| المؤلفات |
|
اللقاء |
|
مع تنامي المد
الشيوعي في العراق،
وتفاقم الأوضاع نتيجة ممارساتهم الخاطئة،
قـررنا اللقاء برئيـس مجلس السيادة(1)
وهو أعلى سلطة فـي البلاد،
وكانت رئاسة المجلس بيد محمد نجيب الربيعي
وهـو عسكري ذو رتبة عالية(2)
بالإضافة إلى أنه يمتلك ثقافة دينية إلـى
جانب ثقافة زمنية واسعة في المعلومات العامة. شكلنا وفداً
خماسياً،
أنا والسيد محمد صادق القزويني والسيد مرتضى
القزويني والشيخ جعفـر الرشتي والسيد سعيد
زيني،
والتقينا به،
فاستقبلنا استقبالاً حاراً وكانت تبدو عليه
الدعة والأخلاق. قلت
لـه: لقد جئتـم إلى الحكم وأطحتم
بالحكومة السابقة
وأعلنتم بأنكـم تسيرون وفـق تعاليم الإسلام، فالآن حان الوقت
لكي تطبقوا الإسلام. قال:
كيف ذلك؟
قلت
له: إن القرآن يقول: (إن
هـذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون)(3). فاسعوا من أجل
إعادة الأمة الإسلامية إلى وحدتها. قال:
كيف يحدث ذلك؟
قلت: إحـدى
عـلائم الأمة الواحدة إزالة الحدود
الجغرافية بين البلاد الإسلامية، ومنذ عهـد النبي
الأكرم)
صلى
الله عليه وآله وسلم)،
وحتى قبل خمسين عاماً لم تكن هناك أية حدود
بين بـلاد المسلمين،
وان هذه الحدود من صنائع الغرب لتمزيق
المسلمين. وأنا أتذكر أنّ
الناس كانوا يسافرون مـن العراق إلى إيران
ومنها إلى الهند، ومن إيران إلى
الحجاز وإلـى أي بلد إسلامي بدون جـوار سفر
وبـدون تأشيرة دخول وبدون ختم الورود،
وكان المسلم يبقـى فـي البلاد الإسلامية بدون
إقامة وكان يعمـل بدون إجازة،
ذلك لأن الأمة كانت أمة واحدة. أما الآن فلسنا
أمة واحدة،
لقد أمسينا خمسين أمة(4). تعالوا واعملوا
على إعادة الأمة الواحدة. قال: كان
المسلمون في السابق حكومة واحـدة أما
اليوم
فأصبحوا عدة حكومات. قلت:
كنا في السابق حكومات متعددة أيضـاً، فقد
كانت هناك حكومة في إيران مستقلة عن الحكومة
التي تحكم فـي الدولـة العثمانية، ومع ذلك لم تكن
هناك حدود بين إيران وتركيا. قال:
إن هذا الأمر كان ممكنـا في السابق، أما اليوم فليس
من الممكن ذلك. قلت: إذا اصح هذا
الكلام فأين هذا الكلام من قول رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) :
(حـلال محمد حلال إلـى يـوم
القيامة وحرامه حـرام إلـى يوم القيامة)(5). قال:
ليست المسألة متعلقة بالحلال والحرام. قلت
له: كلاّ إنها عين الحلال
والحـرام،
لأن رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) اخـبر المسلمين إن من
حقهم أن يذهبوا من مدينة إلى أخرى ومن بلـد
إلى بلد ومن دولة إلى أخرى بـدون أن يمنعهم
مانع أو يصدهم أحد؟ الرسول الأعظم(صلـى
الله عليه وآله وسلم) يقول إنكم أمة واحدة،
والقوانين السائدة في البلاد الإسلامية تقول
إنكم أمم متعددة. قال: في الوقت
الراهن هنـاك خصوصيات لكل بلد تفرض عليه
التجزئة وعدم الاندماج. قلت: أما ترى إلى
الهند كيف كان هـذا البلد ممزقاً ومجزأً إلى
