فهرس الكتاب

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

اللقاء  برئيس الوزراء  عبد الكريم قاسم

من سيئات عهـد قاسم تشريع قانون(الأحوال الشخصية) الذي يمنح المرأة حق الطلاق مثلما للرجل، والذي لا يسمح للرجل بأن يتـزوج أكثر من واحدة، كذلك يساوي هذا القانون المرأة مع الرجل في الإرث.

 فقررنا مواجهة هـذا القانون وبكل بنوده بكل ما أوتينا من حول وقـوة. فكانت الخطوة الأولى تشكيل وفد لزيارة عبـد الكريم قاسم لتقديم النصح إليه وحثّه على ترك محاربته للإسلام.

وقمت بدعوة السيد سعيد الزيني(1) وصهرنا السيد عبد الحسين القزويني وسافرنا إلى بغداد، والتقينا بعبـد الكـريم قاسم، وذكرنا له موقف الإسلام مـن قانون(الأحـوال الشخصية). وطلبنا منه إيقاف العمل بهذا القانون.

ولست الآن بصدد ذكر تفاصيـل هذا الأمر وأوكله إلى مكان آخر.

الشيء المهم الذي دار بيننا وبين قاسم هـو مطالبتنا إعطاء الناس الحرية.

قال عبد الكريم قاسم: نحن أعطينا هذه الحرية للناس، فقد كان الشعب يعيش فـي العهـد الملكي حالة من الكبت والإرهاب.

ثم أضاف: نحن منحنا كل الحريات.

ثم سألني: أية حرية لم نمنحها برأيكم؟

قلت: لا وجود لحرية البناء والأعمار، غير مسموح للمواطن بناء دار في الأرض المتروكة أو حتى ترميم الدار التي يسكنها إلاّ بشقّ الأنفس.

ثم أردفت: منح الإسلام للفرد الحق في إحياء الأرض سواء في الإعمار أو الزراعة أو ما أشبه ذلك، وقد جاء الإسلام بقاعـدة هامة: (الأرض لله ولمن عمرها)(2)، وكان هـذا القانون مطبَّقاً من عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وحتى قبل خمسين عاماً.

وإني أتذكر ـ مثلاً ـ هناك محلتان أنشئتا في النجف الأشرف على هذا القانون:

المحلة الأولى: محلة(الجديدة) في جنوب النجف.

المحلة الثانية: محلة(الجبل) في شمالها.

وكان أهالي النجف وغيرهم يدفنون موتاهم في مقبرة(دار السلام) وبقية المقابر دون مقابل ودون ضرائب.

وقـد أتى الإسـلام بقانون(حيازة المباحات) وإني لأتذكر أن الناس كانوا يذهبون إلى مناجم الملح ليجمعوا هذه المادة ويبيعونها، كذلك بقيـة المعـادن كالنحاس وما أشبه ذلك.

وانتم وقفتم قبال ذلك، ومنعتم الناس من حيازتها، ثم قلتم بعد ذلك هناك أزمة سكن وهناك بطالة و...

ليست هناك أزمة في السكن، فالأرض الـتي حباها الله للإنسان واسعة، وبمقدور كل إنسان أن يؤمِّن لنفسه سكناً وفق قاعدة: (إحياء الأرض).

ويتم ذلك وفق شروط أهمها: أن لا تسبب حيازته للأرض ضرراً للآخرين، فقانون الإحياء محكوم بقانون(لا ضرر ولا ضرار وقد بحث الفقهاء هذا الموضوع وفصَّلوه في كتبهم،(3) فعليكم أن تمنحوا هذا النمط من الحرية للناس حتى يؤمِّنوا سكناً لهم.

أجاب قائلاً: نحن نعمـل وفق ما قلتم، فقد وزعنا على الفقراء والمساكين الأراضي المتروكة وبأثمان زهيدة ليبنوا عليها مساكن لهـم، وأنشأنا بنكاً باسم(البنك العقاري) ليؤمَّن السيولة اللازمة لعمليات البناء هذه، عبر قروض وبفائدة رمزية لا تزيد عـن واحد ونصف بالمائة، وأمرنا أن يقسَّط الدفع إلى عشرين عاماً.

قلت له: إن عملكم هذا مخالف للشريعة الإسلامية، وذلك لأمور:

أولاً: إنكم تأخذون واحداً ونصفاً بالمائة، وهذا هو الربا بعينه، وهـو محـرَّم بحسب القرآن الكريم، حيث

يقول: ( أحل الله البيع وحرّم الربا)(4).

ثانياً: أنتم تعطون المال بعنوان القرض، وهذا مخالف للشريعة، لأنّ المال هو مالهم، وإن وظيفة بيت المال هو إعانة المحتاجين حتى لو كان من أصحاب التجارة وأصحاب العمل، ومن يحتاج إلى المال سواء في البناء والإعمار أو الكسب.

ثالثاً: لماذا حددتم مساحة الأراضي الممنوحة بمقدار(500 م) فقد تكون عائلة كبيرة، وإن هذه المساحة غير كافية لهم، فكان لابـد مـن أن  تكون المساحة الممنوحة بموازاة حجم العائلة.

رابعاً: إنكم تأخذون في مقابل الأرض الممنوحة مبلغ عشرة دنانير، فلماذا تأخذون هـذا المبلغ مع أنكم قلتم ان هذه الأراضي ستوزع على الفقراء، والفقراء لا يملكون حتى الدينار الواحد.

