| المؤلفات |
|
لقاء وزير
الاقتصاد في حكومة
قاسم |
|
وكان لنا لقاء مع
وزير الاقتصاد فـي حكومة عبد الكريم قاسم(1)، وقد تمّ فـي
مقبرة(2)
والدي في الحرم الحسيني (عليه السلام)، حيـث كـان مكان
تدريسي ولقـاءاتي،
وقـد حضـر هـذا اللقـاء لفيـف من الأصدقاء،
وقد دونت مقتطفات مـن هـذا الحوار في منشور، قد وزّع في حينه
على المعنيين(3). وقـد ناقشت
الوزيـر حـول موضـوع الاقتصاد الإسلامي،
وقلت له : لمـاذا لا تقدمـون على تطبيق
الاقتصاد الإسلامي؟
فقال: لي وقد بدت
عليـه آثار التعـجب،
ما هو الاقتصاد الإسلامي؟
قلت: الاقتصاد الإسلامي:
اقتصـاد مستقل ليس اقتصاداً
شيوعياً ولا اقتصاداً رأسمالياً ولا
اقتصاداً اشتراكياً، بل لـه خصائص
وميـزات معينة تفرزه عـن المذاهب الاقتصادية
الأخـرى،
وقـد كتب فقهاؤنا معالم هذا الاقتصاد في
كتبهم. قاطعني
وفي حالة استغراب: مثلاً ! قلت: يقول الله
سبحانه في محكم كتابه: (
فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)(4)، ثم أردفت
قائلاً : انظر إلى إحدى كتبنا الفقهية،
فقد ضم هذا الكتاب أكثر من خمسين موضوعاً
اقتصادياً. ازداد تعجبه
وقال في حالة دهشة ! خمسين موضوعاً؟ قلت: نعـم، كتاب(جواهـر
الكلام)(5)
يتضمن موضوعـات عـن البيع والرهـن والإجارة
والإعارة والمساقات والمزارعة والمضاربة و... وطفقت أعدد له
عنـاوين المعامـلات فـي الفقه الإسلامي،
فازداد انبهاره. ثم أفصح عن
انبهاره هـذا بقوله : لم اسمع من قبل بكل الذي
قلته. أجبته:
أمـر طبيعـي،
إنـك لا تعرف شيئاً عن الاقتصاد الإسلامـي، لأنك لم تـدرس
شيئاً عن هذا الاقتصاد في المدارس بكافة
مراحلها،
وعندما دخلت إلى كلية الاقتصاد درستَ كل شئ
إلا الاقتصاد الإسلامي. وإنك لو تصفّحت
المنهج الدراسي فانك لا تجد شيئاً عن الإسلام
بكافة حقوله، ولو وجدت شيئاً
فهو صور ولقطات مشوّهة عـن التاريخ الإسلامي،
عن الحروب والصراعات،
وعن بطش الخلفاء وبطرهم،
ومـا أشبه ذلك،
وهـي أمـور ليس فيها أيـة فائدة لمن يريد
التعرف علـى حقيقة الإسلام،
بل هـي تسبب عنده الاشمئزاز والنفور. أما الأمـور
المفيـدة للمجتمع وبالأخـص الأمور الحياتية،
فلا تجد في هذه الكتب شيئاً عنها. لذا أرى من
الضروري إضافة الاقتصاد الإسلامي إلى
المناهج الدراسية وعلى الخصوص كلية الاقتصاد
ليُدرَّس إلى جانب الألوان الأخرى من الأنظمة
الاقتصادية، وشيئاً فشيئاً
يتم تطبيق هذه القوانين،
حـتى يتم إزالة الفقر والفاقة من المجتمع،
فعند تطبيق الاقتصاد الإسلامي سوف لن تجد
فقيراً ولن تجد شخصاً بدون مسكنٍ،
وما أشبه ذلك. وضربت له مثالاً
ببلد أوربي وهو النَـرويج،
وقلت له: في هذا البلد الأوربي ينعدم الفقراء، بينما تجد
الفقراء والمساكين والمتكففين فـي بلادنا
أينما ذهبت وبالمئات، ناهيك عن الفقـراء
الآخـرين الذين لا يسألون الناس إلحافاً. ثم ذكرت له قصة
من التاريخ الإسلامي عـن مدينة( نيشابور)(6)
وكانت سابقاً مدينة علمية كبيرة وذات شأن
كبـير في العالم الاسلامي وفيها كثـافة
سكانية عالية،
كما يظهر
من رواية ورود الإمام الرضا(عليه السّلام) والتفاف أربعة
وعشرين ألف عالم وصاحب قلم وتأليف حـوله
ليكتبوا ويدونـوا الأحاديث التي يمليها
عليهم،
فأية مدينة كبيرة تلك التي يتواجـد فيها