أكـثر من ثلاثمائة حكومة، وكيف استطاع حزب الشعب بزعامة غاندي من توحيد هذه
الحكومات، وتشكيل حكومة واحـدة،
فزال الحدود بينهم،
وأصبح بمقدور الإنسان الهندي أن يسافر من
ولاية إلـى أخرى بدون جواز سفر أو وثيقة عبور
أخرى. قال:
إذا لم تكن الحدود بين البلدان لعمَّت الفوضى، ولدخل العراق
مائة مليون زائر مثلاً. قلت: ليس ذلك،
لأن النـاس سوف يتوافدون إلى العراق بمقدار
ما يتسع البلد، فإذا ضاق بالناس
فسوف لن يقدم أحد إليها. وقد سبق ولم تكن
هناك حدود بين العـراق والبلدان الأخرى،
ومع ذلك لم يأت إلـى العـراق هذا العدد الكبير. قال:
حتى العدد المحدود لا يستطيع العراق تحمله. قلت: أما كان
التعداد السكاني لمدينة بغداد في زمن
العباسيين عشرة ملايين، وكان نفوس
العراق أكثر من أربعين مليون نسمة. قال:
من أين سيأكل هؤلاء طعامهم. قلت:
(وما
مـن دابـة فـي الأرض إلا على الله
رزقها…)(6)، فهل رزق العباد
بأيديكم أم بأيدي الله سبحانه وتعالى؟ ثم كل من يأتي
إلى العراق سوف يأتي ومعه ما يحتاجه من المال
والزاد أو سيـكون قادراً علـى العمل وشراء
البيت،
فإذا لم يستطع فانه سيعود من حيث أتى. قال:
على هذا يجب تغيير الكثير من القوانين. قلت:
ليـس الأمر صعباً كما تتصورون،
يكفي أن تشكل لجنة لهذه الغاية،
فتقوم بوضع القوانين. قال : إذا نحن
فعلنـا ذلك،
فليـس هناك ضمانة أن تقوم الدول الأخرى
كإيران وتركيا والسعودية بذلك، فما الفائدة من
تفرّدنا بهذا العمل. قلت:
انتم افعلوا ما عليكـم وأعلنـوا للمسلمين أن العراق يرحِّب
بكل مسلم بـدون جواز سفر،
ويسمح للمسلمين بالبقـاء فيه بدون إقامة،
كذلك يسمح لمن يريد الخروج أن يخرج بدون جواز
سفر. أما قبول الدول
أو عدم قبولها لهذه القوانين فليس من شأنكم،
يكفي أنكم أديتم ما عليكم من واجب. قال:
نحن لتوّنا قمنا بالثورة،
وان هـذا الأمر بحاجة إلى دراسة مستفيضة والى
وقت طويل. قلت: نحن لا نقول
لكم طبقوا هـذه القوانـين غداً فإنكـم
ستأخذون الوقت الكافي وستدرسون الموضوع بصورة
جيدة وبهمة عالية. قال:
من أين نبدأ العمل؟ قلت : عليكم أن
تشكلوا لجنة فيها أعضـاء من كل الوزارات
والإدارات،
وفيها متخصّصون فـي القانون والسياسة
والاقتصاد والاجتماع،
وليكن عددهم ثلاثين شخصاً ـ مثلاً ـ تقوم هـذه
اللجنة بدراسة الخطوات العملية لتطبيق مبدأ
الأمة الواحدة،
ثم بعد ذلك يمكنكم تطبيق الخطة بالتـدريج،كما طبقت بعـض
الأحكام الإسلامية بالتدريج(7). وعندما تسلكون
الأسلوب التدريجي ستـرون في يوم من الأيام
نتاج عملكم،
لا حدود ولا حواجز بين بلاد المسلمين. وبالطريقة نفسها
استطاع الإنجليـز أن يرسموا حول العراق
حدوداً،
إذ لم يكن حول العراق حدود قبل ثورة العشرين، فبعد أن شبت هذه
الثورة وسُمّ زعيمها الميرزا محمد تقي
الشيرازي «قدس سره»، لم يستطع من جاء
بعد الإمام الشيرازي من إدارة الثـورة بالشكل
اللائق والمطلوب، الأمر الذي دفـع
بالإنجليز عبر أساليبهم الماكرة من تنفيذ رسم
الحدود للعراق، فقد قـام بيرسي