خامساً: لماذا خصصتم هذه الأراضي للعرب فقط، فالمعروف تاريخياً أن العراق سكنته أقوام مختلفة من الهند وإيران والباكستان و…، هؤلاء كلهم مسلمون وشاركوا في بناء هذا البلد ودافعوا عنه دفاعاً مستميتاً في طرد المستعمر منه في ثورة العشرين وغيرها من الثورات والانتفاضات. كان من المفترض أن تنظروا إلى كل من يسكن هـذا البلد نظرة متساوية، والإسلام يرى جميع المؤمنين أخوة، ويضـع هـذه القاعدة :(إنما المؤمنون أخوة)(5)، وليس إنما المؤمنون العرب أخوة!

سادساً: إنكم حصرتم العطاء بالعرب العراقيين فقط، واستثنيتم العرب في الكويت والحجاز وسوريا وما اشبه، وهذا خلاف للشرع ولمبادئ الاخوة.

وقد نصّ الإسلام على أن التفاضل على التقوى دون غيره مـن المبادئ، يقـول الله سبحانه وتعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم …)(6).

سابعاً: ما الداعي لهـذا الروتين فـي الحصول على إجازة وعلـى(الطابو) الذي يكلف الحكومة والشعب وقتاً ومالاً، تستطيعون اختـزال هذه الإجراءات وإلغاء الروتين حتى لا يتعب صاحب الأرض بين هـذه الدائرة وتلك.

طرحنا هـذه الإشكالات وإشكالات أخـرى على مشروع توزيع الأراضي، فلم يُحِر قاسم جواباً واكتفى قائـلاً : إذا أردنـا أن نسير وفق ما تقول لعمَّتنا الاضطرابات والفوضى والهرج والمرج.

قلت له: لا مجال للفوضى!!

قال: كيف ذلك؟

قلت: أضرب لك مثالاً للتوضيح والتقـريب بمدينة كربلاء المقدسة : فلو قسمنا كربلاء إلـى أربعة أقسام جهة الحر الرياحي وجهة العباس (عليه السلام) وجهة بغداد وجهـة طويريج(7) لحصل لدينا مساحة فرسخ أو فرسخـين فـي الطول والعرض لكل جانب. ثم عيَّنا الأماكــــن العامـة كالمســـاجـد والمدارس والمستشفيات والحدائق والمتـــنـزهات ودوائر الدولـة وما أشبه ذلك، وخططنا الشوارع، ثم قسمنا بقية الأراضي إلـى (200م) و(300م) و(500م) و(1000م)  وما أشبه ذلك.

وبعد تعيين هذه الأماكن يتم استدعـاء الناس لاختيار الأماكن.

مثلاً يختار البعض طـرف بغـداد ويطلـب أن تكون مساحة البيت الذي يريدها (1000 م)، وهناك من يختار البيت الأصغر فتجري القرعة بين الأفراد حول البيوت التي تزداد الرغبة فيها، فابتسم ولم ينطق بحرف.

وهذا هـو دأب المستبدين، فهم يفعلون ما تملي عليه أهواؤهم أو ما يشير به رفاقهم وحواشيهم بدون أن يعيروا اهتماماً لآراء الآخريـن وآراء الشعب، ثـم ينفذون ما يريدون بالقوة والحـديد والنار، ثم بعـد ذلك إذا جوبهوا بالحقيقة والواقـع أو عثروا على فكرة وطريقة افضل مما عملوا به سابقاً لا يذعنـون إليها، لأن إذعانهم هو بمثابة انتكاسة لهم.

وقد قلت شبيه هذا الكلام بعد سنوات إلـى ولـي عهد الكويت بواسطة ؛ والكويت تخـتلف عن العراق، ففيها قوانين خاصة، ومنهج آخر كما هو واضح. 

 

1 ـ السيد سعيد احمد بن السيد جعفر السيد حسين زيني، ينتمي إلى أسرة معروفة بالفضل، استوطنت كربلاء المقدسة في أواخر القرن الثـاني عشر الهجري، يعود نسبه إلى الإمام الحسن بن علي عليهما السّلام، يقول الأستاذ سلمان طعمة في كتابه عشائر كربلاء وأسرها ص118 ما نصّه:

(كتبي مشهور، له مشاعر طيبـة وروح لطيفـة محمود السيرة) وكان سياسياً واعياً وله علاقات مع بعض السياسيين وكان في نفس الوقت وكيلاً للسيد الحكيم ومن ثم وكيلاً للسيـد الخوئـي قـدس سرهما فـي مدينة كربلاء المقدسة. وكان من أنصار الإمام الشيرازي. توفى مساء الأربعاء 5 جمادى الأولى 1412هـ المصادف 12/10/1991م.

2 ـ الكافي) فروع(: ج 5 ص 279 ح 2.

3 ـ راجع موسوعة الفقه ج80 كتاب إحياء الموات،للإمام المؤلف وجواهر الكلام للشيخ محمد حسن الجواهري.

4 ـ سورة  البقرة: الآية 275.

5 ـ سورة الحجرات: الآية 10.

6 ـ سورة الحجرات: الآية 13.

7 ـ وهذا الفرض والتقسيم من باب المثال.