فهرس الكتاب

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

الانقلابات تكريس للدكتاتورية

والانقلابات العسكرية التي حدثت في العراق خلال الخمسين سنة الماضية هـي حصيلة هذا التفاوت، فهناك تغيـيرات قام بهـا انقـلاب ياسـين الهاشمي وانقلاب رشيد عالي الكيلاني وانقلاب عبد الكريم قاسم وانقلاب عبد السلام عارف وانقـلاب احمد حسن البكر وانقلاب صدام ـ الذي تدل الوقائع انه فـي طريقه إلـى السقوط أيضاً ـ، لأنه جاء بديكتاتورية لم نر مثيلاً لها لا في العراق ولا فـي غيره. فإذا خلّد التاريخ اسم الحجاج بن يوسف الثقفي في الإجرام، فإنّ صدام فاق الحجاج في جرائمه.

وبمقارنة بسيطة نستطيع أن ندلل على بشاعة جرائم صدام، فقد كان الحجاج يحكم منطقة واسعة من العالم الإسلامي تبتدأ بالكوفة ولا تنتهي حتى أفغانستان ومروراً بإيران.

وقـــد ذكر المؤرخـــون أنه قتـل زهـــاء ربع مليـــون إنسان من الـــذين كانوا فـي سجونه ومعتقلاته، ودام حكمه زهاء عشرين عاماً(1).

أما صدام فهو يحكم منطقة لا تتجاوز عشـر المناطق الـتي كان يحكمها الحجاج، مع ذلك فهنـاك اكثر من نصف مليون إنسان في سجونه.

أما الذين أجبرهم على الخروج من العـراق أو الذين فـرّوا من طغيانه، فهم يناهزون الأربعة ملايين إنسان.

والذين قتلهم فـي الحرب العراقيـة الإيرانية قرابة المليونـين غـير الذين قتلوا فـي اجتياح الكويت، وغير الذين قتلهم في سجونه وزنزاناته.

وإذا ما قايسنا أنـواع التعذيب الـذي يمارس بحق السجناء في العراق، وبين التعذيب فـي زمن الحجاج،  لظهر الـــبون الشاسع، ولأخـذ صدام الرقم القياسي في كل جريمة.

وإن الحجاج لم يفسد الطبيعة، أما صدام فمن جرائمه تجفيف الأهوار وتسميم المياه وإحـراق الآبـار النفطية وتلويث البيئة.

فلا قياس إذن بين صدام والحجّاج.

ومن جهة أخرى فإن الإسلام كان مطبّقاً في الواقع الاجتماعي والاقتصادي فـي ذلك الزمن، نتيجة وعي المسلمين والاندفاعية الكبرى الـتي أوجـدها المسلمون الأوائل لتطبيق الإسلام، فقانـون(الحيازة للمباحات) وقانـون(مـن سبق) كـان ساري المفعول، وكان المسلمون يداً واحدةً وجسداً واحداً يشدّ بعضه بعضاً.

وكان المسلمون يعملون بقانون(الحريات) وقانون(المساواة).

أما العراق في عهد صدام، فالقوانين مستوردة، إما من الشرق أو من الغرب، والنظام الاقتصادي المطبَّق هو نظام مستورد أيضاً، ولا حريات ومساواة.

أما سياسة الإفساد الاجتماعـي والأخلاقـي، فهي المنهج الثابت لدى السلطة.

فقد أحصى لي أحد الاخـوة عدد الملاهي في بغداد، فكانت اكثر من ألف ملهى في عهـد صدام، وليست بغداد وحدها ما حَظِيت بهذا الاهتمام من لدن صدام، بل المدن الأخـرى أيضا أنشئت فيهـا المواخير وبيوت القمار والملاهي، حتى وصلت النوبة إلى العتبات المقدسة كربـلاء والنجـف والكاظمـين، حيـث تجد قناني الخمور الفارغة في أماكن القمامة الموضوعة فـي مركز المدينة.

ولن يستقر الوضع فـي العـراق طالما ظـل هـذا التفاوت الفاحـش بيـن الأقليـة الحاكمـة والأكثرية المحكومة.

وهذا عامل مهـم باعث على الانفجار إلى أن يعطى للشيعة حقوقهم، هذا أولاً.

أما ثانياً: فتطبيق قوانين الإسلام بالشكل الذي ورد في الكتاب والسنة، حينـها ستكون قلوب الجماهير مع حكامها، وحينها سيعمّ الاستقرار في العراق، وستقام فيه حكومة تعتمد علـى تضامـن الشَعَب وليس على السلاح، بـل إنّ السـلاح سيكون للدفاع عن البلد ومواجهة المجرمين والجناة، أما الحكـومة فـإنّ الشعب هـو الذي سيتولى الحفاظ عليها، فهناك مثل معروف:

(تستطيـع أن تصنـع بالحراب كـل شـئ لكنك لا تستطيع أن تجلس عليها تستطيـع أن تستفيـد من السلاح فـي أعمال كثيرة، لكنك لا تستطيع الاعتماد عليه.

ومن هنا نلاحظ بين الفترة والأخرى، هناك انقلاب عسكري يحدث فـي بلد إسلامي، وكل انقلاب يأتي ليستخدم السلاح أيضاً، وهو يكتب نهايته بنفسه مثلما يكتب بدايته.

إن عمر السلاح عمر قصـير، فسرعـان ما يواجه بسلاح مقابل، وهكـذا ينهزم الانقلابيون القدامى في وجه الانقلابيين الجدد، ولا قيمة للشعارات والأشكال سواء كانت الحكومة التي تحتضنهم جمهـورية أو ملكية أو ما أشبه ذلـك، طالما كـان المنطـق قائمـاً على السلاح. 

 

1 ـ وقد ذكر العلامة الفقيد محمد جواد مغنية نماذج من جرائم الحجاج في كتابه الشيعة والحاكمون.