كوكس ولورنس بجولة على الحدود واستطاعا أن
يرسما الحدود ما بين العـراق والحجـاز،
والعـراق وتركيا، والعراق
والكويت، والعراق وسوريا،
والعراق والأردن. والطريف في
الأمر إن الغرب وضع بين كـل دولتين منطقة
للحياد،
حتى تصبح نقطة للنـزاع وقنبلة قابلة للانفجار
في أي لحظة(8)،
وكانت الخطة تقتضي تقسيم العالم الإسلامي
إلـى دويلات وكيانات صغيرة،
وان تكون هـذه الكيانات فـي نزاع دائم فيما
بينها بسبب المشاكل الحدودية،
حتى تضطر هذه الكيانات الصغيرة أن تشتري
السلاح والعتـاد من الغرب، وبالتالي تصبح
في حالة من التبعيّة الدائمة للغرب(9). وإذا عملت في
هـذا المضمار،
ستكون مثاباً عند الله سبحانه؛ وإن لم تفعل
فإنّك ستُسأل يوم القيامة،
لماذا لم تطبـق أحكام الشريعة وسنة الرسول(صلى
الله عليه وآله وسلم)؟
هذا أولاً،
أما ثانيا ستكسب تأييد العالم الإسلامي. وثالثا:
فإنّ سكان العراق سيزدادون أضعافاً مضاعفةً
ليصلوا إلى أربعين مليون(10)،
وزيادة عدد سكان يوجب زراعة الأراضـي
المتروكة الصالحة للزراعـة ويرفع من مستوى
الرعي وتنشـط وسائل التجارة الخارجية، وما أشبه ذلك. وفي
نهاية الحديث قال الربيعي: أيمكن ذلك؟ قلت:
انظر إلى عاصمة كوريا الجنوبية ـ سيئول ـ كانت
قبل تقسيم الغرب لها إلـى شطرين ـ شمالي
وجنوبي ـ كانت لا يتجاوز تعداد سكانها اكثر من(300
ألف) نسمة، أما الآن،
فقد اصبـح عدد سكانهـا(4)
ملايين إنسان،
وذلك بفضل سياسة الاستثمار التي أطلقتها
الدولة. وانتم
كذلك: إذا ما أعلنتم للناس خارج
العراق من يريد الاستثمار في الزراعة فليأت
إلـى العـراق،
ومن يرغب في التجارة فلا مانع من العمل في
العـراق، ومن أراد أن
يستثمر أمواله في الصناعة في العـراق فلا
مانع لدينا. وتدوِّنون قوانين تسمح
بالزواج من غير العراقية وتسمحون بزواج غير
العراقي من العراقيـة، وتسهلون عملية
الاستثمار فـي كافة الحقول،
فإذا فعلتم ذلك،
فإنكم ستدخلون التأريخ من أوسـع أبوابـه
وتسجلون اسمكم فيه،
وسيقـول الناس عنكـم إنكم فعلتم ما لم يفعله
أحد منذ سقوط الـدولة العثمانية وسقوط الدولة
الصفويـة ولحـدّ الآن.
إذ المـــلاحـظ أنـــه فـي زمن العــثمانيين(11) والصفويين(12)
على ما كان فيهما من أخطاء وسلبيات إلاّ أن
بعض عناصر التقـدم كانت موجودة حتى أن الحدود
كانت غير قائمة بينهما. وقد
قـام رضا خان ـ بهلـوي ـ حاكـم إيران بتثبيت ما خططه
الغرب من رسـم الحدود بـين إيران والعراق،
وسنَّ قوانين كابتة للحريات وغير مستندة إلى
الشريعة المقدسة،
إلاّ إن كثيراً من الناس كانوا يسلكون طريق
الله سبحانه ولا يعيرون اهتماماً للحدود
المصطنعة، وكانوا يقدمون من إيران إلى
العـراق بلا جوازات عبر مدينة «قصر شيرين»
ومدينة «عبادان». أما اليـوم اصبح
هـؤلاء يسمونهم بالمتسللين،
إذ لم يكن يعرف هذا الاصطلاح قبل هذا اليوم. و بعد أن سمع الربيـعي منّا ذلك، قال : سنفكر في ذلك إنشاء الله، قالها ببرودة وسكت.
