| المؤلفات |
|
اللقاء |
|
جاء عبد الكريم قاسـم إلـى
الحكم عام 1337هـ(1958م)
عبـر انقـلاب عسكري،
ونظراً لافتقاره لقاعدة سياسية وشعبية اتخذ
الحزب الشيوعي وسيلة لخلق واقع سياسي
وجماهيري،
لذا سمح للشيوعيين أن يفعلوا ما يحلو لهـم، وهـؤلاء أوجدوا
الفوضى والاضطراب وأفسدوا كـــل شيء يصـل إلـى
أيديهم ـ كما أسلفنا سابقاً ـ ومن جملة
مهازلهم الـتي اقترفوها هي تأسيس
محكمة باسم(محكمة الشعب). ومن جملة ما صادقت عليه
المحكمة هو إعدام(17)
من أصحاب الرتب العسكرية الرفيعة في آن واحد. ومن جملـة
أعمالـهم إشغـال النـاس بالتظاهرات
والمسيرات،
وما هي إلاّ بضع سنين حتى تحوَّل الهيجان
الثوري إلى كراهية وبغضاء للحكومة. أراد عبد الكريم
قاسم أن يخرج نفسه من هذا المأزق وهذه العزلة،
فطفق يبعث الوفـود إلى العلماء والخطباء
والوجهاء ليبحثوا له عن مخرج يزيل كراهية
الشعب له. ومن
جملة العلماء الذين أرسل قاسم الوفـود
للقاءهم،
والدي(قدس سره). قَدِمَ الوفد من
بغداد وكان برئاسة عبد المجيد كموّنة عضو
مجلس السيادة وكان معه ثلاثة ضباط برتب رفيعة. طلبـوا اللقاء
بوالدي ولما كان والدي مريضاً يعاني من آلام
في صدره،
فقد أوكل اللقاء إلي. قلت
لهم: تفضلوا ما هو طلبكم؟ ابتدأ
عبد المجيد كمـوّنة حديثـه: نحن جئنا إليكم
لنتعـرف على رأيكم،
ماذا حـلَّ بالناس حـتى غيروا موقفهم اتجاه
الحكومة؟ ماذا جرى للشعب
حـتى تحوَّل موقفهم من الحب إلى الكره
والبغضاء للدولة وللزعيم. قلت:
في البدء أحبـوا عبد الكريم قاسم ظناً منهم، بأنه سيجري
تغييراً فـي شؤون البـلاد،
وأنه سيقوم بإصلاح الأوضاع،
لكنه لم يفعل هذه الإصلاحات فقط بل أضاف إليها
مفاسد جديدة. بدت علامات
التعجب على الوفد على الخصوص عبد المجيد كمونه
ثم وجّه نظـراته إليّ وقال: وما هي تلك
المفاسد الجديدة؟ بدأت أتحدث
بإسهاب وبحضور الوالد(قدس
سره). قلت:
إحـدى هـذه المفاسـد قانون: (الأحوال الشخصية)(1)القرآن
الكريم يقـول: (للذكر مثل حظ الأنثيين)(2)،
بينما يقول هـذا القانون للذكر مثل حظ الأنثى
في الإرث. ليست هنـاك أية
مسـاواة بـين الذكـر والأنثى،
لا مساواة في العقل ولا في العاطفة ولا في
الخلقة. أجل
هناك مساحة من المساواة، وهـي تكـاد تكون محصورة فـي بعض
الأمـور، وقد لاحظ الإسلام هذا الأمر. ولو أمعنا النظر
إلى المجتمع الغربي الذي أعلن منذ فترة
مساواة المرأة بالرجل تكشف لنا عدم تساويهما. ففي المجال
الاقتصادي،
فإنّ تحمل الرجل هو أكثر من تحمل المرأة،
لذا نجد إن تسعة وتسعين بالمائة من التجار هم
من الرجال في المجتمعات الغربية،
علماً بأن القوانين لا تمنع المرأة من التصدي
لهذا النشاط. وأيضا عنـدما
ننظر إلـى رؤساء الدول والحكومات سنجد إن
تسعة وتسعين من هـؤلاء الرؤسـاء هم من الرجال
وليسوا من النساء،
مـع أن قانـون تلك البلاد يسمح للمرأة بأنّ
ترشِّح نفسها للانتخابات. والشيء نفسه ـ مع
تفاوت طفيفٍ ـ عندما نأتي إلى منصب الوزارة
ومنصب السفارة، وما أشبه ذلك،
فإنّ هذه الوظائف هـي
بمثابة تحميـل المرأة ما هـو أكثر من طاقتها. مثلها حينئذ مثل
السيارة الصغيرة الـتي نحمِّلها المواد
الإنشائية وهـي لا تستطيـع أن تتحمـل ذلك،