أربعة وعشرون ألف عالم في ذلك الزمان؟ دخل رجل فقير إلى
هذه المدينة ولما كان فقيراً وجائعاً مدَّ
يده إلى الناس طالباً منهم المساعدة،
فلم يعطـه أحدٌ شيئاً،
وقالوا له:
ليس في بلدنا فقير ومحتاج،
وإن أهل البلد لا يعطونك،
لأنّ عطاءهم
سيشجـعك على الفقر والفاقة. فقال
لهم: إني جائع،
فدلوه على
مكان يستطيع فيه أن يسدّ رمقه. ثم
قال لهم: أريد مكاناً للنوم. فقالوا
له: المكـان الـذي تطلبه مخـصص
للعجزة والمعوقين،
أما أنت فإن كنت منهم،
فانهم سيعطونك مكاناً فـي تلك الدار ويمنحونك
ما تحتاج إليه من طعام وكساء،
أما إذا كنت قادراً على العمل،
فانهم سيمنحونك فرصة الاشتغال والعمل. ثم
قالوا له: ليس فـي مدينتنا من يتكفف
طالما كان كل شئ مهيئاً له. وهو علـى ما يبدو
حـال بقيـة البلاد الإسلامية لايختلف عن حال
هذه المدينة. إن التاريـخ
يحدثنا أنه من كان
يأتي إلى رسول الله(صلّـى
الله عليه وآله وسلّم) كان يسأله سؤالين، ولا أعلم هل سؤال الرسـول(صلّى
الله عليه وآله وسلم) علـى نحو الإحصاء أو
التقريب؟ السؤال
الأول: هـل أنت متـزوج؟ فإذا لم يكن
متزوجاً كان يحثَّه على الزواج،
وفـي كثير من الأحيان يقوم بتزويجه. وقد
ذكر
صاحب المستدرك الرواية التالية: عن عكّاف بن
وداعة الهلالي قال: أتيتُ إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال لي: يا
عكّاف ألك زوجة؟ قلت:
لا يا رسول الله. قال:
ألك جارية؟ فقلت:
لا. قال:
وأنت صحيح موسر؟
قلت:
نعم. قال:
إذاً أنت من إخـوان الشياطين،
إما أن تكون من رهبان النصارى وإما أن تصنع
كما يصنع المسلمون، وإن مـن سنّتنا النـكاح،
شراركم عزّابكم،
وأراذل موتاكم عزّابكم ـ إلـى أن قال ـ ويحك
يا عكّاف،
تزوج تزوج فإنك من الخاطئين. قلت:
يا رسول الله زوجني قبل أن أقوم. فقال (صلّى الله عليه وآله
وسلّم):
زوّجتـك كريمة بنت كلثوم الحميري(7). أما السؤال
الثاني الذي كان يسأله رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلّم) : ما هـو عملك؟ فإذا عرف أنه لا
عمل له، قال له:
سقط من عيني. عن
ابن عباس: أنه كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلّم):
إذا نظر إلى الرجل فأعجبه،
قال لهم هل له حرفة،
فإن قالـوا لا: قال سقـط من عيني، قيل وكيف ذاك يا
رسول الله، قال:
لأن المؤمن إذا لم يكن له حرفة يعيش بدينه(8). وكان
(صلى الله عليه وآله وسلـم) يستخـدم شتى وسائل
التحريـض والتشجيع لدفع الشباب إلـى العمل
والمتاجرة. وكان يقول لمن يأتـي إليه يسأله
المال:
(من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله)(9)،
وهذا كناية عن أن الأفضل للمسلم هـو العمل
والمثابـرة وليس التكفّف والاستجداء. وكما
كان يكـرر عبارة: (اليد العليا
خير من اليد السفلى)(10)،
حيث أن اليد التي تعطي دائماً هي يد عليا،
بينما اليد التي تأخذ دائماً يد ذليلة وسفلى. من هذا المنطق
اهتم الإسلام بالاقتصاد ووضع حلولاً لمشاكل
البشر الاقتصادية. ثم خاطبـت
الوزير : وأنتم من مصلحتكم إن أردتم البقاء،
ومـن مصلحة البـلاد أن تفكـروا بتقدمها، وأن تطبّقوا
بنود الاقتصاد الإسلامي واحداً تلو الآخر(11). قال الوزير بعد
أن أصغى لكلامي : الإسلام غير قابل للتطبيق. قلت له : هذه
العبارة يكررها الذين يجهلون حقيقية الإسلام
في كل زمان ومكان.
