساسية والثانوية لقطع يد السارق. 14 ـ سورة سبأ:
الآية 28. 15 ـ سورة
الفتح:
الآية 28. 16 ـ وكان عدد القوات العسكرية المرابطة ـ آنذاك ـ في وزارة الدفاع أكثر من ستمائة شخص. |