وإنما خصصت لنقل المسافرين. ومثلها أيضاً
مثـل الشاحنة الكبـيرة التي نستخدمها لنقل
المسافرين من بلد لأخـر، وهـي خصصت لنقل
المواد الإنشائية. وقد أجرى الله
سبحانه وتعالى حكمته على عباده،
وجعل لكل عضو في المجتمع وظيفة،
كما أنه جعل لكل عضو من بدن الإنسان وظيفـة
معينة ؛ فللعـين وظيفة البصر،
وللأذن وظيفة السمع،
وللفم وظيفة،
وهكذا، فلا يمكن للعين أن تؤدي وظيفة الفم ولا
للفم أن يؤدي مهمة الأذن،
وهذا بحث طويل. ونحن قد بحثنا
معهم هذا الموضوع فلم يك لهم أي جواب،
لأنهم كانوا فـي الواقـع بعيـدين عن الثقافة
الإسلامية ومتأثرين بالحضارة الغربية،
فيعتقدون أن كل ما يفعله الغرب صحيح ولو لم
يقبله عقلاؤهـم. وقلت أيضاً:
أنتم منعتم تنفيذ(قانون
الناس مسلطون على أموالهم وعلى أنفسهم) الذي أعلنه الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم) لقد ألغيتموه واستبدلتموه بقانون
ما يسمى بالإصلاح الزراعي الذي أجاز لكم
تقسيم أراضي الملاكين وتوزيعها على الفلاحين،
مع أن تلك الأراضي كانت
لهم وليـس من حقكم إعـطاؤها للغـير،
وكان باستطاعتكم
إعطاءهم الأراضـي الموات والبائرة،
وهي كثيرة جداً. أما كان من الأفضل أن تعطـوا هؤلاء
الفلاحين من تلك الأراضي الموات ليزرعوها،
فالمياه متوفرة ولا توجد للفلاحين مشكلة من
هذا الجانب. وقد نتج عن هذه
السياسة الخاطئة التي نفذتموها تخريب
الزراعة فـي العـراق،
لأنّ هـؤلاء الفلاحين لا يستطيعـون إدارة
المحصـول ولا يعـرفون تسويقه ولا يعرفـون
قيمة تلـك الأراضي،
فكانت الحصيلة تركهم أرضهم وهجرتهم إلى المدن. لقـد
ضـــيعتم
زراعة الأرض وضـــيعتم الفــــلاح وترك
الفلاحـــون
مزارعهم وهاجروا إلى المدن، وهذا هو نتيجة
الإصلاح الزراعي. أصبح العراق
يستـورد الحنطة والشعـير،
بعـد أن كان يصدرهما،
فقانون الإصلاح الزراعي قانون
باطل، وكل العلماء سنة
وشيعة أفتوا ببطلانه،
وأنتـم تعرفون سبب بطلانه،
ومـع ذلك لازلتم تصرون على تطبيقه وتنادون
بتنفيذه. ومن الأمور
الأخـرى الـتي قمتم بها وانقلبت لغير صالحكم،
منحكم الحرية المطلقة للحزب الشيوعي ليقوم
بما يشـاء دون محاسبـة ودون أي رادع،
فـي مقابل حظركم لبقيّة الأحزاب عن النشاط
السياسي. لقد قلّدتم
الغرب فـي منح الحـزب الشيوعي حرية العمـل
السياسي،
لكنكم لم تقلدوه فـي منح الحرية للأحـزاب
الأخـرى ـ وطنية كانت أو إسلامية ـ لتكون في
تنافس مستمر،
إنكم حظـرتم على الأحزاب الأخرى وأجزتم الحزب
الشيوعي،
علماً أن من المفترض عليكم،
أن تعطوا لجميع الأحزاب حرية العمل والنشاط ـ
مع مـلاحظة ما عندنا من أمور كثيرة على شرعية
الحزب الشيوعي من تناقضه مع الدين والقيم
والأخلاق والفطرة،
فالحزب الشيوعي هو بالضد مع الخالق البارئ
وبالضد مع المخلـوق وبالضد مع الحرية وبالضـد
مع قال:
مَــنــْحُ الحزب الشيوعي حرية العمل هو فخ نصبه
الزعيم للقضاء عليهم. قلت: هذه
الوسيلة لا تحقّق هذا الهدف، فان
عملكم هـذا لا يحقّق ما تصبون إليـه، لأن
اعتقال الشيوعيين وزجّهم في غياهب السجـون
بعـد منحهم حرية العمل السياسي يؤدي إلى
تكريس واقع الشيوعية في المجتمع. ويـؤدي إلى نشر
أفكارهم فـي الوسط الشبابي،