ثم أضفت: أي جزء من الإسلام غير قابل
للتطبيق؟ هل وجدت شيئاً من
الإسلام غير قابل للتطبيق؟ كلامك أيها
الوزير يخالف مقولة النبي الأكرم (صلى الله
عليه وآله وسلم):
(حلال محمـد حلال إلـى يوم القيامة وحرامه
حرام إلـى يـوم القيامة)(12)،
ليس في الإسلام بندٌ واحدٌ غير قابل للتطبيق. صحيح أن هناك
حالات نعمل فيها بقانون(لا
ضرر ولا ضرار)
أو قانون(الأهم
والمهم)،
وهـذا لا يعني خروجاً عن الإسلام بل يعـني
الدخول من الإسلام إلى الإسلام،
لان هذه القوانين من واقع وصلب الإسلام. سمع
الوزير كلامـي وقال: إنشاء الله
سأخبر الزعيم عبد الكريم قاسم بهـذا الموضوع
ثم قام وودعنا متوجها إلى بغداد.
|
|
1 ـ الظاهر
أنه الدكتور إبراهيم كبة الذي يعتبره
الشيوعيون ممثلهم في وزارة قاسم، وكانت
الصحافة الشيوعية تشير إليه على أنه ممثل
القوى الشعبية، وظلّ فـي
الوزارة حـتى عام 1380هـ (1961م) ثم أُحيل على
التقاعد. 2 ـ وهي عبارة
عن صالة كبيرة تقع
في روضة الإمام الحسين(عليه السلام) وكان
الإمام المؤلف يتخذها محلاً للتدريس
والمباحثة ومركزاً للقاءاته والبت في
القضايا الحقوقية والاجتماعية وقضاء حوائج
الناس، علماً إن والديّ الإمام المؤلف قد
دفنا في تلك الصالة. 3 ـ ولعـل من
الاخوة والأصدقاء من لا يزال يحتفظ بهـذا
المنشور حتى الآن. 4 ـ سورة البقرة:
الآية 279. 5 ـ ويحتوي
على 43 جزء لآية الله العظمى الشيخ محمد حسن
باقر عبد الرحيم الجواهري، ويعتبر هذا الكتاب من مفاخر الكتب
الشيعية، ولهُ مؤلفات أخرى رسالة في المواريث، هداية
الناسكين في مناسك الحج. توفى سنة 1266هـ. 6 ـ تقع شمال
شرق إيران. 7 ـ مستدرك الوسائل:
ج14 ص155 ب2 رقم الرواية 16359، ورواها
باختصار القطب الراوندي في(لب
الألباب)
عنه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثله. 8 ـ مستدرك
الوسائل: ج13 ص11 ب2 رقم الرواية 14581. 9 ـ الكافي(أصول):
ج2 ص318 ح2. 10 ـ الكافي(فروع):
ج4 ص11 ح4. 11 ـ أشار
الإمام المؤلف إلى هذه البنود في طيّات كتبه
الاقتصادية : الفقه الاقتصاد، الاقتصاد
بين المشاكل والحلول، الاقتصاد الإسلامي المقارن. 12 ـ بصائر الدرجات:
ص148 الباب الثالث عشر: باب آخـر
فيه
أمر الكتب ح7 عن أبي عبد الله(عليه
السلام). |