|
|
1 ـ مجلس السيادة: شكله قاسم في اليوم
الأول من الانقلاب علـى غرار مجلس السيادة في
السودان ليقوم بمهام رئاسة الجمهورية،
ويتألف من ثلاثة أعضاء، يترأسهُ الفريق الركن
محمد نجيب الربيعي،
ومن أعضاءه العقيد خالد النقشبندي ومحمد مهدي
كبة. انظر جريدة الوقائـع العراقية
العدد الأول السنة الأولى بتأريخ 23/7/1948م.
2 ـ كان آنذاك برتبة فريق
ركن،
وكان ينشر المبادئ الثورية في كلية الأركان،
وفي بداية الخمسينيات
كان قائداً للفرقة الثالثة.
3 ـ سورة الأنبياء: الآية
92. 4 ـ وهذا من باب المثال لا
الإحصاء. 5 ـ بصائر الدرجات: ص148
الباب الثالث عشر : باب آخر فيه امر الكتب ح7 عن
ابي عبد الله(عليه
السلام).
6 ـ سورة هود: الآية
6. 7 ـ وتتضح هذه الحقيقة لمن
راجع تفاسير القرآن الكريم في آيات الأحكام. 8 ـ وكشاهد على ذلك عند
تقسيم الحدود بين الكويت والسعودية، أصرّ مبعوث شيخ الكويت
عبـد اللطيف باشا المنديل علـى كوكس ـ عند
تقسيمه للحدود ـ إبقاء بعض المناطق الكويتية
بيد الكويت دون إلحاقها بنجد، معلِّلاً ذلك بأن
الكويتيين بحاجة إلى مناطق رعي.
لكن كوكس غضب وثار وتوجه إلى منديل وقال: لماذا
هـذا الإصرار،
وهـل سبب الخوف ناشئ من وقوع المنطقة تحت سلطة
نجد.
أجاب المنديل: لاحتمال وجود النفط. قال كوكس:
ولذلك جعلت منها منطقة محايدة، وسوف تكون مناصفة بين
الطرفين. ص424
سبز آباد ورجال الدولة البهيّة.
9 ـ للاطلاع على خطط
الإنجليز فـي تجزئة وتقسيم بلاد المسلمين
راجع كتاب(سبز آباد ورجال الدولة
البهيّة)
للمؤلفة ميّ محمد الخليفة.
10 ـ ونفوس العراق آنذاك
قرابة 7 ملايين،
وفي إحصاء 1927م كان نفوس العراق قرابة ثلاثة
ملايين،
وفي إحصاء 1934م قرابة ثلاثة ملايين ونصف،
وفي إحصاء 1947م قرابة 5 ملايين، وفي إحصاء 1978م قرابة 13
مليون، وفي أواخر التسعينيات بلغ نفوس العراق
اثنان وعشرون مليوناً.
11 ـ بلغ عدد السلاطين
العثمانيين 37،
أولهم عثمان الأول بن أرطغرك الذي مسك بزمام
الأمور سنة 724هـ(1334م)
وآخرهم عبد المجيد الثاني الذي بدأ حكمهُ سنة
1341هـ(1922م)،
وخاضت الدولة العثمانية الحرب العالمية
الأولى إلى جانب حليفتها ألمانيا وهزمت أمام
قوى التحالف ـ بريطانيا وفرنسا ـ. 12 ـ أسس الدولة الصفوية
شاه إسماعيل الصفوي عام(905م)
وخلفه ابنه الشاه طهماسب ثم الشاه عباس الأول، وسقطت دولتهم على يد
القاجار. |