فالكثير من الشباب من الذين لا يتمسكون بأي
مذهب سياسي سيستغلون هذا الواقع،
ويعبّرون عـن خلجات نفوسهم كيفما يحلو لهم،
فيفعلون ما يشاؤون كما كان يفعل الشيوعيون،
وتكـون الحصيلة انتشار الفوضى والاضطراب في
العراق. والشيوعية
الـتي جئتم بها إلى العراق لم تنل النجاح في موطنها
الاتحاد السوفيتي، ولم
تطبّق إلاّ بالحديد والنار، إذ
ذكر بعـض المحققين إن ستالين لم يستطع تطبيق
قانون(المزارع
الجماعية) إلاّ بعد أن قتل أكثر من خمسة
ملايين من أبناء الشعب السوفيتي، وهـذا دليل واضح على عدم إمكانية
تطبيق الشيوعية، لأنها تخالف الطبيعة البشرية. ولأجل هذا
تدهورت الزراعة فـي عهد الشيوعيين،
حتى أضحى الاتحاد السوفيتي يستورد الحنطة من
أمريكا علماً إن أراضي الاتحاد السوفيتي هـي
أراضـي صالحة لزراعة الحنطة. لماذا أجزتم
هؤلاء وأطلقتم لهم العنان ليعبثوا في البلاد
وليقيموا احتفالات أنصار السلام في كل مكان. تلك الاحتفالات
التي انتهت بمواجهة دمـوية ومذابح في الموصل
وكركوك. ومن المفاسـد
الأخـرى ما حلّ بالقضاء من الفساد والرشوة
وضياع الحقوق. أضرب
لكم مثالا: يقول المؤرخون إن مدينة
الكوفة كانت على عهـد أمير المؤمنين علي بن
أبى طالب(عليه
السلام) عشرة فراسـخ،
وكان عـدد سكـانها ستة ملايين إنسان ؛ فـي ذلك
العهد الذهبي كان يكفي هذه المدينة الكبيرة
بمساحتها،
والمزدحمة بسكانها،
أمير واحد وقاض واحد. منذ عيّن عمر بن
الخطاب شريح القاضي قاضياً على هذه المدينة،
وظل فـي دست القضاء مدة طويلة،
حتى أنه عاصر سبعة من الحكام هم عمر وعثمان والإمام أمير
المؤمنين(عليه
السلام) ومعـاوية ويـزيد ومروان وعبد الملك
بن مروان. انظروا إلى هـذه
الحقيقة التاريخية : قاض واحد كان يدير مدينة
بأكملها،
كل هذه المدة المديدة. هكذا كان واقع
الدولة الإسلامية،
ثـم بعـد ذلك انظروا إلى واقع المسلمين اليوم. انظروا إلى الواقع الذي صنعتموه
لنا! انظروا
إلـى مدينة كربلاء التي لا يتجاوز عدد سكانها
عن مائـة وخمسين ألفاً(3)، فيها أكثـر من
عشرة حكام وقضاة،
فيحكمها قاضي الشرع وحاكم البداء وحاكم الصلح
وحاكم الجـزاء،
وكـل واحـد من هؤلاء له معاونون ومساعدون،
ومع ذلك لا يستطيعون البت في احتياجات الناس، إذا كان هـذا
هـو حـال كربلاء المقدسة،
فكيف حال المدن الكبـيرة كالبصرة وبغداد فكم
فيها من القضاة؟ وكم من الأموال
التي تهدر على توافه القضاء؟
وكم من الزمن يستهلكه النظام القضائي؟ ومن الأعمال
الأخرى التي قمتم بها وأوجبت
ابتعاد الناس عنكم:
منحتم الحرية الكاملة والصلاحية المطلقة
لأجهزة الأمن والمخابرات،
ليقيـدوا الناس ويكبلوهم وليتسلطوا على
رقابهم بدلاً من أن يكونـوا عونـاً لهم،
وليفسدوا مصالح الناس بدلا من حمايتها. أذكر لكم مثالين
حيث أعرف أصحابهما،
وهما نقلا إليّ خبرهما. المثال الأول :
هناك رجل يبيع القشطة يشتري صحناً كبيراً من
القشطة ويأتـي إلى السوق ليبيعها،
وما إن يقترب الظهر حتى
يكون قد باع الكمية التي عنده ثم يعود إلى
بيته ومعه ما ربحه من عمله وهـو نصف دينار
وهو مبلغ يكفيه في إنفاقه علـى أهله وأطفاله، مشكلة هذا
الإنسان الكاد على عياله،
أن هناك شخصاً يأتي إليه كل يوم ويطلب منه
