فهرس الكتاب

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

هكذا شكلت جماعة العلماء

عندما حدثت تلك الفجائع في مدينة كربلاء المقدسة على يد الشيوعيين، قررنا تشكيل وفد لزيارة العلماء في مدينة النجـف الأشرف، لأجـل التنسيق مع علمائها الاعلام للوقوف حيال الهجمة الشيوعيـة الشـرسة التي تجتاح البلاد، وكان يرافقني السيد محمد صادق القزويني والشيخ جعفر الرشتي والسيد مرتضى القزويـني وعلماء آخرون في حدود العشرين شخصاً.

وأول من التقينا به الشيخ محمـد رضا المظفر(قدس سره)(1) وكان إنسانـاً معـطاءاً، طيّب النفس، جليل القدر، يحب خدمة الآخرين، وهـو الذي أسس(كلية الفقه) التي لازالت قائمة، وكان من رأي الشيخ المظفر أن ندعوا الآخرين إلـى مجلس موسَّع، فأبدينا موافقتنا لاقتراحه.

وأسرع العلامة المظفر في تهيئة مكان الاجتماع الذي حضره علماء النجف من المرتبـة الثانية والثالثة وكانوا قرابة الأربعين عالماً وفقيهاً بما فيهـم من السادة آل بحر العلوم والسادة آل الصدر وآل راضي ومن أشبههم.

وجرى حوار طويـل فـي ذلك الاجتماع، حول ضرورة التصدي للهجمـة الشيوعيـة، وان السكوت عنهـم سيترك آثـاراً وخيمةً، لان الشيوعيين قائلون باللاءات الخمسة ـ لا للدين، لا للفضيلة، لا للـــملكية الفرديــة، لا للعائـلة، لا للحرية ـ وإذا لم نقف قبالهم فإنهم سيفعلون ما فعلوا في موسكو، لان شيوعية العراق فرع للشيوعية الأمميّة التي تنتمي إلى موسكو.

والشيوعيون في العراق لم يكن بيدهم زمام الأمور، وإنما كانـوا ألعوبة تحرّكهم أصابـع السفارة البريطانية في بغداد.

وهـذا ما أكده السفير البريطاني بعد فترة من انتهاء عهد عبد الكريم قاسم، حيث كتب السفير في صحيفة الحياة اللبنانية مقالاً جاء فيه:

« إننا سمحنا لخروج الشيوعيين إلى الساحة، أما الحكم في الأصل كان بأيدينا » وهو العمل نفسه الذي يقوم به الإنجليز في بعض البلدان الإسلامية الأخرى، فالذي حدث في أفغانستان كان على غرار ما حدث في العراق.

وكان المطلوب من الشيوعيين أن يجنِّدوا جميع طاقاتهم للعبث بمقدرات العراق، وكانت العشائر العراقية وقتها ذات قوة لا يستهان بـها، والحوزة العلمية وعلماؤها ومفكّروها أقوياء ولهم نفوذ علـى العشائر، والمثقفون الإسلاميون أقوياء كذلك.

أثمرت تلك الاجتماعات التي عقدت في النجف الأشرف، فتمخضّت فـي النهاية عن تشكيل(جماعة العلماء) وكانوا جميعاً من علماء المرتبة الثانية والثالثة، وسارع علماء الدرجـة الأولى إلى تأييدهم أمثال والدي (قدس سره) والسيد الحكيم(قدس سره) وبقية المراجع العظام.

بدأت هذه الجماعة في نشاطها المعادي للشيوعية بإصدار المنشورات اليومية ونشرت عدة بيانات في عدة صحف.

وفي المقابل أبدت الحكومة ردود فعل سريعة، فأسس عبد الكـريم قاسم(جماعـة العلماء الأحرار) برئاسة الشيخ عبـد الكريم الماشطة وكان ذا عـلاقـة وطيدة مع الشيوعيين، وقد جمع حـوله لفيـفاً مـن أصحاب المظاهر لا المباديء الذين ينقصهم العلم والتقوى.