كيلو قشطة وعندما يطالبه بثمنه،
يهـدده بأنك إن طالبت بالمال،
فإنـي سألقي عليك القبض وهذا الرجل هو رجل
مخابرات. ويوم يأخذ هذا
الرجل المخابراتي القشطة يأخذ ربحه إذ لا
يبقى لديه ما يستطيع به إعاشة أولاده وزوجته. وكلما طالبه
بالمبلـغ، قال له:
إذا كررت مطالبتك بالمبلغ،
فإني سأتهمك أنك شتمت الـزعيم عبد الكريم
قاسم. وكان يخشى من ذلك،
لأنه حسب قانون الدولة من شتم الخالق ورسوله
جزاؤه غرامة نقدية ربع دينار يدفعها للمحكمة،
أما من شتم الزعيم فيـزّج في السجن عشر سنوات،
لذا كان الناس يخشون كثيراً مـن توجيه هذه
التهمة لهم. أما
المثال الثاني: فهو أحـد بائعـي الكِراع، وقد نقل لي
القصة الـتي دارت عليه، يقول هـذا
الرجل:
صباح كل يوم يأتي أحـد رجـال المخابرات، ويختار لنفسه ما
يطيب إليه مـن لحوم الكِراع،
وبعد أن يأكل يخـرج من الدكان
دون أن يدفـع ثمن ذلك،
وعندما كنت أطالبه بالمبلغ،
كان يهددني باتهامي شتم الزعيم،
فكنت أتركه لهذا الأمر. وبالإضافـة
لهذيـن المثالين البسيطـين جـداً هناك
العشرات بل المئات من القصص
والشواهـد الـتي تبين استهتار هـذا الجهـاز
الفاسـد ـ جهـاز المخابرات والأمن ـ،
وعدم اهتمامهم بأموال الناس بل تجاوزهم على
حقوق الآخرين وتهديدهم بالاعتقال. ومن الفضائح
الـتي انتشرت هـذه الأيام المسيرات الصاخبة
الـتي يشترك فيها الفتيات والفتيان،
حيث يطلب من الفتيات أن يخلعن الحجاب
والعباءة ويشتركن في التظاهرات الماجنة
المملوءة بالرقص والتصفيق. وفـي بعض
الأحيان تضع العباءة فوق رأسها لكن وجهها
ويـدها وبعض جسـدها ظاهر للعيان، حينها ينتهز
المراهقـون الطائشـون المتعطشـون للجنس هذه
الفرصة فيرمون بأنفسهم داخل تلك المسيرات. وقد نقل لي أحد
هـؤلاء الشباب بأنه كان ينحشر داخـل
تلك المسيرات، ويلمس المواضـع الحساسة
من جسم الفتيات،
وفي بعض المرات يلصق نفسه بإحداهن ليروي من
خلال ذلك شهوته الهائجة. لم
يكن الفتيان المغرَّر بهم في هذه المجموعات
المنحرفة يكتفون بالفتيات بل كان بعضهم يتعدى
علـى الآخر، وكانوا
يفعلون ذلك بصورة مخططة
لإشاعة الشيوعية،
فهل هذا العمل صحيح!! ومن سمح لهؤلاء
أن يفعلوا ذلك؟ إن هذه الإعمال
هـي تجاوز على الدين والأخلاق والقيم وتجاوز
على مصالح الناس، لأجل هذه
الأسباب وغيرها ابتعـد الناس عـن الحكومة
وكرهوا زعيمها،
لاعتقادهم أن الحكومة هـي السبب المباشر وغير
المباشر لظهور هذه المفاسد والانتهاكات. ثم تحدثت مع الوفد فـي مواضيـع أخرى لا مجال لذكرها في هذا المختصر، ثم ودعنـا الوفـد وسافر إلى بغداد.
|
|
1 ـ صدر هذا
القانون فـي رجب المرجب 1379هـ (كانون الأول
عام 1959م). 2 ـ سورة النساء:
الآية 11. 3 ـ ذلك وفـق إحصاء عام 1366هـ (1947م) وكانت النجف الأشرف تابعة لكربلاء وبلغ نفوس النجف 127 ألف، ومجموع نفوسهما 277 ألف شخص، وقد انفصلت النجف عن كربلاء وأصبحت محافظة عام 1390هـ (1970م) أثر مرسوم صدر في عهد البكر، ونشر آنذاك في جريدة الوقائع العراقية بتأريخ 4/4/1970م. ووفق إحصاء 1403هـ (1984م) بلغ نفوس كربلاء 321,249، ووفق إحصاء 1407هـ (1987م) بلغ نفوسها 455,868 وبلغت مساحتها5600 كيلومتر مربع. |