وقد استطاع أن يجمعهم بالمـال ويشتـري مواقفهم بالإغراءات، وكانت هذه الجماعة تؤيد مواقف الحكومة الشيوعيـة، وقـد وضعـت الدولة إمكاناتها الإعلامية من صحف ومجـلات وإذاعة وتلفزيون في خدمة هذه الجماعة، الـتي لم تكن تمتلك أي رصيد جماهـيري، إذ لم يكن بمقدورهم إقامة مجـالس شعبية كبيرة، حيث ليس هناك من هو على استعداد للمشاركة في نشاطاتهم، واستمر هذا الحال على هذا المنوال حتى مقتـل عبد الكريم قاسم، فاختفت هـذه الجماعة من الوجود وهرب بعض أفرادها وانزوى الباقي.

واستمرت اتصالاتنـــا بالمراجع الــعظام، وكنّـــا نزورهم ونزوّدهم بأخبارنا ونشاطاتنـا، ونستمدّ منهم العون، لوقف المدّ الشيوعي.

وفـي إحدى السفرات كانت لنا زيارة إلـى السيد محسن الحكيم والسيـد الحمامـي(2) والميرزا عبـد الهادي الشيرازي(قدّس أسرارهم) وآخرين، وكـان هؤلاء المراجع العظام متفاوتين فـي التحمّس ضدّ الشيوعيين، بين مهتم بحماسة وغير مهتم، وكان البعض يقول: إن الشيوعيين هم صنيعة الغرب وإنهم سيضمحلون بسرعة.

وكـان رأينا أنّ علينا أن نقـوم بواجبنا الشرعي، ومسؤليتنا الدينية في التصدّي للمنكر مهما كانت أسبابه ودوافعه. 

 

1 ـ العلامة الشيخ محمد رضا محمد عبد الله المظفر، ولد يتيم الأب في أوائل شعبان 1322هـ‍ (تشرين الثاني 1904م)، ينتهي نسبه إلى قبيلة الصيامرة. تكفَّله أخيه الأكبر محمد حسن ثم أخيه الثاني عبد النبي ثم أخيه الثالث الشيخ محمد حسن الذي قام مقام الأب والأستاذ معاً.

ابتدأ دراسته الدينية وهو في سنّ الثانية عشر من العُمر، ودرس المراحل العليا عند فطاحل العلماء أمثال الشيخ ضياء الدين العراقـي والشيخ حسين النائيني والشيخ محمد حسين الأصفهاني والسيد عبد الهـادي الشيرازي. أسس جمعية النشر والتأليف، كما أسس جمعية منتدى النشر، وتولى رئاستها من عام 1356هـ‍ (1937م) والى أواخر حياته. وهدف الجمعية هو تعميم الثقافة الإسلامية بواسطة التأليف والنشر، وكان لهذا المنتدى مجلتين: (البذرة) و(النجف) أسس كليّة الفقه عام 1376هـ‍ (1956م) وقد اعترفت برسميتها وزارة المعارف بعد عامٍ من تأسيسها، وفـي عام 1377هـ‍ (1958م) خصُصّ فيها قسم للفقه ثم ألحقت به مدرسة ابتدائية ثم ثانوية في عام 1381هـ‍ (1961م). لقد آزر الإمام الشيرازي في تأسيس جماعة العلماء التي أخذت على عاتقها مقاومة المدّ الشيوعي والتي عقدت جلساتها في أوائل جمادى الأولى عام 1378هـ‍ (تشرين الثاني 1958م).

للمزيد راجع كتاب مع أعلام الفكر والقيادة المرجعيـة، عبد الكريم آل نجف، وكتاب معارف الرجال ج2 محمد حرز الدين، وكتاب هكذا عرفتهم، جعفر الخليلي، وكتاب شعراء الغري ج8 علي الخاقاني.

2 ـ آية الله العظمى السيد حسين بن علي بن هاشم الموسوي الحمامي، ولد في النجف الأشرف 1298هـ.

درس عند الشيخ محمد كاظم الخراساني والسيد محمد كاظم اليزدي والشيخ الشريعة الأصفهاني، وكان من فطاحل العلماء والمجتهدين، له باع طويل في تقوية الحوزة العلمية في النجف الأشرف.

رجع إليه الناس فـي تقليد بعد وفاة السيد أبو الحسن الاصفهاني. توفى في بغداد 1379هـ (1959م) وتـرك تراثـاً كتابيـاً : تعليقة علـى ذخيرة الصالحـين، هداية المسترشدين، حاشية على وسيلة النجاة، المسائل النجفية وهي دورة كاملة في الفقه الاستدلالي.